قصة من كتاب "من ظلال الأمس" للدكتور فؤاد ســـلوم
![]()
--- قصص تراثيّة ---
الصّبيّ والنَّهر
أحبّ أن أعود، مرّة بعد مرّة، إلى أخبار المكارين في بلادي، هؤلاء الّذين أخذوا، مجّاناً، من غاباتنا، أخشاباً و قطراناً، وباعوا في أطراف البوادي البعيدة، ثمّ عادوا برزقٍ لعيالهم… ولنا حملوا حكايات آسرة كانت تهدهد طفولتنا في سهريّات الشّتاء العاصفة، ونحن جالسون، بأمان، حول نار البيت الأبويّ.
أحبّ تلك الحكايات. لا أشبع منها. أسمعها. أرويها… مصدر تلك الحكايات لم يكن واحداً. كنتَ تعدُّ، بين كلّ ثلاثة منازل، منزلاً فيه بغل ومكاريّ. وفي كلّ سهرة أكثر من واحدٍ يروي حكاية، أو يصْدُق زميله على ما يروي بهزّة رأسٍ أو بتعبيرٍ ما، أو يذكّر بما انتُسيَ من الحكاية، أو يوسّع ويوضّح… ولكلّ حكاية طعم خاصّ. لكنّ المشترك، فيها، كلّها، فهو روح المغامرة، وتلك الصّورة للسعي القلق والمحفوف بالأخطار وراء الرّزق النّكود، ثمّ العودة الدائمة، في الخيبة والظّفر، إلى نقطة الانطلاق، إلى البيت العائليّ حيث الدّفء والأمان، وحيث العزاء في مواجهة عيون الأزواج المندّاة بالشّوق، وعيون الأطفال المؤتلقة بالفضول.
رواة تلك الحكايا كانوا صادقين في ما يروون، ماهرين في السّرد، ينقلون الأحداث الّتي حصلت معهم، بالحركات، ونغم الصّوت، وتعبير القسمات، كالممثلين المحترفين، فيجعلوننا نسافر معهم بأحاسيسنا، فيسحرنا سرى اللّيالي الفاحمة أو المشتعلة بالنّجوم، ونستبشر بطلوع الصباح أو نشقى بلفح الهجير؛ فتارةً نشمّ رائحة البوادي وقد شفـّها العطش، أو نرتاح لنسيم العشايا يلاطف خدودهم الّتي قد غشّاها الغبار، وكثيراً ما نسرّح النّظر معهم في المروج المنداحة يمسّد الهواء شعورها الخضر، ويضجّ في آذاننا، مثلما في آذانهم، هدير الأنهار تجري صخّابة، مرّة، ووادعة، أخرى. ومثلهم تروّعنا نفرة الوحش في مقدّم القافلة، ونهلع لقبطة[1] البغل المفجوء تحت قعدة المكاري.
أمّا أحبّ تلك الحكايا إليّ وأبلغها في قلبي، فحكاية الصبيّ يوسف. إنّها حكاية اليتم والشّقاء والحبّ والخيبة والموت. هذه الحكاية تركت في نفسي، منذ الصّغر، ندبة جرح لا أزال أتحسّسها بحزن غريب كلّما عادت بي الذّكرى إلى عهود الطّفولة. وهي حكاية الكفاح القاسي، المبكّر على طفل يتيم، ماتت أمّه وهو دون العاشرة، فتزوّج أبوه وخلّف له أخوة من إمرأة أخرى، زاحموه على المسكن الضّيّق، وعلى اللقمة السّاخنة، وعلى الفراش الدّافىء. هم لهم أمّ تعضدهم في حياة الفقر الصّعبة، بينما هو بلا أمّ تعضده، وبينما أبوه مشغول بمسائل العيش المرّ عن التـّفاصيل الصّغيرة، ولو كانت تتعلق بطفلٍ له، صار بلا أمّ.
وشاء حظّ الصّبيّ يوسف، السّيّىء أم الحسن، لا أدري، شاء حظّه أن يكون له عمّ، إسمه، أيضاً، يوسف- وهذا يفسرّ سبب التّسمية بيوسف على جاري الحال في بلادنا. العمّ يوسف تزوّج، لكن، لم يبنِ، فاحتضن سميّه، ابن أخيه، اليتيم يوسف، فكأنّه ابنه.
لم يكن الآباء في بلادنا، آنذاك، أصليّون أم مستعارون، يفكّرون في إرسال الأبناء إلى المدارس رغم توفّرها عندنا، وذلك لأنّنا كنّا نولد في قلب مدرسة الطّبيعة، والطّبيعة، نفسها، كتاب مفتوح، غنيّ! فلماذا كتب الورق المحبّر؟ والآباء معلّمون مهرة يلقـّنون أبناءهم طلابهم، مباشرة، كيف يسرّحون القطعان، وكيف يقرنون الفدادين بالأنيار، ويجرون وراء البغال، ويهوون بالفؤوس على الأحطاب، ويجندلون الذّئب بضربة عصا. فماذا يرجون، بعد، من معلّم بنظّارتين فوق الأنف، ومن الجلوس على مقاعد الخشب، ومن رائحة الحبر وغبار الطّباشير؟ لذلك، وخصوصاً لأنّه بلا أمّ، لم يُرسَل يوسف إلى المدرسة، فالتحق بالمكاراة، مدرسة عمّه الّتي تمتدّ فصولها على دروب القوافل.
العمّ يوسف المكاري كان شيخ المكارين! لم يكن يقتني من البغال إلاّ أعلاها وأصلبها وأنشطها. كان مقتدراً على دفع الثـّمن الغالي، ويمتلك الثـّقة بالنّفس على معالجة أكثر البغال جموحاً، وعلى رفع الأثقال إلى أعلاها متناً، وعلى مجاراة أسرعها حافراً. فهو نفسه كان جديل العضل، ضخم الجثّة، جسوراً، مغالباً، يهزأ بالصّعاب.
رافق يوسف الحدث عمّه على دروب السّفر، يتعلّم مهنة المكاراة! أحبّها. كان سعيداً خليّ البال. ينهض فجراً، مع المكارين، يسير حيث يسيرون، يواجه ما يواجهون، ويتمتّع بما يتمتّعون… يتعرّف على القرى والمزارع والحظائر في أنحاء البلاد. يخوض الأنهار، ويتسنّم التّلال، ويقتحم الأوعار ويجتاز البوادي. يأوي إلى الخانات، ويجالس الكبار في المنازيل[2]، ويستمتع بلهجات شيوخ الأعراب في أطناب الشّعر الوسيعة. يتعلّم المساومات ويلقن شؤون البيع والشّراء…
أيفع يوسف وطرّ شاربه. صار في السّادسة عشرة من عمره، فبدا، على مثال عمّه، عتليت[3]، أسمر، أحور العينين، حسن الصّورة؛ فكأنّه، مع عمّه، من نسل آلهة الأقدمين التي تمثّل قوى الطبيعة الصارمة في جبالنا…
أيفع وصار شريكاً لعمّه، يقاسمه الأرباح ويتهيّأ ليأخذ مكانه وراء البغل متى آن الأوان.
ذات خريف.
والخريف، في ناحيتنا، متقلّب المزاج كالشيخ الخرف، إذ تسلك الغيوم الحبلانة دروباً بعينها، فتتنحّى الشّمس عنها إلى بقاعٍ أخرى. هكذا يكيد الخريف، هنا، لأبناء السّبيل والقطعان، فيفاجيء ويصيب مقاتل.
كانت القافلة في طريق العودة. وكان جميل الصّوت، بين المكارين، يطربها بالعذب من أبيات العتابا؛ فهم عائدون إلى عيالهم غانمين بعد أن قايضوا أخشابهم بأحمال القمح والشّعير والذّرة والصّوف… وبخراف محزومة على ظهور البغال. يوسف الصّبيّ كان متخلّفاً عن القافلة لبعض شأنه! الوقت بُعيد الظّهر. السماء حمراء الأديم، وهبّات ساخنة تلفح الوجوه. قليلاً… وأخذ يتناهى إلى العائدين، من بعيد بعيد، صوت رعدٍ ممتدّ. ثمّ صوت هدير متقطّع يقوى ويقوى. وفي الأفق، إلى يسار القافلة، أظلمت السماء، فوق جبل "أكروم"، ظلاماً تشتعل نواحيه، بين لحظةٍ وأخرى، بلهيبٍ أزرق إلى احمرار. صاروا على مقربة من النّهر الكبير الجنوبي. حثّوا البغال! وصلوا إلى المجرى. الماء يرتفع، يتدفّق مندفعاً، ويرغو بالأوراق والأعشاب والأحطاب. قفز المكارون، كلّ على ظهر بغله، فوق الأحمال، وعبروا. عبر العمّ يوسف، وعندما وصل إلى الضّفّة الأخرى أدار وجه بغله إلى حيث عبر يستطلع مصير ابن أخيه الّذي أطلّ، لتوّه، من وراء رابية صغيرة. لوّح له بيديه مشيراً: أنْ عُدْ. لا تعبر. خطر كبير! أسرع يوسف الصّبيّ إلى المعبر، فإذا الطّوفان قد علا فيه وامتدّ إلى ما فوق الضّفتين، فكأنّه البحر! صرخ العمّ بأعلى صوت وأشار باليدين: عد والتجيء إلى أقرب حيّ تبيت فيه حتّى صباح الغد.
انفتل يوسف وعدا بكلّ قوّته فغاب خلف الدّغل… اطمأنّ العمّ إلى أنّ ابن أخيه قد قبل النصيحة وذهب إلى حيث يطمئنّ إلى قضاء ليلة آمنة، فنزل عن البغل وتابع السّير مرتاحاً.
أبى يوسف الصّبيّ، المملوء من نفسه، أن يذعن لهيجان النّهر، وعزم على أن يعود وراء القافلة لينام في فراشه متحدّياً. لمعت في رأسه فكرة أن يسبق الحامولة إلى مخّاضة النّوَر، وهو معبر معروف، فيجتازها قبل وصول الطّوفة. المسافة على بعد بضعة الآف من الأمتار. الطّريق نزلة. هو عدّاء. إمكانية السّبق معقولة. وصل إلى المخّاضة مع مقدّم الطّوفة. كان منهكاً. نظر متهيِّباً إلى الماء المعتكر بالأتربة والنباتات المقتلعة والرّغوة المتّسخة، وإلى الموج المتدفّق من أعلى النّهر أقوى فأقوى. سمع صراخاً خارج المضارب، تطلّع إلى الضّفّة المقابلة: جماعة النّوَر، رجال ونساء، يتّجهون صوب النّهر، يصرخون ويشيرون محذّرين من النّزول إلى الماء الهائج. ثارت في صدره نخوة الصّبا، فنزل إلى الماء. صدمته الدّفقة المندفعة فأخلّت بتوازنه… نشب يديه في الموج ورفع جسده يريد سباحة، فعلا به الموج المتلاطم وقذفه إلى وسط المجرى، فغاب عن أنظار النّوَر. هرول الرّجال، وأخذ بعضهم حبالاً والبعض أغصاناً طويلة قصد أن يمدّوا بها إليه، رجاء أن يتمسّك بشيء فيُنقذ… كان يوسف يصارع الأمواج في قلب الحامولة، يغيب تحتها مرّة، ويظهر أخرى. الرّجال يركضون، بمحاذاة المجرى مذعورين من غير أن تتسنّى لهم فرصة مدّ العون له… إلى أن بعدوا مسافة صار معها مجرى النّهر يضيق قبل ازوراره حول لسان من اليابسة تكسوه أشجار الدّلب والصّفصاف فينكسر عليه الماء الفائض وينتشر على اللّسان بين الشّجر، فكان حظّ يوسف أن رفعه الموج وقذفته دفعة عاتية إلى أغصان ممتدّة غمرها الماء الفائض، فعلق بها، واستطاع أن يلتفّ بذراعيه حول جذع غصن متين، احتضنه، وهو الغريق يتمسّك بأذيال الحياة… والماء لا ينفكّ بموجه يرفع بجسده ويلطم به الأغصان، فيتشبّث أكثر ويغالب! وصل إليه الرّجال فربطوا أحد فتيانهم الشّجعان بالحبل تحت إبطيه، وأمسكوا طرف الحبل. تسلّق الفتى الغصن وانزلق عليه إلى حيث يتشبّث يوسف، فأمسك به. عندها أرخى يوسف زنديه عن الجذع وأبدى تعاوناً مع منقذه، مسلساً له قياده، محافظاً، رغم حالته، على توازن واعٍ في الانزلاق على الغصن. عندما أمن أنّه صار على اليابسة تلاشى عزمه، وتراخت مفاصله. صار كخرقةٍ مرميّة، مسلّماً أمره للأحياء، غائباً عن الوعي بين حيّ وميت… نقله الرّجال إلى خيمة شيخ العشيرة. مدّدوه على كدسة من خرقٍ مفروشة على بساط مزركش. أمر الشّيخ بجمع ما في الخيم من ألبسة سميكة، وأخرج النّساء من المكان. نزع ثياب يوسف النّقيعة، الممزّقة، ورماها عند الباب. جفّف له جسده وشعره جيّداً، بينما كان الرّجال يمسّدون أطرافه تمسيداً رفيقاً… بعد قليل أخذ اللون يعود إلى الجسد المزرقّ، وتبسّمت الجراح كشفاه قرمزيّة، وزهت الخدوش بسطور الدّماء. لكنّ الكدمات بقيت زرقاء لتشهد على أنّ هذا الجسد القويّ قد صارع الموج والضّفاف والأحطاب… والشّيخ راح يدهن الجروح والكدمات بمراهم الأعشاب البرّيّة الّتي يحسن صنعها ويعرف قيمتها في الشّفاء! ثمّ ألبسه جلباباً له، وطمره بالثّياب الّتي جمعتها النّساء، فصار جسد يوسف المحرور يرتجف تحتها حيناً ويهدأ حيناً… كان يقاوم حميّاه وهو ممدّد تحت أسمال النّوَر في خيمة الخيش الكبيرة، وكان يرى صوراً مشوّشة، مختلطة، أكثرها إلحاحاً، في رؤياه، صور النّوَر… هذا الصّنف من النّاس، النّاقص الآدميّة، كما كان ينظر إليه، والّذي كانت تتأبّاه نفسه ونفس المتوطّنين، أمثاله، في البيوت الرّكينة، في المدن والقرى والمزارع. هؤلاء النّاس المترحّلون، رجالاً ونساءً، شيوخاً وأطفالاً، بيوتهم على ظهور حميرهم، إن صحّ أن تُسمّى شقفات[4] الخيش، وأسمال القماش، وبعض الأخشاب، بيوتاً. نساؤهم يجرُرْن أطفالاً بالأيدي وعلى الظّهور يعتلن رضّعاً في شقابين[5]، وفي البطون يحملن أجنّة… الرّجال يعلّقون طبولاً في الأعناق، ويتأبّطون دربكّات، وفي الأصابع سبحات… وهذه كلّها من عدّة الشّغل والارتزاق. أمّا الشّيوخ فعلى ظهور الحمير، فوق الأحمال، والكلاب المدرّبة على صيد القنافذ[6] ونشل الأمتعة، تتنابح وتجري بين الحمير والرّجال… هكذا يمرّ موكب النّوَر فيثير ريبة أهل القرى فيتنبّهون له حذرين. والنّوَر مضرب مثل في سوء الطّباع[7]، شاذّون، وطويلو الأيدي، يسرقون ما يطالونه في عبورهم، لا يوفّرون حتّى الأسيجة، يخلعون أوتادها لنيرانهم، وينتشلون حتّى القدور من على المواقد أمام الأبواب... ويعاركون من يتصدّى لهم، وكأنّهم يدافعون عن حقوقهم الشّرعيّة في النّشل والسّرقة! وإذا ما غُلبوا، ينهزمون غير محرجين، ولا خجلين من هزيمتهم أو اعتداءاتهم التي لا تشكّل، في عرفهم، عيباً، لأنّ العيوب إنّما هي من صناعات أهل الحضر... وكان يزيد من ارتياب الأولاد وحذرهم من النّوَر تخويف الأمّهات لصغارهنّ بأنّ النّوَر يسرقون الأطفال، مع أنّ النّساء منهم والصّبايا، بالوجوه الموشومة، والأيدي المحنّاة، يدرن على البيوت، يشحذن ما تجود به عليهنّ ربّاتها من عطاء، أو يبعن الغرابيل والحنّاء، ويضربن الودع كاشفات عن الحظوظ؛ فصورتهنّ مألوفة، ولا يتعرّضن للأطفال.
يوسف، أيضاً، كان يحذر النّوَر ويتجنّب الاقتراب من مضاربهم الّتي كانوا ينشرونها في مرجة واسعة على ضفّة النّهر الجنوبيّة حيث يتّسع المجرى وينتشر الماء في عرضه فتظهر بقع جافّة وحجارة كبيرة تسهّل العبور إلى الضّفة الأخرى. لذلك عرفت نقطة العبور هذه، بمخّاضة النّوَر.
كانت تبدأ صيفيّة النّوَر، في هذه البقعة، منذ بداية نيسان، وتستمرّ حتّى منتصف تشرين الثّاني من كلّ عام؛ بعدها يرتحلون إلى أمكنة مجهولة. من هذه البقعة كانوا يمارسون نشاطهم في الارتزاق المتطفّل... في هذا المكان كان يوسف الصّبيّ يتوقّف قليلاً عند عبوره، في العشيّات، وهو عائد إلى موطنه، فينظر للحظة، وبفضول، إلى حيّ النّوَر، هؤلاء، وهم يجتمعون أمام خيمة الشّيخ، يتوّجون جهاد نهارهم بفرح ليلهم، وبأسلوبهم الخاصّ، الغريب، الّذي يثير الفضول ولا يخلو من الطّرافة.... نيرانهم مشبوبة، فوق بعضها تغلي القدور بجني النّهار، وعلى جمار بعضها الآخر ينضج الشّواء من صيد حاشوه. خبزهم كفاف يومهم. لا يتموّنون ولا يشيلون لغد، فغدهم يأتيهم بمعاش. أمّا حميرهم فمنتشرة في الجوار، ترتعي حلالاً وحراماً، لا فرق. كلابهم تتناهش وتتنابح بانتظار الفضلات... أمّا المشهد الأجمل في عيني يوسف فكان مشهد الطّرب. أما هم مطاربة[8] ؟!
بعض الرّجال ينقر البُزُقات فتثير حماسةً. وبعض يحزّ الرباب فتتأوّه بالحنين. الصّبيان يضربون الطّبلات. والصّبايا، من كلّ الأعمار، وعلى إيقاع الأنغام المختلطة، يرقصن خفيفات كالفراشات، يرفعن أجسادهن النّحيلة على رؤوس الأصابع، ويدرن حول أنفسهنّ، مشمّرات أطراف الجلابيب عن كواحلهنّ، فلا تعوقهنّ عن الرّشاقة. يتمايلن مسترسلات الشّعور على الوجوه والأكتاف، وفي أصابع الأيدي صنجات يفقشن بها، فتأتلف الحركة مع الإيقاع. في مرحهنّ هذا كنّ يتحوّلن إلى محترفات مسترزقات...
... "هي ليلة يا مكاري"! يمثّلون بها، على المحنة العارضة، العابرة، التي لا تلبث أن تزول بأثقالها ومنغّصاتها. أمّا ليلة الصّبيّ المكاري فلم تكن كليالي المكارين العارضات، يمضونها كيفما كان، عندما تضطرّهم ليالي السّفر على المبيت في الأكواخ أو الزّرائب أو الخرائب أو على التّنانير... ليلة يوسف، هذه، كان لها صباح كسرت شمسه غلافاً سميكاً كان يكبّل قلبه... طلعت الشّمس. رحلت الحمّى. لكن...!؟ على جبينه أحسّ يوسف بمسحة رفيقة، أشبه بنسمة مَسَويّة، تزيح خصلات شعره! هل يحلم حلماً صباحيّاً بعد أن مضى كابوس اللّيل؟ فتح عينيه. صبيّة!... نوريّة "قابزة"[9]، تميل فوق وجهه، تحدّق فيه بفضول واستغراب، وكأنّها ترى، عن كثب، ولأوّل مرّة، بشريّاًً مختلفاً عمّن تعرف. أجفل! هبّ من بين ركام الألبسة، يحاول النهوض! ربّما الهرب؟ لكنّ نخزاً في أضلاعه أمسكه، ووجعاًَ في ساقيه أقعده. نزل على مرفقيه، متأنّيّاً، مرتكزاً بهما على البساط تحته، ورافعاً رأسه وصدره، ينظر إلى وجهها مستطلعاً، مرتاباً؟! جال بعينيه في سقف الخيمة وحواشيها، وحوله، مستغرباً، ثمّ عاد إلى وجهها، عيناه في عينيها، يستخبر، يستنجد...؟ ابتسمت له بحنان، والتمعت عيناها بألق دافيء. أحسّ باطمئنان سريع، عجيب. لم يعد يأبه لما سيأتيه من خبر! فعلت ذلك به ابتسامة على شفتي أنثى، ونظرة حانية من عينين سوداوين لامعتين بالحنان... وحدهما في الخيمة. السّكون يلفّهما. الضّياء غير النّافذ إليهما في الخيمة يحتضنهما. هو لم يعرف مرّة هذا الحنان الغامر، اللذيذ، يسكبه في مشاعره حضور الأنثى، قبل الآن!
قالت بصوت خافت، وكأنّها تطمئن طفلاً:
- لا تخف. أنت في أمان. قهرت النّهر، يا بطل. ستشفى سريعاً. يقول الشّيخ: "لا تبرح مكانك، حتّى يعود. لن يطول غيابه. سيأتي بحشيشة الجرح، وسيعجن لك منها مرهماً جديداً".
حاول أن يقول، مبتدئاً:
- أنا بخير. سأنهض...
فنزلت على ركبتيها، ومالت إليه. مدّت يدها بتؤدة إلى صدره فأصابت كفّها شقّ الجلباب المفتوح على صدره. لامست اللحم الدافيء، الأزغب، على الأضلاع القاسية. شدّت عليه برفق، وأمرته بعذوبة:
- استرخ، لئلاّ تؤذي نفسك، كلّفني الشّيخ أن أعتني بك ريثما يعود. سآتيك بطاسة من نقيع الخبيّزة[10] السّاخنة. ستنفعك. يقول الشّيخ...
ونهضت خفيفة، رشيقة، وتوارت خارج الخيمة. انتظرها يوسف. صار يصغي ليسمع ما يدور خارجاً؟ كان يتناهي إلى سمعه صراخ صبية، وبكاء أطفال، ونهيق حمر، ونباح كلاب... لكنّه لم يكن يملك إلاّ أن يتمدّد على ظهره، فألقى برأسه على مخدّة هي رزمة من خرق، وراح يتذكّر في صور متلاحقة، سريعة: عمّه على ظهر البغل، يهيب به أن عد. الطّوفان يتدافع هادراً، فيملأ المجرى ويفيض على الضّفاف. هو يجري إلى مخّاضة النَّوَر فيدركها مع وصول التيّار الكاسح. اقتحامه أفق الموج وعلوقه فيه. ارتفاعه على الأيدي محمولاً. فاستسلامه إلى نوم عميق فيه رؤى مشوّشة، مختلطة...
ها هو، الآن، في خيمة النّوَر. يفتح عينيه على نوريّة في مثل سنّه، إلاّ قليلاً، حسبما قدّر، تحنو عليه برقّة لم يذقها حتّى من بني أهله. فكيف ممّن كان يتجنّب عالمهم الغريب، المريب، فكأنّهم، كما كان يظنّ، من غير طينة البشر!؟... يا لهذه البنّية كم فيها من سحر! صحيح. فيها سحر حلو. لذيذ. مريح. يُنسي الوجع. يطرد الخوف. و... مرحباً أيّها السّحر الحلال!
هكذا كان يفكّر يوسف.
ثمّ يستعيد الصّورة الأخيرة:
لمّا انحنت البنت النَّوريّة، فوقه، راكعة. يدها على صدره، تدفعه برفق ليرقد مرتاحاً، ريثما تعود بالخبيّزة السّاخنة، أحسّ بيدها على صدره ترتعش... وأحسّ بالرّعشة تنتقل من يدها إلى كلّ جسمه، فيمّحي الوجع، وينتشر في كيانه إحساس لذيذ!
آه! أهذا هو عالم النّوَر؟ فيه هذا السّحر وهذا الارتعاش اللّذيذ؟ أين كان هذا العالم؟
لمّا عادت الصّبيّة، بعد قليل، بطاسة الخبيّزة السّاخنة، تمسكها برقعة لتحمي أصابعها، وضعتها على الأرض، قربه. ركعت على ركبتها اليسرى، وقرّبت اليمنى إلى كتفه. مدّت يدها تحت رأسه، فأسندته على زندها. وباليد اليسرى أمسكت بيده وراحت ترفعه برفق لتعينه على الجلوس. صار وجهه في صدرها. وإلى أنفه دخلت رائحة غريبة عليه. رائحة قويّة. حامضة. رائحة عرق الأنثى المعتّق. إنّها رائحة لذيذة، مسكرة... شدّته فأنهضته قليلاً فبدا، من فتحة قميصها، نهداها الطّفلان، في عريهما، من غير حمّالة. كانا قريبين من فمه. مكوران، نحاسيّان، مُقتَحمان ببرعمين عنّابيّين...
ارتعد جسده بين يَديها، فأفقدها توازنها، فسقط، وسقطت فوقه، صدرها على صدره، يشكّه البرعمان العنّابيّان، القاسيان، والنّهدان الطّفلان ينعجنان على صدره... ارتعدت فوقه بأقوى من رعدته. هبّت واقفة، وهربت، مذعورة، إلى خارج الخيمة...
بقي يوسف مستلقياً على ظهره، لا يستوعب ما يحصل له. يستعيد في ذهنه، ما حصل، منذ قليل، مرّة واثنتين ومرّات ومرّات. فكأنّ ما حصل دائم. وكان في غبطة طاغية. في انسحار... نسي كلّ شيء غير ما هو فيه. لا يريد أن يتذكّر غير ما هو فيه. وهو يعرف أنّ صانعة هذه الغبطة الّتي هو فيها الآن، والّتي لم يعرف مثلها في حياته، موجودة في جوار الخيمة. بعيدة قليلاً. قريبة كثيراً. موجودة. موجودة. وسيراها. وستراه... ويتساءل: لماذا نفرت؟ لماذا هربت؟ لم يفعل لها شيئاً! لم يقل لها كلمة واحدة! هي فعلت. هي قالت. هي دخلت. هي خرجت. هي نفرت!... هل تعود؟ الطّاسة على الأرض. سيغالب الضعف. سيقوى على الوجع. تريده أن يشرب ماء الخبيّزة. سيشربها... واستطاع أن يحمل نفسه إلى الطّاسة. حملها إليه وشربها. صار قويّاً!
ابتعدت النّورّية عن الخيم قليلاً. تنظر إلى خيمة المنكوب، فتشدّها إليها لهفة. تخاف لهفتها، فتعود إلى فسحات ما بين الخيم حيث يلعب الأطفال، فكأنّها تحتمي بأهلها ممّا أصابها! تقترب من الخيمة. تبتعد. يجذبها قلبها إليها. تجذبها غريزتها الخائفة عنها، فتهيم في المرج. تبتعد ضائعة، وتقترب خائفة. مغتبطة، خائفة من غبطتها.
عاد الشّيخ يحمل باقة كبيرة خضراء فلاقته الصبيّة تخبره أنّ المنكوب أفاق ويبدو في حالة حسنة. فهزّ برأسه وقال: "ما بينخاف عَ الشّباب". وابتسم لها ومضى إلى الخيمة وهي تتبعه. دخل. وقفت وراءه. وجد يوسف جالساً ينظر إلى باب الخيمة بقلق! تقدّم الشيخ ومدّ يده إليه فمدّ يوسف يده. شدّ عليه فبقي يوسف ينظر في عينيّ الشّيخ نظرة جامدة. لمّا تملّى الشيخ من ملامح الصّبيّ أرخى يده وقال: "صرت مليح..."
وانفتل خارجاً وقال للبنت:
- زهرة، الحقيني.
رنّ اسم الصّبيّة في أذني يوسف إرناناً مطرباً، طرب من يكشف الكنز المرصود. زهرة! هذا اسمها. ما أحلاه! زهرة. صار يعرفها. أحسّ بها منذ ساعات إحساساً قويّاً، لذيذاً. الآن عرف اسمها. ال