الأزمة اللبنانية والطبقة الحاكمة
غالب أبو مصلح،
خبير اقتصادي ومالي، لبنان
يتفق جميع اللبنانيين، الحاكمون منهم والمحكومون، من هم في السلطة ومن هم في المعارضة، على أن لبنان يعيش أزمة خانقة على عدة مستويات.
وهناك شبه إجماع على فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة منذ سنة 1992، وقصورها عن تحقيق الأهداف الموعودة. ويتبرأ جموع المسؤولين من هذا الفشل الذريع، ويلقي كل المسؤولية على الآخر. فرئيس الوزراء الذي استمر في الحكم لأكثر من 12 سنة/ منذ العام 1992، يوزع مسؤولية الفشل على الجميع تارة، ويلقيها تارة أخرى على الذين عارضوا سياسته "الإنقاذية"، وعرقلوا بعض خططه، ومنعوه من استكمال تنفيذ برامجه المالية والاقتصادية، خاصة على صعيدي السياستين الضرائبية والخصخصة.
فهو يقول، وعن حق، أن مجلسي الوزراء والنواب، وأكثرية السياسيين وافقوا على هذه السياسات أو شاركوا في تقريرها وتنفيذها، وهم بالتالي يتحملون مسؤولية الفشل معه. وبمعنى آخر، إن الطبقة الحاكمة بأسرها شريكة في تحمل المسؤولية.
ولكن رئيس مجلس الوزراء هو مهندس ومنفذ هذه السياسة، وقائد فريق مجلس الوزراء، وبالتالي فإنه يتحمل قدراً أكبر من المسؤولية على كافة الصعد. فسياسة الحكومات اللبنانية المتتالية، منذ انتهاء الحرب الأهلية واندحار العدوان الصهيوني، حاولت استعادة دور لبنان الاقتصادي، هذا الدور المتزامن مع إنشاء الكيان اللبناني من قبل الاحتلال الفرنسي، والمتحور حول الدور الخدماتي لمدينة بيروت، ليس بالنسبة "للبنان الكبير" فقط بل بالنسبة للداخل العربي أيضاً. ويتركز دور هذه المدينة في إنتاج خدمات عديدة مالية وتجارية وتعليمية واستشفائية وترفيهية، يتم تصديرها إلى المحيط العربي.
بدأت أزمة هذا الدور الاقتصادي منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي، وذلك نتيجة تغيرات عميقة في المحيط العربي وفي العالم، وفي النظام الاقتصادي العالمي. ولكن أحداث المشرق العربي ولبنان، خاصة حرب تشرين وما أطلقته من ارتفاع حاد في أسعار النفط، وبالتالي في تدفقات مالية ضخمة على الدول النفطية، انعكس إيجاباً على أداء الاقتصاد اللبناني ورفع طلب المحيط العربي على الخدمات والخيرات والسلع اللبنانية، وكذلك على العمالة، فطمس إلى حين المأزق البنيوي في الاقتصاد اللبناني. وأتت الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي للبنان ليطغى على هذه الأزمة ويخفيها مع تدمير معظم قطاعات الإنتاج اللبناني أو تحجيمها.
ومنذ أن وضعت الحروب أوزارها، وأعيد توحيد لبنان سياسيا واقتصاديا وصل رئيس الحكومة الحالي إلى السلطة وسيطر على مراكز القرار الاقتصادي. وتتمثل مراكز القرار الاقتصادي بجانبي رئاسة مجلس الوزراء في وزارتي المالية والاقتصاد، وفي مجلس الانماء والإعمار، وحاكمية مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف.
وعملت جميع الحكومات المتتالية على استعادة الدور البائد للاقتصاد اللبناني في محيطه، ويرتبط هذا الدور ببنية ومصالح وارتباطات الطبقة الحاكمة التقليدية في لبنان، والتي يتبدل بعض رموزها ولكنها لا تتجدد من حيث الفكر والدور الاقتصادي والارتباطات مع الخارج.
وأتت التطورات الفكرية على الصعيد الاقتصادي في مراكز الاقتصاد العالمي لتشكل دعما قويا للتوجهات والبنية المركنتيلية للطبقة الحاكمة اللبنانية. بل يمكن القول أن السياسات المقترحة من قبل "إجماع واشنطن" والمتمثلة بنصائح وتوجهات الصندوق والبنك الدوليين، أتت لتعزز وتطور التوجهات الأساسية للطبقة الحاكمة.
إن توجهات صندوق النقد والبنك الدوليين ترتبط بسيطرة مدرسة شيكاغو الاقتصادية والتي ساد فكرها مع وصول "تاتشر" إلى السلطة سنة 1979 في بريطانيا ووصول ريغن إلى السلطة سنة 1980 في الولايات المتحدة. فقد سيطر فكر هذه المدرسة الاقتصادية على المؤسسات الدولية وعلى التوجهات الاقتصادية للبلدان الرأسمالية وعلى معظم دول العالم الثالث. وتشدد هذه المدرسة الفكرية على أهمية وكفاءة وقدرة المنافسة الحرة في السوق لتصحيح التشوهات وضبط التوازنات والخلل الذي يحدث في المقومات الاقتصادية الأساسية، مثل معدل النمو، معدل العمالة، مستوى الأجور والرواتب، معدلات التضخم إلخ. كما تشدد هذه المدرسة على دور الأفراد من رجال الأعمال في تحديد الخيارات الاقتصادية الصحيحة، وتحذر من التشوهات التي يولدها تدخل الحكومات في الاقتصاد ومحاولات ضبط الأسواق وقوننتها.
إن اتباع هذه المدرسة الاقتصادية أدى إلى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي في البلدان الصناعية وفي بلدان العالم الثالث، مقارنة مع الحقبة السابقة التي بدأت مع نهاية الحرب العالمية الثانية وساد فيه الفكر "الكينزي"، كما أنتجت هذه السياسة النيوليبرالية اتساعا كبيرا في معدلات التنمية بين الدول الصناعية والدول النامية حيث اتسعت الهوّة بينهما، كما نمت الفروقات الطبقية داخل بلدان العالم نتيجة هذه السياسات الجديدة.
إن السياسات التي يفرضها "إجماع واشنطن" على بلدان العالم الثالث تتمثل بشكل عام بسياسات التخصيص، وسياسات التجارة الحرة، والتنمية عن طريق التشديد على التصدير والقطاعات المصدرة، وفتح الأسواق المالية بشكل كامل لحركة الرساميل التوظيفية والرساميل الساخنة المضاربة على السواء، وتخفيض الضمانات الاجتماعية للطبقة العاملة والموظفين، وتفكيك النقابات العمالية، واتباع سياسات مالية انكماشية.
إن التوجهات الاقتصادية اللبنانية كانت وما زالت تلتزم هذه الأفكار والتوجهات، إلا فيما يختص باتباع سياسات مالية انكماشية وذلك من سنة 1992 وحتى سنة 1998.
إن هذه السياسات المتبعة والموحى بها من قبل "إجماع واشنطن" أنتجت تشوهات كبيرة على صعد ونظام المؤشرات والمقومات الاقتصادية الأساسية. فقد تم هدر ثروات كبيرة في مشاريع وقطاعات أساسية نتيجة عدم التخطيط والإيمان الأعمى بآليات السوق. فقد تم توظيف مبالغ طائلة تفوق السبعة مليارات دولار خلال سنوات معدودة فائضة على الطلب في السوق العقاري. حيث شهد هذا القطاع جموداً كبيراً وتدهوراً في الأسعار سبب العديد من الإفلاسات وديوناً تحصيلها مشكوك فيه عند المصارف، وانهارت أسهم شركة سوليدير التي نهبت حقوق المالكين والمستأجرين وأملاك القطاع العام في وسط بيروت، وانخفض سعرها الحقيقي إلى أقل من ربع سعر إطلاقها. إن انهيار أسعار أسهم سوليدير يدل على أن قراءة الواقع واستشراف المستقبل عند رجال الأعمال وأصحاب السلطة في لبنان كانت خاطئة جدا. فالمراهنة على الصلح مع إسرائيل وقيام النظام الشرق أوسطي بإشراف أمريكي ومركزية إسرائيلية حيث يفسح المجال للبنان ليكون سوقاً مالية للمنطقة ومقراً للشركات المتعددة الجنسية، وما على الدول إلا أن تبني البنية التحتية الملائمة ولو بكلفة خيالية، لينطلق لبنان من جديد ويستعيد دوره الاقتصادي السابق، هذا الرهان كان رهاناً خيالياً.
إن النمو الاقتصادي الذي شهد معدلات مرتفعة في بداية التسعينات مع انتهاء الحرب الأهلية وتوحيد السوق الاقتصادية اللبنانية، وإعادة تشغيل الطاقات الإنتاجية المعطلة، هذا النمو شهد تباطؤاً كبيرا في النصف الثاني من التسعينيات وأوائل القرن الحالي، حتى أن الاقتصاد شهد ضموراً واضحاً في بعض السنوات. وبالرغم من عدم وجود أرقام موثوقة نتيجة عداء الحكم اللبناني للإحصاءات، وذلك حتى تبقى الأرقام المطروحة وجهات نظر تتغلب فيها الأرقام التقديرية المطروحة من قبل السلطات، فإن هذه الأرقام "المزيفة" تظهر مدى هزال النمو الاقتصادي وارتفاع معدل الدخل الفردي.
فالناتج المحلي بالأسعار الثابتة ما زال دون الناتج المحلي في السبعينيات من القرن الماضي. ومعدل الدخل الفردي حسب الأرقام الرسمية لم يرتفع بالأسعار الثابتة منذ سنة 1996. أما توزيع هذا الدخل فشهد تغيرات كبيرة، إذ انخفض دخل الطبقات الشعبية والفقيرة وارتفع دخل الأثرياء وأرباب السلطة، أي إن لبنان شهد نمواً كبيراً في الفروقات الطبقية.
إن الفوائد المرتفعة جداً منذ بداية التسعينيات، والتي يفوق ارتفاعها، عن الفوائد في الأسواق العالمية، ثمن المخاطر المقدرة للسوق والعملة اللبنانيتين، رفعت أرباح المصارف ومداخيل الطبقات الغنية، وأفقرت الطبقات المتوسطة والشعبية. كما أن آليات الدين العام وخدمة هذا الدين، وطبيعة المتغيرات الضريبية التي وضعتها الحكومات الحريرية، والتي خفضت من الأعباء الضريبية للأغنياء وأصحاب الثروات الطائلة وحملت الطبقات الشعبية مزيداً من الأعباء الضريبية... إن هذه الآلية تضخ الثروة دورياً وكل يوم من جيوب محدودي الدخل والفقراء إلى جيوب البنوك والأغنياء.
فمنذ نهاية سنة 1996 حتى نهاية 2003، ارتفع رأسمال المصارف بمعدل 191.2 بالمئة بينما لم يرتفع معدل دخل الفرد، وحسب أكثر التقديرات تفاؤلا سوى بمعدل 1.4 بالمئة فقط، وأصبح أقل من 1 بالمئة من المودعين، وأكثرية اللبنانيين لا يعرفون المصارف، يملكون أكثر من 80 بالمئة من الودائع حسب نظام التقديرات، إذ إن كل واحد من كبار المودعين يملك العديد من الحسابات في عدة مصارف.
نتيجه هذه السياسات الاقتصادية ارتفع عدد العاطلين عن العمل ومعدلات الهجرة الدائمة من لبنان. وتقول بعض التقديرات، أن 15000عامل يفقدون فرص عملهم سنوياً في لبنان على أقل تقدير. فقد أشار إحصاء لجمعية الصناعيين عن خسارة سبعة آلاف فرصة عمل وإقفال 750 مصنعاً في قطاع الملبوسات فقط وذلك خلال سنة 2003 والفصل الأول من سنة 2004.
وتدل الإحصاءات الجمركية عن الاستيراد ونوعيته إلى تدهور القدرة الشرائية لدى أكثرية اللبنانيين، وإلى تدهور معدل التوظيفات الرأسمالية الإنتاجية إلى ما دون معدلات اهتلاكها (depreciation)، أي أن معدل التوظيف في قطاعات الإنتاج السلعي (الصناعة خصوصاً) هي سلبية.
وعدت الحكومة اللبنانيين بأن سياسات التخصيص ستكون خيراً عليهم إذ أنها ستؤدي إلى إطلاق المنافسة وتحسين نوعية الإنتاج وتخفيض ثمنه. ولكن ما حصل فعلا على أرض الواقع كان نقيض ذلك. فقد تم تخصيص البريد بعد أن ضاعف وزير المالية كلفة الخدمات البريدية حتى قاربت كلفة البريد السريع DHL. وكانت النتيجة تعطيل هذا المرفق الحيوي، فأصبحت خدمات البريد، وهي حق لكل مواطن أينما سكن، تقتصر على المدن فقط دون معظم الأرياف، ويضيع بعض البريد حتى بين المدن وفي داخلها، ولا من يحاسب أو يسأل. وقد ألحق هذا الأمر أضراراً كبيرة بالاقتصاد، إذ تعد خدمات البريد جزءاً أساسياً من البنية التحتية للاقتصاد.
وكذلك تم تخصيص استيراد النفط ومشتقاته وذلك دون قانون، منذ سنة 1992، وشهدنا فضائح لا تنتهي، من تخريب وتعطيل مصفاتي النفط في الزهراني وطرابلس، إلى التلاعب بنوعية المشتقات المستوردة إلى مضاعفة أثمانها عبر تشكيل كارتل للشركات المستوردة وانتفاء المنافسة بينها، فضريبة الاحتكار للشركات تبلغ أكثر من ربع ثمن صفيحة البنزين وحوالي نصف ثمن صفيحة المازوت والغاز المنزلي.
ونجحت الحكومات المتتالية في تفكيك النقابات العمالية وشلها بغية تخفيض الأجور والرواتب الحقيقية للطبقة العاملة وللموظفين، وتحقق لها ذلك، وتعمل على إفشال وإفلاس الضمان الاجتماعي عن طريق تحميله أعباء كثيرة والامتناع عن دفع ما يستحق له عليها، كما تم إلغاء مكتب الدواء فعلياً، وذلك لمصلحة كارتل مستوردي الأدوية الذين يحققون أرباحاً خيالية، ويمنعون تصنيع الدواء في لبنان، ويفرضون ضريبة احتكار يبلغ معدلها ماية دولار أميركي للمواطن اللبناني في السنة. وبالرغم من كل ذلك تصر الحكومة على توسيع دائرة التخصيص إلى قطاعات الهاتف والماء والكهرباء وغيرها من المرافق الحيوية.
إن فشل سياسات الحكومات المتتالية لا يعود إلى خلافات في مراكز القرار. بل إن التباينات التي ظهرت جلياً على صعيد السلطات هي نتيجة الفشل الذريع للسياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة وإلى المأزق البنيوي الذي انكشف أمام الداخل اللبناني والخارج الدولي.
لذلك فعندما يقول رئيس الجمهورية خلال جلسة مجلس الوزراء: "علينا أن نفكر كيف نبني دولة للطبقة المتوسطة والفقيرة وليس دولة للأغنياء فقط، وعلى الحكومة أن تبني دولة للبنانيين لا أن تعطي الامتيازات الاستثمارية والتخفيضات الضرائبية والتسهيلات الجمركية لغير اللبنانيين، فيما اللبنانيون يبحثون عن عمل في الخارج. ولا يكفي أن نغري أهل الخارج بالقول أن لبنان جنة ضرائبية فيما نحول اتجاه أهل الداخل إلى جهنم ضريبية".
عندما يقول رئيس الجمهورية هذا القول، فإنه لا يعطل الإنقاذ من فخ دفعنا إليه من يزعم القدرة على إنقاذنا منه عبر الطريق التي أودت إلى الفخ، بل إنه يحاول وضع حد لهذا التوجه الذي يخدم فقط الطبقة الحاكمة وعلى المدى القصير وهو يعبر بذلك عن رؤية ومصلحة الأكثرية الساحقة من اللبنانيين. ولكن هل يملك رئيس الجمهورية القدرة على التغيير وتبديل التوجهات الأساسية في الاقتصاد، ضد طبقة حاكمة متماسكة متجذرة في السياسات التقليدية كما في البنية الاقتصادية الاحتكارية؟ إن التغيير يبدأ في السياسة وينتهي في الاقتصاد.
غالب أبو مصلح، خبير اقتصادي ومالي، لبنان