أربعة أسباب
تجعلها تفكر باجتياح غزة |
حسين عطوي
كاتب سياسي، لبنان
houssainatwi@yahoo.com
تشير المعطيات إلى أن إسرائيل تتحضر لعملية عسكرية واسعة في قطاع غزة قد تكون على شكل اجتياح لبعض المناطق وقصف جوي وبري عنيف يماثل ما فعله الجيش الإسرائيلي في لبنان خلال عدوان تموز 2006.
وإذا كانت التطورات الأمنية الأخيرة في القطاع أظهرت هذا الأمر، إلا أن المراقب للأوضاع يجد إنه منذ هزيمة الجيش الإسرائيلي أمام المقاومة في لبنان، خلال عدوان تموز، واستقالة رئيس الأركان الإسرائيلي دان حلوتس، وتعيين غابي اشكنازي مكانه، يتردد في أوساط المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بان رئيس الأركان الجديد يريد إعادة هيبة الردع لجيشه، وأن غزة هي المكان لتحقيق ذلك، وفي نفس الوقت تكون إشارة جديدة لحزب الله في لبنان والضفة الغربية، بأنه في حال استمر الوضع على ما هو عليه، في نابلس وشمال الضفة، فان الجيش الإسرائيلي يدرس إمكانية القيام بحملة مشابهة.
غير أن الأمر يبدو أبعد من ذلك، فمن الخطأ الاعتقاد أن هدف الجيش الإسرائيلي، من اجتياح غزة، استعادة قوته الردعية التي فقدها في حرب تموز. فقد تكون هذه واحدة من أهدافه، مع القناعة بأنه ليس هذا هو المكان الذي تستعاد فيه هيبة الجيش الإسرائيلي المحطمة، فاختيار القطاع حسب تقارير الصحافة الإسرائيلية العسكرية جاء بناء على دراسة التحديات التي تواجه اشكنازي والتي خلصت إلى أنها تتمركز في أربع ساحات:
الساحة الإيرانية التي لا يبدو في الأفق القريب أن هناك مواجهة عسكرية. والساحة السورية حيث تحاول القيادة الشمالية تهدئة التصريحات التي صدرت عن كبار المسؤولين في الاستخبارات العسكرية حول الجاهزية للحرب، إلا أنه على ارض الواقع لا يوجد أية معلومات محددة. أما ما يتصل بلبنان، فيجد ضباط القيادة الشمالية صعوبة في تصديق أن حزب الله سوف يفتح جبهة أخرى مقابل إسرائيل في وقت يعمل على إعادة بناء قوته، فيما المؤشرات تشير إلى أن إسرائيل أيضا تحتاج إلى وقت ليس قصيراً لاستيعاب دروس حرب تموز قبل أن تفكر في الإقدام على حرب مماثلة، فيما الداخل الإسرائيلي سياسيا وشعبياً غير مهيأ لخوض مغامرة جديدة من هذا النوع سيكون مسرحها العمق الإسرائيلي أيضا. لذلك كله وقع الاختيار على قطاع غزة، باعتباره الساحة المهيأة لقيام الجيش الإسرائيلي باستعراض قوته، ومحاولة تحقيق انجاز عسكري يعيد بعضاً من المعنويات لجنوده، الذين ذاقوا مرارة الهزيمة وفقدوا الإيمان بقدراتهم على الانتصار في معارك بنت جبيل ومارون الراس وعيتا الشعب، وغيرها من بلدات وقرى جنوب لبنان.
لكن المدقق في الأمور يلحظ بأن هناك العديد من الأسباب الجوهرية والهامة بالنسبة لإسرائيل، والتي تدفع الجيش الإسرائيلي إلى التحضير لعملية عسكرية واسعة غير مسبوقة في قطاع غزة:
السبب الأول: فشل خطة الانطواء أو عملية الانسحاب من جانب واحد في التخلص من عبء قطاع غزة، فقد اعتقدت إسرائيل أن الانسحاب من القطاع وتفكيك المستوطنات سوف يخرج جيشها وكذلك المستوطنين من حالة الاستنزاف، عن طريق تحويل غزة إلى سجن كبير، وإنشاء منطقة أمنية عازلة كفيلة بإبعاد خطر صواريخ المقاومة عن مدينتي سيديروت وعسقلان في جنوب فلسطين المحتلة.
غير أن المقاومة تمكنت من تطوير قدراتها الصاروخية والرد على محاولات الفصل بين قطاع غزة والضفة، وسعي إسرائيل للاستفراد بمدن الضفة لضرب بنية المقاومة، بقصف سيديروت وعسقلان في كل مرة تخرق فيها إسرائيل الهدنة التي تم التوصل إليها.
السبب الثاني: عدم نجاح إسرائيل في تحقيق هدفها من فرض الحصار الشامل على قطاع غزة، ومقاطعة الحكومة الفلسطينية برئاسة حماس، فلم تتمكن من تأليب الشعب الفلسطيني عليها، أو دفع الساحة الفلسطينية إلى الحرب الأهلية، ولا تطويع حماس عبر جعلها تقبل بالشروط الإسرائيلية واللجنة الدولية الرباعية لفك الحصار، وكان اتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، على قاعدة تكريس شرعية المقاومة، وبرنامج سياسي يتضمن مطالب الحد الأدنى، دون التفريط بالحقوق التاريخية، التعبير الجلي عن فشل الهدف الإسرائيلي الأميركي الغربي من الحصار.
السبب الثالث: شعور إسرائيل بأنه في الوقت الذي لم تتمكن فيه من تحقيق أهدافها من الهدنة، فان حماس وبقية حركات المقاومة الفلسطينية قد أحسنت الاستفادة من هذه الهدنة، للقيام بالتسلح وتطوير صناعة الصواريخ والعبوات الناسفة والحصول على صواريخ مضادة للدروع، حيث تخشى القيادة الإسرائيلية من أن تكون المقاومة الفلسطينية قد حصلت على صواريخ مماثلة لتلك التي استخدمها حزب الله ضد الدبابات الإسرائيلية خلال عدوان تموز.
وقد أثارت هذه التطورات القلق لدى القيادة العسكرية الإسرائيلية من أن تتحول غزة إلى لبنان ثان، وهو ما عبر عنه وزير الدفاع عمير بيرتس بقوله، خلال زيارته لقاعدة عسكرية قرب غزة: إن إسرائيل لن تسمح باستمرار تعزيز وتسليح الناشطين في غزة، وإن الجيش مخول بالتعامل مع كل محاولة لضرب جنودنا، وكل محاولة لتوتير سبل حياة الإسرائيليين، ولمنع الناشطين من حفر الأنفاق وزرع المتفجرات.
ويأتي هذا الكلام لبيرتس بعد صدور تقارير أمنية إسرائيلية تحذر من أن قطاع غزة يتحول من يوم إلى يوم إلى "ديناصور" حيث "تستغل المنظمات الفلسطينية التهدئة لتقوم بالتسلح وإنتاج مجموعة من الصواريخ التي تحمل مواد متفجرة ذات مواصفات عالية، وتبقى صالحة للاستعمال لمدة طويلة، بعكس ما كان عليه الوضع في السابق، وبدلا من إطلاق عشرات الصواريخ باتجاه إسرائيل أسبوعيا فقد انتقلوا إلى عدد محدود من الصواريخ القاتلة".
ويحذر مراسل صحيفة معاريف الإسرائيلية لشؤون الأمن والجيش قيادة الجيش في الجنوب من خطورة الاستخفاف والاستهانة بالمنظمات الفلسطينية، مذكرة بالعملية العسكرية الدقيقة والمثيرة التي أسر فيها الجندي الإسرائيلي شاليط، ومشيراً إلى أن مسألة إقامة نفق آخر هي مسألة وقت، وفي حال عدم المبادرة للعمل في مناطق العدو وراء السياج الحدودي فان هناك خطراً واضحاً ويجب معالجته وتبقى المسألة الآن مسألة وقت.
السبب الرابع: وهو على ما يبدو الأكثر أهمية، ويكمن في إدراك إسرائيل بأنه بعد هزيمتها في حرب تموز وتنامي قوة المقاومة ضدها، والمترافق مع خروج الساحة الفلسطينية من أزمتها، دخل المشروع الإسرائيلي كله في دائرة الخطر الشديد، وإنه إذا كان بالإمكان تجنب هذا الخطر مرحلياً على الحدود مع لبنان عبر توفير الحماية الأطلسية من خلال قوات اليونيفيل، فان الوضع في قطاع غزة لا يمكن التفرج عليه، فإسرائيل أمام واقع جديد، وكل يوم يمر تقترب فيه من مواجهة مقاومة أكثر قدرة وتدريباً، على غرار المقاومة في لبنان، والأمر لا يقتصر على غزة، فهناك خوف من تمكن المقاومة الفلسطينية من امتلاك قدرات مهمة في الضفة، ما يجعل إسرائيل تواجه وضعاً مشابها لذالك الذي كانت عليه في قطاع غزة عشية انسحابها الأحادي منه، بعد الفشل والعجز عن القضاء على المقاومة.
لكن السؤال المهم هو هل ستنجح إسرائيل في تحقيق هدفها من أي عملية عسكرية واسعة في غزة؟
إن التجربة الماضية تشير إلى أن المواجهة في غزة لم تكن نزهة، وأن إسرائيل قد فشلت في كل عملياتها العسكرية هناك، أما اليوم فان الحديث يدور عن عملية مختلفة عن كل ما سبق، وهذا يعني استخدام للقوة بصورة مشابهة لحرب تموز، لكن إلى جانب ما يعنيه ذلك من حصول مجازر وحشية، بسبب الكثافة السكانية الكبيرة في القطاع، وردود الفعل الواسعة المتوقعة عربيا ودولياً التي ستواجه إسرائيل، فان المقاومة الفلسطينية باتت متمرسة على مواجهة الجيش الإسرائيلي، وهي تعلمت في الماضي الكثير من المقاومة في لبنان، ولذلك فان الجيش الإسرائيلي قد يفاجأ أيضا باستعدادات المقاومة على المواجهة ويصاب بفشل جديد، وعجز عن تحقيق أهدافه، ما سيجعله في وضع لا يحسد عليه من زاوية التداعيات التي ستنعكس عليه، وبالتالي على مستقبل ووجود إسرائيل.
من هنا ليس من الفراغ أن يجمع المحلون والمراقبون على أن إسرائيل في مأزق كبير، فهي تواجه مقاومة عربية من طراز جديد غير قادرة على القضاء عليها أو الحد منها، وفي ذات الوقت لا تستطيع تجاهلها أو حماية أمنها، لا بالانسحاب الأحادي، ولا ببناء الجدران الفاصلة والعازلة، وفي ذات الوقت لا تزال غير مستعدة للإقرار بحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية، وفي مقدمها حقه في العودة إلى أرضه ودياره، والتي لا يمكن لأحد المساومة عليها، خصوصاً في ظل صعود وتنامي المقاومة وانتصاراتها في لبنان وفلسطين والعراق.