هل يكون العام الخامس هو العام الأخير للاحتلال؟
الوجود الأميركي في العراق بين سيناريوهين

حميدي العبدالله
17-4-2007

 

مرت أربعة أعوام على الاحتلال الأميركي للعراق، حيث لم يسفر عن هذا الاحتلال إلا كوارث وفواجع شبيهة بتلك التي رافقت كل احتلال، بل فاقتها لجهة حجم ارتكاب المذابح بحق سكان البلد المحتل والممارسات التعسفية التي تجاوزت كل التوقعات. ولكن الأمر الهام في مسألة الاحتلال الأميركي للعراق يتجلى في نهوض المقاومة السريع، وفي قدرتها الهائلة على إلحاق الهزيمة بأكبر إمبراطورية استعمارية في التاريخ في وقت قصير للغاية، إذ من المعروف أن الولايات المتحدة بلغت من القوة العسكرية والاقتصادية ما لم تبلغه إمبراطورية في العالم على امتداد العصور.

صحيح أن الولايات المتحدة خاضت في الماضي حروباً ضد حركات التحرر الوطني، وخصوصاً في فيتنام، لكن الصحيح أيضاً أن هذه الحروب جاءت في سياق عام يختلف جذرياً عمّا واجهته في العراق. في حرب فيتنام لم تكن المقاومة الفيتنامية وحدها تواجه الولايات المتحدة، بل إلى جانبها حركة تحرر وطني ناهضة على امتداد العالم، وكان كل من الاتحاد السوفيتي والصين معارضين لهذا الاحتلال، ومستعدين لتزويد فيتنام الشمالية بالسلاح وإن لم يصل دعمهما لها إلى حد الانخراط المباشر إلى جانبها في مواجهة الأميركيين. وكان ثوار الفيتكونغ يواجهون القوات الأميركية وحدها والمرتزقة المحليين.

 

ولكن في العراق، فإن المقاومة خاضت حربها الوطنية في ظروف في غاية الصعوبة، فغالبية الشعب العراقي حيدت عن المشاركة الفعالة في المقاومة بفعل تواطؤ قوى سياسية آثرت الوصول إلى السلطة على متن دبابات المحتل، ودول محيط العراق في غالبيتها أيدت الاحتلال الأميركي والبريطاني لـه، والدول الأخرى اكتفت بشجب الاحتلال ولكنها لم تتجرأ على تقديم الدعم الكبير والواضح للمقاومة. وفي الجهة المقابلة لم تكن المقاومة العراقية تقاتل الولايات المتحدة وحدها، وهي اكبر قوة عسكرية واقتصادية، بل قاتلت إلى جانبها بريطانيا وإسبانيا واليابان واستراليا وإيطاليا، فهذه الدول جميعها أرسلت قوات إلى العراق لمساندة الاحتلال الأميركي- البريطاني، ورغم ذلك فإنه بعد أربع سنوات فقط نجحت المقاومة العراقية في تحقيق ما عجزت عن تحقيقه المقاومة الفيتنامية طيلة أكثر من عقد، وبات منطقياً والحالة هذه أن يطرح السؤال في ضوء الصراع الذي يدور داخل الولايات المتحدة حول جدولة الانسحاب الأميركي من العراق، هل سيكون العام الخامس هو العام الأخير للاحتلال الأميركي للعراق؟.

 

تبعاً لموازين القوى القائمة الآن، وللصراع الدائر داخل الولايات المتحدة، فإن هناك سيناريوهين مطروحين في سياق الإجابة على السؤال المطروح، ولكن قبل التوقف أمام هذين السيناريوهين لا بد من استعراض موجز لأحدث الاعترافات حول فشل الاحتلال الأميركي للعراق. فقد نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية الواسعة الانتشار ملفاً بمناسبة مرور أربع سنوات على احتلال العراق، تضمن عشر مقالات لكبار الاختصاصيين بشؤون العراق ومنطقة الشرق الأوسط حمل عنواناً معبراً «من كسب في العراق؟»، في مقدمة الملف جردة بكلفة الحرب أعدها «غوردن آدمز» الذي شغل منصب المسؤول الأعلى لميزانية الأمن القومي في البيت الأبيض بين عامي 1993 و1997 جاء فيه حرفياً «في آذار من عام 2003 قدر البيت الأبيض أن الحرب العراقية قد تكلف 50 مليار دولار. واليوم تقارب التكاليف 10 أضعاف ذلك المبلغ، والأكثر من ذلك هو أن ميزانية البنتاغون توشك أن تصبح عصية على التدقيق، وذلك بسبب ارتفاع الاعتمادات الطارئة». أما المقال الأول في الملف فقد كتبه «فالي نصر» أستاذ في الكلية البحرية للدراسات العليا وزميل مشارك رفيع المستوى في مجلس العلاقات الخارجية، أكد فيه أنه «كان يفترض أن يكون العراق الجديد قدوة للشرق الأوسط» وتهديداً لإيران، وبدلاً من ذلك «بدت إيران المستفيد الأكبر» ولم تربح واشنطن ما كانت تتطلع إليه على هذا الصعيد. المقال الثاني، كتبه مراسل «نيويورك تايمز» في بغداد الذي أشار فيه إلى صعود التيار الصدري وقدرته على الصمود وتشكيل المعادلة الداخلية العراقية، إضافة إلى إحداث توازن جديد مع قوات الاحتلال. المقال الثالث كرس للحديث عن تداعيات حرب العراق على أوضاع القاعدة وكتبه «دانيال بايمن» مدير مركز دراسات السلام والأمن في كلية الخدمة الخارجية في جامعة جورجتاون واستنتج فيه أن «الأميركيون بين نارين. هذا ما أعلنه أيمن الظواهري، نائب أسامة بن لادن عام 2004، إن بقوا في العراق سوف ينـزفون حتى الموت، وإن انسحبوا سيكونون قد خسروا كل شيء». ويضيف كاتب المقال «لقد ثبت صحة تنبؤات الظواهري المتشائمة». المقال الرابع كتبه «ديفيد فروم» العضو الدائم في معهد «إنترابرايز» الذي يهيمن عليه المحافظون الجدد، مؤكداً أن الفشل الأميركي في العراق أكد صحة أطروحة «صامويل هنينغتون» حول صدام الحضارات، مضيفاً أن «الأميركيين انقلبوا ضد العرب في العراق». المقال الخامس كتبه «ستيف تسانغ» الاختصاصي في الدراسات الصينية العصرية في كلية «سانت إنتوني» بجامعة «إكسفورد» الذي أكد على أن «خطوات الولايات المتحدة العاثرة في العراق أتاحت لقوة عظمى ناشئة في الشرق هي الصين للنمو»، ويعتقد أن هذا جاء على حساب الولايات المتحدة اقتصادياً وسياسياً. المقال السادس مكرساً لسقوط نظرية بوش حول «دمقرطة» البلاد العربية كتبته «مارينا أوتاواي»، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارينجي للسلام، وخلصت منه إلى نتيجة مفادها: «كان حكام الشرق الأوسط المستبدون يخضعون لضغوط من أجل القيام بإصلاحات»، وبعد فشل حرب العراق «أصبحوا مطمئني البال». المقال السابع كتبه «بيل يموت» رئيس تحرير مجلة «الإيكونومست» لمدة 13 عاماً، أكد فيه أن ارتفاع أسعار النفط يعود بالدرجة الأولى إلى حرب العراق وفشل هذه الحرب: «لقد كان للحرب تأثير حاسم على النفط، لأنها كانت فاشلة من جهة، ولأن الأسواق التي كانت تتوقع عودة تدريجية على الأقل لإمدادات النفط من العراق خاب أملها». أما المقال الثامن فهو مخصص للبحث عن آثار وتداعيات فشل احتلال العراق على الأمم المتحدة كتبه «مارتن وولف» كبير المعلقين الاقتصاديين في «الفايننشال تايمز» الذي يؤكد أن الولايات المتحدة لم يعد لها «خيار سوى أن تكون قائدة لقوى متنافسة» أي أن «موقعها سيكون قيادياً بدلاً من أن يكون مهيمناً لا منافس لـه»، ويدور المقال التاسع حول نتائج فشل احتلال العراق على العلاقة بين أوروبا القديمة والولايات المتحدة، كتبه «جيان ريوتا» كاتب مساهم في «فورين بوليسي» ورئيس تحرير النشرة الإخبارية في إحدى الأقنية الإيطالية، حيث يؤكد على أنه «سوف يظهر التاريخ أن أوروبا القديمة كانت المنتصرة في معركة بغداد، بعد أربع سنوات من زحف الجنود الأميركيين إلى العاصمة العراقية، يبدو أن أوروبا القديمة هزمت فيالق بوش»، وخاتمة الملف كان مقالاً يبحث في انعكاسات فشل الاحتلال الأميركي على وضعية إسرائيل أعده «أماتزيا بارام» مدير مركز ميروميريام أزري لدراسات إيران والخليج العربي في جامعة حيفا الذي استخلص أن احتلال العراق «خلص إسرائيل من ألد أعدائها، ولكن أعداءً جدداً قد برزوا».

 

هذه الجردة التحليلية لنتائج الاحتلال خلال أربع سنوات بأقلام محللين أميركيين وغربيين من شتى الاتجاهات السياسية والعسكرية تؤكد أن إصرار بوش على تحقيق النصر في العراق هو أقرب إلى العناد منه إلى السياسة، وبهذا المعنى فإن احتمالات أن ينتهي العام الخامس للاحتلال باتخاذ قرار كبير حول العراق هو احتمال جدي، وفي هذا السياق يتداول الخبراء والمحللون واحداً من سيناريوهين:

 

1.- السيناريو الأول، وهو الذي تنفذه إدارة بوش الآن ويقوم على زيادة عدد القوات الأميركية في العراق، إشراك سورية وإيران بجهود احتواء التدهور، زيادة الاعتماد على القوات العراقية، ولكن هذا السيناريو وبعد مرور أكثر من أربعة أشهر على تنفيذه يواجه تعثراً كبيراً، فالعمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال ارتفعت عما كانت عليه قبل خطة بوش، وارتفع معدل سقوط العسكريين الأميركيين، وتراجع الاقتتال الداخلي لم يأت ثمرة لخطة بغداد، بل بفعل قرار التيار الصدري العودة إلى مواقع المقاومة والتوقف عن مبادلة قوى القاعدة عملية الذبح الطائفي، وسورية وإيران ليس من مصلحتها إنقاذ إدارة بوش التي تشكل خطراً يتهددهما، أما إشراك القوات العراقية، وهي مجموعات طائفية تابعة لقوات الاحتلال، لن يؤدي إلى تحسن الوضع بفعل عجز هذه القوات من جهة وبفعل صراعاتها الداخلية من جهة أخرى، بل أكثر من ذلك أن القاعدة السياسية العراقية التي دعمت الاحتلال في غضون السنوات الأربع الماضية تواجه حالة من التفسخ والانحلال، مما يضعف وجود هذا السند الذي تراهن عليه استراتيجية بوش، وهكذا فإن سيناريو تحقيق النصر الذي يعمل من أجله بوش وصل إلى طريق مسدود، وهو فعلاً يعاني من الإفلاس الآن.

 

2. -السيناريو الثاني, التزام استراتيجية للخروج من العراق يبدأ تنفيذها في نهاية السنة الخامسة على الاحتلال استجابة لقرار الكونغرس الأميركي الذي طالب بأن يكون آذار المقبل موعداً لانسحاب القوات الأميركية من العراق.

الأرجح أن هذا السيناريو سيكون هو المرجح وذلك بفعل العوامل التالية:

أولاً، تنامي فعل المقاومة المسلحة ضد قوات الاحتلال والحكومة العميلة، وبالتالي صعوبة السيطرة على الموقف بعد أن اتسعت المناطق التي فقدت فيها قوات الاحتلال سيطرتها ميدانياً.

ثانياً، تعاظم الصراع داخل الولايات المتحدة واختلال المعادلة لصالح القوى التي تضغط لتبني استراتيجية واضحة للخروج استناداً إلى جدول زمني محدد.

ثالثاً، تراجع التغطية الدولية والإقليمية لسياسات الاحتلال بعد تفاقم الصراعات داخل الولايات المتحدة.

في ضوء كل ما تقدم، فإن احتمال أن يكون العام الخامس هو عام رحيل قوات الاحتلال عن العراق، احتمال جدي، وربما يكون هو الاحتمال المرجح.