ماذا لو أن "فتح الإسلام" ليست سوى النهاية الطبيعية
لذروة الهجمة الأميركية الأوروبية الصهيونية على المنطقة ولبنان
ولسوء إدارة وبرامج التصدي لها؟

د. جوزف عبدالله


استيقظ الناس فجأة، في صباح العشرين من أيار، على مجزرة بحق الجيش اللبناني على تخوم طرابلس، من حدود مخيم نهر البارد إلى مشارف القلمون وقلحات. وإذا بالجميع، في لبنان ودنيا العرب والعالم، يستشيط غيظاً ويستنكر هذا العمل الإجرامي الغادر وما رافقه من قتل شنيع لجنود أسروا ولم يشفع للبعض منهم تصريحه بإسلامه من ذبح مريع، هو عمل وحشي وجبان بكل معنى الكلمة. وكان ذلك مقدمة ليتعالى الصراخ بالثأر من مذنبين هم فئة من المجرمين لا ينفع معهم غير الإبادة الجسدية بالقتل أو الحجر الأبدي في أقبية السجون.
لنعترف بداية بأن ما جرى ليس مجرد حدث غير عادي، مستهجن ومستنكر وموضع إدانة مطلقة، وبأن الضحايا العسكريين ما كانوا ليستحقوا هذه النهاية الفظيعة، ولا جيشنا اللبناني يستحق أن يكون موضع موقف عملي حاقد لهذه الدرجة البشعة، فتلحق به مجزرة بعد مجزرة تعرض لها في عدوان تموز الماضي الأميركي الصهيوني.


ولكن هل يبرر ذلك أن نفقد الرشد في النظر إلى ظاهرة "فتح الإسلام" وأخواتها (عنوان مقال آخر في هذا العدد). نعم "فتح الإسلام" ليست حدثاً عابراً نشأ من فراغ، وتزول بالقضاء الجسدي على عناصرها، قتلاً وسجناً.
إنه لمن المؤسف أن يكثر الكلام، في خضم ردود الفعل المباشرة للصحفيين ورجال السياسة والخبراء العسكريين وحيتان المال، في الثأر والانتقام والكوارث التي حلت بالاقتصاد والشر المطلق الذي يمثله الإرهاب. ولكنه قلما دار الكلام على الأسباب العميقة لهذا الإرهاب وعلى وسائل استئصالها بدل الكلام على التصفية الجسدية لمن يمارسه. كالعادة ينكب الاهتمام على التجليات الخارجية لهذه الظاهرة بدل التوجه إلى أسسها بالذات، تماماً كما هي الحال مع مسألة الفقر والتفاوت حيث تم الامتناع نهائياً، على ما يبدو، عن فهم أوالياتها والاكتفاء في مواجهتها بالأعمال الخيرية وبالاستعراض الإنساني الدعائي.


إنه لمن المؤسف أن تعمد الطبقة السياسية في لبنان، كل الطبقة السياسية، إلى الكلام على أجهزة المخابرات:
- "فتح الإسلام" صنيعة سورية، مصدرها "فتح الانتفاضة"، يرعاها بعض الضباط السوريون... وإلى آخر المعزوفة المعروفة.
- "فتح الإسلام" صنيعة "تيار المستقبل" أو بعض رموزه وأجهزته وأجهزة الدولة الملحقة به، ومن خلفها المخابرات الأميركية، ورموز سعودية... معزوفة أخرى معروفة هي أيضاً.
- "فتح الإسلام بنت تنظيم "القاعدة" المتهمة بأنها صنيعة أميركية، تتلاعب بها أجهزة المخابرات السورية أو الإيرانية أو السعودية...
- "فتح الإسلام" حصلت على تواطؤ هذا الجهاز الأمني اللبناني أو ذاك، وبالتالي تعرض الجيش لكمين غادر، ولو كان التعاون الأمني بين الأجهزة اللبنانية صادقاً وناجحاً لما حصل مل حصل...


قد يكون كل ما روجته الطبقة السياسية، كل الطبقة السياسية، في كلامها على الأحداث التي يشهدها الشمال على شيء من الصحة، وقد يكون على شيء من الخطأ. ولكنه كله يهدف إلى حجب حقيقة الأمور وجوهرها الفعلي. وما يقال بالتالي ليس فيه في فهم جوهر قضية "فتح الإسلام" ومعالجتها أي شيء من الصحة، وهو خال من كل المؤشرات الآيلة إلى فهم حقيقة هذه الظاهرة.


قد لا يساعد دوماً فهم الأمور على التأثير في توجيه مجراها نحو الوجهة المرغوبة، ولكنه يساعدنا، على الأقل، على عدم الخلط بينها، وخاصة على عدم استعمالنا، نحن المواطنين، وعلى عدم استغلال آلامنا ووجعنا ودمائنا، من قبل الطبقة السياسية التي تستغل الوضع الراهن، وتفضل عدم الكشف عن جوهر الحقائق كيلا يصبح لزاماً عليها التراجع عن سلطاته أو امتيازاتها المفرطة.


وإذا كان للصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية من دور كبير، فإننا لنندهش من كون الإعلام اللبناني، أصبح مراقباً طوعياً على تقديم ما يلاءم هذه الطبقة السياسية بالذات، فهو لا يشكو من الكفاءة العلمية والمهنية، ولكنه يشكو من نقص الالتزام بقضايا الناس وهمومهم، ومن الإفراط في امتهان الإعلام التضليلي والتجهيلي. وإذا ما تميزت وسيلة إعلامية عن أخرى، فإنها في تميزها بالذات تشترك في إخراج هذا التجهيل المتعمد وهذا التضليل المقصود، كأعضاء الفرقة الموسيقية الذين يعزف كل منهم لحناً خاصاً على آلة مختلفة عن آلة زميله، فيشتركون جميعهم في إخراج معزوفة واحدة: حجب الحقيقة. إن إعلامنا "يغمس خارج الصحن" في كلامه على ظاهرة "فتح الإسلام"، ويصورها على أنها لعبة الأجهزة الأمنية المتصارعة، تماماً كما تريد الطبقة لسياسية، كل هذه الطبقة، وكل من موقعه في تجاذبات المصالح والسلطة والارتباط.


إن المغفلين وهواة الآراء الحاسمة يستسلمون للاعتقاد بأن أمر "فتح الإسلام" يتعلق حكماً بمتطرفين متعصبين ("الفئة الضالة" على حد التوصيف السعودي الرسمي، لعل حكام السعودية هم "الفرقة الناجية") تعرضوا لغسل الدماغ في معسكرات التدريب على الكراهية (في "محور الشر" السوري الإيراني اليوم، أو في لعبة المخابرات الأميركية وحلف الجواسيس في دنيا العرب والمسلمين)، وربما فضلاً عن ذلك تم تعطيل إرادتهم بالمخدرات. إن هؤلاء المغفلين والهواة يعجزون، بحكم أخلاقهم الفردية والمادية أو بحكم الرغبة المصممة على حجب الحقيقة، عن فهم حقيقة أن الأمر قد يتعلق أيضاً بأفراد مؤمنين حتى اليائس يحملون قضية جماعية، وهم مستعدون للتضحية من أجلها بحياتهم (ولا يجوز لنا الحكم المسبق بأن هذه الحياة أقل قيمة من حياة الآخرين). لقد سبق للسوسيولوجي آميل دوركايم أن تصور مفهوم الانتحار الغيري في عرضه لبعض أشكال الانتحار. وإذا كان صعباً استحسان "الاستشهادي" (الإرهابي) الذي يذبح رهائنه بالسلاح الأبيض، فلا يسعنا الامتناع عن التساؤل عن الدوافع العميقة لذلك "الاستشهادي" الذي يحول جسده إلى قنبلة بشرية أو الذي يقود طائرة ليخترق بها بناية دون أن يغير مساره.


هل تنظيم "القاعدة" (ثمة حبل سري يربط بالضرورة بين "فتح الإسلام" و"القاعدة") نقمة دائمة؟ ألم يكن نعمة في ظروف كثيرة؟ عندما كان المشاهدون الأميركيون والأوروبيون وهم أمام شاشات التلفزة يقذفون بالشتائم الفلسطينيين وغيرهم من العرب والمسلمين، كانت الكثرة الكثيرة من هؤلاء ترقص في الشوارع فرحاً بمشاهد برجي التجارة العالمية يهويان في 11 أيلول 2001. هذا دليل على أن الأميركيين والأوروبيين لم يرغبوا أبداً بفهم المآسي المخيفة الفردية والجماعية لملايين الناس الذين يتألمون يومياً في شتى بقاع العالم جراء السياسات التي تديرها الإدارة الأميركية الأوروبية في العالم. وهذا دليل على رغبة العرب والمسلمين برد الصاع صاعين، أي هذا دليل على حاجة ورغبة العرب والمسلمين بمقاومة العنجهية الأميركية الأوروبية، وبشكر وتقدير من يمارس هذه المقاومة، وبالتالي أيضاً دليل على الاستعداد للانخراط في هذه المقاومة. هنا منبت "فتح الإسلام" وأخواتها: رحم "القاعدة" وبناتها. لنقرأ هذا الرحم الذي استولده الظلم العالمي وغياب المقاومة.


بالطبع ليس المطلوب هو التصفيق والإعجاب أو الاستهجان والكراهية، بل المطلوب هو محاولة فهم لماذا هناك هذا القدر من المستعدين للتحول إلى "استشهاديين" (إرهابيين)، إلى أبطال لوطنهم أو لجماعتهم، ولماذا هناك هذا القدر من الأهل القابلين بتضحية أبنائهم، وذلك بدل الاكتفاء بالحديث عن التعصب الديني، "الفئة الضالة" والتكفيريين واجتثاثهم.


لماذا ذاكرتنا قصيرة؟ عندما اجتاحت أرض الرافدين القوات الأميركية والبريطانية وغيرها من المحالفة الدولية التي قررت غزو العراق، ضاربة عرض الحائط بكل القوانين والشرائع العالمية، وممارسة أشد أنواع الإرهاب الحقيقي في القتل والتدمير والاعتقال وهتك الأعراض... ألم نشارك جميعنا بالمظاهرات والاحتجاجات على هذا العدوان. ألم ترتفع الأصوات المطالبة بضرورة المقاومة؟ ألم تفتح في لبنان وسواه مراكز التطوع للقتال في العراق؟ ألم يهب المئات من اللبنانيين وانطلقوا قاصدين القتال في العراق إلى جانب المقاومة العراقية؟ ومنهم من استشهد، ومنهم من ضل الطريق. ومنهم من أسر، ولما عاد من عاد منهم استقبلوا استقبال الفاتحين، كأبطال ميامين؟


إليكم نموذج من واقع الحال في لبنان إزاء العدوان على العراق. جريدة المستقبل، الأربعاء 2 نيسان 2003: "عبر آلاف المواطنين العكاريين عن رفضهم للحرب الأميركية- البريطانية على العراق، وأكدوا تأييدهم وتضامنهم مع الانتفاضة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، في مسيرة شعبية حاشدة دعت إليها فعاليات المنطقة وأحزابها وبلدياتها، تقدمها النواب: وجيه البعريني وعبد الرحمن عبد الرحمن وجمال إسماعيل ومحمد يحيى، والعميد المتقاعد وليم مجلي ممثلا نائب رئيس الحكومة عصام فارس، والنائب السابق فوزي حبيش، وحسن عز الدين، ومنسق تيار المستقبل في عكار، مصطفى هاشم، ورئيس دائرة أوقاف عكار، الشيخ عبد القادر القادري، وممثلان للمطرانين بولس بندلي راعي أبرشية عكار الأرثوذكسية، ويوحنا الحاج، راعي أبرشية طرابلس المارونية ومسؤولو الأحزاب الوطنية والإسلامية في عكار، ورؤساء لبلديات والمختارون وممثلو الهيئات التربوية والثقافية والاجتماعية في المنطقة". وصدرت في ختام المسيرة دعوات علنية "إلى الجهاد والنضال ضد الغازي المعتدي الذي يستهدف الجميع". وتم الإعلان فتح المكاتب " لكل الراغبين بالتطوع من اجل مقاتلة العدو الأميركي البريطاني في العراق". وفي مكان آخر من لبنان تذكر جريدة المستقبل دعوة إلى "مواصلة العمل الاستشهادي وخيار الجهاد والمقاومة كطريق وحيد من أجل حماية المقدسات وطرد الغزاة المحتلين".


وفي الحياة في 20-1-2004، يتم استقبال أربعة أسرى عائدين من العراق: "عاد الأسرى اللبنانيون الأربعة فادي ملحم ملحم (30 عاماً) وعبد العزيز أحمد خضر (25 عاماً) وخضر علي موسى (31 عاماً) وهم من بلدتي برقايل وبزال في عكار (شمال لبنان) وحسن محمد زراد (24 عاماً من بيروت), من العراق الى لبنان بعد ظهر أمس, على متن طائرة تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي أقلتهم من مدينة أم قصر قرب الحدود الكويتية, حيث أمضوا نحو 10 أشهر في معتقل "بُكا" الخاضع للاحتلال الأميركي... أول الخارجين كان عبد العزيز, وكان ملتحياً ذا شعر طويل وسمة إسلامية ومرتدياً ثياباً "سلفية" وقبعة صنعها من قماش مرقط. وكان يضع على ظهره حقيبة جنود. لم يستطع عندها رجال الأمن ضبط المستقبلين فقفزوا فوق الحواجز مكبرين مهللين مطلقين الصلاة على النبي. أما هو فعرف كيف يزيد المشهد "عاطفية" فغرق الجميع بالبكاء, وخصوصاً عندما راح عبد العزيز يقبل أرجل والديه ويوصل أمانة "تقبيل يدين" من أسير لا يزال هناك إلى والده... ما كاد يلتقط أنفاسه ويرد بكلمتين على أسئلة الصحافيين عن المعاملة التي تلقاها في الأسر بالقول: "شخص مأسور لدى اليهود ماذا يفعلون به؟".


الجميع، من النواب والسياسيين التقليديين والحزبيين ورجال الدين المسيحيين والمسلمين، يدعو الناس إلى المقاومة في العراق، وهذا حسن. يلبي البعض، ولدى العودة يصبحون مطلوبين وتحت عيون الأجهزة، ولا من يسأل أو يشفع! ومن لم يعد، من استشهد، من سأل عنه يا ترى؟ فهل هذا حسن؟ وما معنى ذلك وأثره على من صدّق الدعوة إلى الجهاد ولباها؟. ذهب البعض إلى العراق مقاوماً، وعاد مع "القاعدة"، وحتى من سماه أبوه باسم صدام كان قد تخلى عن "حزب صدام" والتحق بالقاعدة! فمما العجب؟


في الكلام على "فتح الإسلام" يجب أن لا نغفل أخواتها، ويجب أن لا نغفل "القاعدة" وبَناتها، ويجب أن نتنبه إلى الرحم المولد لهذا النوع من المقاومة الإسلامية المعولمة والقصووية. علينا البحث عن هذا الرحم في الوضع العالمي، في سعي الولايات المتحدة إلى جعل القرن الواحد والعشرين قرناً أميركياً بامتياز، وفي الوضع التفاوتي عالمياً في الثروة والرفاه الاجتماعي، وفي اعتبار الوضع التفاوتي ليس مجرد حالة عابرة، بل هو متأصل في النزعة العدوانية للبلدان الرأسمالية المتطورة (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان)، وفي سعيها إلى تحقيق مصالحها، بالعنف أي بالحروب العدوانية، على حساب بلدان الجنوب ومنها العالم العربي والإسلامي، وفي سعيها إلى تكريس الهيمنة الصهيونية على بلادنا وشعوبها.


علينا أن تذكر دوماً أننا شعوب عانت وما تزال تعاني من عدوانية الغرب الأوروبي والأميركي، فالشعب الأوروبي هو الذي ارتكب المجازر (الصحيحة أو المبالغ بها) بحق اليهود ويريدنا أن ندفع الثمن، والشعب الأميركي هو الذي قام بإبادة الهنود، وكان البلد الوحيد الذي ألقى القنبلة النووية على المدن اليابانية دون أن يبالي بما لا يحصى من الضحايا المدنيين، ودولته واحدة من آخر الدول التي أقرت القوانين التي تحرم التمييز العنصري، وقامت في العقود الأخيرة بعدة حروب إيديولوجية أو اقتصادية قاتلة بعيداً عن أرضها، وما زالت اليوم ترفض التوقيع على الاتفاقات الدولية التي تحرم الألغام المضادة للأفراد أو عمل الأطفال، وكذلك اتفاقات كيوتو. وتريدنا اليوم أن نلتحق بها في تطبيق أعمى لشريعة الثأر سحلا من كل من يعترض سبيلها في العدوان على الشعوب، وعلينا أساساً.


وأخيراً: من أفغانستان إلى العراق والصومال مروراً بلبنان وفلسطين والسودان (ومجمل العالم الإسلامي) اليد الأميركية، وبدائلها المحلية، تتآمر وتقتل وتعتقل وتنهب الثروات... والكثيرون يدعون إلى المقاومة ويقفون متفرجين... فهل كثيراً أن يختمر رحم "القاعدة" فيلد الكثير من "فتح الإسلام" وأخواتها؟ إنه خواء الساحة العربية والإسلامية من مشروع مقاوم شامل يستطيع احتضان نبضات التمرد العميقة في صدور أبناء شعوبنا. وما لم ينضج هذا المشروع فمستقبل مقارعة العنجهية الأميركية من شأنه أن يبقى أسير بنات "القاعدة". ومن كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر!

 

د. جوزف عبدالله