زمن الدنح المجيد

الأحد الأوّل بعد عيد الدنح

(11 كانون الثاني 2009)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

• إنّه الأحد الأوّل من زمن الدنح.
بعد أن تأمّلت الكنيسة في اعتلان "سرّ الثالوث الأقدس" في معموديّة يسوع، تتأمّل في هذا الأحد في بعد أوّل من أبعاد شخصيّة يسوع المسيح وهو: "يسوع، حمل الله".
• في الرسالة إلى أهل قورنتوس، يذكّرنا مار بولس بأننا لا نستطيع أن نكتفي بالبعد الجسدي لحياتنا لأننا أصبحنا للمسيح مدعوين لنأسر كلّ فكرٍ لطاعة المسيح.
• في الإنجيل يحدّثنا يوحنا الإنجيلي عن يوحنا المعمدان الّذي يشهد ليسوع "حمل الله – ابن الله" موضحاً تميّز يسوع عنه وممهّداً لانسحابه لصالحه ولصالح رسالته.
• نحن مدعوون إذاً، إخوتي، لنتذكّر دورنا كشهودٍ لحمل الله، ابن الله، يسوع المسيح ولندعوه في كلّ حين قائلين: "يا حمل الله، الحامل خطايا العالم، إرحمنا!" .

 

::: صلاة تأملية :::

يا حمل الله، يا سيّدي يسوع المسيح، أرفع إليك، في هذا الأحد، روحي وقلبي وجسدي لأشكرك على الخلاص الّذي تحقّق من أجلي ومن أجل إخوتي البشر.
أسألك اليوم أن أن تهبني قوّة روحك القدّوس لأشهد لحضورك في حياتي وأنادي، على مثال يوحنا المعمدان، وبكلّ كياني، "هذا هو حمل الله، هذا هو ابن الله، هذا هو المخلّص الوحيد"، آمين.

 

::: الرسالة :::

1 أَنَا بُولُسُ نَفْسي أُنَاشِدُكُم بِوَدَاعَةِ الـمَسِيحِ وَحِلْمِهِ، أَنَا الـمُتَواضِعُ بَيْنَكُم عِنْدَمَا أَكُونُ حَاضِرًا، والـجَريءُ عَلَيْكُم عِنْدَما أَكُونُ غَائِبًا.
2 وأَرْجُو أَلاَّ أُجْبَرَ عِنْدَ حُضُورِي أَنْ أَكُونَ جَريئًا، بِالثِّقَةِ الَّتي لي بِكُم، والَّتي أَنْوِي أَنْ أَجْرُؤَ بِهَا عَلى الَّذينَ يَحْسَبُونَ أَنَّنا نَسْلُكُ كَأُنَاسٍ جَسَدِيِّين.
3 أَجَل، إِنَّنا نَحْيَا في الـجَسَد، ولـكِنَّنا لا نُحَارِبُ كَأُنَاسٍ جَسَدِيِّين؛
4 لأَنَّ أَسْلِحَةَ جِهَادِنا لَيْسَتْ جَسَدِيَّة، بَلْ هيَ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلى هَدْمِ الـحُصُونِ الـمَنِيعَة؛ فإِنَّنا نَهْدِمُ الأَفْكَارَ الـخَاطِئَة،
5 وكُلَّ شُمُوخٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ الله، ونَأْسُرُ كُلَّ فِكْرٍ لِطَاعَةِ الـمَسِيح.
6 ونَحْنُ مُسْتَعِدُّونَ أَنْ نُعَاقِبَ كُلَّ عُصْيَان، مَتى كَمُلَتْ طَاعَتُكُم.
7 إِنَّكُم تَحْكُمُونَ عَلى الـمَظَاهِر! إِنْ كَانَ أَحَدٌ وَاثِقًا بِنَفْسِهِ أَنَّهُ لِلمَسيح، فَلْيُفَكِّرْ في نَفْسِهِ أَنَّهُ كَمَا هوَ لِلمَسيحِ كَذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا.
8 فَأَنا لا أَخْجَلُ إِنْ بَالَغْتُ بَعْضَ الـمُبَالَغَةِ في الاِفْتِخَارِ بِالسُّلْطَانِ الَّذي وَهَبَهُ الرَّبُّ لَنا لِبُنْيَانِكُم لا لِهَدْمِكُم.
9 ولا أُرِيدُ أَنْ أَظْهَرَ كأَنِّي أُخَوِّفُكُم بِرَسَائِلي؛
10 لأَنَّ بَعْضًا مِنْكُم يَقُولُون: "رَسَائِلُهُ شَدِيدَةُ اللَّهْجَةِ وقَوِيَّة، أَمَّا حُضُورُهُ الشَّخْصِيُّ فَهَزِيل، وكَلامُهُ سَخِيف!".
11 فَلْيَعْلَم مِثْلُ هـذَا القَائِلِ أَنَّنا كَما نَحْنُ بِالكَلامِ في الرَّسَائِل، عِنْدَما نَكُونُ غَائِبين، كَذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا بِالفِعْل، عِنْدما نَكُونُ حَاضِرين.

(2 قور 10\1-11)

 

::: أفكار من الرسالة :::

يتوجّه مار بولس، في رسالة اليوم، إلى أهل قورنتوس، داعياً إياهم (وإيانا) لنرتقي من الحياة بالجسد إلى الحياة بِاللهِ "القادرة عَلى هَدْمِ الـحُصُونِ الـمَنِيعَة؛ فإِنَّنا نَهْدِمُ الأَفْكَارَ الـخَاطِئَة".
كثيرةٌ هي الحصون المنيعة في حياتنا وأكثر منها الأفكار الخاطئة، التي تعيق وتعرقل التزامنا المسيحي.
منها ما زرعه المجتمع أو التلقّن كالعادات والتقاليد التي كثيراً ما تخالف جوهر الإيمان والتي، رغم ذلك، نصرّ عليها. تريدون أمثلة؟ إليكم بعضها:
• الندب والعويل في المآتم والّذي يشوّه إيماننا بالقيامة ورجائنا بها!
• التطيّر في المعموديات فمثلاً :"أقرصوا الولد" ليبكي! وبئس العادات التي تذكّرنا بزمن الوثنيّة فهل أضحت القرصة تسبّب الحياة في حين المعموديّة تسبّب الموت؟!!!!!
• التطيّر في الأعراس: لا يدخل فلان قبل فلان ولا تلبس كذا بل كذا وسرّ بالقدم كذا قبل الكذا وكأنّ هذا سيضمن استمرار الحياة الزوجيّة بدل الإيمان بقدسيّة وجوهريّة سرّ الزواج.
• عادات الصنميّة من تبصير ورقوات وما شابه ذلك وهي منتشرة كالسمّ في مجتمعاتنا فيصدّقون من يهدّدهم "بنبوءاته"(!) ويكّذبون من يخبرهم الحقيقة الوحيدة في العالم وهي ان الحياة دون المسيح هي أسوأ بكثيرٍ من الموت الجسديّ!
تعالوا اليوم نجدّد إيماننا بالمسيح ابن الله ولنهدم كلّ هذه الحصون والافكار والمعتقدات ولنرجع إلى نقاء إيماننا بإله يحبّنا حتى أقصى درجات الحبّ التي تجلّت في تجسّد فحياة فآلام وموت ثم قيامة ربّنا يسوع المسيح، "حمل الله، الحامل خطايا العالم".
لنعبد إخوتي إلهاً واحداً دون أن "نشرك" معه مالاً أو رزقاً أو عملاً أو حتّى طموحاً، ذاكرين قول يسوع المسيح: "ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلذه وخسر نفسه؟"
تعالوا اليوم نجدّد عهود معموديّتنا و"نكفر بالشيطان" المقنّع بألف قناع في أيامنا، يشوّه المفاهيم والقيم عبر قلبها وقلب معانيها وغاياتها:
الحقيقة الكذب
الجنس مصدر الحياة الجنس مصدر اللذة
الحياة عطيّة مجانيّة من الله الحياة مصدر التعاسة
الحياة جهادٌ المخدرات حلّ للمآسي
... ...
وأكمل يا صديقي ملء الفراغ بأكاذيبٍ وحيل لم تستطع حتى الآن أن تنطلي على كثيرٍ من المؤمنين بيسوع المسيح كمخلّص وحيد فيعلنون، في كلّ يوم، قولاً وفعلاً، إيمانهم بالله "الآب ... وربّ واحد يسوع المسيح ... وبالروح القدس ..."، مجاهرين "بفخر" بانتمائهم للكنيسة المؤسسة على دم الحمل!
يبقى الخيار لكما، أخي المؤمن وأختي المؤمنة، بين أن تتبعا "حمل الله" أو تلتحقا بركاب من دعاه يسوع "سلطان العالم"، الشيطان وعندها لا تسألا لما كذب عليكما بشأن مصيركما فهو بالطبع سيرشيكما بسعادة عابرة ليقبض على روحكما في سجن التعاسة الدائمة حيث لا عودة ولا ندم!
هيا لنعبد الله الحيّ واهب العطايا والمواهب السماويّة، ربّ السماء والأرض الّي له وحده صحّ ويصحّ نشيد: "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر" والّذي وحده يليق به التعظيم بالقول: "قدّوس، قدّوس، قدّوس، ...".

 

::: الإنجيل :::

19 في الغَدِ رأَى يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ فَقَال: "هَا هُوَ حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ العَالَم.
20 هـذَا هُوَ الَّذي قُلْتُ فِيه: يَأْتِي ورَائِي رَجُلٌ قَدْ صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلي.
21 وأَنَا مَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ، لـكِنِّي جِئْتُ أُعَمِّدُ بِالـمَاء ِ لِكَي يَظْهَرَ هُوَ لإِسْرَائِيل".
22 وشَهِدَ يُوحَنَّا قَائِلاً: "رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً كَحَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاء، ثُمَّ اسْتَقَرَّ عَلَيْه.
23 وأَنَا مَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ، لـكِنَّ الَّذي أَرْسَلَنِي أُعَمِّدُ بِالـمَاءِ هُوَ قَالَ لي: مَنْ تَرَى الرُّوحَ يَنْزِلُ ويَسْتَقِرُّ عَلَيْه، هُوَ الَّذي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ القُدُس.
24 وأَنَا رَأَيْتُ وشَهِدْتُ أَنَّ هـذَا هُوَ ابْنُ الله".

( يو1\ 29-34)

 

::: أفكار على ضوء الإنجيل :::

في زمن الدنح نحن مدعوون لنتعمق في معرفة المسيح ونكتشف طيب الإقامة معه.
لا يكفي أن نرى بل علينا أن نشهد بما رأينا ولا يكفي أن نسمع الدعوة لننظر إلى المحبوب بل علينا أن نقيم معه.
الله هو محبوبنا وهو يقيم معنا في قلوبنا وبيوتنا ورعايانا وأرضنا. إنه يقيم في الإفخارستيَّا وفي قلب الإنسان.
إننا بعد قراءتنا للإنجيل اليوم نسمع يوحنا المعمدان يعلن:"هوذا حمل الله الذي يحمل خطيئة العالم..." ولكلمة "حمل" أبعاد ثلاثة:
• البعد الأول: يذكرنا هذا اللقب بالمسيح الذي يموت بصمت وانسحاق قلب ليفدي شعبه من خطاياهم "كحمل سيق للذبح وكخروف أمام الجزار لم يفتح فاه"
• البعد الثاني: يأخذنا هذا اللقب الى الخروف الفصحي الذي نضحت بدمه بيوت العبرانيين فعبر الموت عن أبكارهم وتمكنوا هم من العبور غلى أرض الحرية والخلاص.
• البعد الثالث: يعود بنا هذا اللقب الى كتاب الرؤيا حيث يظهر الحمل المذبوح منتصباً كالأسد المنتصر والآخذ شعبه الى الخلاص والمستحق السجود من كل المخلوقات.
كل هذه الأبعاد اختصرها يوحنا بشهادته ليسوع عندما رآه. صحيح أننا اليوم لانرى المسيح بعين الجسد لكننا نراه بعين الإيمان والسؤال هنا هل نشهد لما نراه بالإيمان ؟ هل نعرف أن المسيح هو ابن الله وحمل الله ؟
نعرف من الإنجيل أن التلميذان سمعا شهادة يوحنا وتبعا يسوع ، إن إيمانَهما أتى من السماع أولاً ليتحوَّل الى إختبار مع المسيح المنتظر، فالكلام عن المسيح شيء والكلام معه واختباره شيء آخر.
هذان التلميذان لم يريا أية أعجوبة من يسوع ليتبعاه بِهذه السرعة ، لكنهما ارادا اختبار الفرح والخلاص الحقيقي معه، هذا ما جعل أحدهما يقول لأخيه: "وجدنا المسيَّا" وجاء به الى يسوع، فدخل يسوع في علاقة مباشرة معه.
هنا نتوقف لنقول أن من يسمع كلام الرب أولاً ويتعرَّف عليه ثانياً بالعيش معه، لا يمكنه أن يحتفظ به لوحده بل ينقله للآخرين ويصبح بدوره مبشرا بالمسيح ومقدماً إياه للناس لكي يدخلوا هم أيضا في علاقة مباشرة معه ويعلنوا بدورهم البشارة لمن يشاء أن يسمع ويعمل ويدخل في أساس الإختبار مع المسيح. إذاً بعد إشارة يوحنا إلى يسوع أنه حمل الله وبعد اتباع تلاميذه ليسوع لا يمكننا إلا أن نتوقف على مراحل مسيرتنا الإيمانية وجعل هذه المراحل تتكامل في سبيل نشر الملكوت على الأرض .
وهنا يأتي السؤال : هل سمعنا نداء المخلص المحبوب وأتينا حيث يقيم؟ تبقى صلاتنا هي الجواب الوحيد... فيا معلم أعطنا أن نجدك أولاً وساعدنا في كل مراحل حياتنا لنقيم حيث تقيم فنختبر معك الفرح الحقيقي والسلام الخصب. آمين .

 

المقدّمة والصلاة وأفكار من الرسالة

من إعداد الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

 

أفكار على ضوء الإنجيل
من إعداد
الخوري رولان معربس
(خادم رعيّة السيّدة - الضهر)