| الأسابيع الممهّدة للصوم أحد الكهنة (01 شباط 2009) |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة | |
::: مدخل ::: | |
إنّه أحد الكهنة، وهو الأحد الأوّل من الآحاد الممهّدة لزمن
الصوم وفيه تصلّي الكنيسة من أجل راحة كهنتها الأموات وتصلّي من أجل ثبات
كهنتها الأحياء.
في الرسالة إلى تلميذه طيموتاوس، يذكّر مار بولس كلّ مسيحيّ بما يجب عليه أن
يهتمّ ليحافظ على دعوته ورسالته الموكولة إليه، عبر مجموعة توصيات عمليّة
وتطبيقيّة.
أمّا في الإنجيل فيحدّثنا لوقا الإنجيلي عن الوكيل "الأمين" ليلقّننا ماهيّة
الأمانة لرسالتنا وكيفيّة عيشها في الحياة العمليّة مع الآخرين في المجتمع.
نحن مدعوون إذاً، إخوتي، لنتأمّل،في هذا الأحد، في كهنوتنا المسيحيّ وفي دعوة
كلّ واحدٍ منّا، سواءً كان مكرّساً أو علمانياً، لعيش المهمّات الكهنوتيّة
الثلاث: التعليم والتدبير والتقديس، أينما وضعه الله وحيثما مهّد له سبل
الشهادة للإيمان والعمل في سبيله.
::: صلاة تأملية ::: |
يا يسوع الكاهن الأزلي :
إحفظ كهنتك الأبرشيين والرهبان
وإجعلهم تحت حماية قلبك الأقدس
بحيث لا يتمكّن شيء من تدنيسهم.
إحفظ ايديهم الممسوحة بالمسحة المقدّسة نقيّة
لأنّها تلامس كلّ يوم جسدك المقدّس.
إحفظ شفاههم طـاهـرة،
لأنّهـا تتخضّـب كل يـوم بدمـك الثميـن.
إحفظ قلوبهـم بعيـدة عن الـدنـس،
ومجـرّدة من كـل هوَ بشـريّ،
لأنـّك ختمتهـا بختم الكهنـوت الأسمـى.
فليحوّطهـم حبّـك ويحفظهــم
من كلّ عـدوى عـالميـّة.
بارك أعمـالهـم الرسـوليـّة لتأتـي بثمـار غزيرة،
وإجعـل النفـوس الموكولـة لغيرتهـم وإرشادهم
أن تكـون مـدعـاة فرحهـم هنا على الأرض
وتكـون إكليلهـم الجميل والثميـن في السمــاء.
يـا قلـب يســوع الكهنــوتــي،
كثّـــر كهنتــك،
قـــدّس كهنتـــــكَ،
نــــوّر وشــدّد وإحــم النفــوس بواسطـة كهنتــك.
آميـــــــن.
(نقلاً عن http://www.ayletmarcharbel.org/prayer8.htm )
::: الرسالة ::: |
6 فإِذَا عَرَضْتَ ذلِكَ لِلإِخْوَة، تَكُونُ خَادِمًا صَالِحًا للمَسِيحِ
يَسُوع، مُتَغَذِّيًا بِكَلامِ الإِيْمَانِ والتَّعْلِيمِ الـحَسَنِ الَّذي
تَبِعْتَهُ.
7 أَمَّا الـخُرَافَاتُ التَّافِهَة، حِكَايَاتُ العَجَائِز، فَأَعْرِضْ
عَنْهَا. وَرَوِّضْ نَفْسَكَ عَلى التَّقْوَى.
8 فإِنَّ الرِّيَاضَةَ الـجَسَدِيَّةَ نَافِعةٌ بعْضَ الشَّيء، أَمَّا
التَّقْوَى فَهِيَ نَافِعَةٌ لكُلِّ شَيء، لأَنَّ لَهَا وَعْدَ الـحَيَاةِ
الـحَاضِرَةِ والآتِيَة.
9 صادِقَةٌ هيَ الكَلِمَةُ وجَدِيرَةٌ بِكُلِّ قَبُول:
10 إِنْ كُنَّا نَتْعَبُ ونُجَاهِد، فذـلِكَ لأَنَّنَا جَعَلْنَا رجَاءَنا في
اللهِ الـحَيّ، الـَّذي هُوَ مُخلِّصُ الـنَّاس أَجْمَعِين، ولا سِيَّمَا
الـمُؤْمِنِين.
11 فأَوْصِ بِذـلكَ وعَلِّمْهُ.
12 ولا تَدَعْ أَحَدًا يَسْتَهِينُ بِحَداثَةِ سِنِّكَ، بَلْ كُنْ مِثَالاً
للمُؤْمِنِين، بِالكَلام، والسِّيرَة، والـمَحَبَّة، والإِيْمَان، والعَفَاف.
13 وَاظِبْ عَلى إِعْلانِ الكَلِمَةِ والوَعْظِ والتَّعْلِيم، إِلى أَنْ
أَجِيء.
14 لا تُهْمِلِ الـمَوْهِبَةَ الَّتي فِيك، وقَد وُهِبَتْ لَكَ بالنُّبُوءَةِ
معَ وَضْعِ أَيْدِي الشُّيُوخِ عَلَيك.
15 إِهْتَمَّ بِتِلْكَ الأُمُور، وكُنْ مُواظِبًا عَلَيهَا، لِيَكُونَ
تَقَدُّمُكَ واضِحًا لِلجَمِيع.
16 إِنْتَبِهْ لِنَفْسِكَ وَلِتَعْلِيمِكَ، وَاثْبُتْ في ذلِك. فإِذا فَعَلْتَ
خَلَّصْتَ نَفسَكَ والَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ.
(1طيم 4\6-16)
::: أفكار من الرسالة ::: |
في هذا الأحد، نتأمّل في مقطعٍ من رسالة لمار بولس، توجّه، من خلالها، بالنصح
والإرشاد لتلميذه طيموتاوس الّذي، كما يظهر من خلال نص الرسالتين الأولى
والثانية الموجّهتين إليه، تميّزه وجديّته واجتهاده في سبيل الرسالة والتبشير
بيسوع المسيح وعيش قيمه في حياته الخاصّة والعامّة.
في تأمّلنا اليوم، كلّ واحدٍ منّا مدعوّ ليضع نفسه مكان طيموتاوس فيفحص ضميره
على ضوء أفكار هذا النصّ ليتبيّن له مدى "مسيحيّته" ومدى التزامه بالمهمّات
"الكهنوتيّة" الثلاث: التعليم والتدبير والتقديس، التي كلّف بها يوم عماده، حين
اكتسب الكهنوت العام، هذه الموهبة المجانيّة التي يدعونا مار بولس لعيشها بحبٍّ
وأمانة حين يتوجّه إلى كلّ منا، من خلال طيموتاوس قائلاً: "لا تُهْمِلِ
الـمَوْهِبَةَ الَّتي فِيك"!
وهنا يطرح سؤال مهمّ: هل أنا مهملٌ في ما يختصّ بدعوتي المسيحيّة إذا ما
قارنتها بمتطلّبات حياتي اليوميّة؟! تأمّلا أخي وأختي في هذا الجدول لتكوّنا
صورةً عن الجواب:
|
الحياة اليوميّة |
الحياة المسيحيّة |
|---|---|
| أستيقظ صباحاً لأبدا نهاري بالقهوة أو ... | لا مانع ولكن هل أسلّم نهاري إلى الربّ؟ |
| آكل وأشرب... | هل أقرأ كلام الله وأتناول جسده ودمه؟ |
|
"أتحدّث" عن الناس وأحياناً عليهم وأناقش في مواضيع
مختلفة ومنها... حكايات العجائز! | هل أتكلّم مع الله في الصلاة وأتكلّم عنه للآخرين؟ |
| ألبس الثياب المناسبة للمقام المناسب | هل أرسم على وجهي وجه يسوع عاملاً بالترنيمة الشهيرة:" انشالله الناس لمنشوفن عا دروبنا، يتلاقو بوجّك فينا يا ربّي"؟ |
| أمارس المشي أو الركض أو أنواع الرياضة الأخرى لأحافظ على قوامي أو صحّتي الجسديّة... | هل أتأمّل أو أقرأ أو أسمع عن يسوع المسيح أو أتوب وأندم وأستغفر على خطاياي لأحافظ على صحّتي الروحيّة؟ |
| أمضي معظم وقتي في الإصغاء إلى كلام السياسة أو الفنّ أو المسلسلات... | هل أعطي من وقتي لعائلتي وأحبّائي وأصدقائي ولو على حساب بعض هواياتي؟ |
المقصود هنا هو أن نعي كم نهدر من الوقت على نشاطاتٍ أو أشغال
قد تكون نافعةً بعض الشيء ولكن منفعتها تقتصر على هذه الحياة وعلى مدًى زمنيّ
محدودٍ جداً وعلى الأغلب محصورٍ في دائرة معارف ضيّقة جداً.
في مقابل ذلك، يدعونا مار بولس لنكرّس مساحةً أوسع للتقوى "النافعة لكُلِّ
شَيء، لأَنَّ لَهَا وَعْدَ الـحَيَاةِ الـحَاضِرَةِ والآتِيَة".
لذا، أخي المؤمن وأختي المؤمنة، لا تنسيا أن عقارب الزمن لا ترجع إلى الخلف
وكلّ لحظةٍ تمرّ هي فرصةٌ لنا لنجدّد ذواتنا ولنشدّ عزمنا للمضي في رسالتنا
التي أوكلها الربّ إلينا، يوم عمادنا وتثبيتنا، فلا "نهملّنها" بل لنعمل بكلام
مار بولس الّذي يدعونا كلّ واحدٍ منّا قائلاً: "إِهْتَمَّ بِتِلْكَ الأُمُور،
وكُنْ مُواظِبًا عَلَيهَا، لِيَكُونَ تَقَدُّمُكَ واضِحًا لِلجَمِيع"، بقوّة
الله وقدرته، له المجد إلى الأبد، آمين.
::: الإنجيل ::: |
42 فَقَالَ الرَّبّ: "مَنْ تُرَاهُ الوَكِيلُ الأَمِينُ الـحَكِيمُ الَّذي
يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُم حِصَّتَهُم مِنَ الطَّعَامِ
في حِينِهَا؟
43 طُوبَى لِذـلِكَ العَبْدِ الَّذي، مَتَى جَاءَ سَيِّدُهُ، يَجِدُهُ فَاعِلاً
هـكذَا!
44 حَقًّا أَقُولُ لَكُم: إِنَّهُ يُقِيمُهُ عَلَى جَمِيعِ مُقْتَنَياتِهِ.
45 أَمَّا إِذَا قَالَ ذـلِكَ العَبْدُ في قَلْبِهِ: سَيَتَأَخَّرُ سَيِّدِي في
مَجِيئِهِ، وَبَدأَ يَضْرِبُ الغِلْمَانَ وَالـجَوَارِي، يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ
وَيَسْكَر،
46 يَجِيءُ سَيِّدُ ذـلِكَ العَبْدِ في يَوْمٍ لا يَنْتَظِرُهُ، وَفي سَاعَةٍ
لا يَعْرِفُها، فَيَفْصِلُهُ، وَيَجْعلُ نَصِيبَهُ مَعَ الكَافِرين.
47 فَذلِكَ العَبْدُ الَّذي عَرَفَ مَشِيئَةَ سَيِّدِهِ، وَمَا أَعَدَّ
شَيْئًا، وَلا عَمِلَ بِمَشيئَةِ سَيِّدِهِ، يُضْرَبُ ضَرْبًا كَثِيرًا.
48 أَمَّا العَبْدُ الَّذي مَا عَرَفَ مَشِيئَةَ سَيِّدِهِ، وَعَمِلَ مَا
يَسْتَوجِبُ الضَّرْب، فَيُضْرَبُ ضَرْبًا قَلِيلاً. وَمَنْ أُعْطِيَ كَثيرًا
يُطْلَبُ مِنْهُ الكَثِير، وَمَنِ ائْتُمِنَ عَلَى الكَثِيرِ يُطالَبُ
بِأَكْثَر.
(لو 12\42-48)
::: أفكار على ضوء الإنجيل ::: |
إخوتي الأحباء بالرّب يسوع المسيح
نصلّي مع أمنا الكنيسة في هذا الأحد وطوال الأسبوع، من أجل الكهنة المتوفّين
لأنهم بحاجة لصلاتنا، ولأنه لا يوجد غالباً إلاّ قلّة تذكرهم بعد مماتهم. كما
ونصلّي للكهنة الأحياء لأن صلاتنا تبقى العون والعضد الأهم لهم لعيش دعوتهم
بأمانة. و اسمحوا لي أن أتكلم عن الكاهن اليوم لا من باب الدفاع عنه بل من باب
التأمل بهذا السر العظيم الذي يحمله.
إخوتي، الكاهن بحسب تدبير الله وإرادته التي كشفها بيسوع هو الكاهن الخادم.
والخادم عليه أن يكون صالحاً على مثال الخادم الأول يسوع المسيح وأن يكون
أميناً له ويستثمر سلطان المسيح الكهنوتي الذي أعطي له في التدبير والتعليم و
التقديس:
ليدّبر شعبه، أي ليرعاه ويقوده في طريق الحقيقة التي تحررّ، طريق الحب والخير
والخلاص.
ليعلّم أبناءه التعليم الصحيح في حينه وفي غير حينه، بالوعظ والإرشاد
والمرافقة الروحية...
وليقدّس شعبه بالصلاة و بتوزيع الأسرار الإلهية عليهم.
هذه الخِدَم تجعل من الكاهن مثالاُ للمؤمنين بالكلام والسلوك والمحبّة والإيمان
والطهارة. وإنه مؤتمنٌ عليها وبالتالي هو مدعو لعيشها بكل صدق وأمانة ، وهذا
يتطلب منه علاقة مميَّزة مع من دعاه إليها (الله) لكي ينال كل النِّعم خلال
القيام بخدمته الكهنوتية. ولا ننسى أن الرب اختار ضعفاء العالم ليخزى بهم
الأقوياء، اختار صيادي السمك ليكونوا صيادي البشر.
واليوم إذا عدنا إلى كاهن اليوم هل نرى فيه المدبر؟ والمعلِّم؟ والمُقدِّس؟
من هو الكاهن بالنسبة للناس؟ وماذا يريدون منه؟
يريد البعض أن يكون الكاهن الشخص الحكيم القادر على حلّ كل المشاكل، والإنسان
الفقير المتجرِّد، والقليل الوعظ...الخ.
كلّ واحد يريد الكاهن على قياسه وعلى ذوقه من دون أن يفهم أهمية ودور الكاهن
الحقيقي.
وهنا نسأل: هل الكاهن قادر على حل كلّ المشاكل في الرعية؟ هل هوsuper man
عصره؟ وهل بولس الرسول، على سبيل المثال، بكل عظمته استطاع أن يحلّ كل المشاكل
العالقة في كنائسه؟ طبعاً هذا مستحيل على الكاهن، لكنه يسعى دائماً إلى حلّ بعض
النزاعات. والمشكلة الأكبر إذا فشل في حل واحدة منها فيسمع الكلام التالي: إنه
ضعيف، "معتَّر"، "بدّو فتّ خبز"... من دون أن نفكر بقساوة قلب المتخاصمين.
مطلوب من الكاهن أن يحسن الإصغاء ويتفّهم الخاطئ ويقبله ويساعده باسم يسوع
المسيح على تخطي مشكلته، ولكن أن يضعف هو ويغلّط ويخطئ فهذه نهاية الدنيا وكأن
التوبة ليست دعوة له والحاجة للمساعدة والغفران لا تحقّ له.
مطلوب من الكاهن ألا يعظ، وكأن المشكلة صارت وحدها في الكاهن، وهنا هل سألنا
أنفسنا كم من الوقت نهدر من حياتنا لسماع كلام تافه وساذج، إما في برامج
تلفزيونية أو في لقاءاتنا الاجتماعية؟ هل سألنا لماذا غلٌظَت قلوبنا وآذاننا
ولم تعد تطيق سماع كلمة الله؟
مطلوب من الكاهن أن يزور الكل ويتفقّد الكلّ ويشارك الكلّ في فرحهم وحزنهم
وضيقهم وشدّتهم، عليه أن يكون "حاضر ناضر" فقط لتلبية حاجات الكل، وكأن عليه أن
يكون الإله بحدّ ذاته، لذلك وإذا قصّر، يصبح "خوري مش مهتّم ومهمل وغير
مسؤول،... ". فهل أخذنا يوماً المبادرة وأتينا إلى الكاهن لنطمئن عليه ونعرض
عليه المساعدة ونسأله عن كل هذه الأمور؟
مطلوب من الكاهن أن يحب الكلّ، وأن لا يميّز أحداً في علاقاته، لأنه محرّم عليه
أن يكون له أصدقاء وأن يرتاح عند أشخاص يحبّونه فعلاً، وإن فعل، فمن يسأل إذا
كان بحاجة لبعض المحبّة والصداقة، أليس المسيح نفسه اختار صداقة ليعازار وتردّد
كثيراً الى بيته؟
مطلوب من الكاهن أن يكون متجرّداً، لا يحبّ المال ولا يسعى إليه، وهذا حقّ
ولكن أن يعيش بكرامة فمن يهتمّ؟ وإن أخذ من عرس أو من دفن أو من معمودية،
"شو
هالخوارنة التجاّر!" فهل نسينا أن من يخدم المذبح من المذبح يأكل؟
كلّ هذه الأمثال لأقول لكم، كم هي حياتكم الروحية الرعويّة مرتبطة بالكاهن، وكم
هي حياة الكاهن وقداسته وسيرته الحسنة وفرحه مرتبطة باهتمامكم ومحبتّكم وحنانكم
ونقدكم البناء ونصائحكم الأخوية.
أختم بكلام أحد كبار الكهنة القديسين، أنطوان شفرييه: إن الكاهن هو إنسان مأكول
ولا يستطيع دخول الملكوت لوحده فهو إما أن يخلص مع رعيته وإما أن يهلك معها
لذلك يجب أن نصليّ من أجل أن نكون سبب خلاص لبعضنا البعض. آمين.
المقدّمة والصلاة وأفكار من الرسالة من إعداد الخوري نسيم قسطون
أفكار على ضوء الإنجيل |
::: تــأمـل ::: |
أمّنني على بيته
هل تأمّلت يوماً أمّاً حاملاً بطفلٍ، كيف تعمل ما بوسعها كي تعتني به، قبل أن يولد ترعاه في أحشائها حتى في غياب الأب، ولو طال. نراها تسهر على نموّه الصحيح من خلال الاهتمام بنوعيّة غذائها وحركتها وإلى ما هنالك، كي يبقى صحيحاً معافى، فيأتي العالم مكتملاً لا خلل فيه ولا إعاقة. تحضّر كل ما يلزم حتى إذا ما حانت الساعة، حضر الأب ووُلِد الطفل في جوّ يسوده الحبّ والأمانة والدفء العائلي.
إن الآب، قبل أن "يحجب وجهه عناّ" (أش 64/7) وضع في حشا حياتنا جنيناً من
المسؤولياّت في شتى القطاعات والأماكن، على اختلاف قدراتنا ومستوياتنا العلميّة
والفكريّة، الاجتماعية أو السياسية وأهمّها الروحيّة، جاعلاً من بينِنا رعاةً
لكنيسته الحيّة.
إنّه قد غاب فقط عن أعيننا بعد أن ترك لنا روحه القدوّس، ودرّبنا على كيفيّة
المحافظة على هذا الجنين باستمرار إلى حين عودته (لقائه الأبديّ).
علمنا طرق التعاطي معه من خلال إنجيله المقدّس. ولفرط حبّه لنا وضع ثقته بنا
وأمّننا على" عطيّة الحياة" الخاصة بكلّ فردٍ كي نحافظ على ما يخصّه بكلّ
الحبِّ الذي أحببناّ إياّه.
فبادئ ذي بدءٍ أسأل نفسي: هل أومن حقاً بأن الله هو من أوكلني على من وما له في
حياتي؟ ربّما أجيب ب"نعم"، ولكنني أغضُّ النظر عن تواجده معي (رغم حضوره الدائم
داخلي من دون أن أُقرّ بذلك غالباً)، أُقنع نفسي بأنه "غائب"، بعيدٌ لا يراني
ولا يسمعني، هو ليس بحاضرٍ في فكري ولا في عالمي فأستغلّ غيابه بحسب فَهمي
البشري وأنطلق في العَدْوِ وراء الإفادة لمصلحتي الشخصيّة فارضاً نفسي على
الآخرين، خاصة إن كنت في مركز المسؤول، غير مكترثٍ لوجع من هو بحاجةٍ إلى رحمتي
ولا مُصغياً إلى من يئنّ من ألمٍ نفسيٍّ، جسديّ أو ماديّ، فأغوص في "الشخط
واللبط" والاستبداد بطرقٍ عصريّة وأصنع سيادةً مهترأة على حساب الآخرين مستتراً
وراء القوانين "المُطَبّعة" والمُفَصَّلة على قياس كلّ مستفيد، فيُصاب"الجنين"
في عموده الفقري ويتوقّف عن النموّْ من شدّة الأنانيّة ودوس كرامة الإنسان،
وتغيب حقوقه فأكون عندها قدِ انْقَدْتُ وراء تجربة الشرّْ بسبب كبريائي و عدم
أمانتي.
من جهة أخرى أليس لي نصيبٌ في ما لله ِ؟ إن كان لا، لِمَ وَعَدَنا إذن ب"المُلك
المُعدّْ لنا" ؟ كيف أقوم بعملي كما يتمنى الآب؟ وعن أيّ منزل يتكلّم؟
التواضع فالحبّ فالصلاة تُنْتِج عملاً وخدمة بفرح.
مماّ لاشكّ فيه أنّه عليَّ السهر على محيطي من حفاظٍ على سلامة الآخرين مهتماً
بالبيئة وبتأمين لقمة العيش لي وللآخر، محافظاً على خدمة وطني ضمن واجبي نحوه.
هادماً هوّة التفرقة بين الإنسان وأخيه، بين الغنيّ والفقير...
كمسيحيّْ، عليّ أن أتطلّع إلى جسد المسيح وأحسب نفسي مسؤولاً عن سلامة كل
أعضائه، فإن كنت بخير كان هو بخير: إن كنت أحبّ الآخر دون غشٍّ أو روح دينونة
كنت فرحاً في المسيح، إن تسامحت أو سامحت، إن ساعدتُ أو ابتسمت كنتُ رحمةً في
المسيح، إن مسحتُ دمعةَ حزين أو عدتُ مريضاً أو بلسمتُ جراح المكسورين
والمهمّشين كنتُ رجاءً في المسيح...
لكن الأهم من كل ذلك. هو خدمة بيتي الخاص أولاً أي "نفسي"، وإن لم أفعل فعبثاً
أصنع الخير للآخرينَ وليس من حبّ في ذاتي ولا سراجاً يضيء عتمة قلبي؛ فكيف لي
أن أنتبه للآخر وأنا سكرانٌ من خمرة العالم أتمايل مع كلّ نسمةِ هوى ومالٍ
وتسلّط حتى في الميدان الروحي.
فما الحلّْ؟ الأم تتغذى بأنواعٍ مختلفة من الأطعمة من أجل طفلها، كذلك الإنسان
في ميدان خدمته لبيته.
إن أحببت ما قلته، خذ إنجيلك واخْتَلِ بذاتك في حضور الآب، تأمّل في كلمته،
افتح له قلبك وخذه في القربان ثم شدّ عليه وصلِّ قائلاً :
"ربيّ، ربّما أهملت أمانتك وتطلّعت إلى رغباتي الجامحة، لكنيّ أعدك بأن أعمل ما
بوسعي كي أعوّض عما أسأتُ به إليك ولأمانتك، فخذّ بيدي كي أعاود إصلاح ما
خرّبته في بيتك. أحبّك"، آمين.