الأسابيع الممهّدة للصوم

أحد الأبرار والصدّيقين

(08 شباط 2009)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

• إنّه أحد الأبرار والصدّيقين، وهو الأحد الثاني من الآحاد الممهّدة لزمن الصوم
• يوجد تقارب شديد، على مستوى القراءات والجوّ العام للاحتفال الليتورجي، بين هذا الأحد وعيد جميع القدّيسين مع الفارق أنّ العرف الكنسيّ يخصّص العيد للقدّيسين "المعلنين" من قبل السلطة الكنسيّة في حين يذكر، في هذا الأحد، كلّ من عاش "البرارة" ولو لم يعلن رسمياً كقدّيسٍ من قبل الكنيسة بسبب ظروفٍ معيّنة حالت دون هذا الإعلان: لم تدوّن سيرته أو فقدت أو ببساطة عاش ومات ولم يعلم به أحد سوى ربّه!
• في الرسالة إلى العبرانيين، نجد أن مسيرة القداسة تشترط تغييراً جذرياً في نظرتنا إلى الله من الخوف إلى المحبّة.
• أمّا في الإنجيل فيعطينا متّى الإنجيلي وصفة الوصول إلى الملكوت عبر سلسلة مبادرات نقوم بها نحو من جعل الله حياتهم ورفاههم أمانةً بين أيدينا.
• نحن مدعوون إذاً، إخوتي، لنتأمّل،في هذا الأحد، في حياتنا وفي مدى تنبّهنا لدعوتنا إلى القدّاسة وفي مدى تشبّهنا بالقدّيسين وهم كثر وفي طليعتهم أبونا القدّيس مارون الّذي يصادف عيده يوم الغد، رزقنا الله شفاعته آمين.

 

::: صلاة تأملية :::

اللهمَّ، يا قدير، يا عليم، ما مَن لا ابتداءَ لهُ ولا انتهاء،

يا مانح الفضائل وحافظها ومثبّتها،

أقمني، بجودِكَ، على أساسِ الإيمان المتين،

وذُد عنّي بدرعِ الرجاء الحصين،

وزيّنّي بوشاح المحبّة الثمين،

مُنْ عليَّ بالعدلِ فأدينَ لكَ،

وبالحكمةِ فأتّقي حبائلَ إبليس،

وبالقناعةِ فأثبُتَ على النصف،

وبالقوّة فأصبِرَ على المِحن.


إمنحني أن أقاسمَ غيري ما هوَ لي راضياً،

وأسألهُ ما ليسَ لي خاشعاً،

وأن أعترفَ بذنبٍ صنعتُ،

وأحتملَ شرّاً بهِ أشقى،

وأن لا أَحسُدَ غيري على خير،

ولا أنسى فضلكَ في خير،

وأن لا اتعدّى الحدَّ في كسوتي ومسيَتي وحركتي،

وأن اضبطَ شفتيّ عن الباطل،

ورجليَّ عن الزَّيْغ،

وعينيَّ عنِ الشرود،

وأذنيَّ عن الصخب،

وأن أجثو بجسمي أمامَكَ وأسمو بقلبي إليك،

وأن ازدريَ ما يزول ولا أَسْكُنَ إلاّ إليك،

وأن أقمَعَ جسدي، وأنقّي ضميري،

وأن أُكَرِّمَ القدّيسين وأحمَدُكَ بما يجبُ لكَ،

وأن أسيرَ في سبيل الصلاح،

وأُكلِّلَ سيرتي الصالحة بميته بارّة.


يا ربّ، إزرَع الفضائل في قلبي، فأتفانى في ما هوَ لكَ،

وأقتصدَ في ما هو للدنيا،

ولا أُثَقِّلَ على أحدٍ في ما هوَ لجسدي.

ويا ربّ، إمنحني مِنَ التوبَةِ حرارتها،

ومنَ الاعترافِ شُمولَهُ،

ومنَ الكفارةِ تمامَها،

ورتّب سرّي بحُسنِ السيرة،

فلا أعمَلَ إلاّ ما حَسُنَ

وكان لي فيه أجرٌ ولغيري مَثَل.

وامنحني أن لا اندَفِعَ وراءَ عملٍ لا حكمَةَ فيه،

وأن لا أعدِلَ عَنْ عمَلٍ لا رغبَةَ لي فيه،

فلا اشتهيَ ولا أعافَ ما عليَّ قبل أوانِه.

آمين.

 

(القديس توما الأكويني)
(نقلاً عن http://www.ayletmarcharbel.org/prayer29.htm)

 

::: الرسالة :::

18 فَإِنَّكُم لَمْ تَقْتَرِبُوا إِلى جَبَلٍ مَلْمُوس، ونارٍ مُتَّقِدَة، وضَبَابٍ وظَلامٍ وزَوبَعَة،
19 وهُتَافِ بُوق، وصَوتِ كَلِمَاتٍ طَلَبَ الَّذِينَ سَمِعُوهَا أَلاَّ يُزَادُوا مِنهَا كَلِمَة؛
20 لأَنَّهُم لَمْ يُطِيقُوا تَحَمُّلَ هـذَا الأَمْر: "ولَو أَنَّ بَهِيمَةً مَسَّتِ الـجَبَلَ تُرْجَم!".
21 وكانَ الـمَنْظَرُ رَهِيبًا حَتَّى إِنَّ مُوسَى قال: "إِنِّي خَائِفٌ ومُرْتَعِد!".
22 بَلِ اقْتَرَبْتُم إِلى جَبَلِ صِهْيُون، وإِلى مَدِينَةِ اللهِ الـحَيّ، أُورَشَلِيمَ السَّماوِيَّة، وإِلى عَشَرَاتِ الأُلُوفِ منَ الـمَلائِكَة، وإِلى عِيدٍ حَافِل،
23 وإِلى كَنِيسَةِ الأَبْكَارِ الـمَكْتُوبِينَ في السَّمَاوَات، وإِلى اللهِ ديَّانِ الـجَمِيع، وإِلى أَرْواحِ الأَبْرَارِ الَّذِينَ بَلَغُوا الكَمَال،
24 وإِلى وَسِيطِ العَهْدِ الـجَدِيد، يَسُوع، وإِلى دَمِ رَشٍّ يَنْطِقُ بكَلاَمٍ أَفْضَلَ مِنْ دَمِ هَابِيل!
(عب12 \18-24)

 

::: أفكار من الرسالة :::

إذا أردنا أن نختصر رسالة هذا الأسبوع، وهي فصلٌ من الرسالة إلى العبرانيين، بجملةٍ واحدة، يمكننا عندها القول: القدّيس لا يخاف من الله!
نعم أيّها الإخوة الأحباء!
لقد خضعنا جميعاً، منذ طفولتنا، لتربيةٍ اجتماعيّة وأحياناً دينيّة، شوّهت صورة الله وحوّلته إلى نوعٍ من "البعبع"، كما نقول في العاميّة، لحتّى يمكن القول إن لسان حال معظمنا، في علاقتنا مع الله، يختصر بجملة موسى، المذكورة في النصّ: "إِنِّي خَائِفٌ ومُرْتَعِد!" لجملة أسباب منها:
1- منذ الطفولة، يهدّدنا أهلنا بالله فهو الّذي "يقاصص" إذا ما أخطأنا، وهو الّذي يراقب حتى "ما نغلط" وهو الّذي "يكربنا" في يقظتنا وفي نومنا بملاكٍ حارس هو أقرب إلى السجّان منه إلى الرفيق المساعد والصديق المحبّ!
2- عند أيّ حدثٍ أليم، نتوجّه إلى الله الّذي "انتقم" أو "أخذ حقّه" من هذا الظالم عن طريق موتٍ فجائيّ أو حادث أليم كما نفهم من جملة عاميّة بغيضة اعتدنا قولها:" الله يغمّقلو"!
3- وعند موت البريء، يتحوّل الله إلى "الظالم" الّذي "ما فيه إلّا على هالمعتّر" أو عند حصول مرضٍ صعبٍ، كالسرطان، يتحوّل من "معطي المواهب السماويّة" كما نقول في الصلاة إلى "موزّع الأمراض العصيّة"، كما يخطر للبعض التفكير إذ يسهل اتهام الله "الغائب" أو "المبسوط بالوجع".
4- ونكبر لنضع الله في دائرة الاتهام كلّما تعرقل مشروع لدينا لحتّى قيل يوماً، على سبيل الفكاهة، أنّ أحد الشباب المتوجّهين إلى أحد "البارات"، لمّا تعطّلت سيارته، توجّه إلى الله بالقول:"ليش ما عم بتوفّقني اليوم؟"!!!!!
وتكثر الأمثلة أحبّائي عن هذه الصورة المشوّهة التي ترسّخت - مع الوقت - في الأذهان والقلوب وساهمت، مع الأسف في إبعاد الكثيرين عن ربوع الإيمان ورحابه.
لذا تدعونا رسالة اليوم إلى الانقلاب على هذه المفاهيم "الراسخة" عبر التأمّل بشخصيّة المسيح يسوع الّذي فدان ﺒ "دَمِ رَشٍّ يَنْطِقُ بكَلاَمٍ أَفْضَلَ مِنْ دَمِ هَابِيل!".
فصورة الله الآب نراها في شخصيّة وأعمال وأقوال يسوع الّذي قال: "مَنْ رَآنِي رَأَى الآب" (يو14\9):
1- ليس الله إخوتي من "يقاصص" فها هو يسوع يرحم الزانية (يو8\7) ويخلّصها من الرجم! وها هو على الصليب يغفر للصّ التائب بعد كلّ ما فعل في حياته (لو 23\43).
2- ليس الله الّذي ينتقم فالمسيح، على الصليب، نظر إلى صالبيه قائلاً:" "أَبَتِ، إِغْفِرْ لَهُم، لأَنَّهُم لا يَدْرُونَ مَا يَفْعَلُون!" (لو 23\34).
3- ليس الله من "يضربنا" بالمرض فيكفي أن ننظر إلى الشفاءات التي أجراها طارداً روح المرض لأنّ رغبته تختصر بقوله:"أَنَا أَتَيْتُ لِتَكُونَ لِلخِرَافِ حَيَاة، وتَكُونَ لَهُم وَافِرَة." (يو10\10).
4- ليس الله المتّهم إذا ما تعرقلت مشاريعنا ولو كانت "صالحة" بنظرنا لأنّنا كثيراً ما نسارع إلى التخطيط والتنفيذ دون أن نأخذ بعين الاعتبار الظروف الموضوعيّة لنجاح هذه المشاريع كذلك الغنيّ الشاب الّذي مضى حزيناً لكونه رغب في الخلاص دون الكمال (مت19\16-23) علماً أن من رغب بالخلاص عليه أن يرغب في الوقت عينه بالكمال: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِين، كمَا أَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ هُوَ كَامِل" (مت5\48).
بمختصر مفيد، يبدأ الإنسان مسيرة القداسة حين يتجاوز مرحلة الخوف من الله لينطلق في مسيرة محبّة الله التي تقترن بالخوف على ذاته وعلى خلاصه إذا ما عاش بعيداً عن الله. فالربّ يحزن إذا ما خسر نفساً ولكنّه يبقى الله أما الإنسان فحين يبتعد عن الله يخسر كلّ ما يعطي معنى لحياته.
القرار يعود لكما، أخي وأختي، فهل ترغبان في حياةٍ ذات قيمة و معنى تستمرّ إلى الأبد (وهو ما ندعوه حياة القداسة) أو تريدان حياةً حدودها تاريخ الميلاد وتاريخ الوفاة؟
 

::: الإنجيل :::

31 ومَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ في مَجْدِهِ، وجَمِيعُ الـمَلائِكَةِ مَعَهُ، يَجْلِسُ على عَرْشِ مَجْدِهِ.
32 وتُجْمَعُ لَدَيْهِ جَمِيعُ الأُمَم، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُم مِنْ بَعْض، كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الـخِرَافَ مِنَ الـجِدَاء.
33 ويُقِيمُ الـخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالـجِدَاءَ عَنْ شِمَالِهِ.
34 حِينَئِذٍ يَقُولُ الـمَلِكُ لِلَّذينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوا، يَا مُبَارَكي أَبي، رِثُوا الـمَلَكُوتَ الـمُعَدَّ لَكُم مُنْذُ إِنْشَاءِ العَالَم؛
35 لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي، وعَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي، وكُنْتُ غَريبًا فَآوَيْتُمُوني،
36 وعُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُوني، ومَريضًا فَزُرْتُمُونِي، ومَحْبُوسًا فَأَتَيْتُم إِليّ.
37 حِينَئِذٍ يُجِيبُهُ الأَبْرَارُ قَائِلين: يَا رَبّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاك، أَو عَطْشَانَ فَسَقَيْنَاك؟
38 ومَتَى رَأَيْنَاكَ غَريبًا فَآوَيْنَاك، أَو عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاك؟
39 ومَتَى رَأَيْنَاكَ مَريضًا أَو مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْك؟
40 فَيُجِيبُ الـمَلِكُ ويَقُولُ لَهُم: أَلـحَقَّ أَقُولُ لَكُم: كُلُّ مَا عَمِلْتُمُوهُ لأَحَدِ إِخْوَتِي هـؤُلاءِ الصِّغَار، فَلِي عَمِلْتُمُوه!
41 ثُمَّ يَقُولُ لِلَّذينَ عَنْ شِمَالِهِ: أذهبوا عَنِّي، يَا مَلاعِين، إِلى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الـمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وجُنُودِهِ؛
42 لأَنِّي جُعْتُ فَمَا أَطْعَمْتُمُونِي، وعَطِشْتُ فَمَا سَقَيْتُمُوني،
43 وكُنْتُ غَريبًا فَمَا آوَيْتُمُونِي، وعُرْيَانًا فَمَا كَسَوْتُمُونِي، ومَرِيضًا ومَحْبُوسًا فَمَا زُرْتُمُونِي!
44 حِينَئِذٍ يُجِيبُهُ هـؤُلاءِ أَيْضًا قَائِلين: يَا رَبّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جاَئِعًا أَوْ عَطْشَانَ أَوْ غَرِيبًا أَو مَريضًا أَو مَحْبُوسًا ومَا خَدَمْنَاك؟
45 حِينَئِذٍ يُجِيبُهُم قِائِلاً: أَلـحَقَّ أَقُولُ لَكُم: كُلُّ مَا لَمْ تَعْمَلُوهُ لأَحَدِ هـؤُلاءِ الصِّغَار، فلِي لَمْ تَعْمَلُوه.
46 ويَذْهَبُ هـؤُلاءِ إِلى العَذَابِ الأَبَدِيّ، والأَبْرَارُ إِلى الـحَيَاةِ الأَبَدِيَّة".

(مت 25/31-46)

 

::: أفكار على ضوء الإنجيل :::

عندما يأتي ابن الإنسان في مجده... يميّز واحداً من آخر، كما يُميّز الراعي الخراف من الجداء".
إخوتي الأحباء بالرّب يسوع،
صحيح أن يسوع لم يجب على السؤال متى تكون نهاية الأزمنة و الدينونة الأخيرة، لأن لا أحد يعرف ذلك إلاّ الآب وحده، لكنّه أطلعنا على أمر أهم بكثير من ذلك، به يتعلق مصيرنا النهائي: أخبرنا كيف ستكون الدينونة لئلا نتفاجأ كما تفاجأ هؤلاء الذين كانوا يظنّون أنهم يستحقّون الحياة الأبدية.
هنالك خلاص وحياة أبدية لكل من أحب الجائعين والعطاش والغرباء والعراة والمرضى والمسجونين، هؤلاء الذين لم ينتظر أن يلتقيهم على دربه بل ذهب يفتشّ عنهم. وهنالك هلاك أبدي، لكل من لم يحبّ أمثال هؤلاء الخطأة والمهمّشين والمرزولين، لأنه فعلاً لم يلتقِ بأمثالهم ولو التقى لما كان فعل شيئاً بالنسبة لهم.
أمر آخر ينبهّنا إليه حتى لا نتفاجأ يوم يأتي للقائنا. نحن نظن أننا نتمّ وصيته فعلاً في المحبة إذا أحببنا فقط الذين يستحقون محبتنا ونحبّهم فعلاً فنقبلهم ونتفهمهم ونزورهم ونصادقهم ونساعدهم، أهلنا وبعض أقربائنا وأصدقائنا ومن نرتاح إليهم في جيرتنا وعملنا. أما هو فيقول لي هذا لا يكفي، لأن ما من فضل لك أن تُحب من يحبك، وتضيف من يستضيفك، وترحم من يرحمك، بل فضلك و أجرك هو عندما تحب من لا يحبك ومن هو غير محبوب. لذلك أقول لك إذا كنت تريد أن تلتقيني حقّاً، فوجهي تراه متجلياً في هؤلاء الذين تأبى نفسك وتشمئز من التفكير والنظر إليهم. فكّر ما الذي فعلته أنا لأجل الخاطئين والمجرمين والمرضى… فكّر أني فديتهم بدمي فتفهم ثمن الفدية التي عليك أن تدفعها ليكون حظّك بين الأبرار والصديقين.
واليوم أيضاً نعود إلى ذواتنا لنسأل ماذا علينا أن نعمل لنرث الحياة الأبدية؟ والجواب نجده في أخوة يسوع الصغار كما يسميهم في الإنجيل. أدعوك اليوم أخي الإنسان وأقول لك أنت وحدك القادر على تقرير مصيرك. فالله الذي خلقك من دون إرادتك لا يستطيع أن يخلصك إلا بإرادتك، كما يقول القديس أغوسطينوس الكبير. وخلاصك مرتبط بعمل صغير تجاه الآخر المحتاج، فلمَ لا تتوجه إليه وتخلِّص نفسك؟ إستفد من الوقت المتبقي من حياتك وابدأ اليوم لا غدا واشكر الله أنَّك ما زلت حيّاً، فالفرصة لم تفتك لتغير مصيرك. فالأبدية ليست في نهاية مشوار العمر، بل على دربك في كل لحظة ودقيقة. فإما اليوم تقرر خلاصك وإما تقرر هلاكك، هل قررت؟!
في النهاية أتمنى عليك يا من تؤمن بالمسيح أن تُرَدِّد كل يوم من كل قلبك هذه الصلاة : "يا ربّ أعطني قلباً مثل قلبك لأحب مثلما أحببت أنت"، فيتغيَّر سلوكك جذرياً ويجذبك حب المسيح ، فتتحول بكامل ذهنك وعقلك وعملك وإرادتك إلى من أعطاك هذه كلها، فيمكنك بالتالي أن تكون من آل اليمين في الملكوت. آمين.

 

المقدّمة والصلاة وأفكار من الرسالة

من إعداد الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

 

أفكار على ضوء الإنجيل
من إعداد
الخوري رولان معربس
(خادم رعيّة السيّدة - الضهر)

 

::: تــأمـل :::

بأيّ مقدارٍ أحببت

 

يروى أنّ مَلِكاً يملك بئراً فرغت يوماً من الماء، فطلب من رعيّته أن يأتي كلٌ منهم بمقدار، بحسب ما يراه مناسباً لِمَلْء البئر على أن يتركوا أوعيتهم على حافته: منهم من أتى بالوعاء الكبير لأنّه رأى في الملك ذاك الذي أعطى دوماً بسخاء، ومنهم حمل وعاءً أصغر إذ رأى في خدمته لشعبه واجباً عليه، وآخرون أتوا بوعاء بالكاد يسع عَيِّنَة، لرفع العتب، فالملك بنظرهم غنيّ وبإمكانه شراء كلّ ما يتمنّاه.
أمّا البقية الباقية فلم يَعْنِها الأمر كما أنّ الملك لم يَعْنِ لهم شيئاَ طيلة حياتهم. وعندما عاد الجميع ليأخذ وعاءه وجده مملوءاً ذهباً. وكانت الصدمة.
ذاك الملك لم يحرم أحداً من العطاء، إنّما أعطى كلٌ واحد بحسب سعة وعائه (مقدار محبّته). أمّا الذي لم يأتِ بشيء فقد خسر تلقائياً العطيّة الثمينة عندما فصل ذاته عن الملك وعمل الخير.
ألا يفاجئنا تصرّف الملك هذا؟


إنّ البئر في المثل هي الإنسانيّة التي تتمخّض من حولنا بآلامها بسب الجوع والعطش والغربة والتهجير واليتم والتهميش والعري والمرض والسجن ... أو ليست هي بنفوس عطشى إلى الحبّ الذي وضعه الآب مجّاناً فينا؟ هذه الحاجات التي ذكرها يسوع في إنجيل اليوم (متى: 25:31-46) هي ملحّة ولا تنتظر التفكير الطويل للاستجابة كما أنّ عليها تتوقّف دينونة الإنسان: فهل أنت تحبّ "هؤلاء الصغار، أحبّاء يسوع؟" كيف تحبّهم؟ وكم تحبّهم؟ ... لو كنت من رعيّة الملك، كيف كنت تصرّفت إزاء ما طلبه ؟ ( في تلك اللحظة هو من كان بحاجةٍ إليك).


- والآن، هل تراه في الجائع والسجين... فتغدق عليه ممّا عندك أم تتباخل لأنّ هناك غيرك سيساعده، أو ربّما تتنحّى جانباً خوفاً من نظرة البعض الذي ترغب في صحبته إليك أن تتحوّل إلى سخرية إن تعاطفت مع آلامهم وداويتها بكَرَمِك ومحبّتك؟
- أيّهما تفضّل: إنقاذ حياة الآخر أم الإبقاء على "صيطِك" خوفاً عليه من "الإفلاس المصالحيّ" إن فعلت؟
- أيّهما المُلِحّ: أن تنتشل مُهَمّشاً أو سجيناً من رمال الظلمة المتحرّكة أمِ التمسك بأنانيتك المختبئة وراء "مركزي المرموق لا يسمح لي بذلك"؟
- عندما تلتقي الآب، هل سيسألك، في تلك اللحظة، إن كنت تؤمن به أو ماذا تذكر من قربانتك الأولى أو عن عدد المرّات التي صلّيت (شفهياً) فيها أو صُمْتَ أو تَعَبّدْت؟ أم عن مقدار معرفتك به، وإن كنت َ التقيته وأحببته في "إخوته الصغار"فخدمتهم وعشت إيمانك معهم بالفعل؟
- "هل فكّرت يوماً بيسوع في المشرّد الذي يبحث عن مأوى وأنت تهمل استقباله. تزيّن الحيطان وتعلّق زينتك بسلاسل الفضّة في عيده وترفض الذهاب لزيارته وهو مكبّل بالسلاسل في سجنه. هل الأهمّ هو بيتك أم أخيك المحتاج لك؟" (القدّيس يوحنا فم الذهب)
- هل فكّرت أنك أنت من تدين نفسك منذ الآن بسبب خياراتك وبإرادتك؟ الحبّ هو نور حياتك إلى الأبديّة: إمّا أن تدعه يتخطّاك للآخرين (إخوة يسوع الصغار) فتسلك الطريق نحو الأبديّة (آ 34-36)، إمّا أن تخنقه في ذاتك فينطفئ ويحوّلك إلى مقبرة مظلمة حيث تتجمّد من صقيع كبريائك الذي سيقسو عليك كما على الآخر كي يكسر قلبك ويرمي بك في ظلمة أبديّة (آ 41-43) .


أدخل معي إلى أعماق الفكر والروح وتأمّل بما عمل الله لك من خير، وما صنع فيك من آيات، وكم أفاض عليك من نعم السماء، ثمّ ضع توبتك موضع التنفيذ: إنّها ليست بكلمات ِأسىً ترددّها أمامه ولا بدموع خجلٍ تزرفها. إنّها شَجاعة المسيحي المؤمن الذي، وإن أخطأ، يجرؤ على إخراج نقائصه إلى النور كي تتنقّى وتصطلح. خطوتك هي الجرأة في اعتماد التواضع طريقاً للوصول إلى من هم بحاجة إليك، وقبوله كما هو، متّخذاً قرار الحرب على التمييز بين المستويات الفكريّة والثقافيّة والاجتماعيّة، على فرز الطبقات وطريقة عيشها. أمّا الجرأة الأكبر فهي في تدمير قلعة " العبادة العلائقيّة الأرستقراطيّة" التي نقف في أبراجها حيث نظنّ أنّ الله موجود لنا وهناك فقط وحيث ممنوع الدخول على كلّ من لا يتمتّع بمواصفات أهل القصر، بحسب نظرتنا التي نُرَوْحِنها على مزاجنا.
دون تَجْرِيم أيّاً منهم (الصغار) أو اتّهامهم أو إذلالهم حتى بفكرك، إقطع علاقتك بكلّ ما يحول دون وصولك إليهم، فإنّهم ضحايا أوضاع إجتماعيّة أو علاقات متهوّرة أو جبريّة، أو أحكام ظالمة، سياسيّة كانت أم مادّية أو إقطاعيّة حديثة وما إلى هنالك ...


لندع نار حبّنا ليسوع في "إخوته هؤلاء الصغار" تلهب حديد كياننا (فكراً وقلباً وروحاً)، فنضحي طيّعين تحت مطرقة حاجاتهم. وما دامت يد الله تمسك بنا وبالمطرقة، فلا بد أن نخرج سويّة من بين يديه أبناء نور، حسنةٌ هيئتنا، فينا من القيم الإلهيّة البنويّة للآب ما يورثنا الملكوت ؟

 

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com