| زمن الصوم أحد الابن الشاطر (15 آذار 2009) |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة | |
::: مدخل ::: | |
• إنّه أحد الابن الشاطر ومعه نبلغ إلى منتصف الطريق إلى نهاية
رحلة الصوم.
• في المقطع المختار من الرسالة الثانية إلى أهل قورنتوس، نصغي إلى مار بولس
يتلو آيات التشجيع و"التحريض" على السلام والمحبّة والكمال.
• أما في الإنجيل، ينفرد لوقا الإنجيلي برواية مثلٍ هو الأشهر ربما ما بين
أمثلة الكتاب المقدّس، يتحدث فيه عن فرح لقاء الخاطئ بالله من بعد الغرق في
وحول الخطيئة والتجارب.
نحن مدعوون إذاً، إخوتي، لنتأمّل،في هذا الأحد، في محبّة الله لنا كما تظهر في
الإنجيل وفي دعوتنا لمبادلة هذه المحبّة من خلال فعل الخير كما تدعونا الرسالة!
|
::: صلاة تأملية ::: |
أَمامَ
عَطفِكَ الحَنُون، نَضَعُ ضُعفَنا وَبُؤْسَنا وَخَطيئَتَنا لِتَغفِرَها
بِحُبِّكَ الوالِدي وَتَرُدَّنا إِلى بَيْتِنَا الأَبَوِي، فَنَعُودَ
إِلَيْكَ أَبْنَاء بَعْدَ أَنْ تَرَكْنَاكَ وَ"تَحَرَّرْنَا" مِنْكَ
"فَاسْتَعبَدَتْنَا" الخَطِيئَة.
أَعطِنَا يَا ربّ، بَعدَ عَوْدَتِنَا إِلَيْكَ، أَنْ نَتَذَوَّقَ طِيْبَ
مَا ئِدَتِكَ وَحُنُوِّكَ، فَلا نَعُودَ إِلَى سَابِقِ عَهْدِنَا
وَضُعْفِنَا. لَكَ المَجْدُ إِلَى الأَبَد، آمين.
|
::: الرسالة ::: |
5 إِخْتَبِرُوا أَنْفُسَكُم، هَلْ أَنْتُم رَاسِخُونَ في
الإِيْمَان. إِمْتَحِنُوا أَنْفُسَكُم. أَلا تَعْرِفُونَ أَنَّ الـمَسِيحَ
يَسُوعَ فِيكُم؟ إِلاَّ إِذَا كُنْتُم مَرْفُوضِين!
6 فأَرْجُو أَنْ تَعْرِفُوا أَنَّنا نَحْنُ لَسْنا مَرْفُوضِين!
7 ونُصَلِّي إِلى اللهِ كَيْ لا تَفْعَلُوا أَيَّ شَرّ، لا لِنَظْهَرَ
نَحْنُ مَقْبُولِين، بَلْ لِكَي تَفْعَلُوا أَنْتُمُ الـخَيْر، ونَكُونَ
نَحْنُ كَأَنَّنا مَرْفُوضُون!
8 فَإِنَّنا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْعَلَ شَيْئًا ضِدَّ الـحَقّ، بَلْ
لأَجْلِ الـحَقّ!
9 أَجَلْ، إِنَّنا نَفْرَحُ عِنْدَما نَكُونُ نَحْنُ ضُعَفَاء، وتَكُونُونَ
أَنْتُم أَقْوِيَاء. مِنْ أَجْلِ هـذَا أَيْضًا نُصَلِّي لِكَي تَكُونُوا
كَامِلِين.
10 أَكْتُبُ هـذَا وأَنا غَائِب، لِئَلاَّ أُعَامِلَكُم بِقَسَاوَةٍ وأَنا
حَاضِر، بِالسُّلْطَانِ الَّذي أَعْطَانِي إِيَّاهُ الرَّبّ،
لِبُنْيَانِكُم لا لِهَدْمِكُم.
11 وبَعْدُ، أَيُّهَا الإِخْوَة، إِفْرَحُوا، وَاسْعَوا إِلى الكَمَال،
وتَشَجَّعُوا، وكُونُوا عَلى رَأْيٍ وَاحِد، وعِيشُوا في سَلام، وإِلـهُ
الـمَحَبَّةِ والسَّلامِ يَكُونُ مَعَكُم!
12 سَلِّمُوا بَعْضُكُم عَلى بَعْضٍ بِقُبْلَةٍ مُقَدَّسَة. جَمِيعُ
القِدِّيسِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْكُم.
13 نِعْمَةُ الرَّبِّ يَسُوعَ الـمَسِيح، ومَحَبَّةُ الله، وَشَرِكَةُ
الرُّوحِ القُدُسِ مَعَكُم أَجْمَعِين!
(قور 13/5-13)
|
::: أفكار من الرسالة ::: |
هَمُّ بَولُس الرَّسُول مِنْ خِلالِ
هَذَا المَقْطَع مِنَ الرِّسَالَة هُوَ بُنْيَانُ الكَنِيسَة لا
هَدمُها.
هَذَا البُنْيَانُ يَكُونُ مِنْ خِلالِ الإِخْتِبَارِ الشَّخْصِيِّ
والجمَاعِي. فَيَسْأَلْ مَارْ بُولُسْ : "اخْتَبِرُوا أَنْفَسَكُم،
هَلْ أَنْتُمْ رَاسِخُونَ فِي الإِيِمَان؟" وَيَضَعُ كُلُّ وَاحِدٍ
مِنَّا أَمَامَ مَسْؤُلِيَّتِهِ بِقَوْلِهِ امتَحِنُوا أَنْفُسَكُم.
وَيَسْأَل مُجَدَّداً أَلا تَعْرِفُونَ أَنَّ المَسِيحَ يَسُوعَ فِيكُم
؟ وَهَذَا السُّؤَال لَيْسَ مَطْرُوحَاً لِلإِجَابَة عَلَيْهِ لَكِنْ
لِلتَأْكِيدِ مِنْ خِلالِ الإِيمَانِ بِأَنَّ يَسُوعَ فِي قَلبِ كُلِّ
وَاحِدٍ مِنَّا وَفِي الجَمَاعَةِ ( فِي حَالِ وُجِدَ الإِيِمَان ).
لِهَذَا يَدْعُو مَار بُولُسْ اَهْلَ قُورنْتُسْ لِكَيْ يَفْرَحُوا
وَيَسْعوا إِلَى الكَمَالِ وَيَتَشَجَّعُوا وَيَكُونُوا عَلى رَأْيٍ
وَاحِدٍ وَيَعِيشُوا بِسَلامٍ فَيَكُونَ إِلَهُ المَحَبَّةِ
وَالسَّلامِ مَعَهُم.
وَبِدَالَّةِ الآبِ الحَنُونِ، يَطْلُبُ بُولُس أَن يُسَلِّمُوا
بَعضَهُمْ عَلَى بَعضٍ بِقُبْلَةٍ مُقَدَّسَة.
وَهُنَا نَسْأَل : هَلْ لَنَا هَمُّ بُولُس لِنَبْنِيَ كَنِيسَةَ
المَسِيحِ الَّتِي هِيَ نَحْنُ البَشَر، فَنَعرِفَ أَنَّ المَسِيحَ
فِينَا مِنْ خِلالِ عَيْشِنَا الفَرَح وَاَن نَكُونَ عَلَى رَأْيٍ
وَاحِدٍ فَنَعِيشَ بِسَلامٍ مَعَ بَعضِنَا البَعض فَنُصبِحَ مِنْ
شَرِكَةِ القِدِّيسِين فَتَكُونَ كَنِيسَتَنَا ( جَمَاعَتَنَا )
هَيْكَلاً مُقَدَّسٌ لِلآبِ وَالإِبنِ وَالرُّوحِ القُدُس؟
أَمْ نَسْعَى إِلَى هَدْمِ هَذِهِ الكَنِيسَة (الجَمَاعَة) بِقَصدٍ أَو
بِغَيرِ قَصد ، فَنَسلُكَ عَكسَ ذَلِكَ سَاعِينَ لِبُنْيَانِ
مَلَكُوتِنَا الأَرضِي عَلى حِسَابِ مَلَكُوتِ الله. وَلِلأَسَفِ هَذَا
مَا يَحصُل فِي اَيَّامِنَا، فَلا نَجِدَ الفَرَحَ فِي القُلُوب وَلا
السَّلام. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا لَهُ رَأْيُهُ (والله يساعِد يَللِّي
بيقَرِّب صَوبُو) وَإِلَهُ السَّلامِ أَينَ هُوَ (طَفَش).
وَإِذَا مَا الْتَقَتْ الجَمَاعَة، فَبَدَلَ القُبلَة المُقَدَّسَة
فَنَسمَعِ الشَّتِيمَةَ وَنَرَى الضَّربَ وَنَسمعَ بِأَخبَارٍ تُدْمِي
القُلوب.
وَأَكثَرَ مِن ذَلِكَ وَكَلامُنَا فِي زَمَنِ الصَّومِ، زَمَن
الصَّلاة، فَنَنظُرَ فَلا نَرَى فِي كَنَائِسِنَا إِلاَّ العَجَائِز
وَالمَقَاعِد الفَارِغَة، فَلا مَنْ يُصَلِّي. فَأَينَ هَمُّنَا
الَّذِي يَبنِي الكَنِيسَة؟
نَعَم، نَحنُ مَسْؤُولِينَ وَبِقُوَّة عَن هَذَا الأَمر. وَنَحنُ
مَدعُوِّين كَيْ لا نُصْبِحَ مَرفُوضِينَ وَصَانِعِي الشَّر، ذَلِكَ
بِعَودَتِنَا وَبِحُرِّيَتنَا الَّتِي يَحتَرِمُها الله إِلَى حضنِهِ
الوَلِدِي فَنَبنِيَ مَعاً بِالسَّلامِ مَا هَدَمَتْهُ أَيْدِينَا
وَأَفكَارنَا فَيَعُودَ السَّلامُ وَالفَرَحُ وَهَذَا مَا نَسعَى
إِلَيهِ وَنَحلَمَ بِهِ وَنَتَرَجَّاهُ مِن إِلَهِ السَّلامِ رَبِّنَا
يَسُوع فَنُسَلِّمَ عَلى بَعضِنَا بقُبلَةٍ مُقَدَّسَةٍ لا غِشَّ
فِيها.
::: الإنجيل ::: |
11 وَقَالَ يَسُوع: "كانَ لِرَجُلٍ ابْنَان.
12 فَقالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيه: يَا أَبي، أَعْطِنِي حِصَّتِي مِنَ
الـمِيرَاث. فَقَسَمَ لَهُمَا ثَرْوَتَهُ.
13 وَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَة، جَمَعَ الابْنُ الأَصْغَرُ كُلَّ حِصَّتِهِ،
وسَافَرَ إِلى بَلَدٍ بَعِيد. وَهُنَاكَ بَدَّدَ مَالَهُ في حَيَاةِ الطَّيْش.
14 وَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيء، حَدَثَتْ في ذـلِكَ البَلَدِ مَجَاعَةٌ
شَدِيدَة، فَبَدَأَ يُحِسُّ بِالعَوَز.
15 فَذَهَبَ وَلَجَأَ إِلى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ ذـلِكَ البَلَد، فَأَرْسَلَهُ
إِلى حُقُولِهِ لِيَرْعَى الـخَنَازِير.
16 وَكانَ يَشْتَهي أَنْ يَمْلأَ جَوْفَهُ مِنَ الـخَرُّوبِ الَّذي كَانَتِ
الـخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ، وَلا يُعْطِيهِ مِنْهُ أَحَد.
17 فَرَجَعَ إِلى نَفْسِهِ وَقَال: كَمْ مِنَ الأُجَرَاءِ عِنْدَ أَبي،
يَفْضُلُ الـخُبْزُ عَنْهُم، وَأَنا هـهُنَا أَهْلِكُ جُوعًا!
18 أَقُومُ وَأَمْضي إِلى أَبي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، خَطِئْتُ إِلى
السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ.
19 وَلا أَسْتَحِقُّ بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. فَاجْعَلْنِي كَأَحَدِ
أُجَرَائِكَ!
20 فَقَامَ وَجَاءَ إِلى أَبِيه. وفِيمَا كَانَ لا يَزَالُ بَعِيدًا، رَآهُ
أَبُوه، فَتَحَنَّنَ عَلَيْه، وَأَسْرَعَ فَأَلْقَى بِنَفْسِهِ عَلى عُنُقِهِ
وَقَبَّلَهُ طَوِيلاً.
21 فَقالَ لَهُ ابْنُهُ: يَا أَبي، خَطِئْتُ إِلى السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ. وَلا
أَسْتَحِقُّ بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا...
22 فَقالَ الأَبُ لِعَبيدِهِ: أَسْرِعُوا وَأَخْرِجُوا الـحُلَّةَ الفَاخِرَةَ
وَأَلْبِسُوه، واجْعَلُوا في يَدِهِ خَاتَمًا، وفي رِجْلَيْهِ حِذَاء،
23 وَأْتُوا بِالعِجْلِ الـمُسَمَّنِ واذْبَحُوه، وَلْنَأْكُلْ وَنَتَنَعَّمْ!
24 لأَنَّ ابْنِيَ هـذَا كَانَ مَيْتًا فَعَاش، وَضَائِعًا فَوُجِد. وَبَدَأُوا
يَتَنَعَّمُون.
25 وكانَ ابْنُهُ الأَكْبَرُ في الـحَقْل. فَلَمَّا جَاءَ واقْتَرَبَ مِنَ
البَيْت، سَمِعَ غِنَاءً وَرَقْصًا.
26 فَدَعا وَاحِدًا مِنَ الغِلْمَانِ وَسَأَلَهُ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ
هـذَا؟
27 فَقالَ لَهُ: جَاءَ أَخُوك، فَذَبَحَ أَبُوكَ العِجْلَ الـمُسَمَّن،
لأَنَّهُ لَقِيَهُ سَالِمًا.
28 فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُل. فَخَرَجَ أَبُوهُ يَتَوَسَّلُ
إِلَيْه.
29 فَأَجَابَ وقَالَ لأَبِيه: هَا أَنا أَخْدُمُكَ كُلَّ هـذِهِ السِّنِين،
وَلَمْ أُخَالِفْ لَكَ يَوْمًا أَمْرًا، وَلَمْ تُعْطِنِي مَرَّةً جَدْيًا،
لأَتَنَعَّمَ مَعَ أَصْدِقَائِي.
30 ولـكِنْ لَمَّا جَاءَ ابْنُكَ هـذَا الَّذي أَكَلَ ثَرْوَتَكَ مَعَ
الزَّوَانِي، ذَبَحْتَ لَهُ العِجْلَ الـمُسَمَّن!
31 فَقالَ لَهُ أَبُوه: يَا وَلَدِي، أَنْتَ مَعِي في كُلِّ حِين، وَكُلُّ مَا
هُوَ لِي هُوَ لَكَ.
32 ولـكِنْ كانَ يَنْبَغِي أَنْ نَتَنَعَّمَ وَنَفْرَح، لأَنَّ أَخَاكَ هـذَا
كانَ مَيْتًا فَعَاش، وَضَائِعًا فَوُجِد".
(لو15 /11-32)
::: أفكار على ضوء الإنجيل ::: |
لكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا شِعَارُهُ فِي هَذِهِ الحَيَاة وَلَكِن
هَذِهِ الشِّعَارَات رَهْنَ الظُّرُوف وَالمُنَاسَبَات وَالمَصَالِح
وَالأَهوَاء، فَتَتَبَدَّل مَع تَبَدُّلِهَا وَأَوقَاتٍ كَثِيرَة نَعِيشُ
بِعَكسِ شِعَارَاتِنَا.
وَلَكِنَّ الله شِعَارُهُ لا يَتَبَدَّل وَلا يَتَغَيَّر لأَنَّهُ شِعَارٌ
مَبنِيٌّ عَلَى المَحَبَّة المَجَّانِيَّة لِلإِنسَان وَالشِّعَار الَّذِي
نَتَأَمَّلُ بِهِ اليَومَ مَعَ مَثَلِ الإِبنِ الشَّاطِر هُوَ "الله لا يُرِيدُ
مَوتَ الخَاطِىء بَل أَن يَعُودَ عَن ضَلالِهِ وَيَحْيَا".
هَذَا مَا قَالَهُ يَسُوع بِقُوَّة فِي هَذَا المَثَل مِن خِلالِ الأَبِ
الحَنون: "إِبنِي هَذَا كَانَ مَيتاً فَعَاش".
فَبَعدَ أَنِ انفَصَلَ الإِبنُ الأَصْغَر بِحُرِّيَتِهِ عَن اَبِيهِ وَذَهَبَ
بَعِيداً عَنِ البَيت الأَبَوِي عَائِشاً عَلَى هَوَاه، مُبَذِّراً مَالَ
أَبِيهِ وَتَعَبَ عُمرِهِ عَلَى اُمُورٍ لا تَبنِي بَل تَهدُم فَافْتَقَرَ
وَاشْتَهَى أَن يَمْلأَ جَوفَهُ مِن أَكلِ الخَنَازِير، وَبِفِعلِهِ هَذَا
أَصْبَحت الخَنَازِيرُ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِي الَّدينِ اليَهُوديّ نَجِسَةً،
أَصْبَحَت أَفضَلَ مِنْهُ.
عَادَ هَذَا الإِبنُ إِلَى نَفْسِهِ وَأَذَلَّ ذَاتَهُ بِعَودَتِهِ إِلَى
أَبِيهِ وَلَكِنْ لَيسَ لِيَكُونَ ابْناً بَلْ أَجِيراً، لِيَعْمَلَ لَدَى
أَبِيهِ فَيَعِيشَ مُعْتَرِفاً بِخَطِيئَتِهِ عَلَيْهَا.
لَكِنَّ الآبَ الَّذِي طَالَ انْتِظَارُهُ لِعَودَةِ ابْنِهِ، لَمَّا رآهُ
تَحَنَّنَ عَلَيهِ وَاَلقَى بِنَفْسِهِ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ طَوِيلاً.
وَقَبِلَ الآبُ أَن يَسمَعَ مِنهُ: "يا أَبِي، خَطِئتُ إِلَى السَّمَاءِ
وَأَمَامَكَ وَلا أَستَحِقُّ أَن اُدعَى لَكَ ابْناً". وَلَكِن لَم يَدَعْهُ
يُكمِل مَا كَانَ يَعتَزِمُ قَولَهُ بِأَن يَجعَلَهُ كَأَحَدِ أُجَرَائِهِ.
فَأَعَادَ هَذَا الأَبُ الحَنُون كُلَّ الإِمتِيَازَاتِ الَّتِي خَسِرَهَا
وَأَعَادَهُ ابْناً يَفرَحُ بِهِ فَرَحاً عَظِيمَاً لأَنَّهُ كَانَ مَيِّتاً
فَعاش، ضَالاًّ فَوُجِد.
وَلَنَا مِنْ يَسُوع مَثَلاً حَيّاً فِي الإِنجِيلِ مَعَ مار بُطرُس عِندَمَا
أنَكَرَهُ بُطرُس بِأَنَّهُ لا يَعرِفُهُ كَيْفَ عَامَلَهُ الرَّبّ بِسُؤَالِهِ
عَن حُبِّهِ ثَلاث مَرَّات "يا سِمعَان ابنَ يُونا أَتُحِبُّنِي وَسَلَّمَهُ
رِعَايِةَ الكَنِيسَة.
فَلنَقُم إِخْوَتِي بِفَحصِ ضَمِيرٍ جدّيٍّ وَصَادِقٍ وَمَسؤُول.
وَنَسْأَلُ ذَوَاتَنَا هَل تَرَكْنَا البَيتَ الوَالِدِي عَلَى مِثَالِ الإِبنِ
الضَّال وَذَهَبنَا لِنَعِيشَ في غُربَةٍ عَنِ الأَبِ الحَنُونِ الَّذِي
يُحِبُّنَا مُستَثْمِرِينَ حُرِّيَتَنَا الَّتِي أَعطَانَا إِيَّاها الله
بِغَيْرِ وَجهِ حَقّ فَأَوصَلَتْنَا إِلَى غُربَةٍ مُذِلَّةٍ عَنِ البَيتِ
الوَالِدِي ؟
هَل نَعرِف بِأَنَّ الله الَّذِي خَلَقَنَا بِدُونِ إِرَادَتِنَا لا
يُخَلِّصَنَا بِدُونِ إِرَادَتِنَا ؟
هَل نَعلَم بِأَنَّ الآبَ يَنْتَظِرُنَا بِفَارِغِ الصَّبرِ لِنَعُودَ إِلَيهِ
لا لِيُحَاسِبِنَا أَو يُعَاقِبَنَا أَو يُذِلَّنَا بَل لِيَرُدَّ لَنَا مَا
أَضَعنَاهُ بِاستِعْمَالِنَا حُرِّيَتَنا لِمَا يُذِلَنَا وَيُحقِّرَنا
وَلِيَغْفِر خَطَايَانَا (لَوْ كَانَت خَطايَاكُم كَالقِرمِز ، فَأَنَا
أُبَيِّضَهَا كالثَّلج).
اليَّوم إِذَا سَمِعنَا صَوتَهُ فَلا نُقَسِّ قُلُوبَنَا وَلَنَا فِي هَذَا
الصَّوم دَعوَةٌ مُهِمَّةٌ لِنُخرِجَ شَيَاطِينَ الجَهلِ وَقَسَاوَةَ القُلُوبِ
بِالصَّلاةِ وَالصَّومِ لأَنَّ هَذَا النَّوع مِنَ الشَّيَاطينِ لا يُطرَدُ
إِلاَّ بِالصَّومِ وَالصَّلاة.
فَلنَتَشَجَّع وَنَأْخُذ خُطوَةَ الأَلفِ مِيلٍ بِاتِّجَاهِ بَيتِنَا الأَبَويّ
عَارِفِينَ أّنَّ مَن يَنتَظِرُنا هُوَ أَبٌ حَنُون.
المقدّمة من إعداد الخوري نسيم قسطون
الصلاة وأفكار من الرسالة وأفكار على ضوء الإنجيل |
|
::: تــأمـل ::: |
الحبّ والرحمة تَبِعانني فخُلّصْت
في مكانٍ ما من كياني تختبىء قصّة الإبن الضال حيث تحاكي شخصياتها أعماقي،
وتفتح قلبي وذهني على الواقع الذي يتجاذبني فيه ثلاث: ذاتي والعالم، ذاتي
وذاتي، ذاتي والله المحبّة.
الإبن الأصغر:
شاب لم يرَ من جمال الله إلاّ ما شوّهته الغرائز والميول البشريّة. في ثورة
عنفوان الشباب أخذ ما له من أبيه وذهب يبحث عن "الربيع الجميل" في الملاهي
والمقامر و الهوى، غير مدرك أنّ "الربيع الحقيقي" الكائن فيه من فيض الله، من
قبل أن يولد, إن لم يزهر هناك فلن يجده في أيّ مكان آخر. طلب الحرّية, حرّية
التصرّف بعيداً عن "الأب معطيه الحياة" وسبب وجوده، فاستعبدته " الحرّية
المزعومة"في قصرها النجس الخدّاع البرّاق، وقادَتُهُ الفسق فالإفلاس فاستبعاد
بل تنكّر "الأصحاب الجدد"له، ورمته في الجوع والعطش والرزل (أحقر وأنجس الأعمال
عند اليهود، راعٍ للخنازيرالتي حظيت عليه بأفضلية الأكل والشرب والتنزه...).
إلاّ أنّ بذار النور في داخله كانت تنتظر من يدفؤها كي تشقّ الأرض وتنبت, فكانت
توبته الصادقة هي تلك الجمرة، وبدأت تفعل فعلها في قلبه؛ كما أنّ حبّ أبيه كان
هناك أيضاً, في جذور ربيعه قائماً، فتحرّك في داخله "الرجاء" على الرغم من
أخطائه وزلاّته الكبيرة والكثيرة، فقصد (بعد توبة) أن يصلح ما هدمه وعاد إلى
أبيه، وصَلَ وارتمى بين أحضانه، لا بل داخل ضلوعه وكأنّه يريد الولادة من جديد،
من حشا الحبّ الوالديّ، من علو. عاد بعد أن مرّغه العالم في وُحُوله وعلّمته
التجربة أنّ ولادة الإنسان الأولى بالجسد كم هي أسهل من الولادة الثانية
بالروح:
• الأولى لا نختارها نحن، إنّما تأتي ثمرة حبّ طبيعيّة بين أبٍ وأم (Maurice
zendel)؛
• أمّا الثانية فهي خيار الإنسان بمحض حرّيته (وكم هو صعب هذا الإختيار في
أيّامنا هذه لكثرة الحرّيات المزيّفة التي تدخل حياتنا دون اسئذان من خلال كلّ
ما هو مرئيّ ومسموع ومحسوس...).
فلكم كان مفرحاً أنِ اختار الثانية وخرج من خسارة حبٍّ فرديٍّ دنيويّ كي يربح
الحبّ الأسمى حبّ الآب والآخرين له حيث لا سوس ينخر ولا رموز تستغلّ.
الأخ الأكبر:
وهو الشاب الآخر الذي لم تكن له ميول أخيه بل على العكس ملتزم بما هو مطلوب
منه، يعمل، يطيع والده في كلّ شيء، بمعنى آخر كان همّه "إرضاء ذاته من خلال
إرضاء الوالد". لكنّه لم يهتم لأبعد من شخصه، لم يفهم معنى العائلة الواحدة،
وأنّ همّ الواحد منها هو همّ الجميع، وفرحه هو فرحها، لذا غضب لعودة أخيه
الأصغر، حتّى أنه رفض الفرحة ونكر أخوّته للأصغر:" إبنك هذا...." وربّما قال
الكثير حينها! على الصعيد البشري نراه محقاً بعض الشيء إن لم نذق طعم ضياع أحد
الأبناء. لكنّ السؤال يطرح نفسه: إنّه قائمٌ مع أبيه في البيت أمّا قلبه فبعيد
عن الحبّ؛ لم يتعلّم شيئاً من أبيه، هل وُجد فقط "لتنفيذ الأوامر؟" ألم يرده
والده أن يكون حر التصرّف في الكنوز التي بين يديه؟ هو لم يعرف كيف يخرج من
ذاته ويستثمر ما لديه. لذلك ربّما كان يغضب أيضاً حين كان والده ينتظر أخاه
الأصغر أو يسأل أحدأً عنه: بنظره،"الإبن ذاك" لا يستأهل الرحمة ، هو من اختار
الإبتعاد، ونقطة على السطر. تحجُّرٌ يهوديّ ممسوك بالحرف "الصَلْبْ"؛ لم يدرك
يوماً معنى الرحمة والحبّ، لم يفهم أبدأً انّ العدالة وحدها هي مقصلة الحبّ
والخلاص، من دونهما تشبه إصبعاً سُلِخ عنه الإظفر...هذا الإبن "الفهيم" لم
يكتفِ بذلك فقط بل أخذ يُبَكِّت والده ويلومه على محبته وكأنّه صاحب الحقّ في
توزيع الحبّ وحَجْبِه، أو هو من يمتلك القرار في من يستحقّ الرحمة أو لا؛ حكم
على أخيه بالمؤبّد في سجن أنانيّته وغيرته العمياء من صفح الأب لابنه العائد.
لم يتخطّى ذاته بسبب عنجهيّته وتَعَنُّتِه وقساوة قلبه فأُظْهِر للعلن مدى
هشاشة أفكاره وظلام قلبه، وأوقعه أرضاً ثقل الإدانة والإساءة لأخيه بالفكر
والقول والعمل يوم اللقاء، عند المحكّ.
الأب:
ذاك الولد المنتظر كل مساء عودة "ابنه الضال". ربّما انتظره طويلاً واحدودب
ظهره، وغرقت عيناه في وجهه الذي تحكي كلّ طيّة فيه قصّة حبّ وأمل ٍ، رحمة
ومسامحة. لم ييأس ذلك الشيخ الوقور المسالم إلى أن تحقّق ما كان ينتظر. غمره
وقبّله طويلا على عنقه، رمز الحياة، وكأنّ غريقاً خرج لتوّه من الماء يختنق
وكان بحاجة إلى من ينفخ الهواء في رئتيه كي يعود إلى الحياة. جرعة حبّ كبيرة
أعادته من الموت وخاتم البنوّة ردّ إليه اعتباره وهويّته المفقودة: "يا بنيّ،
عدت تنتمي إلى عائلتك التي ولدتك"، أحاطه بذراعيه ليرمّم علاقة "الأب بابنه"،
ويشفي منه جراح القلب وينزع الألم، ويضمّد ما تقرّح من جسده الشبه عارٍ، ورجليه
الحافيتين الممزقتين من حصى العالم وأشواكه. أدخله نار قلبه المتّقد كي يحرق كل
ما علق على ذَهَبِ جوهره القيّم فيعود يلمع من جديد في إنجيل الحياة.
صمته عن الماضي هو أكثر من حوار بين نفسٍ ترحم، تحبّ وتصفح وأخرى وثقت فتابت
وبكت ورَجَتْ.
الغصّة مزدوجة ربما قبل عودة "الإبن الضال": الأولى في ابتعاد الصغير بالجسد،
والثانية، ابتعاد الأكبر بالقلب. الأب لم يهتمّ يوما بالمادة أكثر من أبنائه.
لقد أعطى الأوّل ما أراده وتركه يختبر على طريقته، كما أنّه أقام الثاني على ما
له تاركا له حرّية التصرّف بحسب رغبته.
الأوّل تمادى في الخطيئة لكنّه فتح عيناه للنور بعد أن اكتوى وعاد تائباً ثم
دخل فرح أبيه الساهر المنتظر عودته.
أمّا الثاني فكانت له كلّ إنعامات الأب، لكنّه لم يحسن النظر إليها بل اكتفى
"بالواجب" دون أن يُنْبِتها في حياته فيدخل في وحدة مع أبيه؛ لم يعرف عطاء
الرحمة والمسامحة، بل فعل كما امرأة لوط، نظر إلى الوراء وتجمّد قلبه هناك، في
الماضي رافضاً كلّ ما ومن أتى للتوبة وطلب الخبز. بقي على مستوى الأخذ (الرضا،
الأوامر... حتّى الفرح لم يصبح من صميم حياته، فبات مُمَكْنَناً متعلّقاً
ب"الجدي" الذي لم يعطه إيّاه والده كي يتنعّم به مع أصحابه؛ ومن منعه من فعل
ذلك، فكلّ الميراث كان بين يديه؟ لم يعتد العطاء حتّى لذاته... مؤسف ذلك حقاً!)
والآن ليسأل كلّ منّا ذاته:
- من أنا؟ عمّا أبحث في حياتي، وأيّ حرّية أرجو؟ هل أتنازل أو أتجرّأ أن أعترف
بأخطائي مهما كانت صغيرة أم كبيرة، أمام الآب بشخص الكاهن؟ هل أومن بأنّه
ينتظرني كي يغمرني بالحبّ ومهما ابتعدت فلن يمل من انتظاري؟
- هل غيرتي تعمي بصيرتي فأعود لا أسامح ولا لأرحم الآخر؟ هل أحسن العطاء الذي
يطلبه منّي الآب في الآخر؟
- هل أميل إلى تنصيب ذاتي مكان الآب وأحكم على الآخرين؟
- كيف أنظر إلى أمّي الكنيسة في حياتي: هل ما أوصتني به وما أوصاني به الآب هو
عبء عليّ أم هو طريق لخلاصي؟
- كأب وأم، كيف أتصرّف مع أبنائي وعلى أيّ أساس أعاملهم وأنشّؤهم: أأنا ذلك
الأب (والأم) الرحوم المحبّ الحكيم أم أوافق "الأخ الأكبر" وأتصرّف مثله؟
لنجثو أمام الله الآب وننظر إلى قلبه، فنفرح معه لفرح الآخرين متخطّين، بالقوّة التي منحنا إيّاها، كلّ ألم سبّبوه لنا. لنبتهج إن عاد أحد "الخراف الضالّة" حتّى ولو سبقنا في الطريق، فهناك خراف كثيرة لم تدرك "طريق الحبّ"بعد.