زمن الصوم

أحد شفاء الأعمى

(29 آذار 2009)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

• إنّه أحد الأعمى أي – عملياً – الأحد الأخير من زمن الصوم.
• في المقطع المختار من الرسالة الثانية إلى أهل قورنتوس، نصغي إلى مار بولس يدعونا إلى الحلم والوداعة وتجنّب أسلحة الجسد لصالح تكريس الفكر والقلب لفكر المسيح.
• أما في الإنجيل، فيروي لنا مرقس البشير حدث شفاء الأعمى، حيث علم الأعمى هويّة يسوع في حين جهلها العديد من المبصرين الّذين أحاطوا بهما!
• نحن مدعوون إذاً، إخوتي، لنجدّد، في هذا الأحد، إيماننا بالربّ يسوع متجاوزين كلّ معوّقات الجسد أو الروح، طالبين إلى الربّ يسوع شفاءنا من واحد من أهمّ مرضين روحيين في عصرنا ألا وهما "عمى القلب وقساوة القلب"!

 

::: صلاة تأملية :::

“سِيرُوا فِي النُّور مَا دَامَ لَكُم النُّور.”
كُلُّ مَن لا يَسِيرُ فِي النٌّور، يِتِخَبَّطُ فِي الظَّلامِ وَلا يَسَعُهُ أَن يِهْتَدِيَ إِلَى هَدَفِهِ.
لِذَلِكَ، نَطلُبُ مِنكَ يِا رَب بِقُوَّةِ رُوحِكَ القُدُّوس وَعظمة مَحَبَّتِكَ وَرَأْفَتِكَ أَن تُنِيرَ عُقُولَنَا وَقُلُوبَنَا بِنُورِ كَلِمَتِكَ كَي لا نَسِيرَ فِي الظَّلامِ، بَل نَسير بِنُورِكَ فَنَمشِيَ مَعاً طَرِيقَ المَحَبَّة لِنَصِلَ إِلَى مَلَكُوتِكَ، لَكَ المَجدُ إِلَى الأَبَد، آمين.

 

::: الرسالة :::

1 أَنَا بُولُسُ نَفْسي أُنَاشِدُكُم بِوَدَاعَةِ الـمَسِيحِ وَحِلْمِهِ، أَنَا الـمُتَواضِعُ بَيْنَكُم عِنْدَمَا أَكُونُ حَاضِرًا، والـجَريءُ عَلَيْكُم عِنْدَما أَكُونُ غَائِبًا.
2 وأَرْجُو أَلاَّ أُجْبَرَ عِنْدَ حُضُورِي أَنْ أَكُونَ جَريئًا، بِالثِّقَةِ الَّتي لي بِكُم، والَّتي أَنْوِي أَنْ أَجْرُؤَ بِهَا عَلى الَّذينَ يَحْسَبُونَ أَنَّنا نَسْلُكُ كَأُنَاسٍ جَسَدِيِّين.
3 أَجَل، إِنَّنا نَحْيَا في الـجَسَد، ولـكِنَّنا لا نُحَارِبُ كَأُنَاسٍ جَسَدِيِّين؛
4 لأَنَّ أَسْلِحَةَ جِهَادِنا لَيْسَتْ جَسَدِيَّة، بَلْ هيَ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلى هَدْمِ الـحُصُونِ الـمَنِيعَة؛ فإِنَّنا نَهْدِمُ الأَفْكَارَ الـخَاطِئَة،
5 وكُلَّ شُمُوخٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ الله، ونَأْسُرُ كُلَّ فِكْرٍ لِطَاعَةِ الـمَسِيح.
6 ونَحْنُ مُسْتَعِدُّونَ أَنْ نُعَاقِبَ كُلَّ عُصْيَان، مَتى كَمُلَتْ طَاعَتُكُم.
7 إِنَّكُم تَحْكُمُونَ عَلى الـمَظَاهِر! إِنْ كَانَ أَحَدٌ وَاثِقًا بِنَفْسِهِ أَنَّهُ لِلمَسيح، فَلْيُفَكِّرْ في نَفْسِهِ أَنَّهُ كَمَا هوَ لِلمَسيحِ كَذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا.

(2 قور 10/1-7)

 

::: أفكار من الرسالة :::

أَمْرَانِ مُهِمَّانِ نُلاحِظهُمَا فِي هَذِهِ الرِّسَالة.
الأَمرُ الأَوَّل: قَولُ بُولُس "أُنَاشِدُكُم بِوَدَاعَةِ المَسِيحِ وَحِلمِهِ". فَإِذَا كَانَ بُولُس اليَهُودِيُّ بِالانْتِمَاء، وَالرُّومَانِيُّ بِالهوِيَّة، والمُتَعَلِّمُ عِندَ جَملائِيلَ شَرِيعَةَ الآبَاءِ وَالمُنتَدَب مِنَ الرَّبّ يَسُوع القَائِم مِنَ المَوت لِكَي يَكُونَ رَسُولَ الأُمَم يَتَعَامَلُ مَعَ أَهلِ كُورَنتُس بِوَدَاعَةِ المَسِيحِ وَحِلمِهِ، ذَلِكَ يكون دَلِيلاً قَوِيّاً وَحِسِّيّاً عَلَى قَولِهِ "أَنَا لَستُ الحَي، بَلِ المَسِيحُ هُوَ الحَيُّ فِيَّ"، فَيَنسَى بُولُس مَا هُوَ عَلَيهِ لِكَي يَربَحَ الجَمِيعَ لِلمَسِيح.
وَهُنَا نَسأَل ذَاتَنا، هَل نَتَصرَّف مَعَ بَعضِنَا البَعض بِوَدَاعَةِ المَسِيحِ وَحِلمِهِ أَم نَنْسَى أَنَّنَا مَسِيحِيِّين وَنَعِيشَ مَا نَحنُ عَلَيهِ مِن سُلطَة وَجَاهٍ وَعِلمٍ وَمَكَانةٍ وَوَظِيفَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ فِينَا يَظُنُّ نَفسَهُ أَفضَلَ مِنَ الآخَر حَتَّى أَصغَر الوَظَائِف الَّتِي نَحصُل عَلَيها، نَستَعمِلُها لِنُظهِرَ ذَاتَنَا أَقوَى مِنَ الآخَر بَدَلَ أَن تَكُونَ هِيَ خِدمَةٌ لِلآخَرِينَ، فَنَقعَ فِي عَمَى الكِبرِيَاءِ فَلا نَعُودُ نَرَى المَحَبَّة الَّتِي تَجمَعُنَا.
فَلنَسعَى فِي هَذَا الصَّوم لِنَعِيشَ قَولَ المَسِيح "تَعَلَّمُوا مِنِّي أَنِّي وَدِيعٌ وَمُتُواضِعُ القَلب فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُم ".
أما الأَمرِ الثَّانِي فقَولُهُ: "َأجَل نَحنُ نَحيَا فِي الجَسَد وَلَكِنَّنَا لا نُحَارِبُ كَأُنَاسٍ جَسَدِيِّين". فَمَار بُولُس الَّذِي قَالَ "أَنَا قَوِيٌّ بِالَّذِي يُقَوِّينِي" ، يَستَعمِلُ قُوَّة الله وَكَلِمَتَهُ لِكَي يَأْسِرَ كُلّ فِكرٍ لِطَاعَةِ المَسِيح.
وَهُنَا نَسأَل هَل نَلجَأْ إِلَى كَلِمَة الله لِحَلِّ مَشَاكِلَنَا وَتَخَطِّي صُعُوبَاتِنَا أَو أَقَلُّهَ نُصَلِّي مِن أَجلِ بَعضِنَا البَعض وَنُقَدِّم ضُعفَ الآخَرِين وَمَشَاكِلَهُم وَحَتَّى خَطَايَاهُم فَنَتَخَطَّى الحُكمَ عَلى المَظَاهِر ذَاهِبِينَ إِلَى عُمقِ أَعمَاقِ الإِنسَان لِنَرَى فِيهِ ذَاتَنَا والله؟ أَم أَنَّنَا نُحَاسِبُ بَعضَنَا عَلى أَسَاسِ النِيَّةِ الجَسَدِيَّة مَتَنَا سِينَ أَنَّنَا مَدعُوِّينَ لِنَحمِلَ أَثقَالَ بَعضنا البَعض.
فَلنَتَشَجَّع إِخوَتِي وَنَقُول مَعَ الأَعمَى "يا ابنَ داوود ارحَمني" فَنَنفُضَ عَنَّا كُلّ مَا يُعِيق مَسِيرَتِنَا إِلَى بَعضِنَا، وَعَلَى مِثَالِ بُولَس نُعَامِلُ الآخَر بِوَدَاعَة المَسِيح.

 

::: الإنجيل :::

46 ووَصَلُوا إِلى أَرِيحا. وبَيْنَمَا يَسُوعُ خَارِجٌ مِنْ أَرِيحا، هُوَ وتَلامِيذُهُ وجَمْعٌ غَفِير، كَانَ بَرْطِيمَا، أَي ابْنُ طِيمَا، وهُوَ شَحَّاذٌ أَعْمَى، جَالِسًا عَلَى جَانِبِ الطَّريق.
47 فلَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ يَسُوعُ النَّاصِرِيّ، بَدَأَ يَصْرُخُ ويَقُول: "يَا يَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ ارْحَمْنِي!".
48 فَانْتَهَرَهُ أُنَاسٌ كَثِيرُونَ لِيَسْكُت، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يَزْدَادُ صُرَاخًا: "يَا ابْنَ دَاوُدَ ارْحَمْنِي!".
49 فوَقَفَ يَسُوعُ وقَال: "أُدْعُوه!". فَدَعَوا الأَعْمَى قَائِلِين لَهُ: "ثِقْ وانْهَضْ! إِنَّهُ يَدْعُوك".
50 فطَرَحَ الأَعْمَى رِدَاءَهُ، ووَثَبَ وجَاءَ إِلى يَسُوع.
51 فقَالَ لَهُ يَسُوع: "مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَصْنَعَ لَكَ؟". قالَ لَهُ الأَعْمَى: "رَابُّونِي، أَنْ أُبْصِر!".
52 فقَالَ لَهُ يَسُوع: "إِذْهَبْ! إِيْمَانُكَ خَلَّصَكَ".

(مر10 /46-52)

 

::: أفكار على ضوء الإنجيل :::

فِي هَذَا الأَحَدِ الأَخِيرِ عَمَلِيّاً من زَمَنِ الصَّوم تَتَأَمَّلُ الكَنِيسَةُ بِآيَةِ شِفَاءِ الأَعمَى قَبلَ أَن تَدخُلَ فِي أُسبُوع الشَّعَانِين، الَّذِي فِيهِ تَستَقبِلُ أورشليم يَسُوع استِقبَالَ الفَاتِحِين، مباشرةً قَبلَ الولوج في زَمَنِ آلامِهِ وَمَوتِهِ فَقِيَامَتِهِ.
فَفِي هَذَا اَلأحَد نَرَى يَسُوع يَشفِي أَعمَى لَهُ عَملٌ وقَلَّمَا نُلاحِظُ هَذَا فِي تَاَمُّلاتِنَا.
فَهَذَا الأَعمَى يَعمَلُ شَحَّاذاً يَستَعطِي النَّاسَ حَسَنَةً لِيَستَمِرَّ فِي العَيش. وَهَذَا الَعمَل يَتَطَلَّبُ حِكمَةً وَإِصرَاراً فِي الطَّلَب لِكَي يَلفُتَ أَنظَارَ النَّاسِ وَيَستَعطِفَهُم لَيَتَحَسَّنُوا عَلَيهِ وَأَحيَاناً يَصِلُ بِهِ الإِلحَاحُ إِلَى حَدِّ الإِزعَاجِ فَيَصِلَ إِلَى مَا يُرِيد.
وَهَذَا مَا حَصَلَ مَعَ يَسُوع، فَهَذَا الشَّحَّاذُ الأَعمَى عَندَمَا عَلِمَ أَنَّهُ يَسُوع، فَكَّرَ فِي نَفسهِ فِي عَطِيَّةٍ لا كَبَاقِي العَطَايا الَّتِي يَأْخُذُهَا مِنَ النَّاس. فَكَّرَ فِي عَطِيَّةِ البَصَر فَطَلَبَهَا عَلَى عَادَتِهِ فِي الإِلحَاحِ وَالإِصرَارِ وَحَتَّى اِلإزعَاج، فَكُلَّمَا أَسكَتَهُ النَّاسُ ازدَادَ صُرَاخاً.
فَنَجَحَت خِطَّتُهُ فِي استِمَالَةِ نَظر يَسُوع وَاستَعطَفَهُ فَاستَدعَاهُ لِيَعرِفَ مَا يُرِيد فَكَانَ لِهَذَا الأَعمَى عَطِيَّةَ العَطَايَا مِنَ الرَّب فَعَادَ بَصِيراً.
فَنَرَى َأنَّ هَذَا الأَعمَى رَأَى بِعَينِ الإِيمَانِ يَسُوع، رآهُ نَبِيّاً "يا ابنَ دَاوودَ ارحَمنِي" وَمُعَلِّماً "رَابُونِي أَن أُبصِر". وَبِهَذَا الإِيمَانِ حَصَلَ عَلَى نِعمَةِ البَصَرِ "إِذهَب، إِيمَانُكَ خَلَّصَكَ".
وَنَحنُ مَاذَا نَرَى فِي يَسُوع؟ هَل نَشعُر بِأَنَّنَا بِحَاجَةٍ إِلَيهِ لِنَشفَى مِمَّا نَشكُو مِنهُ، أَم أَنَّ أَعيُنَ إِيمَانِنَا مُصَابَةٌ بِعَمَى مُزمِن وَلا نَشعُر بِأَيِّ تَأْثِيرٍ لِلخَطِيئَة عَلَى حَيَاتِنَا فَنُتَابِع نَشحَذ الحَيَاة عَلَى دُرُوبِهَا الصَّعبَة فَلا نَنَال إِلاَّ فُتَاتَهَا الَّذِي لا يُشبِعُ لَنَا جُوعَنَا. فَنَسعَى وَرَاءَ السَّعَادَة فَلا نَحصُد إِلاَّ السَّراب.
فَنَسعَى وَرَاءَ الحَقِيقَة بَقُدُرَاتِنَا فَلا نَحصُد إِلاَّ الشَّكَّ وَالضَّيَاع والظُّلم فَنُظلَم وَنَظلُمْ. نَسعَى وَرَاءَ العِلمِ بِمَا نَملِكُ مِن مَعرِفَة فَلا نَعرِفُ شَيئاً لأَنَّنَا نَعرِفُ شَيئاً وَتَغِيبُ عَنَّا أَشيَاء... وَتَبقَى حَيَاتَنَا نَاقِصَةً ضَعِيفَةً بِحَاجَةٍ إِلَى كَمَال وَهَذَا الكَمَال لا نَجِدُهُ إِلاَّ فِي يَسُوع المَسِيح.
فَلنَنفُضْ عَنَّا مَا يَربِطُنَا بِوَاقِعِنَا المَرِير عَلَى مِثَالِ الأَعمَى وَنَصرُخ "يا ابنَ داوود ارحَمنَا" فَيَفتَح عُيُونَ قُلُوبِنَا وَضَمَائِرِنَا عَلَى حَقِيقَة حَيَاتِنَا فَنَسِيرَ مَعَهُ عَلَى دُرُوبِ الحَقِّ وَالحَيَاةِ عَارِفِينَ أَنَّهُ نُورُ العَالَم مَن يَتبَعهُ لا يَمشِي فِي الظَّلام.

 

المقدّمة

من إعداد الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

 

الصلاة وأفكار من الرسالة وأفكار على ضوء الإنجيل
من إعداد
الخوري جوزيف هلال
(خادم رعيّة الاربعين شهيد - القبيات الغربية)

 

::: تــأمـل :::

أريد أن أبصر

 

كان هناك قابعاً على قارعة الطريق وعيناه اللتان لا تبصران، كانتا له سبب دينونة، من أجل علّة لا ذنب له فيها, حُكِم عليه بالسجن ضمن ظلمة الدنيا مقيّداً بسلاسل الحرمان من أدنى حقوقه في مساواته بالآخرين واحترامه والاهتمام به، أمّا المحزن في ذلك فهو أن يوبَّخ ويُنْتَهر لأجل المطالبة بالتكلّم مع "أخيه،ابن الإنسان، يسوع" والحصول منه على حقٍّ مكتسب في الشفاء بالإيمان به.


لو كنت أنت واحداً من التلاميذ أو من الجموع الغفيرة وسمعت برتيماوس الأعمى يصرخ طالباً الرحمة, ماذا كنت لتفعل أو تقول؟ بماذا كنت تفكّر؟ ماذا كنت لتتوقّع من يسوع أن يعمل؟
ربّما ربطّتَ سبب إعاقته بذنب اقترفه هو أو أهله, فهل أنت من الّذين يقولون بأنّ الأبناء يرثون اللعنة عن آبائهم؟ أم تؤمن أنّنا ورثة المسيح الذي حرّرنا من قيود "العمى" ليهبنا البصيرة إلى قيامة أبديّة؟ ...


اليوم, في ظلّ كلّ ما ترى وتسمع من عنف وانتقام وإعاقات وآلام جسدية ونفسيّة تغرق المجتمعات والعائلات وتفكّكها, كيف تنظر إلى هذه الآفات؟ كيف تتعامل معها؟ هل ترمي باللوم على تصرّفاتهم وتدينهم, رامياً الكرة في ملعب الإله الّذي تخترعه أنت,وتجزم بأنهم يستأهلون ما يحدث لهم؟ هل تعتقد أن الله يحتاج إلى تأليمنا كي يُسَرّ هو؟ هل تعتقده سلطاناً, مستبداً, سادياً, يقاضي الإنسان بالتعذيب والمُرّ لأجل أخطائه ومعاصيه, فتقبل كلّ ما يحصل لهذا الأخير على أنّها قصاص يستحقّه من إلهك المُفَبْرَكْ؟
وقف يسوع, نادوه, فألقى عباءته وقام وجاء إليه؟


وقف يسوع عند إرادة الإنسان, ممّا يعني أنّه يملك ما نرغب في الحصول عليه ويريد أن يهبنا إيّاه, ولكن علينا أن نراه بعين الإيمان فنقبله ونُقْبِل إليه, وإلاّ فكيف يمكنك الحصول على ما تريده إن كنت تجهل الذي بقدرته أن يعطيك ما ترغب به؟ ممّن ستطلبه؟
هل فكّرت يوماً أنّك ربّما كنت أنت ذاك الأعمى؟ الكلّ ينتقدك, ما من أحد يتفهّمك أو يلتفت إلى حاجاتك,لكنّ قلبك ينتظر من يكشح ظلمتك كي تتبصّر, فتسير ثابتاً في الطريق؟ هل تشعر بالغثيان عندما يتحوّل اللذين يكمّون فمك إلى مشجّعين لك عند إشارة من يتبعون؟ هل يعوقك تصرّفهم عن "إلقاء عباءة" الخوف والإرتباك والتردّد كي "تقوم" من موت الحرّية "وتأتي" إلى يسوع ولو متأرجحاً في الطريق صوبه لكي يشفيك؟ هل تؤمن أنّ الله هو من ينتظر إشارتك كي يقدِّم لك كلّ ما لديه من حبّ وكرامة وفرح؟ هو مستعدّ أن يعيد لك ما فقدته من قيمة وجودك كإبن له.

 

"ماذا تريد أن أعمل لك؟ - أن أبصر. – إذهب, إيمانك شفاك"

حوار يظهر مدى اهتمام يسوع بالإنسان وتقدير إيمانه الحُرّ من كلّ قيد أو شرط . محادثة تكشف النقاب عن إرادة الآب في ولادتنا الجديدة؛ فالمعجزة ليست بالشفاء الجسدي إنّما بالرّوحي والنفسيّ؛ إرادته تكمن في خلقنا من جديد بالكلمة التي تُحْيي وتطلقنا في درب الصلاح.


ذاك "الأعمى سابقاً"وضع مشيئة الربّ قيد التنفيذ, فَبِتْنَا نرى كيف أصبحت خطواته المتعثّرة, أكثر فرحاً من " أهل العرس". هو الذي اختبر الجمود المميت, قفز فوق القديم إلى حضن يسوع مصغياً إلى صوت إيمانه وحاجته إلى الحرّية في حياة ستشهد على عظمة قبول الآب حياً في ذاته.


اليوم, إن سمعت صوته فلا تقسّي قلبك أو تهمل وجوده حتّى وإن كانت يوميّاتك مُثْقلة بأسباب "العمى" أدعوك أن تقبل إلى يسوع, القلب الوحيد الذي يحرّر. لا تغلق الباب في وجه عطيّة الله الآب لك حتّى وإن كنت لا تشعر بالرضا عن ذاتك, فبالمسيح "تجري من جوفك أنهار ماء حيّ"، تغسل أدرانك وتوضح لك رؤيا الحياة الجديدة بمعموديّة مجدّدة.

 

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com