زمن القيامة
الأحد السادس للفصح

ظهور يسوع للرسل في العليّة

(17 أيار 2009)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

• إنّه الأحد السادس في زمن الفصح ومعه نتأمّل بيسوع يشجّع رسله ويكلّفهم بالشهادة لما فعله من أجلهم وأجلنا.
• في المقطع المختار من الرسالة إلى أهل روما، يدعونا مار بولس الرسول إلى الغيرة لله المستندة إلى الإيمان بالقلب والاعتراف باللسان الّذي يقود إلى الخلاص.
• أما في مقطع الإنجيل المختار من لوقا، فنجد الربّ يسوع المسيح يدعونا لنتغلّب على كلّ ما يخيفنا ويعوقنا عن الشهادة له ولإنجيله.
• تدعونا الكنيسة إذاً، في هذا الأحد، إلى "نفض" الغبار عن نفوسنا وإلى التحفّز الدائم للشهادة للخلاص الّذي منحنا إياه ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح.

 

::: صلاة :::

يا رب، تعترض طريقنا مشاكلٌ ومصاعبٌ كثيرة تجعلنا أحياناً نشعر بوحدتنا، وتتركنا نشعر بمسؤوليات جسام.
لذا، نسألك اليوم أن تبدّد منّا كلّ شعور بالخوف أو بالرهبة، لأنّك معنا على الدوام، كأبٍ يساعد ولده على السير، فتارة يمسكه بيده وطوراً يتركه، دون أن تغفل عنه عيناه، ليزرع في نفسه الثقة وينمّي في داخله القدرة.
أعطنا أن نثق بأنّك معنا كلّ أيام حياتنا، على مدى أيام السنة وساعاتها وثوانيها، فلا نخاف بل نتقوى وننتصر بك بالحب لا بالحقد، بالفرح لا بالحزن، بالمسامحة لا بالانتقام، فمن يفصلنا عنك، إن كنت أنت قوّتنا العظمى وقاهر الشرير؟ لذا لا نخاف الشرّ لأنّه لم يعد له سلطة علينا لأنّك أنت تقودنا إلى بر الأمان، آمين.

 

::: الرسالة :::

1 أَيُّهَا الإِخْوَة، إِنَّ بُغْيَةَ قَلْبي وتَضَرُّعِي إِلى اللهِ مِنْ أَجْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيَخْلُصُوا.
2 فأَنَا أَشْهَدُ لَهُم أَنَّ فيهِم غَيْرَةً لله، وَلـكِنْ بِدُونِ مَعْرِفَةٍ صَحيحَة.
3 فقَدْ جَهِلُوا بِرَّ الله، وحَاوَلُوا أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِم، فَلَمْ يَخْضَعُوا لِبِرِّ الله؛
4 لأَنَّ غَايَةَ الشَّرِيعَةِ إِنَّمَا هِيَ الـمَسِيح، لِكَي يَتَبَرَّرَ بِهِ كُلُّ مُؤْمِن.
5 وقَدْ كَتَبَ مُوسَى عَنِ البِرِّ الَّذي هُوَ مِنَ الشَّرِيعَةِ فَقَال: "مَنْ يَعْمَلُ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ يَحْيَا بِهَا".
6 أَمَّا عَنِ البِرِّ الَّذي هُوَ مِنَ الإِيْمَانِ فَيَقُول: "لا تَقُلْ في قَلْبِكَ: مَنْ يَصْعَدُ إِلى السَّمَاء؟"، أَيْ لِيُنْزِلَ الـمَسِيحَ مِنَ السَّمَاء.
7 ولا تَقُلْ: "مَنْ يَهْبِطُ إِلى الـهَاوِيَة؟"، أَيْ لِيُصْعِدَ الـمَسِيحَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات.
8 بَلْ مَاذَا يَقُول؟ "الكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، في فَمِكَ وَقَلْبِكَ"، أَيْ كَلِمَةُ الإِيْمَان، الَّتي نُنَادِي بِهَا.
9 فَإِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الرَّبّ، وآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، تَخْلُص.
10 فالإِيْمَانُ بِالقَلْبِ يَقُودُ إِلى البِرّ، والاعْتِرَافُ بِالفَمِ يَقُودُ إِلى الـخَلاص؛
11 لأَنَّ الكِتَابَ يَقُول: "كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لا يُخْزَى".
12 فلا فَرْقَ بَيْنَ يَهُودِيٍّ ويُونَانِيّ، لأَنَّ الرَّبَّ هُوَ نَفْسُهُ لِجَميعِهِم، يُفِيضُ غِنَاهُ عَلى جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ.
13 فَكُلُّ مَنْ يَدْعُو اسْمَ الرَّبِّ يَخْلُص.
( روم 10\1-13)

 

::: أفكار من وحي الرسالة :::

في الأحد السادس في زمن الفصح، نتأمّل مع الكنيسة في هذه القراءة من الرسالة إلى أهل روما حيث يدعونا مار بولس إلى التنبّه بأنّ "الغيرة لله" لا تنفع الإنسان المؤمن إن لم تقترن ﺒ "معرفة صحيحة" تستند إلى "الإيمان بالقلب" الّذي "يقود إلى البرّ" ويؤدّي إلى "الاعتراف بالفمّ" الّذي بدوره "يقود إلى الخلاص".
كلمة "الغيرة" كلمة ملتبسة جدّاً في قاموسنا العربيّ وغالباً ما تٌفهَمُ بمعناها السلبيّ أي بمعنى الغيرة من أحدهم لامتلاكه ميزةً أو شيئاً نفتقده لدينا أو نرغب في امتلاكه أو حيازته.
ولكنّ الغيرة هنا لا تأتي بهذا المعنى بل المقصود ﺒ "الغيرة لله" هو الحماسة لله ولتعاليمه ولطرقه.
وهنا أيضاً نصطدم أحياناً بمنحىً سلبيٍّ يتجسّد إجمالاً في روح التعصّب والانغلاق باسم الله أو الدين والأدهى هو حين نبيح لأنفسنا العنف الماديّ أو المعنويّ باسم الحميّة أو الدفاع عن الدين.
لذا لا بدّ أولاُ من التذكير بأن الله ليس بحاجةٍ إلينا للدفاع عن نفسه فهو أمر بطرس بردّ سيفه في بستان الزيتون واستبدل منطق الانتقام بمنتقم الغفران وصولاً إلى أقصى حدود المحبّة: محبّة الأعداء.
في هذا الإطار، ينبّهنا مار بولس إلى ضرورة اقتران "الغيرة لله" ﺒ "معرفة صحيحة" لهذا "الله"!
تخيّلوا مسيحياً ساءه كلام احد الأشخاص عن الدين المسيحي يقوم بشتم هذا الشخص أو رموز دينه، أفلا يكون قد أساء إلى مسيحيّته أكثر من إساءته إلى دين من ابتدأ المهانة؟
تخيّلوا مسيحياً يتوجّه إلى أحد المستهترين بالإيمان أو بالطقوس فيهدّده بجهنم أملاً في إقناعه، أفلا يكون قد أعاد نفسه ومن يهدّده إلى عصر الخوف من الله والرعبة منه؟
لهذا كلّه يدعو مار بولس أهل روما، ومعهم كلّ واحد منّا، إلى الالتزام الدائم بمدرسة الإيمان الّذي يبدأ "بالقلب" قبل أن يظهر على اللسان، وهذا يوجب علينا طرح السؤال التالي: هل ما زالت معرفة الله على جدول أعمالنا؟
بربّكم ألا نعرف شبه غيباً كلّ أخبار السياسيين والمرشحين أو الفنانين أو الرياضيين ولكننا نتلعثم أحياناً أمام أبسط الأسئلة حول إيماننا المسيحيّ؟ ألا نعرف آخر أخبار الجيران وأبناء الضيعة ولكننا نجهل أو نتجاهل أبسط المواضيع في حياتنا المسيحيّة؟
لذلك لا بدّ لكلّ منّا أن يعود إلى ذاته ويرجع إلى حالة التلمذة، في مدرسة يسوع، على مثال مريم، أخت مرتا، التي جلست لدى قدميه (لو 10\39)، تنهل "المعرفة الصحيحة"!
دون هذه المعرفة، يُخشى أن تتحوّل كلّ أعمالنا إلى مشاريعٍ فاشلة فنحاول أن نحبّ فنجرح من يحبّنا، ونحاول أن نصالح الناس فنزيد الشرخ ونحاول أن نربّي فنحصد التمرّد والمهانة!
وحده التقرّب من يسوع يشفينا من عللنا ويقودنا "إلى البرّ" وينقّي صلواتنا من روتينيتها ويحوّلها إلى اعترافٍ حميمٍ بمحبّة الله ومجده، يمهّد لنا سُبُل الخلاص.
وهنا اسأل نفسك أخي أو أختي في الإيمان: إذا كان الحبيب لا يملّ من قول كلمة أحبّك أو التعبير عنها بشتّى الوسائل، لماذا نحن نملّ سريعاً من التعبير عن محبّتنا لله بالقول أو بالأعمال الصالحة؟
أما الجواب فبسيط للغاية: نحن لا نحبّ الله كفاية وإلا لكان عالمنا كلّه تغيّر وتحسّن! لذا، لنعد إخوتي ً إلى الله نبع المراحم والنعم ولنسكب أمامه قلوبنا فينبض من جديد الإيمان داخلها ويشعّ منها الرجاء بين الناس وتتفجّر فيه سواقي الخير والمحبّة لله والناس، آمين.

 

::: الإنجيل :::

36 وفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهـذَا، وَقَفَ يَسُوعُ في وَسَطِهِم، وقَالَ لَهُم: "أَلسَّلامُ لَكُم!".
37 فارْتَاعُوا، واسْتَوْلى عَلَيْهِمِ الـخَوْف، وكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُم يُشَاهِدُونَ رُوحًا.
38 فقَالَ لَهُم يَسُوع: "مَا بَالُكُم مُضْطَرِبِين؟ وَلِمَاذَا تُخَالِجُ هـذِهِ الأَفْكَارُ قُلُوبَكُم؟
39 أُنْظُرُوا إِلى يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ، فَإِنِّي أَنَا هُوَ. جُسُّونِي، وانْظُرُوا، فإِنَّ الرُّوحَ لا لَحْمَ لَهُ وَلا عِظَامَ كَمَا تَرَوْنَ لِي!".
40 قالَ هـذَا وَأَرَاهُم يَدَيْهِ وَرِجْلَيْه.
41 وَإِذْ كَانُوا بَعْدُ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ مِنَ الفَرَح، وَمُتَعَجِّبِين، قَالَ لَهُم: "هَلْ عِنْدَكُم هُنَا طَعَام؟".
42 فَقَدَّمُوا لَهُ قِطْعَةً مِنْ سَمَكٍ مَشْوِيّ، وَمِنْ شَهْدِ عَسَل.
43 فَأَخَذَهَا وَأَكَلَهَا بِمَرْأًى مِنْهُم،
44 وقَالَ لَهُم: "هـذَا هُوَ كَلامِي الَّذي كَلَّمْتُكُم بِهِ، وَأَنا بَعْدُ مَعَكُم. كانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ كُلُّ مَا كُتِبَ عَنِّي في تَوْرَاةِ مُوسَى، وَالأَنْبِيَاءِ وَالـمَزَامِير".
45 حِينَئِذٍ فَتَحَ أَذْهَانَهُم لِيَفْهَمُوا الكُتُب.
46 ثُمَّ قالَ لَهُم: "هـكذَا مَكْتُوبٌ أَنَّ الـمَسِيحَ يَتَأَلَّم، وَيَقُومُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ في اليَوْمِ الثَّالِث.
47 وبِاسْمِهِ يُكْرَزُ بِالتَّوْبَةِ لِمَغْفِرةِ الـخَطَايَا، في جَمِيعِ الأُمَم، إِبْتِدَاءً مِنْ أُورَشَلِيم.
48 وأَنْتُم شُهُودٌ عَلى ذلِكَ.
(لو 24\36-48)

 

::: أفكار من وحي الإنجيل :::

في قراءة اليوم من إنجيل القديس لوقا نرى الربّ يسلم المسؤولية للرسل أجمعين بعدما كنّا رأيناه في الأحد الماضي يسلم مسؤولية لبطرس. فالربّ يعطي رسالات ومسؤوليات ووزنات لكلّ شخصٍ حسب طاقته أو قدر ما يستطيع أن يتحمل.


سنركّز على فكرتين من وحي القراءة:
1- وقف يسوع في وسطهم:
الرب القائم بجسد روحانيّ، لا لحم له ولا دم نراه على ضوء الإيمان، وهو موجود حتى في الأمكنة الّتي لا نخاله فيها، بين الخطأة، بين الفقراء، ... بين الخائفين.
ظهوره اليوم يؤكد ما قاله في الماضي وما ذكره الإنجيليّ متى: "حيثما اجتمع اثنان باسمي أكون الثالث بينهما "(متى 18 :20 ).
فنحن نجتمع اليوم باسم المسيح في الكنيسة لكي نقدّس، على مثال الرسل في العلية، فهل نشعر بوجود الرب بيننا؟ هل نترقب ونصغي في كل لحظة يقول "السلام لكم"؟ هل نجتمع بخشوع ورعدة في بيت المقدس؟ بالتأكيد سيكون الجواب نفياً إن دخلنا الكنيسة ورأس كلّ منّا ملآن بكل شيء بشري ومادي واستهلاكي، بعيداً عن الأمور السماوية.
في بعض الكنائس توضع عند مدخل الكنيسة أجران ماء مقدس فيضع المؤمنون الماء على جباههم خاصّةً لدى خروجهم من الكنيسة. إن هذا من الأخطاء التي اعتدنا عليها نظراً لعدم فهمنا لرمزيّة هذا التصرّف. فالماء يجب أن يوضع على الجبهة لدى الدخول إلى الكنيسة لغسل رؤوسنا من أفكارنا وهمومنا الأرضية لنتركها ونضعها خارجاً، لنكون في حضرة الربّ بعيداً عن كلّ برقع يفصلنا عن نوره أو سماعة تقف دون سماع صوته ولنكون في القداس بوحدة مع الأجواق الملائكية والكاروبيم والساروفيم بإنشادنا قدوس... فالقداس ليس حضوراً لنرى المسيح بل مشاركةٌ له بعين الإيمان.
فالمسيح يقف في وسط الجماعة وهو على مسافة واحدة من الجميع، برغم ضعف فلان وخطيئة فلان و... إنه في الوسط لينير للجميع فمن يريد الظلمة سيضع برقعاً ليتكيّف مع واقعه ومن يفتش عن النور يرى مبتغاه .

2- ما بالكم خائفين؟:
منذ ما قبل التجسد أرسل الله أنبياء، وكانوا يعلمون بضعفهم تجاه دعوتهم وبالتالي كان عندهم الخوف. ولكن، عندما كانوا يلمسون كلام الله ودعوته كانوا يتقوون ويواجهون الصعاب لأنه وفى بكلّ وعوده منذ الأزل.
الخوف إذاً مردّه للشعور بالضعف وقلة الإيمان وعدم التسليم لمشيئة الله، لذا يعيد الربّ اليوم نفس الكلمات: "ما بالكم خائفين؟".
الكتاب المقدس يحتوي على 366 آية تطلب منّا أن لا نخاف وهي ليست عديد السنة العادية بل السنة الكبيس وكأن الرب يقول لك كلّ يوم عندما تقرأ أو تتذكر هذه الكلمة: "لا تخف"، "لا تخافوا فأنا غلبت العالم و بالأخص الشرير والموت، فمتى كنتم معي ستكونون مع الحق، مع الحياة، ستتغلّبون على كلّ ما كان يخيفكم وحتى الموت لم يعد له سلطان عليكم لأنّي القيامة."
اليوم نرى الخوف يسيطر بمفاهيم مختلفة فليسأل كلّ واحدٍ منّا ذاته بأيّ فئة هو:
فئة تخاف على الله وتعتبر نفسها المدافعة عن الله وعن قيمه ووجود المسيح والمسيحية أصبح وجود المسيح من وجودهم .
• فئة تخاف الله وبمعنى آخر عندها مخافة الله فهي لا تخاف من الله بل تخاف إليه لأنها تحبه وهو نصيرها وحارسها ( أم 14: 26 ). عندما يصبح عندي مخافة الله، يعني ذلك إنّي أصبحت إنساناً جديداً بعلاقتي به وبمحيطي، إنساناً يجاهر بالحقيقة ولا يخاف من الإنسان الآخر ( أم 29 : 25 ) ولا من إبليس ولا من غشّه ولا من حيله.
• فئة تخاف عندما تسمع أو تتذكّر الله وهذا عائدٌ إلى نمط الحياة التي تعيشها وكلّ حياتها مليئة إلا من الله ولا تتذكره إلا في المناسبات الدينية الكبرى أو المناسبات الاجتماعية، عندما تذهب إلى الكنيسة من أجل الآخر وليس من اجل محبّة بالمسيح.
عند المصاعب يوجد احتمالات ثلاث:
• المراوحة والتلطّي وراء أمور عسى أن تساعد على تجاوز الحاضر بدون جهد أو بجهد الغير.
• الهروب إلى الوراء والاختفاء إن أمكن.
• المواجهة وأن تتقدم رغم المخاوف لتصل إلى علية اللقاء مع القائم من بين الأموات.
فمهما كان وضعك، فإنّ الرب يحملك ولا يتركك، وهو يرعاك إلى مراعٍ خصيبة وهو عالم بضعفك ونقصك، فلا الأكل سبب للخوف ولا المسكن ولا الوجود. فالجندي لا يخاف في المعركة طالما كان مزوداً بسلاح فعال وله طريق تموين سالكة، فإذا كان الرب قوتي والصلاة تواصلي عندها أستطيع القول: "لست أنا الحي بل المسيح يحيا بي وهو راعي".
ولنا في اختبارات آباء الكنيسة والمسيحيين على مرّ التاريخ شهادات في ذلك، إضافة إلى القدّيسين والظهورات والرسائل وغير ذلك التي تقول للمسيحيين أنا معكم لا تخافوا.

 

المقدّمة وأفكار من وحي الرسالة

من إعداد الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

 

الصلاة وأفكار من وحي الإنجيل  
من إعداد
الشدياق جوزيف أنطون
TES_YEUX_ME_VOIX@hotmail.com

 

::: تــأمـل :::

 

حيّ بالروح والجسد

لطالما موائد المحبّة هي التي كانت تجمع وما زالت، كيف إذن إن كان صاحب الوليمة هو ابن الله الحيّ؟


من حول تلك الموائد ولِدت الكنيسة الأولى، جامعة مِن حولها أشخاصاً غير متكلّفين، ما تردّدوا في العيش على سجيّتهم، ببساطة الإنسان في شكّه ورجائه، في خوفه وفرحه، في نكرانه وتوبته... بدوا أشخاصاً أقوياء في ضعفهم، وجريئين في قول ما يحرج المرء أو يقلقه...


أشخاص بانوا شغوفين إلى معرفة الحقيقة بقلب متواضع، رغم التردّد أمام شخص يسوع القائم من الموت – فما كان من السهل تقَبُّل ماحصل "لمعلّمهم" من آلام وموت شنيع – أناس لم يبحثوا في كلّ ما حدث إلاّ عن سرّ القيامة، فهُم يريدون طريقاً واضحاً ومقنعاً للمضيّ فيه دون خوف أو ارتباك: أتراه مختلفاً عن الأبطال الّذين عرفوهم وماتوا، ولم يبقَ منهم إلاّ الذكرى والتغنّي بها؟ أم كان إلهَ أسطورة ما جاء إلاّ ليدغدغ أحلامهم لوقت يسيرٍ ثمّ يختفي، تاركاً وراءه أشخاصاً محاصرين بالخوف أمام رهبة الموت؟


وقبل أن يفهموا، ها هو بالذات حيٌ يرزق، بالنفس والجسد قائما بينهم، يطلب الطعام ويدعوهم إليه: هو العالِمُ بضعف الإنسان وحاجته إلى الملموس والمحسوس كي يقتنع، سمح لهم وللمرّة الأولى، أن يلمسوه كي يتأكّدوا من أنّه حقيقة لا وَهْم. لكم كان هذا الحدث مُهِماً بمعانيه: قَبْل وليمة المحبّة - الإفخارستيّة، أرادهم أن يفهموا قيمة الجسد الكبيرةِ حتّى بعد الموت؛ فالمسيح لم يكن فقط روحاً قائماً بل كائناً كاملاً بعناصره كلّها. قام كي نؤمن به، هو الحياة الأبديّة، وبقيامتنا نحن أيضاً بالروح والجسد إلى المجد الأبديّ إن قبِلناه إلهاً ملكاً، حبيباً ورفيقاً مخلّصاً لنا. هو من شقّ طريق الاختبار هذا بكلّ شخصه، متمّماً كلّ ما جاء عن قيامته في الكتب المقدّسة كي نؤمن نحن أيضاً بقيامة الأجساد كما الروح.


وهنا أودّ الإشارة إلى أنّه كقائمٍ من الموت لا يحتاج إلى المأكل والمشرب، فجسده حيّ إلى الأبد مُحرَّر من الفساد وما من شيء عاد ينقصه.


فلنتعلّم كالتلاميذ، كيف نسترجع الحبّ الذي فقدناه بسبب قلّة إيماننا، وأقصينا أنفسنا عن وليمة الإفخارستيا ، ثمّ رمينا بأجسادنا في أوحال العالم فهشّمنا النفس وشوّهنا الجسد ولنبدأ بتذوّق طعم السماء في عيش القيامة منذ الآن بالإيمان وعيش المحبّة ... هيّا بنا نَقبل دون تردّد حقيقة المسيح الحيّ ولنؤمن أن الآب هو نبع رحمة وسيع، حاضر أبدا كي يرشدنا إلى الممرّ المؤدّي إلى حضنه، فلننطلق فيه رغم ضيقه وصعوبة سلوكه إلاّ على المتخلّي عن أحماله والمتجرّد من قيود الذات والتائب بصدق والمعترف بمحبّته وغفرانه حتّى ولو في آخر لحظات العمر؛ لا نضيّعنّ الفرصة إذن، فالحياة في انتظارنا.

 

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com