|
زمن القيامة وصيّة يسوع الجديدة (24 أيار 2009) |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
::: مدخل ::: |
• إنّه الأحد السابع والأخير في زمن الفصح ومعه نتأمّل بوصيّة
يسوع الجديدة.
• في المقطع المختار من الرسالة إلى أهل روما، نتأمّل في كلماتٍ لمار بولس
تدعونا إلى روحانيّة الشكر الدائم لله.
• أما في مقطع الإنجيل المختار من يوحنا، فنجد الربّ يسوع المسيح يوصينا وصيّة
جديدة تختصر كلّ ما علّمه في حياته الأرضيّة.
تدعونا الكنيسة إذاً، في هذا الأحد، إلى التجدّد الدائم بالمحبّة المتبادلة
لبعضنا البعض وبالمحبّة المجانيّة لكلّ الناس المستندة إلى محبّة الله
اللامحدودة لنا والتي تجلّت في نعمة الخلاص والفداء الإلهي.
|
::: صلاة ::: |
يا رب، نصغي إليك في هذا
الأحد تدعونا إلى أن نحبّ بعضنا بعضاً كما أنت أحببتنا.
نشكرك يا ربّ من اجل هذه الوصيّة الجديدة التي تبقي شعلة المحبّة ملتهبةً
في حياتنا.
هبنا أن نبقى أمناء لهذه المهمّة، رغم كلّ ما قد يعترضنا من صعوبات،
وامنحنا روحك لنطبّقها قولاً وفعلاً في علاقاتنا مع الجميع الناس، يا من
تحيا وتملك إلى أبد الآبدين، آمين.
|
::: الرسالة ::: |
15 فَلِذلِكَ أَنَا
أَيْضًا، وقَدْ سَمِعْتُ بإِيْمَانِكُم بِالرَّبِّ يَسُوع، ومَحَبَّتِكُم
لِجَمِيعِ الإِخْوَةِ القِدِّيسِين،
16 لا أَزَالُ أَشْكُرُ اللهَ مِنْ أَجْلِكُم، وأَذْكُرُكُم في صَلَواتِي،
17 لِيُعْطِيَكُمْ إِلـهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيح، أَبُو الـمَجْد،
رُوحَ الـحِكْمَةِ والوَحْيِ في مَعْرِفَتِكُم لَهُ،
18 فَيُنِيرَ عُيُونَ قُلُوبِكُم، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ
دَعْوَتِهِ، ومَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيراثِهِ في القِدِّيسِين،
19 ومَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الفَائِقَةِ مِنْ أَجْلِنَا، نَحْنُ
الـمُؤْمِنِين، بِحَسَبِ عَمَلِ عِزَّةِ قُوَّتِهِ،
20 الَّذي عَمِلَهُ في الـمَسِيح، إِذْ أَقَامَهُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات،
وأَجْلَسَهُ إِلى يَمِينِهِ في السَّمَاوَات،
21 فَوقَ كُلِّ رِئَاسَةٍ وسُلْطَانٍ وقُوَّةٍ وسِيَادَة، وكُلِّ اسْمٍ
مُسَمَّى، لا في هـذَا الدَّهْرِ وحَسْبُ، بَلْ في الآتي أَيْضًا؛
22 وأَخْضَعَ كُلَّ شَيءٍ تَحْتَ قَدَمَيْه، وجَعَلَهُ فَوْقَ كُلِّ شَيء،
رَأْسًا لِلكَنِيسَة،
23 وهِيَ جَسَدُهُ ومِلْؤُهُ، هُوَ الَّذي يَمْلأُ الكُلَّ في الكُلّ.
( أف 1\15-23)
|
::: أفكار من وحي الرسالة ::: |
في الأحد السابع في زمن
الفصح، نتأمّل مع الكنيسة في هذه القراءة من الرسالة إلى أهل أفسس حيث
تنساب صلاة شكرٍ وتضرّعٍ يتلوها مار بولس على نيّة أهلها ومن خلالهم على
نيّة كلّ مؤمنٍ بالفداء الّذي حقّقه الله في شخص يسوع المسيح مخلّصنا
وفادينا الوحيد.
يقول مار بولس: "لا أزال أشكر الله من أجلكم".
يدفعنا هذا القول إلى التوقّف أمام حياتنا وسؤال ذواتنا: إلى أي مدى نعيش
روحانيّة الشكر (الشكر في اليونانيّة = إفخارستيا) في حياتنا ومن أجل من أو
ماذا نشكر الربّ؟
ربما ما زلنا بمعظمنا "بدائيين" في علاقتنا بالله إذ غالباً ما نحصر شكرنا
له في تحقّق أمنياتنا أو طموحاتنا، خاصّة عندما تواجهنا ظروفٌ أو أوقاتٌ
حرجة. أمّا في سائر النجاحات، فغالباً ما ننسب الفضل لأنفسنا أو للصدفة أو
للقدر... ويضحي الله فرداً من الاحتياطي في فريقنا لا لاعباً أساسياً،
نحدّد له مهامه وصلاحياته وغالباً حدوده!
روحانيّة الشكر الانتقائيّة هذه بعيدة جداً عن روح الصلاة المسيحيّة التي
تتجاوز، في نصوص العهد الجديد، المواقيت والمواعيد الرسميّة لتضحي نهج
حياةٍ وجوهر وجود.
بكلام أوضح، الشكر في حياة المسيحي هو (أو هكذا يجب أن يكون!) حالة دائمة
تتلخّص في جملة نقولها كثيراً دون أن ندرك مدى عمقها وهي خاتمة معظم
صلواتنا: "الآن وكلّ أوان وإلى دهر الداهرين"!
نعم، المسيحي مدعو ليشكر الله "الآن وكلّ أوان وإلى دهر الداهرين" أي في
الفرح والحزن، في الصحّة والألم، في النجاح والفشل... فالشكر في الحياة
المسيحيّة هو أبعد ما يكون عن العمليّات التجاريّة ومنطق "الواحدة بواحدة"
(أي يقدّم الله خدمة للإنسان فيشكره الإنسان عليها) لأنّ ما قدّمه الله
للإنسان يتجاوز بكثيرٍ قدرة الإنسان على الإيفاء: الخلاص والفداء والمحبّة
كلّ المحبّة!
الشكر إذاً هو تعبيرٌ عن محبّتنا لله وعرفاننا لخلاصه ومفاعيلهما الغير
محدودة في الزمان والمكان، لذا عليه أن يتحوّل من مجرّد ردّ فعلٍ تأسره
محدوديتنا الزمانيّة والمكانيّة إلى حالةٍ جوهريّة دائمة نعيشها "الآن وكلّ
أوان وإلى دهر الداهرين"!
حاولنا حتى هنا الجواب على سؤال: من أجل ماذا نشكر الله؟ يبقى أن نجيب على
السؤال: من أجل من؟
لا شكّ بأنّ أول ما يحضر إلى بالنا هم المحيطون بنا ومن نحبّهم ومن
نقدّرهم. ولكن ما القول عن من قد يعترض وجودهم أو طبعهم أو شخصيّتهم دروبنا
أو مشاريعنا أو طموحاتنا؟ وما القول عن أعدائنا؟
الجواب من الكتاب وهو: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُم، وصَلُّوا مِنْ أَجْلِ
مُضْطَهِدِيكُم، لِتَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبيكُمُ الَّذي في السَّمَاوَات،
لأَنَّه يُشْرِقُ بِشَمْسِهِ عَلى الأَشْرَارِ والأَخْيَار، ويَسْكُبُ
غَيْثَهُ عَلى الأَبْرَارِ والفُجَّار. فَإِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذينَ
يُحِبُّونَكُم، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُم؟" (متى 5\44-46)
ولمن استصعب المهمّة، ندعوه ليتذكّر أن اعتناق المسيحيّة ليس "كزدورة" أو
"رحلة ترفيهيّة" بل تحدٍّ مثلّث الأبعاد:
• تحدٍّ للذات إذ نخضع أنانيتنا للمحبّة التي زرعها الله في قلوبنا بروحه.
• تحدٍّ للعالم وروحه الّذي يدعونا للانغلاق وللفرديّة فتأتي مسيحيتنا
لتكسر حلقة العزلة بالمحبّة المنفتحة والمتسامحة.
• تحدٍّ للشرّ المتربّص بنا منذ الخلق وإعلانٌ لانتصار روح الله فينا على
ما سواها من ميولٍ ورغائب.
لذا تعالوا إخوتي اليوم لنخوض رحلةً جديدةً في غمار مسيحيتنا لواؤها الشكر
لله ووسيلة تطوّرها الالتزام بوصيّة يسوع الجديدة: "أَنْ تُحِبُّوا
بَعْضُكُم بَعْضًا. أَجَل، أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُم بَعْضًا كَمَا أَنَا
أَحْبَبْتُكُم" (يو13\34).
|
::: الإنجيل ::: |
31 فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ يَسُوع: "أَلآنَ مُجِّدَ ابْنُ
الإِنْسَانِ ومُجِّدَ اللهُ فِيه.
32 إِنْ كَانَ اللهُ قَدْ مُجِّدَ فِيه، فَاللهُ سَيُمَجِّدُهُ في ذَاتِهِ،
وحَالاً يُمَجِّدُهُ.
33 يَا أَوْلادي، أَنَا مَعَكُم بَعْدُ زَمَنًا قَلِيلاً. سَتَطْلُبُونِي،
ولـكِنْ مَا قُلْتُهُ لِلْيَهُودِ أَقُولُهُ لَكُمُ الآن: حَيْثُ أَنَا
أَمْضِي لا تَقْدِرُونَ أَنْتُم أَنْ تَأْتُوا.
34 وَصِيَّةً جَديدَةً أُعْطِيكُم، أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُم بَعْضًا.
أَجَل، أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُم بَعْضًا كَمَا أَنَا أَحْبَبْتُكُم.
35 بِهـذَا يَعْرِفُ الـجَمِيعُ أَنَّكُم تَلامِيذِي، إِنْ كَانَ فيكُم
حُبُّ بَعْضِكُم لِبَعْض".
(يو 13\31-35)
المقدّمة وأفكار من وحي الرسالة من إعداد الخوري نسيم قسطون |
|
::: تــأمـل ::: |
هل تخيّلت نفسك يوماً تقدّم للحبيب وردةً تناثرت بِتْلاتها
(أوراقها) ؟ أيّ هدية تكون؟ وردة قد فقدت رونقها, رائحتها وجمالها.
تلك هي حال الإنسان الفاقد الحبّ من حياته: كيف يكون على صورة الله ممتلئاً
به وبفرحه إن قضى أيّامه "يَفْرُط" أوراق الخير بانتقاده للآخر والحكم
عليه, بالغيرة منه لا عليه, بازدرائه له وتهميشه...؟
ربّما صعب علينا أن نعيش الحبّ بحسب ما يوصينا به الآب لأننا ما زلنا
متمسّكين بذواتنا لذواتنا, ولا نتكلّف عناء إزاحة حجرة صغيرة تعَثّر أحداً
في الطريق؛ لأننا لا نؤمن بعدُ أن المسيح ساكن فينا، حاضرٌ كي يسندنا في
ضعفنا البشريّ، حتّى إذا ما التقينا الآخر أحببناه بالله الساكن فيه هو
أيضاً (كما فينا)، وآمنّا بأنّه أخٌ لنا به، وهو الذي جعلنا، من ايّ جنس
كنّا أو لون أو انتماء، أبناء أبيه الواحد يوم افتدانا بصليبه و أقامنا
جميعاً معه كعائلة واحدة، إلى حياة شراكة وحضور إلهيّ حيّ فينا.
أتساءل كيف أحبّ الآخر وأنا أراه ثقيل الظلّ فلا يروق لي؟ كيف أبادله
المحبّة وما من شيءٍ يشدّني إليه، لا عاطفة، لا أحاسيس ولا شعور بالإعجاب؟
كما وأنّ ما يفعله لا يرضيني وما يقوم به لا أستحسنه؟ أجده بعيداً كلّ
البعد عن تفكيري وطريقة عيشي! ولكن، هل الحبّ المقدّس هو عاطفة مندفعة
نابعة من الأحاسيس والمشاعر، أم هو فعل إرادة مبنيّة على الرغبة في خير
الإنسان محبّة نابعة من وجداني وتقديري لنِعمة الله فيَّ في عمل ما هو حسن؟
فإن كانت "بشريّتي" هي التي تتحكّم بي، جرّدتني من عطر المسيح الذي أخذته
بالمعموديّة وأضحيت وردة فقدت أوراقها لحرمانها من ماء المحبّة ونور
الألوهة سبب الحياة والاستمرارية. ما ذنب الآخر إن أطلقت العنان لاختلاجاتي
فحلّت مكان العقل والإرادة، فتراني أغضب وأحقد، أتوقّف عند كلّ ما هو
خارجيّ وأهمل ما هو داخل الآخر، فأثور لثرثرة أو لإساءةٍ ما تجاهي فأنتقم؛
أستهزئ بالآخر لعدم قدرتي على الوصول إلى ما هو عليه من مستوى تعليمي أو
ثقافي...أحياناً أحسده فأُجَرِّح به بسبب غيرتي العمياء من حاله عندما لا
أستطيع الانتماء إلى طبقته الاجتماعية الرفيعة التي ورثها طبيعياً أو سعى
إليها.
هناك يوم سيأتي ، ألقى فيه الحبيب وجهاً لوجه؛ سوف ينظر إلى داخل قلبي
وعينيّ لا إلى يديّ وكمّ الأعمال البطولية التي عملت أو "ستفة" الشهادات
التي حصّلت، ولن يأبه إلى "صنجي إن كان يطنّ أو إلى جرسي أن كان يرنّ"، سوف
يسألني : كم أحببت؟ وفقط، كم أحببت؟