|
زمن العنصرة |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
::: مقدّمة حول الرتبة ::: |
مع هذا الأحد يبدأ زمن طقسيّ جديد تتأمّل فيه الكنيسة في عمل
الروح القدس في حياتها الروحيّة والليتورجيّة والعمليّة.
في هذا الأحد تحتفل الكنيسة برتبة قديمة نسمّيها شعبياً "تبريك الميّ" بكونها
تتضمّن، في قسمها الثاني، صلوات تبريك المياه التي يأخذها المؤمنون إلى منازلهم
ليتبرّكوا بها.
ولكن هذه الرتبة تتضمّن أيضاً، في قسمها الأول، ثلاث صلوات ( ندعوها: "قومات")
موجّهة، على التوالي، لأقانيم الثالوث الأقدس : الآب والابن والروح القدس.
(سنتكلّم في ما يلي عن الرتبة القديمة لا الحديثة المختصرة).
تتمّ القومة الأولى (الموجّهة للآب) جثواً على الركبة اليسرى، كما يفعل عادةً
المتقدّم إلى الدرجات الكهنوتيّة الصغرى (المرتّل والقارئ والشدياق) أثناء
سيامته.
ثم تتمّ القومة الثانية (الموجّهة للابن) جثواً على الركبة اليمنى، كما يفعل
عادةً المتقدّم إلى الدرجة الشماسيّة أثناء سيامته.
ثم تتمّ القومة الثالثة (الموجّهة للروح القدس) جثواً على الركبتين، كما يفعل
عادةً المتقدّم إلى الدرجة الكهنوتية أو الأسقفية أثناء سيامته.
يمكننا إذاً، على الأقل روحيّاً، التأكيد على البعد الكهنوتي العام للمؤمنين في
الكنيسة والّذي يعني أنهم شركاء في مهمات "التعليم" \ "التدبير" \ "التقديس"
المميّزة لعمل الكنيسة وروحانيتها.
لنذكر إخوتي اليوم أننا مدعوون لجعل العالم كلّه هيكلاً لله بحضورنا وروحانيتنا
وشهادتنا المسيحيّة أمام إخوتنا المسيحيين وأمام من هم أيضاً من أديان أخرى.
صلاتنا أن يكون هذا الزمن زمناً نعيد فيه اكتشاف هويتنا المسيحية ودورنا كشهود
لقيامة الربّ يسوع، آمين.
|
::: صلاة استدعاء الرّوح القدس ::: |
هلمّ أيها الرّوح القدس وأرسل من السماء شعاع نورك.
هلمّ يا أبا المساكين، هلمّ يا معطي المواهب، هلمّ يا ضياء القلوب.
أيّها المعزّي الجليل، يا ساكن القلوب العذب، أيتها الاستراحة اللذيذة.
أنت في التعب راحة وفي الحرّ اعتدال وفي البكاء تعزية.
أيّها النور الطوباوي، إملأ باطن قلوب مؤمنيك، لأنّه بدون قدرتك لا شيء في
الإنسان ولا شيء طاهر.
طهّر ما كان دنساً، أسقٍ ما كان يابساً، إشفِ ما كان معلولاً.
ليّن ما كان صلباً، أضرم ما كان بارداً، دبّر ما كان حائداً.
أعطٍ مؤمنيك المتّكلين عليك المواهب السبع، إمنحهم ثواب الفضيلة، هب لهم غاية
الخلاص، أعطهم السرور الأبدي، آمين.
|
::: صلاة ::: |
أيها الروح القدس،
البارقليط، المعزّي، الناطق بالأنبياء والرّسل، واهب المواهب ومقدّس
الأسرار، غافر الآثام وصانع الآيات،
أيها الإله الصالح والمحيي، ينبوع الصلاح، أنت روح الحقّ والحكمة والفهم
والمشورة والمعرفة، روح القوّة والتقوى والمخافة والعبادة الحسنة...
بك يُعرَفُ الآب ويؤمَنُ بالابن ويُسجَدُ لك معهما سجوداً حقّاً، إذ أنت
المساوي لهما بالجوهر،
نتضرّع إليك في هذا العيد المجيد، لتجدّد فينا مواهبك الإلهيّة وتملأنا من
حكمة تعليمك وتزيّننا بغنى عطاياك، لكي نحيا بك حياة مسيحيّة صالحة،
ممجّدين الثالوث الأقدس، إلى الأبد، آمين.
|
::: الرسالة ::: |
1 وفي تَمَامِ اليَوْمِ
الـخَمْسِين، كَانُوا كُلُّهُم مَعًا في مَكَانٍ وَاحِد.
2 فَحَدَثَ بَغْتَةً دَوِيٌّ مِنَ السَّمَاءِ كَأَنَّهُ دَوِيُّ رِيحٍ
عَاصِفَة، ومَلأَ كُلَّ البَيْتِ حَيثُ كانُوا جَالِسين.
3 وظَهَرَتْ لَهُم أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَار،
واسْتَقَرَّ عَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم لِسَان.
4 وامْتَلأُوا كُلُّهُم مِنَ الرُّوحِ القُدُس، وبَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ
بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى، كَمَا كَانَ الرُّوحُ يُؤْتِيهِم أَنْ يَنْطِقُوا.
5 وكَانَ يُقيمُ في أُورَشَلِيمَ يَهُود، رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ مِنْ كُلِّ
أُمَّةٍ تَحْتَ السَّمَاء.
6 فَلَمَّا حَدَثَ ذـلِكَ الصَّوت، احْتَشَدَ الـجَمْعُ وأَخَذَتْهُمُ
الـحَيْرَة، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُم كَانَ يَسْمَعُهُم
يَتَكَلَّمُونَ بلُغَتِهِ.
7 فَدَهِشُوا وتَعَجَّبُوا وقَالُوا: "أَلَيْسَ هـؤُلاءِ الـمُتَكَلِّمُونَ
جَمِيعُهُم جَلِيلِيِّين؟
8 فَكَيْفَ يَسْمَعُهُم كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِـاللُّغَةِ الَّتِي وُلِدَ
فِيهَا؟
9 ونَحْنُ فَرْتِيُّون، ومَادِيُّون، وعَيْلامِيُّون، وسُكَّانُ مَا بَينَ
النَّهْرَيْن، واليَهُودِيَّة، وكَبَّدُوكِيَة، وبُنْطُس، وآسِيَا،
10 وفِرِيْجِيَة، وبَمْفِيلِيَة، ومِصْر، ونَوَاحِي لِيبيَةَ القَريبَةِ
مِنْ قَيْرَوَان، ورُومَانِيُّونَ نُزَلاء،
11 يَهُودٌ ومُهْتَدُون، وكْرِيتِيُّون، وعَرَب، نَسْمَعُهُم
يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا عَنْ أَعْمَالِ اللهِ العَظِيمَة".
12 وكَانُوا كُلُّهُم مَدْهُوشِينَ حَائِرينَ يَقُولُ بَعْضُهُم لِبَعْض:
"مَا مَعْنَى هـذَا؟".
13 لـكِنَّ آخَرِينَ كَانُوا يَقُولُونَ سَاخِرين: "إِنَّهُم قَدِ
امْتَلأُوا سُلافَة!".
14 فَوَقَفَ بُطْرُسُ مَعَ الأَحَدَ عَشَر، ورَفَعَ صَوْتَهُ وخَاطَبَهُم
قَائِلاً: "أَيُّهَا الرِّجَالُ اليَهُود، ويَا جَمِيعَ الـمُقِيمِينَ في
أُورَشَلِيم، لِيَكُنْ هـذَا مَعْلُومًا عِنْدَكُم، وأَصْغُوا إِلى
كَلامِي.
15 لا، لَيْسَ هـؤُلاءِ بِسُكَارَى، كَمَا تَظُنُّون. فَـالسَّاعَةُ هِيَ
التَّاسِعَةُ صَبَاحًا.
16 بَلْ هـذَا هُوَ مَا قِيلَ بِيُوئِيلَ النَّبِيّ:
17 ويَكُونُ في الأَيَّامِ الأَخِيرَة، يَقُولُ الله، أَنِّي أُفِيضُ مِنْ
رُوحِي عَلى كُلِّ بَشَر، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُم وبَنَاتُكُم، ويَرَى
شُبَّانُكُم رُؤًى، ويَحْلُمُ شُيُوخُكُم أَحْلامًا.
18 وعَلى عَبِيدي وإِمَائِي أَيْضًا أُفِيضُ مِنْ رُوحِي في تِلْكَ
الأَيَّامِ فيَتَنبَّأُون.
19 وأَعْمَلُ عَجَائِبَ في السَّمَاءِ مِنْ فَوْق، وآيَاتٍ عَلى الأَرْضِ
مِنْ أَسْفَل، دَمًا ونَارًا وأَعْمِدَةً مِنْ دُخَان.
20 وتَنْقَلِبُ الشَّمْسُ ظَلامًا والقَمَرُ دَمًا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ
يَوْمُ الرَّبّ، اليَوْمُ العَظِيمُ الـمَجِيد.
21 فَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِـاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُص.
(أعمال الرسل 2\ 1-21)
|
::: حول الرسالة ::: |
ها نحن اليوم نتأمّل في هذا
النصّ في يوم عيد العنصرة المصادف أسبوعاً واحداً قبل موعد الانتخابات
النيابيّة.
لسنا هنا بالطبع في وارد الكلام عن السياسة التي لها أهلها ونحن في عزِّ
أيامها وقد سبق للكنيسة أن وضعت بين أيدينا شرعةَ للعمل السياسي فيها
توجيهات روحيّة وعمليّة لخيارٍ انتخابيّ "ضميريّ" بعيدٍ عن منطق الفعل
وردّات الفعل وعن منطق التعصّب وعن منطق الفئويّة أو المصالح الشخصيّة
والضيّقة.
ما يعنينا هو بعض العبر التي يمكن استخلاصها من هذا النصّ قبل الولوج في
"حمّى" الانتخابات.
نجد في النصّ شعوباً مختلفةً ولكن مجتمعة معاً لكي تصغي إلى الرسل ويتبيّن
أنّ كلّاً منهم كان يفهم خطاب الرسل بلسانه هو رغم كون الرسل جميعاً من
شعبٍ واحد (يهود) ومن منطقةٍ واحدة (الجليل).
هذا كان طبعاً من مفاعيل حلول الروح القدس عليهم الّذي أعاد جمع البشريّة
التي فداها يسوع بموته وقيامته في جماعةٍ واحدة تعبد رباً واحداً ولها
إيمان واحدٌ ومعموديّة واحدة (أف 4\5).
لقد أزال الروح القدس الانقسام اللغوي أو العرقي ليحلّ محلّه الوحدة في
الإيمان داخل الكنيسة الواحدة حيث، وفقاً لمار بولس، "لَبِسْتُمُ
الإِنْسَانَ الـجَديدَ الَّذي يتَجَدَّدُ لِيَبْلُغَ إِلى تَمَامِ
الـمَعْرِفَةِ على صُورَةِ خَالِقِهِ. فلا يُونَانِيٌّ بَعْدُ ولا
يَهُودِيّ، لا خِتَانَةٌ ولا عَدَمَ خِتَانَة، لا أَعْجَمِيٌّ ولا
إِسْكُوتِيّ، لا عَبْدٌ ولا حُرّ، بَلِ الْمَسِيحُ هُوَ الكُلُّ وفي
الكُلّ" (قول 3\10-11).
وهذا يدفعنا اليوم لنسأل ذواتنا عن جرح وحدتنا النازف فنحن نؤمن بربّ واحد
ولننا كنائس منقسمة، نعشق وطناً واحداً ولكننا أحزاب متناحرة، ندّعي عبادة
إله واحدٍ فيما نشرك في عبادته زعماءنا وأملاكنا وحتى بعض خطايانا...
أفلا يجب أن نسأل ذواتنا حول مدى "خيانتنا" للربّ يسوع ولروحه القدّوس ونحن
مشرذمون ومنقسمون ومتباعدون؟
كثيرون يسألون:أليس لنا الحقّ في الاختلاف ونحن نعتمد الديموقراطية نظاماً
للحكم؟
الجواب هو طبعاً فليس الدستور وحده هو ما يكفل حريتنا في الاختيار بل ما
يكفلها هو أهمّ بكثير من دستور وضعه بشر ويعدّله بشر، لأنّ من خُلق على
صورة الله ومثاله لا تستطيع قوّةٌ في العالم انتزاع حريّته ولو كان مكبلاً
أو مكموماً أو معتقلاً أو منفياً.
ولكن هل تتضمّن الديموقراطيّة أو الحريّة عدم قبول الرأي الآخر أو عزل
صاحبه؟
هل تكمنان في تكرير أخطاء الآخر بعد أن يكون قد قامَ "وقعدنا محلّه"؟
هل تعنيان أن يقاطع الأخ أخاه لأنّه ليس من رأيه؟
هل تجبرانني على أن ألبِسَ أولادي هذا اللون دون سواه وأن أزرع فيهم الحقد
على الآخر وكره الآخر؟
هل تعني الانتخابات الخروج مثخنين بجراح الاختلاف بينما من اختلفنا من
أجلهم سيجلسون عاجلاً أم آجلاً مع بعضهم ليتقاسموا الحصص بعد أن يكونوا قد
تبادلوا الابتسامات في ما نكون نحن قد حصرنا تبادلنا بالشتائم والأحقاد؟
لم يقل النصّ إن الرسل كانوا يتكلّمون لغةً واحدة بل قال إن ما كانوا
يقولونه كان مفهوماً من الجميع. ولعلّ هذه هي العبرة الأهمّ في هذا
الأسبوع: قد نختلف بالآراء وبالانتماءات وبالمواقف ولكنّ الأهم هو أن نحافظ
على الحدّ الأدنى من التفاهم والتواصل لأن المسيح الّذي يجمعنا أهمّ وأبقى
من كلّ المبادئ أو الأحزاب أو الشعارات التي تفرّقنا.
اجمعنا يا ربّ بروحكَ القدوس، آمين!
|
::: الإنجيل ::: |
14 إِنْ تُحِبُّونِي تَحْفَظُوا وَصَايَاي.
15 وأَنَا أَسْأَلُ الآبَ فَيُعْطِيكُم بَرَقلِيطًا آخَرَ مُؤَيِّدًا
يَكُونُ مَعَكُم إِلى الأَبَد.
16 هُوَ رُوحُ الـحَقِّ الَّذي لا يَقْدِرُ العَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ،
لأَنَّهُ لا يَرَاه، ولا يَعْرِفُهُ. أَمَّا أَنْتُم فَتَعْرِفُونَهُ،
لأَنَّهُ مُقيمٌ عِنْدَكُم، وهُوَ فِيكُم.
17 لَنْ أَتْرُكَكُم يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُم.
18 عَمَّا قَلِيلٍ لَنْ يَرانِيَ العَالَم، أَمَّا أَنْتُم فَتَرَونَنِي،
لأَنِّي أَنَا حَيٌّ وأَنْتُم سَتَحْيَون.
19 في ذلِكَ اليَومِ تَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا في أَبِي، وأَنْتُم فِيَّ،
وأَنَا فيكُم.
(يوحنا 14\ 15-20)
|
::: تأمّل من وحي الإنجيل ::: |
1- أحبّنا يسوع حتّى النهاية، حتّى الموت على الصليب، وطلب
من تلاميذه ومنا أن نبادله المحبّة عبر حفظ وصاياه التي اختصرها بوصيّة
واحدة هي محبّة بعضنا البعض كما أحبذنا هو. أمّا المكافأة التي يهبنا إياها
فهي إرسال "بارقليط آخر مؤيّد" يكون معنا إلى الأبد! فمن هو هذا البارقليط؟
2- البارقليط كلمة يونانيّة تحمل عدّة معانٍ فهو المؤيّد والمعزّي والمشجّع
والمحامي... كان دوره، في عهد الإمبراطوريتين اليونانيّة والرومانيّة، أن
يرافق المتّهم إلى الدوائر أو المحاكم وأن يدافع عنه ويثبت براءته وان
يعيده سالماً إلى أهله... بالنسبة للتلاميذ، البارقليط الأول كان الربّ
يسوع بالذات، الّذي علّمهم وساعدهم وحامى عنهم... فمن منّا لا يتذكّر كيف
طلب يسوع، في ليلة الآلام، من الآتين ليقبضوا عليه أن يتركوا تلاميذه بسلام
وأن لا يمسّوا أحدهم بأذى؟
3- لقد وعد يسوع: "لن أدعكم يتامى"، لأنّ الروح القدس البارقليط سيكمل دور
يسوع مع التلاميذ ومع الكنيسة ومع المؤمنين وسيكون لهم بمثابة الأخ والصديق
والرفيق والمعلّم...
4- "يرشدكم إلى الحقّ كلّه ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم" أي إنّ الروح القدس
هو معطي المواهب التي اختصرها النبي آشعيا بسبع: الحكمة والفهم والمشورة
والقوّة والعلم والتقوى ومخافة الله. وهو الّذي يملؤنا من الفضائل الإلهيّة
وهي الإيمان والرجاء والمحبّة ويجعلنا نحيا حياة مسيحيّة صالحة مليئة
بالثمار الروحيّة التي يعدّد مار بولس بعضها في رسائله كالفرح والسلام
والوداعة والتواضع والدّماثة وطول الأناة...
نصلّي في هذا العيد المبارك ملتمسين من الربّ أن يحقّق وعده بإرسال
البارقليط إلى حياتنا لنحيا به ولنمجّده مع الآب والابن إلى الأبد، آمين.
|
::: تأمّل روحي ::: |
الروح مقدّس الكلّ
فيض الأنا في الذات بلبل ملك بابل وحاشيته عندما حصروا كِبَرِ الإنسان وعظمته بالمادة، بالمنظور، ببرج بنوه كي يصلوا به إلى السماء مُتَحَدِّين الله، ففقدوا القدرة على التواصل فيما بينهم بلغة مفهومة ودخلوا في متاهة الخوف والضياع.
أمّا فيض الروح في اليوم الخمسين من بعد القيامة، فقد حرّر الإنسان من
الذات وكشف له عن عظمته الحقيقيّة الكامنة في قدرته على التواصل مع الله
وتحدّي خوفه من مضطهده والساخر والشاتم والمستهزئ بالمسيح وروحه، فأعطاه
نعمة التكلّم بلغات يفهمها، كلٌّ بحسب لسانه الّذي يتكلّم به.
حدث العنصرة تخطّى آية تكلّم التلاميذ إلى الجموع الكبيرة في فهمها لهم:
حلّت النعمة على من آمن ففاضت على من حولهم رغم تنّوعهم واختلافاتهم.
لندخل تاريخنا ونتأمّل من بابل إلى يومنا هذا ونحن ما زلنا ننظر بتشاوف أو
غيرة أو ازدراء إلى الآخر ونصنّفه بأنّه "مختلف" وننسى أنّ الله بذاته كرّس
هذا الاختلاف بطريقة ملموسة (بسبب قلّة ثقتنا بالله وبالآخر)، بدءاً من
سجود مختلف الملوك من المشرق والمغرب أمام طفل المغارة، مروراً بحياة يسوع
العلنيّة وآياته المختلفة من دون تمييز حتّى يوم العنصرة وفيض روح الحبّ
على كلّ من كان حاضراًّ وما زال في الكنيسة، طبعاً كنيسة البشر.
إله أحبّ التنوّع وجعل فيه جمال الاكتمال وروعة المواهب، فما نقص في الواحد
كمّله الآخر ليؤلّفا معاً جماعة مكتملة، مشعّة بأعمال الله الساكن في
الإنسان.
إله جعل منّا هياكل مقدّسة كي يسكن فينا بروحه القدّوس، تلك الشعلة
المتّقدة بالحبّ التي تحرّك في أحشائنا حماسة التطلّع إلى وجوده الحيّ
وتوقظ فينا رجاءً خدّرته مآسي الأيّام و ضيقاتها.
إله حفر في داخلنا بئراًّ عميقة ليلة الخمسين ووضع فيها ماءً حيّة، روح
الحقّ، الروح الذي يقودنا بالمعرفة إلى الحقّ كلّه والحرّية المطلقة.
فماذا فعلنا بهذا الإله؟ أين سجنّاه؟ إنّنا ننكر وجوده فينا وننكر عليه
روحه المحيي. هل اصطففنا مع أهل بابل وملكها، فأقمنا أبراجاً عقائديّة
و"كبريائيّة" وما إلى هنالك من تزمّت، رافضين الاختلاف وفارضين شروطنا
وأفكارنا، مشروعنا وميولنا، مطلقين صوبه سهام أنانيتنا؟
أم اخترنا أهل العلّية وقبلنا معمودية الروح فانطلقنا مؤمنين مالكين مفاتيح
التبصّر والفهم متّقدين بالحبّ والشجاعة ، لابسين ثوب النقاء وفرح عائلة
المسيح العابقة بالطيب؟
اليوم روح الله ما زال حيّاً يعمل فيك وفيّ، ودعاك كما دعاني كي نحرّر به
الخليقة التي تأنّ من الألم الشرّ و الاختلاف. إنّهما حقيقة واقعة، لكن
لننظر بعينيّ المسيح إلى هاتين الخشبتين كي نرى جمال القيامة وفرح أهل
البيت بعرس الحمل الدائم الحضور الحال فينا بروحه القدّوس إلى الأبد، آمين.
المقدّمة وأفكار من وحي الرسالة من إعداد الخوري نسيم قسطون
الصلاة والتأمّل من وحي الإنجيل
تأمّل روحي |