|
زمن العنصرة |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
::: مقدّمة ::: |
• إنّه الأحد الخامس من زمن العنصرة وفيه نتأمّل في دعوة الرسل
وفي صعوبات الرسالة.
• في الرسالة إلى أهل فيليبي، يدعونا مار بولس للتشبّه به فنعدّ "كُلَّ شَيءٍ
أَيْضًا خُسْرَانًا، إِزاءَ الرِّبْحِ الأَعْظَمِ وهو مَعْرِفَةُ الـمَسِيحِ
يَسُوعَ".
• في الإنجيل، يخبرنا متى الإنجيلي عن دعوة التلاميذ الاثني عشر وعن أولى
تعليمات الربّ يسوع لهم.
في هذا الأحد، تدعونا الكنيسة إذاً إلى إعادة النظر في حياتنا وفي مدى أمانتنا
للتلمذة للربّ يسوع ولكنيسته.
|
::: صلاة ::: |
أللهم أبانا الّذي في السماوات، نقف أمامك اليوم بخشوع وتهيّب، لنعلن لك مع بطرس وبولس والرّسل الأطهار، أنّك خيرنا وخلاصنا وحياتنا وفرحنا الدائم... ونشكرك على النّعم التي منحتناها وتمنحنا إياها منذ ولادتنا واعتمادنا حتى اليوم... وإذا كانت الحياة معك وبرعايتك حلوة، فبدونك كلّ شيء نعتبره خسراناً... فاجعلنا يا أبانا نحيا تحت نظرك الوالديّ حياةً مرضيّة لديك، نتمّ فيها مشيئتك ونعمل من أجل انتشار وتوطيد ملكوتك في عالم معرّض للانجراف في طريق الشرّ والفساد، وإذ نقرّ ونعترف بضعفنا... لنا رجاء بقدرتك وحكمتك، بها تكتمل رسالتنا وتبلغ غايتها الخلاصيّة، لك المجد إلى الأبد، آمين.
|
::: الرسالة ::: |
7 لـكِنَّ كُلَّ هـذِهِ الأُمُورِ الَّتي كَانَتْ لِي رِبْحًا،
حَسِبْتُهَا مِن أَجْلِ الـمَسيحِ خُسْرَانًا.
8 بَلْ إِنِّي أَحْسَبُ كُلَّ شَيءٍ أَيْضًا خُسْرَانًا، إِزاءَ الرِّبْحِ
الأَعْظَمِ وهو مَعْرِفَةُ الـمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذي مِنْ أَجْلِهِ
خَسِرْتُ كُلَّ شَيء، وأَحْسَبُهُ نُفَايَةً لأَرْبَحَ الـمَسِيح،
9 وأُوجَدَ فيهِ مُبَرَّرًا لا بالبِرِّ الَّذي مِنَ الشَّرِيعَة، بَلْ
بالبِرِّ الَّذي منَ الإِيْمَانِ بالـمَسِيح، والَّذي هُوَ مِنَ الله،
والقَائِمِ عَلى الإِيْمَان.
10 وذلِكَ لِكَي أَعْرِفَهُ وأَعْرِفَ قُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وأَشتَرِكَ في
آلامِهِ، مُتَشَبِّهًا بِهِ في مَوتِهِ،
11 لَعَلِّي أَبْلُغُ القِيَامَةَ مِن بَيْنِ الأَمْوَات.
12 ولا أَدَّعِي أَنِّي قَدْ حَصَلْتُ على ذلِكَ، أَو أَنِّي بَلَغْتُ إِلى
الكَمَال، لـكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُهُ، لأَنَّ الـمَسِيحَ يَسُوعَ
أَدْرَكَنِي!
13 أَيُّهَا الإِخْوَة، أَنَا لا أَظُنُّ أَنِّي أَدْرَكْتُ، ولـكِنْ
يَهُمُّنِي أَمْرٌ وَاحِد، وهُوَ أَنْ أَنْسَى ما ورَائِي، وأَمْتَدَّ إِلى ما
أَمَامِي.
14 فأَسْعَى إِلى الـهَدَفِ لأَفُوزَ بالـجَائِزَةِ العُلْيَا الَّتي
يَدْعُونَا اللهُ إِلَيْهَا في الـمَسِيحِ يَسُوع.
(فل3/7-14)
|
::: حول الرسالة ::: |
في هذا الأحد، نتأمّل من خلال
نصّ الرسالة هذا بمبدئي الربح والخسارة وفق النظرة المسيحيّة.
في الحياة اليوميّة، لا أحد منّا يحبّ أن يخسر!
لقد تربينا منذ نعومة أظفارنا على حبّ الربح وهذا بحدّ ذاته جيّد إذا كان
تعبيراً عن الطموح. ولكنّ الأمر يصبح خطراً ما أن يتخطّى حدود الطموح المشروع
نحو رفض الخير للآخر والنجاح للآخر ويصبح أخطر بكثيرٍ حين يشرع الإنسان
باستخدام وسائل غير مشروعة في سبيل تحقيق أهدافه ويبدأ باستنباط الحجج لتبرير
أفعاله وتصرّفاته...
ولكن – روحياً – تنقلب المعادلة إذ يربح أكثر من يخسر أكثر والقاعدة الذهبيّة
في هذا المجال هي تلك التي استنبطها قديسنا نعمة الله الحرديني: "الشاطر بيخلّص
نفسو".
فإذا أردت أيها المؤمن معرفة إذا كنت من الخاسرين أو من الرابحين إسأل ذاتك: هل
ما أقوم به يسهّل خلاص نفسي أو يساهم في تحقيق هذا الخلاص؟
وبالتالي يصبح كلّ ما لا يساعد على خلاص نفسي أو على تحقيقي "الرِّبْحِ
الأَعْظَمِ وهو مَعْرِفَةُ الـمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي " بمثابة "نفايةٍ" لا
قيمة لها ولا معنى لها!
وهنا يطرح سؤالٌ صعبٌ حول الماضي، ماضي كلّ واحدٍ منّا والّذي كثيراً ما يقف
حائلاً دون تحقيق الخلاص المنشود إذ يصعب على المرء أحياناً تجاوز الإساءة أو
الإهانة أو الحقد... وهذا طبيعيّ ولكن مار بولس ينصحنا مجاناً بتطبيق قاعدة
تساعد على نوال "نعمة النسيان"، كما تقول الأغنية المشهورة، وهي: "ولـكِنْ
يَهُمُّنِي أَمْرٌ وَاحِد، وهُوَ أَنْ أَنْسَى ما ورَائِي، وأَمْتَدَّ إِلى ما
أَمَامِي".
وترجمة هذه القاعدة هي قول يسوع المسيح: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى
الـمِحْرَاثِ وَيَلْتَفِتُ إِلَى الوَرَاء، يَصْلُحُ لِمَلَكُوتِ الله" (لو
9\62).
معنى القولين هو أنه من وضع نصب عينيه خلاص نفسه والوصول إلى الملكوت عليه أن
يلقي عنه "الأحمال الزائدة" والتي منها الخطايا والأحقاد وأحزان ومشاكل الماضي!
ولا يقتصر الأمر على الأمور السلبيّة بل أيضاً على الأمور الجميلة والحسنة حين
تصبح وسائل تأخيرٍ وإعاقة للمسيرة نحو الملكوت. من هنا نفهم معنى الإماتات
والأصوام التي نعبّر من خلالنا لله على مدى حبّنا له الّذي يصل إلى حدود
التخلّي عن أجمل وأفضل ما لدينا من أجله للدلالة عن عشقنا له وهيامنا به!
لا يا إخوة، ليس الله ظالماً أو متطلّباً لأنّه سيهبنا أكبر وأفضل جائزةٍ على
الإطلاق، أي "الـجَائِزَةِ العُلْيَا الَّتي يَدْعُونَا اللهُ إِلَيْهَا في
الـمَسِيحِ يَسُوع" وهي التي نحصل عليها في الأسرار ولا سيّما في سرّ
الإفخارستيا، حيث يهبنا الله الآب عربون الحياة الأبديّة بجسد ودمّ يسوع المسيح
تحت شكلي الخبز والخمر المتحوّلين بواسطة حلول الروح القدس.
فمن يمنحني ابنه، هل أبخل عليه بمالٍ أو مقامٍ أو سلطة؟
|
::: الإنجيل ::: |
1 ودَعَا يَسُوعُ تَلامِيْذَهُ الاثْنَي عَشَر،
فَأَعْطَاهُم سُلْطَانًا يَطْرُدُونَ بِهِ الأَرْوَاحَ النَّجِسَة،
ويَشْفُونَ الشَّعْبَ مِنْ كُلِّ مَرَضٍ وكُلِّ عِلَّة.
2 وهـذِهِ أَسْمَاءُ الرُّسُلِ الاثْنَيْ عَشَر: أَلأَوَّلُ سِمْعَانُ
الَّذي يُدْعَى بُطْرُس، وأَنْدرَاوُسُ أَخُوه، ويَعْقُوبُ بنُ زَبَدَى،
ويُوحَنَّا أَخُوه،
3 وفِيْلِبُّسُ وبَرْتُلْمَاوُس، وتُومَا ومَتَّى العَشَّار، ويَعْقُوبُ
بنُ حَلْفَى وتَدَّاوُس،
4 وسِمْعَانُ الغَيُورُ ويَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيُّ الَّذي أَسْلَمَ
يَسُوع.
5 هـؤُلاءِ الاثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُم يَسُوع، وقَدْ أَوْصَاهُم
قَائِلاً: "لا تَسْلُكُوا طَرِيقًا إِلى الوَثَنِيِّين، ولا تَدْخُلُوا
مَدِيْنَةً لِلسَّامِرِيِّين،
6 بَلِ اذْهَبُوا بِالـحَرِيِّ إِلى الـخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ
إِسْرَائِيل.
7 وفِيمَا أَنْتُم ذَاهِبُون، نَادُوا قَائِلين: لَقَدِ اقْتَرَبَ
مَلَكُوتُ السَّمَاوَات.
(متى 10/1-7)
|
::: تأمّل من وحي الإنجيل ::: |
1- دعوة الرّسل: ماذا صنع يسوع قبيل دعوة الرسل الاثني عشر؟ يسوع قضى الليل بالصلاة إلى أبيه الأزليّ، صلاة حبّ واستلهام وتسليم... صلاة وحدة بالرّوح القدس... كلّ أعمال يسوع تسبقها الصلاة وتتبعها أيضاً، كلّ أعماله لها طابعٌ ثالوثيّ... هل نفكّر بالاقتداء به، فنستبق أعمالنا بالصلاة والتسليم لمشيئة الله ونتبعها بصلاة الشكر والاعتراف والتمجيد؟
2- دعا يسوع تلاميذه الاثني عشر: هؤلاء الاثنا عشر هم تلاميذ أم رسل؟ لماذا
يستعمل الإنجيل كلمة تلميذ؟ التلميذ هو الّذي يتبع المعلّم ويتقيّد
بتعليمه، لا يفتح على حسابه ولا يدلي بآرائه الخاصّة ويسير على خطاه في
حياته وأعماله وخاصّة في طريقه نحو الصليب والقيامة... فهل نعتبر أنفسنا
تلاميذاً للربّ وهل نتصرّف على هذا الأساس في كلامنا وأعمالنا ورسالتنا؟
3- أحسب كلّ شيء خسراناً لأربح المسيح: يسوع دعا بولس على طريق دمشق، وبولس
تبع يسوع وراح يتتلمذ له، كيف؟ "يهمّني أمرٌ واحد، وهو أن أنسى ما ورائي،
وأمتدّ إلى ما أمامي"... لأحصل على "الربح الأعظم وهو معرفة المسيح يسوع
ربّي"... و"أشترك في آلامه، متشبّهاً به في موته، لعلّي أبلغ القيامة من
بين الأموات!"... هل لدينا الاستعداد للتخلّي عن كلّ شيء لنربح المسيح؟
وإذا كانت مصلحتنا الخاصّة، وتفكيرنا أو منطقنا البشريّ يتناقض مع إرادة
الربّ... ماذا نختار؟ وماذا نعمل؟
|
::: تأمّل روحي ::: |
مع الله نبني
أيّها المسيح الحبيب، أعلم أنّك تنتظرني وتعرفني باسمي، وتلحظ قلبي وما يختلج به من عواطف، لذلك آتي إليك اليوم مقرّباً ذاتي كما هي كي تلدني من جديد بروحك، عندها أفهم مشروعك وأقبله، المشروع الذي أعددته لي من قبل أن أولد. إجعلني أهلاً لثقتك بي وأطلقني شجاعاً، صابراً، محباً، مجاهراً بالحقّ والحقيقة الوحيدة.
بعد مضيّ وقت كاف معه، أعطى يسوع تلاميذه السلطان كي يشفوا كلّ مرض ويطردوا
روح الشرّ. ثمّ أرسلهم إلى الخراف الضالة كي يعلنوا لهم بشارة الإنجيل.
السؤال الذي يُطرح: أما كان باستطاعته فعل ذلك بنفسه وهو الإله؟ ما حاجته
إلى أشخاص منهم الخاطئ وكاتب الهيكل والخائن والخائف...؟ أشخاصاً ليسوا
برجال علم أو فكر أو فقه، وبعضهم بالكاد كان يُحَصِّل رغيفه من بيع
السمك...؟ أما كانت له القدرة أن يردع الشرّ عن الإنسان دون اللجوء إلى
الإنسان نفسه؟
لنعد إلى سفر التكوين: لقد خلق الله الإنسان حاملاً صورته ومثاله، وفيه
نفحة من روحه. جبل الكلّ من طينة واحدة ولم يميّز بينهم، حتّى وإن اختلفت
الظروف التي ولد فيها كلّ منّا؛ كلّنا ولدنا أبناء في عائلة روحيّة واحدة
لأبٍ واحد وخلاص بربّ واحد ووحدة بروح واحد. أرادنا شركاء له في الملكوت،
بناة حضارة المحبّة الجديدة، فاعلين في مشروع السلام للبشريّة جمعاء. أراد
أن يكتب الإنسان بذاته، خطوات حياته بحرّية تامّة، لأنّه خلقه حراً، صاحب
قرار وإرادة ووعي كاملين. منذ فجر التاريخ وحتّى يومنا هذا لم ولن يفرض
علينا مشيئته، ولم يصادر حرّيتنا، بل تركنا نختار كما ترك للرسل اختيارهم
(يهوذا: خانه ولم يتب؛ بطرس نكره ثمّ تاب...)
لقد فتح أعيننا على الحقيقة كلّها كي لا نهلك, حقيقة أن لا خلاص إلاّ به,
معطياً لنا هديّة تذوّق الملكوت. لفرط ما أحبّنا أخذ الصليب وحده كي يشركنا
جميعاً بالخلاص، كالأمّ التي ترضى الألم وسهر الليالي وحدها من أجل خير
أبنائها. أرادنا أن نشفى من"الأنا"، مرض النفس الأوّل، التي تكبر في النفس
كأجنحةٍ من ورق، سرعان ما تحترق عند تحليقها قرب نور شمس الألوهة فتهوي
بصاحبها إلى الحضيض فيتحطّم: وهل الطبيب يشفي وحده إن رفض المريض التجاوب؟
وهل النور يُرى دون عينان مفتوحتان؟ إنْ فَهِمْنا معنى شراكتنا له في نشر
الملكوت القائم بيننا، كنّا فعلةً صالحين لحصاده الوافر، وشفينا وعزّينا
وزرعنا الفرح والطمأنينة حيث العلّة والأسى والكآبة واليأس؛ كنّا فرشنا
الإيمان حيث الشكّ والضلال, وانطلقنا إلى الخراف الضالّة حيث الذئاب تنتظر
افتراسها ونهشها حيّة دون حياء ولا رادع. التحدّي كبير وكبير جداً، هناك من
المخاطر والآلام والصعوبات ما يكفي أحياناً لِشَلّنا، ولكن من منّا لا يخوض
حرباً من أجل البقاء ولا يستسلم عند قدوم المعتدي؟ من لا يبيع كلّ ما يملك
كي يشتري الجوهرة الثمينة؟ ... فلنتأمّل إذن بعظمة ما أوصانا به وكم وثق
بنا ورفعنا بكرامة إلى مستوى مسؤوليةٍ أكبر، إن جاز التعبير،من مسؤولية
موسى: هو وعد شعبه بأرض الميعاد وخيراتها أمّا نحن، فلنا شرف إعلان قيام
ملكوت السماء بيننا ممتداً حتى ما بعد الموت، حتّى السماء الأبديّة.
المقدّمة وأفكار من وحي الرسالة من إعداد الخوري نسيم قسطون
الصلاة والتأمّل من وحي الإنجيل
تأمّل روحي |