زمن العنصرة
الأحد السادس من زمن العنصرة
(5 تمّوز 2009)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مقدّمة :::

• إنّه الأحد السادس من زمن العنصرة وفيه نتأمّل في هبة المواهب داخل الكنيسة ونتابع تعداد صعوبات الرسالة المسيحيّة.
• في الرسالة إلى أهل كورنتوس، يدعونا مار بولس إلى التأمّل في غنى الكنيسة بالمواهب وفي أهميّة التنوّع من أجل نشر البشارة بالخلاص.
• في الإنجيل، نجد متى الإنجيلي ينبّهنا إلى صعوبة الشهادة للمسيح ويلفتنا إلى دعوة المسيح إلينا للاحتذاء به عندما تعترضنا الصعوبات والملمّات.
في هذا الأحد، تدعونا الكنيسة إذاً إلى شكر الله من أجل التنوّع القائم داخل كنائسنا وإلى توجيه أنظارنا إليه كلّما هبّت رياح الشكوك والألم والتجارب.

 

::: صلاة :::

أللهم أبانا الّذي في السماوات، باركنا واملأنا من روحك القدّوس، يملأ قلوبنا من محبّتك، ويساعدنا لننتصر على ذواتنا، ونتغلّب على روح العالم، الكامن في داخلنا فنقبل أن نكون خرافاً بين الذئاب المحيطة بنا على مثال الحمل الوديع والمتواضع القلب... فلا نفتّش عن مواقف وأعمال ترضي غرورنا وكبرياءنا وتثير إعجاب الناس بنا... بل نسعى لنيل رضاك وتتميم مشيئتك عاملين بوصيّة وحيدك: "تعلّموا منّي إنّي وديع ومتواضع القلب..."، لك المجد إلى الأبد، آمين.

 

::: الرسالة :::

12 فكَمَا أَنَّ الـجَسَدَ هُوَ وَاحِد، ولَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَة، وأَعْضَاءُ الـجَسَدِ كُلُّهَا، معَ أَنَّهَا كَثِيرَة، هيَ جَسَدٌ وَاحِد، كَذلِكَ الـمَسِيحُ أَيْضًا.
13 فَنَحْنُ جَمِيعًا، يَهُودًا ويُونَانِيِّين، عَبِيدًا وأَحْرَارًا، قَدْ تَعَمَّدْنَا في رُوحٍ وَاحِدٍ لِنَكُونَ جَسَدًا وَاحِدًا، وسُقِينَا جَمِيعًا رُوحًا وَاحِدًا.
27 فأَنْتُم جَسَدُ الـمَسِيح، وأَعْضَاءٌ فِيه، كُلُّ وَاحِدٍ كَمَا قُسِمَ لَهُ.
28 فقَدْ وَضَعَ اللهُ في الكَنِيسَةِ الرُّسُلَ أَوَّلاً، والأَنْبِيَاءَ ثَانِيًا، والـمُعَلِّمِينَ ثَالِثًا، ثُمَّ الأَعْمَالَ القَدِيرَة، ثُمَّ مَوَاهِبَ الشِّفَاء، وَإِعَانَةَ الآخَرِين، وحُسْنَ التَّدْبِير، وأَنْوَاعَ الأَلْسُن.
29 أَلَعَلَّ الـجَمِيعَ رُسُل؟ أَلَعَلَّ الجَمِيعَ أَنْبِيَاء؟ أَلَعَلَّ الـجَمِيعَ مُعَلِّمُون؟ أَلَعَلَّ الـجَمِيعَ صَانِعُو أَعْمَالٍ قَدِيرَة؟
30 أَلَعَلَّ لِلجَمِيعِ موَاهِبَ الشِّفَاء؟ أَلَعَلَّ الـجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِالأَلْسُن؟ أَلَعَلَّ الـجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ الأَلْسُن؟

(1كور12/12-13، 27-30)

 

::: حول الرسالة :::

في هذا الأحد، نتأمّل من خلال نصّ الرسالة هذا بالكنيسة وبالأدوار المختلفة داخلها.
إنّ تشبيه الكنيسة بجسد المسيح، المستخدم في هذا المقطع من الرسالة الأولى إلى أهل كورنتوس، يسهّل الإجابة على الكثير من الأسئلة المتعلّقة بطبيعة الكنيسة وبدورها وبتوزيع المهام والصفات داخلها.


هذه الصورة تدعو كلّ مؤمن ليتعالى على الفروقات الجسديّة والجنسيّة والإتنيّة والوطنيّة أو السياسيّة ... عندما ينظر إلى شريكه في الإيمان. فلا مزايدة من الذكر على الأنثى في الانتماء الكنسيّ ولا من الأبيض على الأسود أو من عضو هذا الحزب على عضو هذا الحزب الثاني... لأنّهم جميعاً خلّصوا بمسيح واحد وحدثٍ تأسيسيّ واحد هو حدث موت وقيامة الربّ يسوع من بين الأموات.


أما تعدّد الأدوار وتنوّعها فهو مصدر غنىً لكنيسة المسيح إذ يساهم في نشر الإيمان بالخلاص بوسائل متعدّدة وشتّى: الرّسالة والنبِوّة والتـعَليمِ والأَعْمَالَ القَدِيرَة، فمَوَاهِبَ الشِّفَاء، وَإِعَانَةَ الآخَرِين، وحُسْنَ التَّدْبِير، وأَنْوَاعَ الأَلْسُن...
هذا التعدّد يدلّ على وسع المجالات التي يمكن للمؤمن من خلالها المساهمة في نحقّق ملكوت الله إنطلاقاً من هذه الأرض، ويسقط حجّة من يقول: "ماذا افعل لأبشّر بيسوع؟ أو ما هي السبل لنشر كلمة الله؟".


فلنسأل ذواتنا إخوتي، في هذا اليوم، عن المواهب التي حبانا بها الله ولننظر إلى داخلنا لنرى كيف نستغلّها وفي سبيل أيّ هدف؟
فلنعدّد مهاراتنا ولنستنتج كرم الله مع كلّ واحدٍ منّا ولو إننا في معظم الأحيان، لا نتنبّه إلى مواهب الله لنا لانشغالنا في النظر إلى مواهب الآخرين الّذي يقود الكثيرين منا، مع الأسف، إلى الحسد أو إلى سوء تقدير ذواتنا.


ولنفحص ضمائرنا بعمق فنميّز كيف نستخدمها وهل نخدم بذلك قصد الله حين منحنا إياها أو تتحوّل الموهبة إلى سبب هلاكٍ لنا نظراً لسوء استخدامها من قبلنا عبر تسخيرها لخدمة الشرّ والشرّير؟


الكنيسة أيها الإخوة جماعةٌ مخلَّصةٌ ومخلِّصة: البعد الأوّل أمنّه المسيح لنا. أمّا الثاني فيبقى أمانة في عهدة كلّ واحدٍ منّا ليسعى على مقدار قوّته ومواهبه وحكمته إلى خلاص كلّ الناس، بدءاً بأقربهم إليه ووصولاً إلى من سيلتقيهم في طريقه صوب الملكوت.


جعلنا الله جميعاً أهلاً لنكون بنين صالحين للكنيسة ونوراً لعالمٍ يتوق إلى المحبّة والغفران والسلام، آمين.

 

::: الإنجيل :::

16 هَا أَنَا أُرْسِلُكُم كَالـخِرَافِ بَيْنَ الذِّئَاب. فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالـحَيَّات، ووُدَعَاءَ كَالـحَمَام.
17 إِحْذَرُوا النَّاس! فَإِنَّهُم سَيُسْلِمُونَكُم إِلى الـمَجَالِس، وفي مَجَامِعِهِم يَجْلِدُونَكُم.
18 وتُسَاقُونَ إِلى الوُلاةِ والـمُلُوكِ مِنْ أَجْلي، شَهَادَةً لَهُم وِلِلأُمَم.
19 وحِيْنَ يُسْلِمُونَكُم، لا تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَو بِمَاذَا تَتَكَلَّمُون، فَإِنَّكُم سَتُعْطَونَ في تِلْكَ السَّاعَةِ مَا تَتَكَلَّمُونَ بِهِ.
20 فَلَسْتُم أَنْتُمُ الـمُتَكَلِّمِيْن، بَلْ رُوحُ أَبِيْكُم هُوَ الـمُتَكَلِّمُ فِيْكُم.
21 وسَيُسْلِمُ الأَخُ أَخَاهُ إِلى الـمَوْت، والأَبُ ابْنَهُ، ويَتَمَرَّدُ الأَوْلادُ عَلى وَالِدِيْهِم ويَقْتُلُونَهُم.
22 ويُبْغِضُكُم جَمِيْعُ النَّاسِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي، ومَنْ يَصبِرْ إِلى الـمُنْتَهَى يَخْلُصْ.
23 وإِذَا اضْطَهَدُوكُم في هـذِهِ الـمَدِينَة، أُهْرُبُوا إِلى غَيْرِهَا. فَالـحَقَّ أَقُولُ لَكُم: لَنْ تَبْلُغُوا آخِرَ مُدُنِ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ابْنُ الإِنْسَان.
24 لَيْسَ تِلْميذٌ أَفْضَلَ مِنْ مُعَلِّمِهِ، ولا عَبْدٌ مِنْ سَيِّدِهِ.
25 حَسْبُ التِّلْمِيذِ أَنْ يَصِيْرَ مِثْلَ مُعَلِّمِهِ، والعَبْدِ مِثْلَ سَيِّدِهِ. فَإِنْ كَانَ سَيِّدُ البَيْتِ قَدْ سَمَّوْهُ بَعْلَ زَبُول، فَكَمْ بِالأَحْرَى أَهْلُ بَيْتِهِ؟

(متى10/16-25)

 

::: تأمّل من وحي الإنجيل :::

1- "كالخراف بين الذئاب": هل أقبل أن أكون خروفاً بين الذّئاب؟ وما هو رأيي بالمثل القائل: "إن لم تكن ذئباً قتلتك الذئاب"؟، ما هو الأفضل لي أن أكون ذئباً مهاباً، مصارعاً... أم حملاً وديعاً ومتواضعاً؟ هل أعتبر الوداعة ضعفاً، والحكمة التي تجنّبني المشاكل جبناً؟ كيف واجه يسوع مؤامرات خصومه ولمن كان الانتصار الأخير؟ باختصار، ماذا نختار في حياتنا، رضى الله أم إعجاب الناس؟


2- "روح أبيكم هو المتكلّم فيكم": ما هو دور الرّوح القدس في حياتنا؟ هل نصلّي إليه ونستلهمه قبل البدء بأي مشروع خلاصيّ... قبل كلّ عمل أو كلمة؟ هل اختبرنا حضوره وتأييده لنا في بعض الأوقات العصيبة؟ هل نتذكّر أنّ الحكمة هي إحدى مواهب الرّوح في حياتنا المسيحيّة؟ هل نستطيع أن نتذكّر ونسرد آيتين أو ثلاث يحدّثنا فيها يسوع عن عمل الرّوح في حياة التلميذ المؤمن؟


"الجسد واحد وله أعضاء كثيرة": كيف أعيش تعليم بولس الرّسول في هذه الرّسالة ما بين أهلي وأخواتي وأبناء رعيّتي أو الجماعة التي أنتمي إليها؟ هل أشعر بالغيرة أو الحسد لنجاح البعض في رسالتهم أو أعمالهم أم أفرح لفرحهم وأشكر الله معهم على نعمه عليهم؟ هل اتبع طريق المحبّة والتعاون الأخوي والتضامن العضوي كما يحصل ما بين أعضاء جسدنا البشريّ للتغلّب على الشدائد والمصاعب... أم أتخلّى وأنعزل مردّداً: "بطّيخ يكسّر بعدو" كما يفعل أبناء هذا العالم؟ هل أفكّر بخلاصي أو بخلاص من هم حولي على مثال من سمّاه الكتاب المقدّس: " مخلّص العالم؟" له المجد إلى الأبد، آمين.

 

::: تأمّل روحي :::

ذئاب لا ترحم

يا للمهمّة الصعبة والمضنية أن نذهب للعمل بين الذئاب، والمحرج هو أن تكون ذئباً بوداعتك ومسالماً كالحمام. ربّما إن كنّا من ذوي الواجبات الدينية لسمعنا إنجيل اليوم دون أن نصغي أو إن كنّا من المؤمنين المتردّدين لرغبنا في قراءة فصل آخر هرباً من المسؤوليّة والحرج أمام رسالتنا كأبناء لله.


أول الذئاب التي تتربّص بنا هي في داخلنا. في كلّ ما نراه من حولنا ينقضّ علينا ذئب الإغراء لينهش فينا فضيلة البراءة، فتظهر غريزتنا مجرّدة من الخير وتغرق في الشرّ بالفكر والقول والفكر والعمل...ثمّ يظهر ذئب الأنانيّة فنرغب في امتلاك كلّ ما نراه، يسانده رفيقه ذئب الكبرياء وآخرون... فيأخذوا منّا أجمل فضائل وهبها الله لنا، يسلبوننا التواضع والرحمة والفرح، عندها تبدأ نفوسنا بالاحتضار إلى أن تموت، إن استسلمنا لتلك الذئاب...


أمّا إن كنّا من المؤمنين الأشدّاء فنغلبها وننطلق إلى العالم كي نواجه ذئابه المنتشرة في كلّ زاوية ومكان. ذّئاب كاسرة ترغب في تمزيقنا بأنياب الوقاحة والكفر، اللامبالاة والميوعة وبأشكالٍ من الوحشية "المُأنْسَنَة" والّتي لا تعدّ ولا تحصى. ندخل بينهم ونرى أنفسنا مكروهين مرزولين، مُسْتَهْزَأً بنا ومبغضين من الآخرين. إنّها مواقف أصعب بكثير من أن نكون غير محبوبين، لكن إن تأمّلنا في عمق كلام يسوع، نرى كم أنه يرفع الإنسان الذي يحمل الرسالة بأمانة:
لم يرسل تلاميذه معوزين ضعفاء بل متجردين أقوياء وذوي سلطان، أرسلهم ليشهدوا أمام كلّ فئات الشعب، العامل منهم والتاجر، المعلّم والجاهل والحاكم والكاهن. زوّدهم بسلاحٍ لم يعهدوه من قبل: فضائل الوداعة والبساطة وحكمة الأفاعي ودرع المحبة وشجاعة المؤمن الحقيقي العامل بكلمة الحقّ. لم يفصل بين تلك الفضائل، بمعنى آخر لم يطلب منهم أن يختاروا بين الوداعة وحكمة الأفاعي بل أن بل أن يتسلّحوا بالاثنتين معاً، لأنّ الواحدة تكمّل الأخرى وتدعمها فتأتي الثمار طيّبة. كما انّه اختار من الأفعى حكمتها لا سُمّها. فهي بحكمتها تتخلّى عن جسدها كي تحافظ على رأسها، كذلك بالحكمة والإيمان والعمل، علينا التخلّي عمّا يعلّقنا بالأرض كي نربح المسيح رأسنا. إنّه لمن الصعب أن نتعاط بهذه الطريقة مع من يستوحش بنا لأنّ ألم النفس يكون ربّما أكبر بكثير من ألم الجسد مع أشخاصٍ كهؤلاء.


لكن إن عدنا إلى التلاميذ بعددهم الضئيل (الاثني عشر)، الذي بالكاد يُذكر أمام أعداد البشر على الأرض، للاحظنا أنّهم استطاعوا أن يقلبوها رأساً على عقب ويزرعوا فيها البشرى السارة وهم البسطاء والجهلاء والخطأة... استطاعوا أن يهزّوا العروش ويخيفوا السلاطين والأباطرة، لا بالسيف أو بالقوّة بل بالوداعة والحكمة والبساطة. ما أثقلوا كواهلهم بهموم الدنيا، بل جرّدوا أنفسهم حتّى من الزاد، لأنّهم آمنوا بالكلمة، آمنوا بالوعد وانطلقوا مؤمنين أنّ "من كان مع الله فمن عليه". واجهوا الحكّام بقدرات إلهيّة من وعظ وتعليم وشفاءات وإقامة موتى... حتّى أنّ أولئك رغم اقتدارهم لم يستطيعوا إلاّ التعاطي مع الملموس، الماديّ، ووقفوا عاجزين حتّى عن فهم ما يحدث وكيف يحدث مع حامليّ كلمة المسيح؛ لم يفهموا كيف باستطاعة أولئك المبشّرين أن يحتملوا عذاباتهم بصبرٍ وفرح، بثبات ومثابرة دون أن يتراجعوا عن مواقفهم. حتّى فلاسفة ذلك العصر لم يستطيعوا أن يغّيروا عندهم ما آمنوا به وعاشوا من أجله. آلامهم محّصتهم وجعلتهم ذهباً صافيا يبرق واستحقّوا أن يحملوا اسم مسيحيين حقيقيين ويرفعوا على المذابح ويرثوا الملكوت الذي اُعِدّ لهم.


هل انتهت تلك المهمّة مع موت أولئك الرسل والتلاميذ؟ أليست تحدّيات عصرنا هي لربّما أكبر بكثير من تلك الأيّام؟ أين نحن من الحماسة في البشارة أو الدفاع عن مسيحيّتنا التّي تُنْتهك حرمتها كلّ يوم وكلّ لحظة في المجتمعات والمجامع، في الإعلام والإعلان؟...


اليوم كلّنا مدعوين كي"نُطعِّم"، كالشجرة، "رخاوتنا" وميوعتنا بآلام من سبقنا وندمجها باندفاعهم واهتمامهم وشجاعتهم حتّى وإن تألّمنا كي نكسب حياتنا مع المسيح التي تبدأ على هذه الأرض وتنتقل إلى ما بعد الموت.


فهل من ولادة دون آلام المخاض؟ أوليس المولود بذاته ينسي الأم ألمها وعذابها ويدخلها في غمرة من الفرح والاكتفاء لا يوصفان؟

 

المقدّمة وأفكار من وحي الرسالة

من إعداد الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

 

الصلاة والتأمّل من وحي الإنجيل
من إعداد
الخوري نبيل الزريبي

 

تأمّل روحي
من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com