|
زمن العنصرة |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
::: مقدّمة ::: |
في هذا الأحد التاسع من زمن العنصرة، نتأمل ببرنامج الرسول من خلال برنامج عمل يسوع الخلاصيّ. فنسمع بولس الرسول يدعونا في رسالته الثانية إلى أهل كورنتس لكي نظهر أنفسنا في كل شيء أننا خدام الله، بثباتنا العظيم في الضيقات والشدائد.... ونقرأ في إنجيل القديس لوقا عن برنامج حياتنا الرسولية؟ هل هو تحقيق النجاح الدنيوي أم تتميم مشيئة الرب؟ أعطنا يا رب روحك القدوس يرافقنا في رسالتنا ويقودنا إلى تتميم مشيئتك.
|
::: صلاة ::: |
لك
التسبيح والمجد والإكرام أيها الآب السماوي، يا بحر الرحمة ومعين الرأفة، ضابط
الكل بقدرتك ومنظم الكائنات جميعاً لراحة البشر وطمأنينتهم. هب لنا في يقظتنا
ورقادنا أن نتدبر أمرنا بما يرضيك فنؤهل لميراث الخيرات الأبدية لك المجد إلى
الأبد.
نشكرك أيها الابن الحبيب على وعودك الغنية، هب لنا أن نسير وفق وصاياك المقدسة
في الطرق الضيّق المفضي من الأرض إلى السماء، هناك نضفر أكاليل الظافرين بها
نتلألأ مع قديسيك في عالم الحياة الروحانية حيث نرفع المجد إليك دون انقطاع إلى
الأبد.
|
::: الرسالة ::: |
إِذًا فَنَحْنُ سُفَرَاءُ
الـمَسِيح، وكَأَنَّ اللهَ نَفْسَهُ يَدْعُوكُم بِوَاسِطَتِنَا. فَنَسْأَلُكُم
بِاسْمِ الـمَسِيح: تَصَالَحُوا مَعَ الله!
إِنَّ الَّذي مَا عَرَفَ الـخَطِيئَة، جَعَلَهُ اللهُ خَطِيئَةً مِنْ
أَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ فِيهِ بِرَّ الله. وَبِمَا أَنَّنا مُعَاوِنُونَ
لله، نُنَاشِدُكُم أَلاَّ يَكُونَ قَبُولُكُم لِنِعْمَةِ اللهِ بِغَيْرِ
فَائِدَة؛ لأَنَّهُ يَقُول: "في وَقْتِ الرِّضَى اسْتَجَبْتُكَ، وفي يَوْمِ
الـخَلاصِ أَعَنْتُكَ". فَهَا هُوَ الآنَ وَقْتُ الرِّضَى، وهَا هُوَ الآنَ
يَوْمُ الـخَلاص.
فإِنَّنَا لا نَجْعَلُ لأَحَدٍ سَبَبَ زَلَّة، لِئَلاَّ يَلْحَقَ خِدْمَتَنَا
أَيُّ لَوْم. بَلْ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا في كُلِّ شَيءٍ أَنَّنَا خُدَّامُ
الله، بِثَبَاتِنا العَظِيمِ في الضِّيقَاتِ والشَّدَائِدِ والـمَشَقَّات، في
الضَّرَبَات، والسُّجُون، والفِتَن، والتَّعَب، والسَّهَر، والصَّوْم،
وبِالنَّزَاهَة، والـمَعْرِفَة، والأَنَاة، واللُّطْف، والرُّوحِ القُدُس،
والـمَحَبَّةِ بِلا رِيَاء، في كَلِمَةِ الـحَقّ، وقُوَّةِ الله، بِسِلاحِ
البِرِّ في اليَدَيْنِ اليُمْنَى واليُسْرَى، في الـمَجْدِ والـهَوَان،
بالصِّيتِ الرَّدِيءِ والصِّيتِ الـحَسَن. نُحْسَبُ كَأَنَّنَا مُضِلُّونَ
ونَحْنُ صَادِقُون! كأَنَّنَا مَجْهُولُونَ ونَحْنُ مَعْرُوفُون! كأَنَّنَا
مَائِتُونَ وهَا نَحْنُ أَحْيَاء! كأَنَّنَا مُعَاقَبُونَ ونَحْنُ لا نَمُوت؛
كَأَنَّنَا مَحْزُونُونَ ونَحْنُ دَائِمًا فَرِحُون! كأَنَّنَا فُقَرَاءُ
ونَحْنُ نُغْنِي الكَثِيرِين! كأَنَّنَا لا شَيءَ عِنْدَنَا، ونَحْنُ نَمْلِكُ
كُلَّ شَيء!
(2كور5/20-6/10)
|
::: الإنجيل ::: |
وعَادَ يَسُوعُ بِقُوَّةِ الرُّوحِ إِلى الـجَلِيل، وذَاعَ
خَبَرُهُ في كُلِّ الـجِوَار. وكانَ يُعَلِّمُ في مَجَامِعِهِم،
والـجَمِيعُ يُمَجِّدُونَهُ.
وجَاءَ يَسُوعُ إِلى النَّاصِرَة، حَيْثُ نَشَأ، ودَخَلَ إِلى الـمَجْمَعِ
كَعَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْت، وقَامَ لِيَقْرَأ. وَدُفِعَ إِلَيهِ كِتَابُ
النَّبِيِّ آشَعْيا. وفَتَحَ يَسُوعُ الكِتَاب، فَوَجَدَ الـمَوْضِعَ
الـمَكْتُوبَ فِيه:
"رُوحُ الرَّبِّ علَيَّ، ولِهـذَا مَسَحَني لأُبَشِّرَ الـمَسَاكِين،
وأَرْسَلَنِي لأُنَادِيَ بِإِطْلاقِ الأَسْرَى وعَوْدَةِ البَصَرِ إِلى
العُمْيَان، وأُطْلِقَ الـمَقْهُورِينَ أَحرَارًا، وأُنَادِيَ بِسَنَةٍ
مَقْبُولَةٍ لَدَى الرَّبّ".
ثُمَّ طَوَى الكِتَاب، وأَعَادَهُ إِلى الـخَادِم، وَجَلَس. وكَانَتْ
عُيُونُ جَمِيعِ الَّذِينَ في الـمَجْمَعِ شَاخِصَةً إِلَيْه.
(لو4/14-21)
|
::: تأمّل روحي ::: |
الدعوة لك أنت
" روح الربّ عليّ، ولهذا مسحني لأبشّر المساكين..."و"اليوم تمّت هذه الآية"
.
في الأمس شكّلت هذه الكلمات صدمةً كبرى لأهالي الناصرة الّذين كانوا يُعَلّقون كلّ الآمال على ذاك الشاب الرزين، ابن يوسف ومريم، المفعم بالحياة والممتلىء من الحكمة والفهم. لَكَمْ أمِلوا أن يرفع الناصرة من الحضيض، تلك البلدة التي طالما قيل فيها أن لا شيء صالح يخرج منها؛ ولكَمْ انتظروا من هذا اإنسان الواعد أن يفتح باباً جديداً لطموحاتهم كي يتحقّق حلمهم في تغيير صورة محيطهم السيئة السمعة. لكنّ، بعد تعليق يسوع على الآية الأخيرة، كانت الصفعة أكبر بكثير من قوّة تحمّلهم لها.
لقد سمعوا هذا الفصل مراراً، لكن ما من أحد اهتمّ يوماً بما قيل؛ فمن كان يعلم متى سيتمّ هذا الكلام ومن سيتمّمه وكيف؟ همّهم كان محصوراً في الصيت الحسن الذي لم يتذوّقوه يوماً وحلمهم استقطاب الناس من كلّ الأرجاء ليروا " نابغة الناصرة ومنقذها من الموت البطيء" فيشتهرون لشهرته... اليوم، إن كنت تسمع يسوع يقرأ عليك النصّ عينه، محتفظاّ التعليق إيّاه، ماذا سيكون ردّ فعلك؟ هل هذا هو المسيح الذي كنت تنتظر اكشافه، أم تنتظر آخر؟ ربّما أنت غنيّ "عن التعريف" ومكتفٍ مادياً، لست بجائع إلى الخبز وتحسب نفسك إنساناً صالحاً تعمل الخير ولا تسيء إلى أحد أو أنّك تتمتّع "بالبصر" وحياتك العائليّة هانئة ولا مشاكل لديك، فهل تشعر بأنّ هذا النصّ موجّه لك؟ هل تقول في سرّك:" هذا ليس من شأني، هو( المسيح) الذي تكفّل بحلّ تلك المشاكل بواسطة المؤسّسات والرهبانيّات و... وليس أنا، إنّه موضوع لا يعنيني بل يخصّه هو بالذات... كنت آمل أن يكلّمني بموضوع أكثر جاذبية، يجيبني عن سبب الألم في الحياة مثلاً!.." وهل هناك وضعا مأساوياً وأكثر إيلاماً من ذلك؟ هل كلّ ما هو خارج عن الإنسان لايهمّه وكأنّ الدنيا خلقت لتُمَتِّّعَ شخصه فقط بما فيها. فلنقلب الأدوار، إن قرأت أنت هذا الفصل من انجيل لوقا 4، وللحظة وضعت نفسك مكان يسوع، هل كنت لتشعر بأنّك معنيّ بما قرأت فتصمّم عن قناعة وإيمان أن تبدأ منذ اللحظة بتحقيق هذه الآية؟
مع يسوع ليس من"اليوم" دون "الأمس"؛ فاليوم هو وليد الأمس، وما قاله منذ ألفيّ عام ما زال يوجّهه الان لي اليوم كي لا أضلّ الطريق المؤدّي الى خلاص نفسي. أعطاني العقل والإرادة كي أقرّر وألتزم، كي أفهم ما قصده في كلّ كلمة نطق بها. إنطلاقاً من هذا النصّ (لو4) عليّ أن أدرك أنّ الفقر الحقيقي يكمن في النفس التي تنتظر تحريرها من غنى العالم المخيّب للآمال، في سبيل الإغتناء بنعمة الله وكلمته الحيّة فينا، وأنّ الأسر ليس في الدهاليز المظلمة حتّى وإن كنّا فيها، إنّما هو في عدم تحرّرنا من خطيئة العالم التي تسرح وتمرح على هواها سالبة إرادتنا وساجنة حياتنا في قفص التقصير مع الله من جهة (للذي يخاف العقاب)، ووراء قضبان الأنانيّة وبالقدرة الشخصيّة على فعل أيّ شيء ترغب فيه نفوسنا الجشعة من جهة أخرى. أمّا العميان فهم من فقدوا البصيرة لا البصر، فما عادوا يميّزون الخير من الشرّ، فقدوا الحبّ من حولهم وتركهم الأصدقاء فوقفوا حيث هم، خائفين من الإنتقال إلى الجهة الأخرى من الطريق وهم ينتظرون من يتعطّف عليهم ولو بلمسة تعيد إليهم الأمل وترطّب جفاف وحدتهم(لم ندرك كم من ضرير فتح بإيمانه وفرحه وأعماله أعين الذين يبصرون ولا يبصرون فمجّدوا الله معاً؟)
ألا تعتقد بأنّ المسيح يريدنا أن نفتح أنفسنا عليه ونختبر نعمة الآب في حياتنا كي نخرج من كلّ الضغوطات التي تُهْلِكُ فينا الفرح وتحرمنا البسمة العفوية البسيطة؟ ألا تؤمن بأنّه يُقَدِّرُ ما عندنا من فرادة حتّى في أحلك الصعوبات والزلاّت؟ ألا تثق بأنّه يريد أن يظهر لنا كيف نصبح "أصحاب شخصيّة متّزِنة" لا بالقوّة والسيطرة بل عن طريق قبولنا إيّاه، وتُحَرِّرَنا من الخوف والتردّد؟
كن مؤمناً بالله الذي يريدك أن تكون نفسك، على حقيقتك، فهو صاحب دعوة فريدة، أرادك أن تكون شريكاً له في الحبّ دون تمييز.. هلمّ إذن وردّد بشجاعة:" آمنت ربّي ، اليوم ستبدأ دعوتي بالعيش في النور، وبروحك الحالّ فيَّ سأعمل كي يتحقّق الحبّ وتتمّ آيتك في العالم".
المقدّمة والصلاة من إعداد الخوري نسيم قسطون
تأمّل روحي |