زمن العنصرة
الأحد العاشر من زمن العنصرة
(02 آب 2009)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مقدّمة :::

• إنّه الأحد العاشر من زمن العنصرة وفيه يعرض وجهٌ جديد من وجوه صعوبات الرسالة المسيحيّة.
• في الرسالة الأولى إلى أهل كورنتوس، يحذّرنا مار بولس من العودة إلى عبادة الأوثان وينبّهنا إلى المواهب التي حبانا بها الله.
• في الإنجيل، نجد متى الإنجيلي يحذّرنا من الأفكار المسبقة عن يسوع ويدعونا إلى وضع يدنا بيده لرصّ جماعة المؤمنين.
في هذا الأحد، تدعونا الكنيسة إذاً إلى فحص ضميرٍ حول قول يسوع:" "مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ. ومَنْ لا يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُبَدِّد".

 

::: صلاة :::

أللهم، ربّ السماوات والأرض، نشكرك على نعمة الفداء الذي تمّ بواسطة ابنك يسوع المسيح والذّي يستمرّ في حياتنا بواسطة الروح القدس الّذي يجدّدنا وينقّينا ويطهّرنا.
هبنا اليوم أن نحافظ على إيماننا بيسوع المسيح بنقاء وثبات فلا تغلب علينا أفكارنا المشوّهة عنك بل تتنقى صورتك في ذهننا وقلبنا بفعل الروح القدس وحضوره، فيتمجّد اسمك مع اسم ابنك وروحك القدّوس إلى الأبد، آمين.

 

::: الرسالة :::

1 أَمَّا في شَأْنِ الـمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّة، أَيُّهَا الإِخْوَة، فلا أُريدُ أَنْ تَكُونُوا جَاهِلِين.
2 تَعْلَمُونَ أَنَّكُم، عِنْدَمَا كُنْتُم وَثَنِيِّين، كُنْتُم تَنْقَادُونَ مُنجَرِفِينَ إِلى الأَوْثَانِ البُكْم.
3 لِذـلِكَ أُعْلِنُ لَكُم أَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يَنْطِقُ بِرُوحِ الله، ويُمكِنُهُ أَنْ يَقُول: "يَسُوعُ مَحْرُوم!"؛ ولا أَحَدَ يَقْدِرُ أَنْ يَقُول: "يَسُوعُ رَبّ!" إِلاَّ بِالرُّوحِ القُدُس.
4 إِنَّ الـمَوَاهِبَ الرُّوحِيَّةَ عَلى أَنْوَاع، لـكِنَّ الرُّوحَ وَاحِد؛
5 والـخِدَمَ عَلى أَنْوَاع، لـكِنَّ الرَّبَّ وَاحِد؛
6 والأَعْمَالَ القَدِيرَةَ عَلى أَنْوَاع، لـكِنَّ اللهَ وَاحِد، وهوَ يَعْمَلُ في الـجَمِيعِ كُلَّ شَيء.
7 وكُلُّ وَاحِدٍ يُعْطَى مَوْهِبَةً يَتَجَلَّى الرُّوحُ فيهَا مِنْ أَجْلِ الـخَيْرِ العَام.
8 فوَاحِدٌ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَم الـحِكْمَة، وآخَرُ كَلاَمَ الـمَعْرِفَة، وَفْقًا لِلرُّوح عَيْنِهِ؛
9 وآخَرُ الإِيْمَانَ في الرُّوحِ عَيْنِهِ؛ وآخَرُ مَوَاهِبَ الشِّفَاءِ في الرُّوحِ الوَاحِد؛
10 وآخَرُ الأَعْمَالَ القَدِيرَة، وآخَرُ النُّبُوءَة، وآخَرُ تَمْييزَ الأَرْوَاح، وآخَرُ أَنْوَاعَ الأَلْسُن، وآخَرُ تَرْجَمَةَ الأَلْسُن.
11 كُلُّ هـذَا يَعْمَلُهُ الرُّوحُ الوَاحِدُ عَيْنُهُ، مُوَزِّعًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مَوَاهِبَهُ كَمَا يَشَاء.
(1كور12/1-11)

 

::: حول الرسالة :::

1- "تَعْلَمُونَ أَنَّكُم، عِنْدَمَا كُنْتُم وَثَنِيِّين، كُنْتُم تَنْقَادُونَ مُنجَرِفِينَ إِلى الأَوْثَانِ البُكْم"
كم هي كثيرةٌ ومتعدّدةٌ الأوثان في حياتنا. فمن تقاليدٍ ورثناها، بعيدة كل البعد عن عمق الإيمان (الأبراج، الرقوة، تقاليد في الأفراح والأحزان) إلى تعلقنا بالمال أو بالسلطة أو بالشهرة أو حتى بالكرامة أو الشرف... كلّها أصنامٌ تسيطر على حياتنا وتبعدنا عن الإله الحقيقي، ربّنا المعبود، الآب والابن والروح القدس.
فكلّ شيءٍ أو شخصٍ، مهما كان صالحاً، يضحي صنماً حين يتخطّى حبّنا له حبّنا لله الّذي أحبنا فوق كلّ شيء.
فاليوم علينا أن نسأل ذوتنا: كم صنم يوجد في حياتي؟ ولماذا؟
أليس لأننا نعاني فراغاً روحيّاً ولا نسعى جدياً لملئه بالله وإنما نفضّل عليه كلّ ما سبق وعدّدناه؟
2- "وكُلُّ وَاحِدٍ يُعْطَى مَوْهِبَةً يَتَجَلَّى الرُّوحُ فيهَا مِنْ أَجْلِ الـخَيْرِ العَام"
لقد منح الله لكلّ واحد منا مواهب عديدة تبلورت أو تحجّمت وفقاً للبيئة أو المجتمع الّذي عاش أو ما زال يعيش فيه.
ولكن، في كثير من الأحيان، يكون لدينا الوعي بالموهبة ولكننا لا نضعها في خدمة الآخرين بل كثيراً ما نحجّمها قصداً ونحصر فائدتها بذواتنا فنشبه بذلك العبد الّذي دفن وزنته دون ان يتاجر بها!
فاليوم علينا أن نسأل ذوتنا: هل أعي ما لديّ من المواهب؟ هل أطوّرها؟ هل أستخدمها في خدمة الآخرين؟ أم أتصرّف بأنانيّة منغلقاً على ذاتي؟

 

::: الإنجيل :::

22 حِينَئِذٍ قَدَّمُوا إِلى يَسُوعَ مَمْسُوسًا أَعْمَى وأَخْرَس، فَشَفَاه، حَتَّى تَكَلَّمَ وأَبْصَر.
23 فَدَهِشَ الـجُمُوعُ كُلُّهُم وقَالُوا: "لَعَلَّ هـذَا هُوَ ابْنُ دَاوُد؟".
24 وسَمِعَ الفَرِّيسِيُّونَ فَقَالُوا: "إِنَّ هـذَا الرَّجُلَ لا يُخْرِجُ الشَّيَاطِيْنَ إِلاَّ بِبَعْلَ زَبُول، رئِيسِ الشَّيَاطِين".
25 وعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُم فَقَالَ لَهُم: "كُلُّ مَمْلَكَةٍ تَنْقَسِمُ على نَفْسِها تَخْرَب، وكُلُّ مَدِينَةٍ أَو بَيْتٍ يَنْقَسِمُ على نَفْسِهِ لا يَثْبُت.
26 فَإِنْ كانَ الشَّيْطَانُ يُخْرِجُ الشَّيْطَان، يَكُونُ قَدِ انْقَسَمَ عَلى نَفْسِهِ، فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَمْلَكَتُهُ؟
27 وإِنْ كُنْتُ أَنَا بِبَعْلَ زَبُولَ أُخْرِجُ الشَّيَاطين، فَأَبْنَاؤُكُم بِمَنْ يُخْرِجُونَهُم؟ لِذلِكَ فَهُم أَنْفُسُهُم سَيَحْكُمُونَ عَلَيْكُم.
28 أَمَّا إِنْ كُنْتُ أَنَا بِرُوحِ اللهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطين، فَقَدْ وَافَاكُم مَلَكُوتُ الله.
29 أَمْ كَيْفَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ القَوِيِّ ويَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ، إِنْ لَمْ يَرْبُطِ القَوِيَّ أَوَّلاً، وحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ؟
30 مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ. ومَنْ لا يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُبَدِّد.
31 لِذلِكَ أَقُولُ لَكُم: كُلُّ خَطِيئَةٍ سَتُغْفَرُ لِلنَّاس، وكُلُّ تَجْدِيف، أَمَّا التَّجْدِيفُ عَلى الرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَر.
32 مَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلى ابْنِ الإِنْسَانِ سَيُغْفَرُ لَهُ. أَمَّا مَنْ قَالَ عَلى الرُّوحِ القُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لا في هـذَا الدَّهْر، ولا في الآتِي.

(متى 12/22-32)

 

::: تأمّل من وحي الإنجيل :::

1- وسَمِعَ الفَرِّيسِيُّونَ فَقَالُوا: "إِنَّ هـذَا الرَّجُلَ لا يُخْرِجُ الشَّيَاطِيْنَ إِلاَّ بِبَعْلَ زَبُول، رئِيسِ الشَّيَاطِين": في الحياة اليوميّة، نمرّ بكثير من الظروف التي تشوّه صوره الله فنتّهمه بالظلم أو بغضّ النظر أو بالمفاضلة ما بين إنسانٍ وآخر...


في الحقيقة، الإشكاليّة التي تطرح هنا هي حول ماهية الصورة التي تنشأنا عليها، منذ طفولتنا، ومدى رسوخها في أذهاننا: الله المراقب، الله الحسيب، الله الديان، الله "المقاصص"... وحتى الله "الشرّير" حين نفهم الأمور على غير ما هي عليه، كما فعل الفريسيون، حين اعتبروا عمله الخيّر دليلاً على ترؤسه لمحفل الشياطين...


وهنا نسأل ذواتنا: ألا نقلّد الفريسيين في الكثير من مواقف حياتنا؟ ألا نعتبر الله عدواً حين تتعارض مشيئتنا ومشيئته؟ ألا نحجّم الله إلى مجرّد منفّذ لرغباتنا حين نسأله تنفيذ رغباتنا دون مقابل؟

2- "منْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ. ومَنْ لا يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُبَدِّد": ليست حياتنا على الدوام خياراً واضحاً ما بين الخير والشرّ. لذا يقوم الإنسان بأفعال يتأتّى عنها أحياناً ضررٌ له وفي أحيانٍ أخرى ضررٌ لسواه. وهذا قد يكون مبرّراً إذا لم يكن الإنسان واعياً لنتائج أفعاله وأعماله ولكن الأدهى أن يقوم بما يشتّت ويبدّد "قطيع المسيح" أي الكنيسة عن سابق تصوّر وتصميم بنهجه أو بسيرته أو بأنانيّته أو بمطامعه أو حتى بإهماله...


فاليوم نسأل ذواتنا: كم نحن مسؤولون عن تشتّت أبناء الكنيسة بدءاً بعائلاتنا مروراً بجماعتنا ووصولاً إلى كنيستنا؟ ألا نكون من المبدّدين حين نتكلّم عن الكنيسة وكأننا غرباء عنها فنفصل ما بين اﻠ "نحن" والكنيسة، موجدين شرخاً ما بيننا وبينها؟ ألا نكون من المبدّدين حين نفصل ما بين اﻠ "إكليروس" والعلمانيين، موجدين أيضاً شرخاً ما بين شعبها الواحد؟ ألا نكون من المبدّدين حين ننتقدها في كلّ مكان إلا حيث يجب أي نطعنها في "الظهر" دون جرأةٍ على مواجهتها في "الوجه"؟

 

::: تأمّل روحي :::

 

إنّه روح الحبّ

 

أيّها الآب القدير، المعطي كلّ المواهب بروحك القدّوس، وواهب كلّ ما هو "حسن" للإنسان، ثبّت الحبّ في قلوبنا كي ينمو كلّ ما زرعته داخلنا، فتنمو مشيئتك صحيحة سليمة فتزهر وتثمر وتفيض ممّا هو لك من نور فينا.


منذ الصغر ونحن نسمع الكلّ يعلّمنا أن نحبّ الله، وينهينا عن التجديف. والآن نقرأ في هذا النصّ إنّ "الذي يقول كلمة على ابن الإنسان يغفر له، وأمّا الذي قال كلمة على الروح القدس، فلن يغفر له، لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة"(لو12/32). عندها قلت في نفسي إن ابن الله هو واحد من الأقانيم الثلاثة، وهو واحد في الآب كما أنّ الآب والإبن والروح هم واحد في ثلاثة أقانيم؛ فكيف يُغفر لمن يجدّف على الإبن أمّا على الروح فَلا؟


إتّهموه بالشعوذة (متعامل مع الشيطان) وبأنه عدوّ الله، فسامحهم على ذلك كما سامحهم على جرائمهم بعد أن تابوا عنها وعادوا إليه حتّى أنّ كثيرون منهم آمن به وتاب قبل الصلب، عذر لهم خطاياهم تجاهه لعدم معرفتهم به في البداية (أليس هذا ابن مريم ويوسف ؟ من أين له السلطان أن يفعل ذلك؟...) بينما الكتبة والفرّسيين وعلماء الشريعة ما كان باستطاعتهم أن ينكروا الروح القدس وعمله ، فلقد كانوا قد اختبروه في الأنبياء ونبؤاتهم، فلقد ألهمهم أن يتنبّأوا عن يسوع المسيح، كما وأنّ جميع أولياء الله قد تكلّموا باسمه، وها هم الآن يقرؤون، ما كتبه اسلافهم، في مجامعهم ويقرّون به، فكيف ينكرونه الان ؟


يقول القدّيس يوحنا فم الذهب ما معناه: يظهر أنّ المسيح كان يقول لهم: أوافقكم أن تشعروا بالكارثة تجاهي بسبب الجسد الذي ترونني أرتديه، ولكن أتستطيعون أن تنكروا معرفتكم بالروح القدس؟ " لذلك أقول لكم بأنكم إن جدّفتم عليه سوف لن يغفر لكم لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة" . كثيرون من الخطأة نالوا عقابهم على هذه الأرض فقط إنّما أنتم ستدانون في هذا العالم وفي الاخر.


اليوم، لننظر إلى ذواتنا وحياتنا اليوميّة، هل انتبهنا أن هذا النصّ ما زال موجّهاً لنا؟ إنّنا نتكلّم عن يسوع والآيات التي تحصل، لكننا لا نأتي على ذكر الروح القدس في حياتنا على الإطلاق؛ لا نفتكره حتّى، لأننا نجهل من هو. ننكره وننكر عمله فينا عن قصد أو عن غير قصد، لأننا لانراه ربّما ؛ هل باستطاعتك أن ترى الهواء الذي تستنشقه ؟ هل بإمكانك أن تنكر وجوده وهو سبب بقائك على قيد الحياة؟ كذلك الروح القدس. إنّه هو من وضعه الله فينا كي يعمل ويحوّلنا إلى صورة المسيح، هو من يرشدنا ويعلّمنا ويقودنا في طريق الحقّ، بعمله يجعلنا نثمر بالمحبة واللطف والرحمة وطول الأناة ...، به تختصر قصّة السلام الداخلي وفي العالم الذي هو محور نجاح الإنسانيّة في امتحان عيش الملكوت على هذه الأرض.


بنفحته يدخلنا الروح القدس في حياة حقيقية ومشاركة مع الله، المحبّة المطلقة، تلك المحبة نعيش منها قطرة في علاقاتنا هنا: الأمّ مع ولدها، الآباء مع أبائهم، الرجل مع امرأته...


هذا الحبّ الذي فينا هو لنا؛ فهل نسمح له بالعمل مؤمنين بالروح الذي يحرّكه داخلنا؟ لانخف أن نأخذ الخطوة بالإيجاب، فليس هناك من أحد يحترم حرّيتنا وقرارنا أكثر من الروح القدس، وإلاّ كانت محبته لنا زائفة، وتحوّلت إلى تسلّط وتملّك. فلْنَثق به ولنؤمن أنّ الله لا يتخطّى حرّيتنا ولا يستطيع أن يعمل فينا دون إرادتنا. لكننا نحن أيضاً عاجزين عن فعل خيرنا من دونه.


لنا وحدنا أن نقرّر.

 

 

المقدّمة و الصلاة
وأفكار من وحي الرسالة والتأمّل من وحي الإنجيل

من إعداد الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

 

تأمّل روحي
من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com