|
زمن العنصرة |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
::: مقدّمة ::: |
• إنّه الأحد السادس عشر من زمن العنصرة وفيه نتأمّل في الرّجاء
الّذي يترسّخ في الصلاة...
• في الرسالة إلى أهل روما، يحدّثنا مار بولس عن الرّجاء رغم الآلام والّذي
يعضدنا فيه الرّوح القدّس "معلّم الصلاة"...
• أمّا في الإنجيل، فيروي لنا لوقا الإنجيلي عن لسان الربّ يسوع مثل الفرّيسي
والعشّار ليعلّمنا كيف نصلّي.
• في هذا الأحد، تدعونا الكنيسة إلى الرّجاء بالله وإلى دعوة الروح القدس ليزرع
في نفوسنا روح الصلاة الحقيقيّة، روح التواصل الدائم مع الله الآب والابن
والروح القدس...
|
::: صلاة ::: |
نَشكُرُكَ أيها الآب، لأنّك
تغمرنا بحنانك وبلطفك وبمحبّتك كلّما لجأنا إليك في الصلاة، حيث نذكر عطاياك
السخيّة واللامتناهيّة وأهمّها عطيّة ابنك يسوع في التجسّد.
نشكرك أيّها الأبن لأنّك تذكّرنا، كلّما نظرنا إلى الصليب، بكلّ إنسانٍ مقهورٍ
أو حزين أو موجوع لنحمل إليه الرّجاء الّذي انبثق من قبرك الفارغ يوم غلبت
الموت بقيامتك الباهرة وترسّخ في قلوبنا بعطيّة الروح القدس يوم العنصرة.
نشكرك أيها الروح القدس لأنّك تعلّمنا الصلاة وتقوّينا في الصعاب ليبقى الرجاء
راسخاً في قلوبنا ونفوسنا وعقولنا.
هبنا أيها الثالوث القدّوس، في هذا اليوم، الثبات الدائم في الرجاء، بروح
الصلاة الحقّة، فتتمجّد فينا إلى الأبد، آمين.
|
::: الرسالة ::: |
18 وإِنِّي أَحْسَبُ أَنَّ
آلامَ الوَقْتِ الـحَاضِرِ لا تُوَازِي الـمَجْدَ الَّذي سَوْفَ يتَجَلَّى
فينَا.
19 فإِنَّ الـخَليقَةَ تَنْتَظِرُ بِفَارِغِ الصَّبْرِ تَجَلِّيَ أَبْنَاءِ
الله؛
20 لأَنَّ الـخَليقَةَ أُخْضِعَتْ لِلبَاطِل، لا طَوْعًا، بَل "بِسُلْطَانِ
اللهِ الَّذي أَخْضَعَهَا"، ولـكِنْ عَلى رَجَاءِ
21 أَنَّ الـخَليقَةَ نَفْسَهَا سَتُحَرَّرُ هيَ أَيْضًا مِنْ عُبُودِيَّةِ
الفَسَادِ إِلى حُرِّيَةِ مَجْدِ أَوْلادِ الله.
22 ونَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الـخَليقَةَ كُلَّهَا مَعًا تَئِنُّ وتَتَمَخَّضُ
إِلى الآن.
23 ولـكِنْ لا هيَ فَحَسْب، بَلْ نَحْنُ أَيْضًا الَّذينَ لَنَا بَاكُورَةُ
الرُّوح، نَحْنُ أَيْضًا نَئِنُّ في أَنْفُسِنَا، مُنْتَظِرِينَ التَّبَنِّيَ
أَيْ فِدَاءَ جَسَدِنَا.
24 فإِنَّنَا بِالرَّجَاءِ خُلِّصْنَا. والرَّجَاءُ الَّذي يُرَى لَيْسَ
رَجَاء. فهَلْ يَرْجُو أَحَدٌ مَا يَرَاه؟
25 أَمَّا إِذَا كُنَّا نَرْجُو مَا لا نَرَاه، فَبِالصَّبْرِ نَنْتَظِرُهُ.
26 وهـكَذَا فَالرُّوحُ نَفْسُهُ يَعْضُدُنَا في ضُعْفِنَا، لأَنَّنَا لا
نَعْرِفُ أَنْ نُصَلِّيَ كَمَا يَنْبَغِي، لـكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ
لَنَا بِأَنَّاتٍ لا تُوصَف.
27 والَّذي يَفَحَصُ القُلُوبَ يَعْرِفُ رَغْبَةَ الرُّوح، وهيَ أَنَّهُ
يَشْفَعُ لِلقِدِّيسِينَ بِمَا يُوَافِقُ مَشِيئَةَ الله.
(روم8/18-27)
|
::: حول الرسالة ::: |
1- "وإِنِّي أَحْسَبُ أَنَّ آلامَ الوَقْتِ الـحَاضِرِ لا
تُوَازِي الـمَجْدَ الَّذي سَوْفَ يتَجَلَّى فينَا... فإنّنا بالرّجاء خلّصنا"
من منّا لا يعاني في الحياة اليوميّة؟ من منّا لا يتألم لفقد حبيبٍ أوخسارة
عملٍ أو غدرٍ صديق؟ من منّا لا تعاكسه أحياناً رياح الظروف الشاقّة فيتكدّر
عيشه؟
رسالة اليوم تؤكّد هذا الواقع ولكنّها تدعونا إلى الرّجاء المستند إلى الخلاص
الّذي منحه لنا الله بالفداء الّذي تحقّق في موت وقيامة الربّ يسوع.
هي تدعو كلّ مؤمنٍ ليتذكّر أن الربّ يسوع غلب أعتى أعداء الإنسان أي الموت لذا
كلّ سائر الصعوبات لن تشكّل سدّاً أمام خلاص الإنسان وهو الأهم بنظر بولس
الرسول.
فخسارة الحبيب أو المال أو العمل مؤلمة ولكنّها لا تؤلم بقدر العذاب الأبديّ
الكائن في البعد عن الله وعن الحياة فيه ومعه.
فمن له الرجاء، عليه أن يقرأ حياته بعيون الله الساكن في قلبه بالروح القدس
الّذي "يعضدنا في ضعفنا"...
2- " وهـكَذَا فَالرُّوحُ نَفْسُهُ يَعْضُدُنَا في ضُعْفِنَا، لأَنَّنَا لا
نَعْرِفُ أَنْ نُصَلِّيَ كَمَا يَنْبَغِي، لـكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ
لَنَا بِأَنَّاتٍ لا تُوصَف."
كلّ واحدٍ منّا يخلى باله أحياناً السؤال: كيف أشعر بحضور الروح القدس؟
والجواب: "... يعضدنا في ضعفنا" فالروح القدس هو الّذي يحرك قلوب الأحباء
ليسندوننا في لحظات الضعف؛ هو حاضرٌ في بسمة الصديق وكتف الحبيب ودمعة المحبّ؛
هو حاضرٌ في كلّ من تتجلّى في عينيه وقلبه وروحه المحبّة يوم نفقد الثقة بالناس
ونشعر بالوحدة...
والأهمّ هو من يجعلنا نتواصل مع الله حتى حين نلومه أو نصرخ عليه، أليس "العتب
على مقدار المحبة؟!"
هذا التواصل هو الصلاة الحقيقيّة حيث يبقى الرابط مع الله قائماً وفعّالاً في
لحظات السكون والقلق حين نشعر بمن يربت على كتفنا ويضمنا إلى صدره فنشعر بالنور
وسط الظلام وبالثقة في وقت اليأس وبالنعمة في وقت الخطيئة.
الروح القدس هو الّذي يصرخ فينا أبّا حين نشعر يدنوّ الغرق في أوحال الخطيئة
وهو يد الله وحنان الله المتجلّي في قول يسوع : "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين
والمثقلين بالاحمال وأنا أريحكم".
لننتسب إخوتي إذاً إلى مدرسة الروح القدس لنتعلّم الصلاة ولنرسّخ الرجاء فننطلق
في مغامرة المحبّة.
|
::: الإنجيل ::: |
9 وقالَ أَيْضًا هـذَا الـمَثَلَ لأُنَاسٍ يَثِقُونَ في
أَنْفُسِهِم أَنَّهُم أَبْرَار، وَيَحْتَقِرُونَ الآخَرين:
10 "رَجُلانِ صَعِدَا إِلى الـهَيْكَلِ لِيُصَلِّيَا، أَحَدُهُما
فَرِّيسيٌّ وَالآخَرُ عَشَّار.
11 فَوَقَفَ الفَرِّيسِيُّ يُصَلِّي في نَفْسِهِ وَيَقُول: أَللّـهُمَّ،
أَشْكُرُكَ لأَنِّي لَسْتُ كَبَاقِي النَّاسِ الطَّمَّاعِينَ الظَّالِمِينَ
الزُّنَاة، وَلا كَهـذَا العَشَّار.
12 إِنِّي أَصُومُ مَرَّتَينِ في الأُسْبُوع، وَأُؤَدِّي العُشْرَ عَنْ
كُلِّ مَا أَقْتَنِي.
13 أَمَّا العَشَّارُ فَوَقَفَ بَعِيدًا وَهُوَ لا يُرِيدُ حَتَّى أَنْ
يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ إِلى السَّمَاء، بَلْ كانَ يَقْرَعُ صَدْرَهُ
قَائِلاً: أَللّـهُمَّ، إِصْفَحْ عَنِّي أَنَا الـخَاطِئ!
14 أَقُولُ لَكُم إِنَّ هـذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا، أَمَّا
ذاكَ فَلا! لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يُوَاضَع، وَمَنْ يُواضِعُ
نَفْسَهُ يُرْفَع".
(لوقا 18 /9-14)
|
::: تأمّل من وحي الإنجيل ::: |
لِمَن يَتَوَجَّه إنجيل اليَوم؟
وجه يسوع أمثاله، على ما يبدو، إلى خصومه من فريسيين وصادوقيين... ولكن حين
رويت فيما بعد في أوساط لا نجد فيها فريسيين، كيّف الرسل أمثالهم على
التلاميذ (الذين يمكن أن يميلوا إلى عالم الفريسيين مثلنا). وتبدّل
السامعين هذا بدّل معنى المثل في بعض المرّات.
ولكن التطوّر لم يلعب دوره في المثل الذي ندرس، وهذا برهان عن الطابع
العتيق لهذا التقليد: "قال يسوع لبعض الذين..." أي للفريسيين. لا شكّ في
انه لا يسمّيهم بصورة واضحة، أقلّه في هذا الموضع. لأنه سمّاهم باسمهم في
مكان آخر ولم يراع شعورهم. قال يسوع للفريسيين الهازئين به: "أنتم تبرّرون
أنفسكم عندَ الناس، لكن الله يعرف قلوبكم. رفيع القدر عند الناس رجس (موضوع
كراهية) عند الله" (لو 16: 14- 15).
فلماذا لم يسمّهم هنا بوضوح؟ لأنه يرينا واحداً منهم على المسرح. هذا ممكن.
ولكن لأن لوقا يريد أن يهدي هذا الخبر إلى كل "الفريسيين" (ونحن أيضاً) في
كل العصور.
وبعد ألفَيْ سنة على قراءة الإنجيل، لم نحتفظ من كلمة فريسي إلاّ وجهة
الإحتقار. لا شكّ في أنه كان هنا فريسيون أردياء. ولكن الفريسيين هم في
البدء "قدّيسو" العهد القديم أي أناس متديّنون في العمق ربطوا حياتهم كلها
بالله وبشريعته يدرسون تفاصيلها بمحبّة. هم يعرفون نفوسهم أنهم مدعوّون،
شأنهم شأن كل يهودي، إلى العيش بحضرة الله القدّوس. ولكنهم شعروا أكثر من
غيرهم أنه، إن كان الإتحاد بالرب شيء عجيب، فهو مخيف ويحمل متطلّبات قاسية.
وفي أوقات الإضطرابات لن يتردّد بعضهم من أن يقدم نفسه لسيف الكفار ولا
يهاب الموت. ولقد ظنوا في كل وقت أنهم يعبّرون عن إيمانهم بالله في حياتهم
كلها. إنهم يمارسون الشريعة على أكمل وجه، بحيث لا يستطيع أحد أن يلومهم
أنهم أهملوا فريضة واحدة من فرائض الشريعة. كانوا مثال التقوى، وكان الشعب
يُعجب بهم ويحبّهم. وهذا ما جعلهم يؤثّرون عليه تأثيراً عميقاً.
ولكن لماذا يهاجمهم يسوع بكل هذا العنف؟ بسبب استعداد قلوبهم. وهذا ما
يُجمله لوقا بكلمات لاهوتية سنفهمها في النهاية: يثقون بنفوسهم. يعتبرون
نفوسهم أبراراً. لِهذا يُجيزونَ لأنفُسِهِم ما لا يُجيزوهُ للنَّاس،
مُعتَبِرينَ أنفُسهم مُختاري الله الذين لا يحُقُّ لأحدٍ المَس بِهِم...
ألا يَتَوَجَّه هذا الإنجيل إلَيْنا نحنُ أيضاً؟؟
لَستُ كَسائِرِ النَّاس ...
شُكراً لَكَ يا ألله... شُكْراً لَكَ لأنِّي لَستُ كَسائِرِ النَّاس !
فَوَصاياكَ العَشر حَفِظْتُها عَنْ ظَهرِ قَلب...
أزورُكَ مَرَّةً في الأسبوع... وَ أمضي في بَيْتِكَ ساعَة، حَتَّى وَ لَوْ
أجِدُكَ في مَنْزِلي، فَشُكراً لكَ.
أُتاجِرُ وَ أعْمَل، فَأرْبَحُ وَ أتَنَعَّم، وَ لا أتَذَمَّرُ كَجاري الذي
لم يَتَمَكَّن مِنْ تأمين لُقْمَة عَيْشِهِ، لأنَّهُ كَسول ! فَشُكْراً
لَكَ ...
أعيشُ مَعَ زَوْجَتي وَ لا أميلُ بِنَظَري إلى سِواها، وَ لو كُنْتُ نَسيتُ
أنَّها عَظْمٌ مِنْ عَظْمي وَ لَحمٌ مِنْ لَحمي... فَشُكْراً لَكَ...
لا أبْخَلُ بشَيءٍ على والِدَيَّ، وَ لو كُنْتُ أتَحاشى حُضورَهُما
المُزعِج، فَهُم بِحاجَةٍ إلى مالٍ وَ طَعام، وَ هذا ما أُؤَمِّنهُ
لَهُما...
لا أشتَهي مُقْتَنى غَيْري، فَأنا أعْرِفُ كَيْفَ حَصَلوا على
مُقْتَناهُم... لَقَد سَرَقوه!
لا أحْلِفُ باسْمِكَ بالباطِل فَأنا دَوْماً على حَقّ...
لم أقْتُل يَوْماً أحَداً، وَمَنْ أساءَ إلَيّ، ﭐكْتَفَيْتُ بِتَشْويهِ
سُمْعَتِهِ وَ قَطْعِ أرزاقِهِ...
لو كُنْتُ أملِكُ الوَقْتَ الكافي، لَقُلْتُ لَكَ مِنْ جَديد أنَّكَ أنتَ
الرَّب إلهي، وَلا إلهَ لي غَيرَكَ... فَكَما تَرى يا رَبّ، أنا لَسْتُ
مِثْلَ سِواي، وَ شُكْراً لَكَ...
ما رَأيُكُم بِهذه الصَّلاة؟؟ ألا تُشْبِهُ صَلاة الفِرِّيسيّ الذي
ذَكَرَهُ الرَّبُّ في المَثَل ؟؟
وَ أعْتَقِدُ أننا جَميعًا نُصَلِّي هكذا صَلاة... كَم مِن مَرَّةٍ
افتَخَرنا بِأنَّنا نَحفَظُ الوَصايا وَ نُجيدُ عَدَّها، وَ نحنُ لا
نُحاوِلُ حَتَّى تَطبيقَها في حَياتِنا العَمَلِيَّة؟؟ كَم مِن مَرَّةٍ
ذَهَبنا إلى القُدَّاس وَ شارَكنا في الصَّلَوات "على عيون العالم"، وَكَم
مِن مَرَّةٍ خَرَجنا مِنَ القُدَّاسِ مُتَذَمِّرينَ لأنَّ الكاهِنَ أطالَ
العِظَة، وَالجَوقَة أطالَت التَّرنيم... كَم مِنْ مَرَّةٍ ذَهَبنا إلى
الكَنيسَةِ مُنزَعِجين منَ النُّهوضِ باكِراً...؟ كَم مِن مَرَّةٍ قَتَلنا
الآخَرَ في قُلوبِنا، مُعتَبِرينَ أنَّنا دائِماً على حَقّ، فَفي البَيت لا
إحتِرام بَينَ الزَّوجَين، وَنَراهُما يَتَغَنَّيانِ بالوَفاءِ بَعضهم
لِبَعض، وَفي العَمَلِ أتَّهِم مَن هوَ أعلَى وَ أفضَل مِنَّا بالسَّرِقَةِ
وَ الغِشّ، وَ في البَيت انزَعَجنا مِن أهْلِنا لأنَّهُم يُتعِبونَنا...
لِنُصَلِّي إلى اللهِ لَيَقينا "شَرَّ" هذه الصَّلاة .
|
::: تأمّل روحي ::: |
الفرّيسي المعاصر
كان هناك رجلان في طريقهما إلى الصلاة، الأوّل يتبختر وكأنه على ظهر "جواد خياليّ" أسود لمّاع، والثاني يُهَرْوِل وكأنه تأخّر على موعد حميم. عند وصولهما، تقدّم الأوّل، وقف أمام المذبح وأخذ يصلّي في نفسه فيقول:"شكراً لك يا الله لأنّني لست كسائر الناس الحاسدين، المتأخّرين الرجعيّن، ولا أشبه أولئك الذين يرتضون بما عندهم، ولا يعرفون كيف يتمتّعون بالدنيا وما فيها".
أشكرك لأجل ما أنا عليه، بغضّ النظر عن الوسيلة التي أوصلتني، فالمهمّ
انّني أملك االطموح والذكاء العصريّ والدهاء" للإستيلاء على "حقوق الآخرين
وما عندهم..." لأنّهم, هم، لا يملكون حسن التصرّف بما لهم كما يجب.
أشكرك لأجل قلبي الصامد " المتحجّر بمعنى"، لاينزلق في متاهة ما يسمّونه
"الحبّ"، بل على العكس، باسمه أعرف كيف أبقي على مصالحي حتّى وإن على حساب
الآخرين, فَهُم أغبياء بل حمقى.
أشكرك لأننّي أعطي الفقراء من أموال المحسنين، ولو أنّ أولئك عليهم أن
يعملوا كي يستحقّوا لقمة العيش.
أشكرك لأجل الصبر وتحمّل التفاهات وتقبّل الآخرين الذين لا ترغب بهم نفسي،
فأبتسم مجبراً لأنّك تحبّ الإماتة، وأنا أرغب في أن أرضيك؛ فضلاً عن أنّ
بعضهم متعلّم إنّما لا يملك الثقّافة والذهن المنفتح....
أشكرك لأنني لست جلاّداً بل حكيماً يعرف كيف يحصل على ما يريده، وكيف يضع
حداّ للآخر إن تجرّأ "وعاكسني" فألقّنه الدرس الذي لا ينتسى بتحطيمه فقط
معنوياً، وازدرائه، ونبذه إن لزم الأمر.
أشكرك لأجل فطنتي في استغلال كلّ برهة من حياتي في المتاجرة واقتناص الفرص
المكتنزة. والبحث عن المكاسب كي أوءمِّن الأفضل لعائلتي الصغيرة؛ فالمُتَع
كثيرة اليوم والمتطلّبات أكثر، وهم يستحقّون أن يرثوا طريقة عيشي وتفكيري
العصري في الحياة.
أشكرك لأنّ زوجتي تتفهّمني، فهي تراني كلّ يوم تقريباً عند الليل وهي تعلم
أنني لست كالآخرين الذين يلتصقون "بنسائهم" في أغلب "الغدوات والعشوات
والأمسيات"، فيُضْجِرونهُنّ.
أخيراً، أشكرك حقاً يا ربّ لأنّ لك مكاناً في الكنيسة حيث آتي أسبوعياً كي
أعبّر لك عن كلّ ما في قلبي بين هلالين. لكن أعذرني، فلا وقت كاف لديّ كي
أشارك في وليمتك، كما أنّ ارتفاع الضغط عندي من شدّة المشاغل يمنعني من
الصوم.
أمّا الآخر فتحوّل إلى الجهة الشمالية من بيت الله المقدّس وانكبّ على
ركبتيه أمام القربان "لا يجرؤ أن يرفع عينيه نحو الآب"، آخذاً يصلّي في
سرّه بحرارة الإيمان الواعي والإبن التائب المتواضع، ساكباً ذاته أمام الذي
أوجده، مردّداً على مدى الساعة:" ارحمني يا حبيب روحي، ارحمني يا فاحص
الكلى وكاشف الأسرار. ارحمني لقلّة حبّي أيّها الحبّ الأسمى، وجدتك في قلبي
تملأني، فأتيتك متخلّياً عن ذاتي كي أختلي بك وحدك. أعدني إلى الصورة التي
أوجدتني عليها، صورتك. جدّد إرادتي كي أعيش "مثالك" الذي وهبتني إيّاه منذ
كوّنتني في حشا أمّي. إنني لا أملك سوى توبتي أقدّمها لك، فارحمني.
والختام؟... أتركه بين يديك أنت: ربّما كنتَ ذاك الفرّيسيّ المعاصر، أو
لعلّك الآخر، أو مزيجاً غريباً من الإثنان معاً. المهمّ أن تكون أنت وأنا
ذاك الإنسان المنفتح القلب، فتحني عندها رأسك أمام الخالق، تغمض عيناك
ناظراً إليه في أعماقك، وتصلّي.......
المقدّمة والصلاة وأفكار من وحي الرسالة من إعداد الخوري نسيم قسطون
التأمّل من وحي الإنجيل
تأمّل روحي |