|
عيد الصليب |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
::: مقدّمة ::: |
• إنّه عيد الصليب ومعه يبدأ الزمن الأخير من السنة الطقسيّة...
• في الرسالة الأولى إلى أهل قورنتوس، يقارن مار بولس ما بين حكمة الصليب وحكمة
العالم معتبراً أنّ "...مَا يَبْدُو أَنَّهُ حَمَاقَةٌ مِنَ اللهِ هُوَ
أَحْكَمُ مِنَ النَّاس، ومَا يَبْدُو أَنَّهُ ضُعْفٌ مِنَ اللهِ هُوَ أَقْوَى
مِنَ النَّاس".
• أمّا في الإنجيل، فينقل إلينا يوحنا الإنجيلي تأكيد الربّ يسوع: "وأَنَا
إِذَا رُفِعْتُ عَنِ الأَرض، جَذَبْتُ إِليَّ الـجَمِيع" بمعنى أنّ الخلاص ما
كان ليتمّ لولا المرور بالصليب.
• في هذا الأحد، تدعونا الكنيسة إلى توجيه أنظارنا إلى صليب المسيح لنتيقّن
دوماً من القيامة فالصليب، كما القبر، خاليان لأنّ المسيح قام وغلب الموت
ووهبنا الحياة الأبديّة...
|
::: صلاة ::: |
جَمِيلَةٌ هِيَ هذِهِ الصَّلاة
الَّتِي نُصَلِّيها فِي زَمَنِ الصَّلِيب بِقَولِنَا "عِندَمَا تَظهَرُ فِي
اليَومِ الآخر وَتَبدُو عَلاَمةُ صَلِيبِكَ أَكثَرَ إِشعَاعاً مِنَ الشَّمس
ضُمَّنَا إِلَيكَ وَاغمُرنَا بِنُورِكَ الأَبَدي".
نُصَلّيها اليوم واثقينَ أَنَّ الَّذِي عُلِّقَ عَلَى الصَّلِيب فَتَحَ يَدَيهِ
لِيَضُمَّنَا بِحُبِّهِ إِلَى حِضنِ الآب، آمِين.
|
::: الرسالة ::: |
18 إِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ
عِنْدَ الـهَالِكِينَ حَمَاقَة، أَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الـمُخَلَّصِينَ
فَهِيَ قُوَّةُ الله؛
19 لأَنَّهُ مَكْتُوب: "سَأُبِيدُ حِكْمَةَ الـحُكَمَاء، وأَرْذُلُ فَهْمَ
الفُهَمَاء!".
20 فَأَيْنَ الـحَكِيم؟ وأَيْنَ عَالِمُ الشَّرِيعَة؟ وأَيْنَ البَاحِثُ في
أُمُورِ هـذَا الدَّهْر؟ أَمَا جَعَلَ اللهُ حِكْمَةَ هـذَا العَالَمِ
حَمَاقَة؟
21 فَبِمَا أَنَّ العَالَمَ بِحِكْمَتِهِ مَا عَرَفَ اللهَ بِحَسَبِ حِكْمَةِ
الله، رَضِيَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ بِحَمَاقَةِ البِشَارَةِ الَّذِينَ
يُؤْمِنُون؛
22 لأَنَّ اليَهُودَ يَطْلُبُونَ الآيَات، واليُونَانِيِّينَ يَلْتَمِسُونَ
الـحِكْمَة.
23 أَمَّا نَحْنُ فَنُنَادِي بِمَسِيحٍ مَصْلُوب، هُوَ عِثَارٌ لِليَهُودِ
وحَمَاقَةٌ لِلأُمَم.
24 وأَمَّا لِلمَدْعُوِّينَ أَنْفُسِهِم، مِنَ اليَهُودِ واليُونَانِيِّين،
فَهُوَ مَسِيحٌ، قُوَّةُ اللهِ وَحِكْمَةُ الله؛
25 فَمَا يَبْدُو أَنَّهُ حَمَاقَةٌ مِنَ اللهِ هُوَ أَحْكَمُ مِنَ النَّاس،
ومَا يَبْدُو أَنَّهُ ضُعْفٌ مِنَ اللهِ هُوَ أَقْوَى مِنَ النَّاس.
(۱ قور۱/ 18٢٥)
|
::: حول الرسالة ::: |
فِي هَذِهِ الرِّسَالة ،
يُحَمِّلُ بولس الرَّسول تِلمِيذُهُ طيموتاوس صَلِيبَ الرِّسالَة مَعَ كُلِّ
مَا تَحمِلُهُ في طَيَّاتِها مِن صُعوبَاتٍ وَتَحَدِّيَاتٍ ، طَالِباً مِنهُ
أَن يَتَحَمَّلَ المَشَقَّاتَ كَجُندِيٍّ صَالِحٍ (وَكُلُّنَا يَعرِفُ أَنَّ
الجُندِيَّ هُوَ الَّذِي يَستَعِدُّ لِلمَوتِ فِي سَبِيلِ مَنْ جَنَّدَهُ) ،
وَكَمُصَارِعٍ يُصَارِعُ حَسَبَ الأُصُولِ لَكِن لا عَن عَبَثٍ بَل بِهَدَفِ
الحُصُولِ عَلَى الإِكلِيل (هَذَا الإِكلِيل الَّذِي يَمنَحُنَا إِيَّاهُ
يَسُوع فِي المَجدِ الأَبَدِي) ، وَكَحَارِثٍ يَتعَبُ وَيَكِدُّ مُتَحَمِّلاً
ثِقلَ النَّهارِ وَحَرَّهُ لِيَحصُلَ بِحَسَبِ الحقِّ عَلَى أُولَى ثِمَارِ
أَتعَابِهِ (وَهَذَا مَا يِمنَحُنَا إِيَّاهُ يَسُوع عبر إِعطَائنَا ذَاتَهُ
بِقَولِهِ "مَن يَحمل صَلِيبِه وَيَتْبَعنِي، أَكُنْ لَهُ نَصِيباً").
وَنَحنُ عَلَى مِثَالِ طِيموتاوس مَدعُوُّونَ لِكَي نَكُونَ جُنُوداً
وَمُصَارِعِينَ وَحَارِثِينَ فِي سَبِيلِ إِعلانِ مَلِكُوتِ الله رغمَ كُلِّ
الصُّعوبَات والتَّحَدِّيَات الَّتِي تَعتَرِضُ هَذِهِ المَسِيرة وَهَذِهَ
الدَّعوَة، عَارِفِينَ أَنَّ لا شِيءَ فِي هَذِهِ الدُّنيَا يَأْتِي بدُونِ
جَهدٍ وَبَذلِ ذَات فِي سَبِيلِ الحُصُولِ عَلَى الأَفضَل.
هَذَا كُلُّهُ سَنَفهَمُهُ وَنَعِيشُهُ كون الرَّبِّ سَيُعطِينَا فَهْماً
لِكُلِّ شَيء.
فَاليَوم إِذَا سَمِعنَا صَوتَهُ فَلا نُقَسِّي قَلُوبَنَا، لَكِن لِنَضَعَ
ذَواتَنَا فَي خِدمَةِ كَلِمَةِ الله وَنَحمِلَ صَلِيبَ هَذِهِ الكَلِمَة لِكَي
يَصِلَ الخَلاصُ إِلَى مَنْ نُحِبّْ بَدءاً مِنْ ذَوَاتِنَا.
|
::: الإنجيل ::: |
20 وكَانَ بَينَ الصَّاعِدِينَ لِيَسْجُدُوا في العِيد،
بَعْضُ اليُونَانِيِّين.
21 فَدَنَا هـؤُلاءِ مِنْ فِيلِبُّسَ الَّذي مِنْ بَيْتَ صَيْدَا
الـجَلِيل، وسَأَلُوهُ قَائِلين:"يَا سَيِّد، نُرِيدُ أَنْ نَرَى يَسُوع".
22 فَجَاءَ فِيلِبُّسُ وقَالَ لأَنْدرَاوُس، وجَاءَ أَنْدرَاوُسُ
وفِيلِبُّسُ وقَالا لِيَسُوع.
23 فَأَجَابَهُمَا يَسُوعُ قَائِلاً: "لَقَدْ حَانَتِ السَّاعَةُ لِكَي
يُمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَان.
24 أَلـحَقَّ الـحَقَّ أَقُولُ لَكُم: إِنَّ حَبَّةَ الـحِنْطَة، إِنْ لَمْ
تَقَعْ في الأَرضِ وتَمُتْ، تَبْقَى وَاحِدَة. وإِنْ مَاتَتْ تَأْتِي
بِثَمَرٍ كَثِير.
25 مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يَفْقِدُهَا، ومَنْ يُبْغِضُهَا في هـذَا
العَالَمِ يَحْفَظُهَا لِحَيَاةٍ أَبَدِيَّة.
26 مَنْ يَخْدُمْنِي فَلْيَتْبَعْنِي. وحَيْثُ أَكُونُ أَنَا، فَهُنَاكَ
يَكُونُ أَيْضًا خَادِمِي. مَنْ يَخْدُمْنِي يُكَرِّمْهُ الآب.
27 نَفْسِي الآنَ مُضْطَرِبَة، فَمَاذَا أَقُول؟ يَا أَبَتِ، نَجِّنِي مِنْ
هـذِهِ السَّاعَة؟ ولـكِنْ مِنْ أَجْلِ هـذَا بَلَغْتُ إِلى هـذِهِ
السَّاعَة!
28 يَا أَبَتِ، مَجِّدِ اسْمَكَ". فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ يَقُول:
"قَدْ مَجَّدْتُ، وسَأُمَجِّد".
29 وسَمِعَ الـجَمْعُ الـحَاضِرُ فَقَالُوا: "إِنَّهُ رَعد". وقَالَ
آخَرُون: "إِنَّ مَلاكًا خَاطَبَهُ".
30 أَجَابَ يَسُوعُ وقَال: "مَا كَانَ هـذَا الصَّوْتُ مِنْ أَجْلِي، بَلْ
مِنْ أَجْلِكُم.
31 هِيَ الآنَ دَيْنُونَةُ هـذَا العَالَم. أَلآنَ يُطْرَدُ سُلْطَانُ
هـذَا العَالَمِ خَارِجًا.
32 وأَنَا إِذَا رُفِعْتُ عَنِ الأَرض، جَذَبْتُ إِليَّ الـجَمِيع".
(يو ۱۲/ 2032)
|
::: تأمّل من وحي الإنجيل ::: |
فِي هَذَا النَّص الإنجِيلِي الَّذِي يُقرَأُ فِي عِيدِ
الصَّلِيب، لا نَرَى ذِكراً وَاضِحاً لاسمِ الصَّلِيب. لَكِن حِينَ أَتَى
اليُونَانِيُّونَ يَسأَلُونَ عَن يَسُوع لِكَي يَرَوهُ "يَا سَيِّد،
نُرِيدُ أَن نَرَى يَسُوع"، كَانَ جَوابُ يَسُوع مُوَجَّهاً إِلَى المَوتِ
فَالثَّمَر ، إِلَى الحُبِّ المُضَحِّي، إِلَى الخِدمَة، إِلَى ارتِفَاعِهِ
عَنِ الأَرض.
وَيُشِيرُ يَسَوع بِوَضُوح إِلَى قِمَّةِ رِسَالَتِهِ الخَلاصِيَّة حِينَ
تَحَقَّقَ الخَلاصُ عَلَى الصَّلِيب، فعَلَى هَذِهِ الخَشَبَة تَمَّت
مُصَالَحَتُنَا مَعَ الآب وَذَوَتِنَا وَبَعضِنَا البَعض.
فَالكَنِيسَة لَم تَتَعرَّف عَلَى هَوِيَّة يَسُوع الحَقِيقِيَّة
وَالخَلاصِيَّة إِلاَّ عَلَى الصَّلِيب، فَلا العَجَائِب وَلا التَّعَالِيم
وَلا أَيُّ شَيء أَعطَى يَسُوع هَوِيَّتَهُ إِلاَّ الصَّلِيب حَيثُ تَمَّ
سِرُّ الفِدَاء وَاكتَمَلَ سِرُّ الحُب "لَيسَ حُبٌّ أَعظَمُ مِن هَذَا
وَهُوَ أَن يَبْذُلَ الإِنسَانُ نَفسَهُ عَن أَحِبَّائِهِ".
هَذَا المَوتُ لَيسَ لِلنِّهَايَة بَل لإِعطَاءِ الحَيَاة، مِثلُ حَبَّةِ
القَمحِ الَّتِي تَمُوتُ لكَي تُعطِيَ ثَمَراً كَثِيراً، هَكَذَا مَوتُ
المَسِيحِ عَلَى الصَّلِيبِ أَعطَى الحَيَاةَ بِغَزَارَةٍ لِلكَنِيسَة كَي
تَكُونَ شَاهِدَةً لِلخِدمَة، لِبَذْلِ الذَّاتِ وَلِقُوَّةِ المَحَبَّة.
وَاليَوم إِذَا أَرَدنَا أَن نَرَى يَسُوع وَنَعرِفَهُ، فَلْنَذْهَب إِلَى
الصَّلِيبِ لِنَرِى ذَاكَ الَّذِي ارتَفَعَ عَنِ الأَرضِ لِكَي يَجذِبَنَا
بِهَذِهِ المَحَبَّة إِلَى اِلآبِ السَّمَاوِي وَلكَي يُذَكِّرَنَا
بِأَنَّنَا أَبنَاءُ الآب وَيَرُدُّ لَنَا البُنُوَّةَ الَّتِي خَسِرنَاهَا
بِفِعلِ خَطيئَتِنَا وَخُرُوجِنَا عَنِ المَحَبَّة.
عِندَمَا نُصَلِّي، نَرفَعُ عُيُونَنَا إِلَى فَوق، إِلَى الآب، حَبَّذَا
لَو نَتَأَمَّل أَكثَر ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ رَفَعَ عُيُونَنَا إِلَى الآب
هُوَ يَسُوع المُعَلَّق عَلَى الصَّلِيب، فَعِندَمَا نُصَلِّي، نَرفَع
عُيُونَنَا إِلَى الآب عِندَ أَقدَامِ الصَّلِيب وَلنَسمَع يَسُوع يَقُول:
"يَا أَبَتِ، مَجِّد اِسمَك" ، فَنُمَجِّدهُ نَحنُ بِأَعمَالِنَا
وَاَقوَالِنَا حَامِلِينَ صَلِيبَ حَيَاتِنَا بِفَرَحٍ مُتَذَكِّرِينَ
"أَنَّ الرَّبَّ يُحِبُّ المُعطِي الفَرحَان".
يَسُوع لَم يَحمل الصَّلِيب لأَنَّ لَهُ هِوَايَةٌ فِي حَملِهِ، بل، علَى
عَكسِ ذَلِكَ، رَفَضَ حَملَ صَلِيبِهِ بِقَولِهِ "يَا أَبَتِ نَجِّنَي مِن
هَذِهِ السَّاعَة". وَلَكِن مِن أَجلِ كَمَالِ المَحَبَّة الَّتِي
أَحَبَّنَا بِهَا حَمَلَ الصَّلِيبَ لِيُعطَينَا الخَلاص.
وَنَحنُ بِطَبيعَتِنَا نَرفُضُ حَملَ الصَّلِيب لَكِن بِطَبِيعَةِ
المَحَبَّة نَحمِلُ الصَّلِيبَ أَيّاً كَانَ، لِنُشَارِكَ يَسُوعَ بِعَمَلِ
الخَلاصِ فَنُخَلِّص نُفُوسَنَا والآخرين عَارِفِينَ أَنَّ الصَّلِيبَ
يَقُودُ إِلَى مَجدِ القِيَامَة.
مِن هُنَا عَلَينَا اَن لا نَكتَفِيَ بِأَن نَضَعَ الصَّلِيبَ شِعَاراً
عَلَى كَنَائِسِنَا وَمَنَازِلِنَا وَرِقَابِنَا وَسَيَّارَاتِنَا
وَتِلالِنَا وَمَفَارِقِ طُرُقَاتِنَا وَفِي كُلِّ مَكَان... مُفتَخِرِينَ
بِهِ بَل أَن نُدخِلهُ فِي صُلبِ حَيَاتِنَا اليَومِيَّة مُتَحَمِّلِينَ
بَعضُنَا بَعضاً، عَارِفِينَ أَنَّ الصَّلِيبَ يَقُودُنَا بِفِعلِ
المَحَبَّة إِلَى الخَلاص.
أَعطِنَا يَا رَبّ أَن نَحمِلَ صَلِيبَنَا وَنَسيرَ وَرَاءَكَ عَلَى
دُرُوبِ الجَلجَلَة لِنَصِلَ مَعَكَ إِلَى مَجدِ القِيَامَة آمِين.
|
::: تأمّل روحي ::: |
أين الحبّ؟
وقفت أتأمّل العالم ربّي، فما رأيت إلاّ الحبّ في كلّ زاوية وبيت، على مفترق كلّ طريق وحتّى في بيوتات "كبار الدنيا" وفقرائها. رأيته يسطع نوراً لا تراه إلاّ البصيرة، وعيناه حزينتان، أمّا ذراعاه فمبسوطتان ويداه المثقوبتان فُتَحتا، تشوّقاً لضمّ وعناق نفس كلّ إنسان هجرهما منذ زمن. رأيته( الحبّ) يقرع وينتظر أن يدخل مسكنه في القلب، لكن ما كان هناك من مجيب...
قليلون هم الذين سمعوا ففتحوا وأبصروا فأدخلوه نفوسهم وكانت اللُحْمَة
بينهم وبينه، هؤلاء أقاموا عهدَ حميميّةٍ أبديّة معه لأنّهم أدركوا عمق
التحوّل الذي أجراه في حياتهم ساعة قبلوه، وباتت الدنيا في أعينهم حقلاً
ينتظر سواعدهم المؤمنة والعاملة بفرح المنتصر كي يبدؤا العمل في حفظ الحنطة
المقدّسة من يد "أركونها"وعبثه، الذي يسعى جاهداً أن يملأها بالأشواك
والزؤان... لقد فهموا أنّ "الساعة التي سيتمجّد فيها ابن الإنسان" باتت
حاضرة، الآن؛ ساعة إلهيّة هي، ضُبِطت مع وعد الآب لأبنائه، لا تحدّها عقارب
ساعات الأرض ولا يحسن قراءتها إلاّ من لبسها في قلبه. أمّا تحميلها(
تشريجها) فلا يتمّ إلاّ بالتخلّي عن كلّ معوقات العالم كي تسير بهم إلى حيث
الميراث ينتظرهم.
ثمّ أمْعنْتُ النظر فرأيته ما زال ينتظر، كحبّة القمح، أن تدخل كلمته
وتتغلغل داخل أرضهم المتحجّرة، فتموت في سبيل أن تثمر مئات الحبّات كي "لا
تبقى وحدها"، لكنّهم لم يعيروه انتباهاً لأنّهم فضّلوا الطريق الأسهل
لإرضاء ذواتهم، غير مدركين أنّ هذا الجسد الذي يحملهم سيتعفّن آجلاً أم
عاجلاً ولن يبقى منهم إلاّ ما وهبهم إيأه الله من ذاته (أي النفس)
وسيستعيدها كي يحكم بما لها وبما عملته، ناظراً إلى عافيتها وصحّتها لا إلى
بدانة أو جمال تقاسيم من حمِلَها: فإن كانت قد عرفت الحبّ الذي من أجله
أرسلها كي تتحد به وتنير من حولها بنوره، فإلى العرس السماوي الذي لا
ينتهي، وإلاّ فلن تجرؤ، مِن ذاتها، التطلّع إلى دياره، ولا التقرّب منه أو
الإقتراب من عتبة الخلاص، فلقد تناست إلى أن أهملت كلّياً الإهتمام
بالعريس، وغادرت العالم دون أن تتألّق بثياب عرس الحمل... لقد حكمت على
ذاتها قبل أن تدعه ينطق بما لديه!
فيا معطي الحياة بالقيامة ومحوّلا صليب العار والألم إلى فيض حبّ لامحدود
وجسراً نعبر به إلى الحقّ كلّه والفرح الذي لا ينتهي، إجعل العالم يفهم
"أنّ الحبّ هو أقوى من الموت" وإرادة الحياة معك هي درب رجاء مفتوح على
الأبديّة.
وكما صلّى البابا يوحنّا بولس الثاني أردّد: "يا ربّ، إجعل قوّة حبّك
تنصرنا على الشرّ الذي يتهدّدنا، إجعلها أقوى من الخطايا الكثيرة المتأتّية
من تجاوزات هذا الحبّ والتعدّيات بكلّ أشكالها على الحياة والمجتمع. ولتكن
قوّة صليبك أيّها المسيبح أكبر من قوّة مسبّب كل الخطايا المُسَمّى "سيّد
هذا العالم" لأنّك بدمك وآلآمك قد افتديت العالم"، آمين.
المقدّمة و من إعداد الخوري نسيم قسطون
الصلاة وأفكار من وحي الرسالة والتأمّل من وحي الإنجيل
تأمّل روحي |