|
الاحد الاول بعد
عيد الصليب |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
::: مقدّمة ::: |
• إنّه الأحد الأول بعد عيد الصليب ومعه يبدأ تبلور معنى الصليب
وحمل الصليب في المسيحيّة...
• في الرسالة الثانية إلى تلميذه طيموتاوس، يدعو مار بولس كلّ واحدٍ منّا إلى
"احْتِمَالِ الـمَشَقَّاتِ كَجُنْدِيٍّ صَالِحٍ لِلمَسِيحِ يَسُوع".
• أمّا في الإنجيل وفقاً للقديس مرقس، فيوضح لنا الربّ يسوع مفهومه للسلطة: "
مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُم عَظِيمًا، فلْيَكُنْ لَكُم خَادِمًا. ومَنْ
أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الأَوَّلَ بيْنَكُم، فَلْيَكُنْ عَبْدًا لِلْجَمِيع؛"
داعياً إيانا إلى التشبّه به :" لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ
لِيُخْدَم، بَلْ لِيَخْدُم، ويَبْذُلَ نَفْسَهُ فِداءً عَنْ كَثِيرين"
في هذا الأحد، تدعونا الكنيسة إلى الاقتداء بالمسيح في ممارستنا للسلطة، أيّ
سلطة، ساعين على الدوام لنكون جنوداً صالحين للمسيح...
|
::: صلاة ::: |
فِي إِحدَى التَّرَاتِيلِ،
نُصَلِّي وَنَقُول "كتَار كتِير النَّاس اللِّي بدُّنْ مَلَكُوتَك ، قلال كتِير
النَّاس اللِّي حِملُوا صَلِيبَك".
أَعْطِنَا نِعمَتَكَ يَا رَبّ لِنَعرِفَ وَنُمَيِّزَ أَنَّ مَنْ يُرِيدُ أَن
يَصِلَ إِلَى مَلَكُوتِكَ عَلَيهِ أَن يَحمِلَ صَلِيبَهُ بِفَرَحٍ وَخَاصَّةً
صَلِيب خِدمَةِ الآخَرِينَ فَيَعِيشَ قِمَّةَ المَحَبَّة. آمِينْ.
|
::: الرسالة ::: |
1 وأَنْتَ، يا ابْنِي،
تَشَدَّدْ بِالنِّعْمَةِ الَّتي في الـمَسِيحِ يَسُوع.
2 ومَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِحُضُورِ شُهُودٍ كَثِيرِين، إِسْتَودِعْهُ أُنَاسًا
أُمَنَاء، جَدِيرِينَ هُم أَيْضًا بِأَنْ يُعَلِّمُوا غَيْرَهُم.
3 شَارِكْنِي في احْتِمَالِ الـمَشَقَّاتِ كَجُنْدِيٍّ صَالِحٍ لِلمَسِيحِ
يَسُوع.
4 ومَا مِنْ جُنْدِيٍّ يَنْهَمِكُ في الأُمُورِ الـمَعِيشِيَّة، إِذا أَرادَ
أَنْ يُرْضِيَ مَنْ جَنَّدَهُ.
5 ومَنْ يُصَارِعُ لا يَنَالُ إِكْلِيلاً إِلاَّ إِذا صَارَعَ بِحَسَبِ
الأُصُول.
6 والـحَارِثُ الَّذي يَتْعَبُ لَهُ الـحَقُّ بالنَّصِيبِ الأَوَّلِ مِنَ
الثَّمَر.
7 تأَمَّلْ في مَا أَقُول: والرَّبُّ سَيُعْطِيكَ فَهْمًا في كُلِّ شَيْء!
8 تَذَكَّرْ يَسُوعَ الـمَسِيحَ الَّذي قَامَ مِنْ بَينِ الأَمْوَات، وهُوَ
مِنْ نَسْلِ دَاوُد، بِحَسَبِ إِنْجِيلِي،
9 الَّذي فِيهِ أَحْتَمِلُ الـمَشَقَّاتِ حَتَّى القُيُودَ كَمُجْرِم، لـكِنَّ
كَلِمَةَ اللهِ لا تُقَيَّد.
10 لِذـلِكَ أَصْبِرُ على كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ الـمُخْتَارِين،
لِيَحْصَلُوا هُم أَيْضًا على الـخَلاصِ في الـمَسِيحِ يَسُوعَ مَعَ الـمَجْدِ
الأَبَدِيّ.
(2 طيم 2 /1-10)
|
::: حول الرسالة ::: |
فِي هَذِهِ الرِّسَالة ،
يُحَمِّلُ بولس الرَّسول تِلمِيذُهُ طيموتاوس صَلِيبَ الرِّسالَة مَعَ كُلِّ
مَا تَحمِلُهُ في طَيَّاتِها مِن صُعوبَاتٍ وَتَحَدِّيَاتٍ ، طَالِباً مِنهُ
أَن يَتَحَمَّلَ المَشَقَّاتَ كَجُندِيٍّ صَالِحٍ (وَكُلُّنَا يَعرِفُ أَنَّ
الجُندِيَّ هُوَ الَّذِي يَستَعِدُّ لِلمَوتِ فِي سَبِيلِ مَنْ جَنَّدَهُ) ،
وَكَمُصَارِعٍ يُصَارِعُ حَسَبَ الأُصُولِ لَكِن لا عَن عَبَثٍ بَل بِهَدَفِ
الحُصُولِ عَلَى الإِكلِيل (هَذَا الإِكلِيل الَّذِي يَمنَحُنَا إِيَّاهُ
يَسُوع فِي المَجدِ الأَبَدِي) ، وَكَحَارِثٍ يَتعَبُ وَيَكِدُّ مُتَحَمِّلاً
ثِقلَ النَّهارِ وَحَرَّهُ لِيَحصُلَ بِحَسَبِ الحقِّ عَلَى أُولَى ثِمَارِ
أَتعَابِهِ (وَهَذَا مَا يِمنَحُنَا إِيَّاهُ يَسُوع عبر إِعطَائنَا ذَاتَهُ
بِقَولِهِ "مَن يَحمل صَلِيبِه وَيَتْبَعنِي، أَكُنْ لَهُ نَصِيباً").
وَنَحنُ عَلَى مِثَالِ طِيموتاوس مَدعُوُّونَ لِكَي نَكُونَ جُنُوداً
وَمُصَارِعِينَ وَحَارِثِينَ فِي سَبِيلِ إِعلانِ مَلِكُوتِ الله رغمَ كُلِّ
الصُّعوبَات والتَّحَدِّيَات الَّتِي تَعتَرِضُ هَذِهِ المَسِيرة وَهَذِهَ
الدَّعوَة، عَارِفِينَ أَنَّ لا شِيءَ فِي هَذِهِ الدُّنيَا يَأْتِي بدُونِ
جَهدٍ وَبَذلِ ذَات فِي سَبِيلِ الحُصُولِ عَلَى الأَفضَل.
هَذَا كُلُّهُ سَنَفهَمُهُ وَنَعِيشُهُ كون الرَّبِّ سَيُعطِينَا فَهْماً
لِكُلِّ شَيء.
فَاليَوم إِذَا سَمِعنَا صَوتَهُ فَلا نُقَسِّي قَلُوبَنَا، لَكِن لِنَضَعَ
ذَواتَنَا فَي خِدمَةِ كَلِمَةِ الله وَنَحمِلَ صَلِيبَ هَذِهِ الكَلِمَة لِكَي
يَصِلَ الخَلاصُ إِلَى مَنْ نُحِبّْ بَدءاً مِنْ ذَوَاتِنَا.
|
::: الإنجيل ::: |
35 ودَنَا مِنْهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا، ابْنَا زَبَدَى ،
وقَالا لَهُ: "يَا مُعَلِّم، نُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ لَنَا كُلَّ ما
نَسْأَلُكَ".
36 فقَالَ لَهُمَا: "مَاذَا تُرِيدَانِ أَنْ أَصْنَعَ لَكُمَا؟".
37 قالا لَهُ: "أَعْطِنَا أَنْ نَجْلِسَ في مَجْدِكَ، واحِدٌ عَن
يَمِينِكَ، ووَاحِدٌ عَنْ يَسَارِكَ".
38 فقَالَ لَهُمَا يَسُوع: "إِنَّكُمَا لا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَان:
هَلْ تَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الكَأْسَ الَّتي أَشْرَبُها أَنَا؟ أَو
أَنْ تَتَعَمَّدَا بِالـمَعْمُودِيَّةِ الَّتي أَتَعَمَّدُ بِهَا أَنَا؟".
39 قالا لَهُ: "نَسْتَطِيع". فَقَالَ لَهُمَا يَسُوع: "أَلْكَأْسُ الَّتي
أَنَا أَشْرَبُها سَتَشْرَبَانِها، والـمَعْمُودِيَّةُ الَّتي أَنَا
أَتَعَمَّدُ بِهَا ستَتَعَمَّدَانِ بِهَا.
40 أَمَّا الـجُلُوسُ عَنْ يَمِينِي أَوْ عَنْ يَسَارِي، فلَيْسَ لِي أَنْ
أَمْنَحَهُ إِلاَّ لِلَّذينَ أُعِدَّ لَهُم".
41 ولَمَّا سَمِعَ العَشَرَةُ الآخَرُون، بَدَأُوا يَغْتَاظُونَ مِنْ
يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا.
42 فدَعَاهُم يَسُوعُ إِلَيْهِ وقَالَ لَهُم: "تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذينَ
يُعْتَبَرُونَ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُم، وَعُظَمَاءَهُم
يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِم.
43 أَمَّا أَنْتُم فلَيْسَ الأَمْرُ بَيْنَكُم هـكَذا، بَلْ مَنْ أَرَادَ
أَنْ يَكُونَ فِيكُم عَظِيمًا، فلْيَكُنْ لَكُم خَادِمًا.
44 ومَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الأَوَّلَ بيْنَكُم، فَلْيَكُنْ عَبْدًا
لِلْجَمِيع؛
45 لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَم، بَلْ
لِيَخْدُم، ويَبْذُلَ نَفْسَهُ فِداءً عَنْ كَثِيرين".
(مر 10/ 35-45)
|
::: تأمّل من وحي الإنجيل ::: |
فِي هَذَا الأَحَد مِن زَمَنِ الصَّلِيب وَفِي هَذَا النَّصِ الإِنجِيلِي نَرَى يَسُوع مُحَاوِراً ابنَي زَبَدَى وَمُطَمئِناً وَمُوَجِّهاً لِبَاقِي الرُّسلِ المُغتَاظِين:
1- مُحَاوِراً:
حاور يسوع إِبْنَيْ زَبَدَى اللَّذَينِ أَتَيَا إِلَيْهِ بِطَلَبٍ مُهمٍّ
جِدّاً لَو عَرَفُوا مَضْمُونَهُ بِحَسَبِ قَلبِ الرَّبّ وَهُوَ أَنْ
يَجلِس أَحَدُهُمَا عَن يَمِينِهِ وَالآخَر عَن شِمَالِهِ. ولكِنَّ هَذَا
الطَّلَب جَاءَ بَشَرِيّاً مَحضاً كما دلّ قَول يَسُوع لَهُمَا:
"إِنَّكُمَا لا تَعلَمَانِ مَا تَطلُبَان" لأنّهما طنّا، كَبَاقِي
الرُّسُل، بِأَنَّ يَسُوع أَتَى مَلِكاً زَمَنِيّاً ليُقِيمَ مُلكَهُ
وَمَملَكَتَهُ عَلَى الأَرض وَبِالتَّالِي سَيَكُونُونَ مُعَاوِنِيهِ فِي
الحُكمِ وَقَد أَتَوا يَطلُبُونَ مَنصِباً فِي هَذَا الحُكم.
فَوَجَّهَ يَسُوع نَظَرَهُمَا وَقَلبَهُمَا إِلَى الكَأسِ الَّتِي
سَيَشْرَبُهَا وَالمَعمُودِيَّة الَّتِي سَيَعْتَمِدُ بِهَا إِشَارَةً
مِنهُ إِلَى صَلبِهِ وَمَوتِهِ لِخَلاصِ البَشَرِيَّة وَطَمأَنَهُمَا
بِأَنَّهُمَا سَيَكُونَانِ عَلَى مِثَالِهِ فِي هَذَا الأَلَم وَالمَوت.
وَنَحنُ عِندَمَا نَطلُب مِنَ الرَّب طلباً، هل نَعلَم مَاذَا نَطلُب أَو
كَيفَ نَطلُب؟ وَهَل هَذَا الطَّلَب يَنفَعُ خَلاصَنَا الأَبَدِي أَم
أَنَّهُ مَحض بَشَرِي يَقتَصِرُ عَلَى هُمُومِ الأَرض؟
فَلنَسمَع الرّبَّ يَسُوع يقُول "أُطلُبُوا مَلَكُوتَ اللَّهِ وَبِرَّهُ
وَكُلُّ شَيءٍ يُزَادُ لَكُم ".
2- مُطَمئِناً وموجّهاً
طمأن يسوع بَاقِي الرُّسُل الَّذِينَ اغتاظُوا لِسَمَاعِهِم يَسُوع
يَتَحَدَّثُ مَع ابْنَيْ زَبَدَى عَن مَنَاصِب وَمَكَاسِب أَوضَحَ لَهُم
مَعنَى السُّلطَة بِنَظَرِهِ وَهَدَف رِسَالَتِهِ.
فَلَيسَتِ السُّلطَةُ للتَّسَلُّطِ وَتَسخِيرِ النَّاسِ لِخِدمَةِ
الزَّعِيمِ والمَسؤُول لَكِنَّ السُّلطَةَ بِحَسَبِ نَظَرِ الرَّب هِيَ
الخِدمَة: "فَمَنْ كَانَ عَظِيماً فَليَكُن لَكُم خَادِماً". وَالأَوَّل
فِي القِيَادَة هُوَ الَّذِي يَكُونُ عَبداً لِلجَمِيع.
وَهَكَذَا يَدعُو يَسُوع التَّلامِيذَ لِلتَّشَبُّهِ بِهِ "حَسبُ
التِّلمِيذِ أَن يَكُونَ مِثلَ مُعَلِّمِهِ". وَقَد عَاشَ أَمَامَهُم
هَذِهِ الخِدمَة بِامتِيَاز عِندَمَا غَسَلَ أَرجُلَهُم وَقَال لَهُم:
"إِذَا كُنْتُ أَنَا المُعَلِّمَ والرَّب قَد غَسَلتُ أَقدَامَكُم،
فَيَجِبُ عَلَيكُم أَنتُم أَيضاً أَن يَغسِلَ بَعضُكُم أَرجُلَ بَعض. فَقَد
جَعَلتُ مِنْ نَفسِي قُدوَةً لِتَصنَعُوا أَنتُم أَيضاً مَا صَنَعتُ
لَكُم".
وَنَحنُ ، مَا هِيَ نَظرَتُنَا وَعَيشُنَا للسُّلطَة؟
فَلنَأخُذ بَعضَ شَواهِدِ الحَيَاة.
- كَآبَاءٍ أَو كَأَهلِ ، هَل نَتسَلَّط عَلَى أَولادِنَا فَنَصنَعهُم
عَلَى ذَوقِنَا دون احتِرَام حُرِّيَّتِهِم أَم نَخدمهم وَنُوَجِّهُهُم
وَنحتَرِمُ رَأيَهُم كَي يَصِلُوا إِلَى الحَيَاة فَتَفتَخِرَ بِهِم
الكَنِيسَةُ وَالمُجتَمَع؟
- وَكَمُدَرِّسٍ فِي المَدرَسَة، هَل أَقُوم بِمَسؤُولِيَّتِي كَمُتَسَلِّط
فَأُصبِح مُجَرَّدَ مُوَظَّف يَقُومُ بِوَظِيفَتِهِ رُوتِينِيّاً وَيَقبَضُ
مَعَاشَهُ فِي آخر الشَّهرِ دُونَ إِحساسٍ بِأَنَّ مَنْ أَتَعاطَى مَعَهُم
هُم أَمَانَةٌ فِي عُنقِي أَم أَكُونُ مُرَبِّياً وَمُوجِّهاً لِتَلامِيذِي
وَمَعَ الحَرفِ أُعطِيهِم مِنْ ذَاتِي فَأَكُونُ قُدوَةً لَهُم وَأُقَدِّمَ
لَهُم خِدمَةَ المَحَبَّة فَأُصبِحَ رَسُولاً يَصِلُ بِرِسَالَتِهِ إِلَى
مُبتَغَاهَا عَارِفاً أَنَّنِي مُرَبِّي أَجيَال؟
- وَفِي السِّيَاسَة وَالمَسؤُولِيَة الإِجتِمَاعِيَّة، صَغُرَ حَجْمُهَا
أَم كَبُرَ، هَل أَتسَلَّطُ عَلَى مَنْ أَوصَلَنِي لِهَذِهِ المَسؤُولِيَة
وَأَتَنَكَّرُ لَهُ وَلِمَشَاكِلِهِ ضارِباً بِعرض الحائِط الوُعُود
الَّتِي عَلَى أَساسِها وَصَلتُ إِلَى هَذَا المَركَزِ؟ أَم أَستَغِلُّ
هَذَا المَركَز لِخِدمَةِ النَّاسِ بِمَجَّانِيَة وَأُسَانِدُ الضَّعِيفَ
بِمِحَبَّة وَخَاصَّةً أَعدَائِي عَارِفاً أَنَّ السُّلطَة مِنَ الله
وَالله مَحَبَّة.
فَلنَحمِل صَلِيبَ الخِدمَة وَلنَخدُم بَعضُنَا البَعض وَمَعاً فَلنَبنِي
مَلَكُوت المَحَبَّة والسَّلام (ملكوت الله) عَارِفِينَ بأَنَّ مَنْ
وَضَعَهُم الله عَلَى دُرُوبِ حَيَاتِنَا هُم إِخوَة لَنَا فِي مَلَكوتِهِ.
آمِين.
|
::: تأمّل روحي ::: |
هل تستطيع؟
أدعوك أيّها القارىء العزيز أن تتأمّل معي المشهد الذي قدّمه لنا القدّيس مرقس في هذا الفصل من الإنجيل: إثنان من التلاميذ يطلبان الجلوس عن يمين الآب ويساره، المسيح يحاورهما دون أن يصدّهما، أمّا بقيّة التلاميذ فمُغْتاظون ممّا حصل.
للوهلة الأولى نرى اهتمام التلميذين بالمكانة السماويّة إرضاءً لمصلحتهما
الشخصيّة، وانزعاج الآخرين من سؤالهما في حصر اليمين واليسار بهما دون
رفاقهما في الرسالة. هل كانا على خلاف معهم، أو هما أفضل منهم؟ هل كانت
الأنانيّة هي سيّدة الموقف؟ لماذا اغتاظ الآخرون؟ هل بسبب إحراجهما ليسوع
أم الغيرة هي التي حرّكتهم؟
ما نراه هنا أنّ السؤال يبدو بعفويّته اعترافاً واضحاً بأنّ يسوع هو ذاك
الإله المنتظر "أعطنا أن نجلس في مجدك". إنّهما وثقا به وأحبّاه فرغبا
السير معه، حتّى ما بعد الموت، الى يمين الآب ويساره. لكنّ شيئاً ما أغاظ
بقيّة الرسل كما في المرّات السابقة، نذكر منها على سبيل المثال، انتهارهم
للأعمى عند صراخه "رحماك يا ابن داوود "، واستغرابهم حوار يسوع مع
السامريّة... لم يفهموا بعد أنّ يسوع هو الذي عليه أن يدير دفّة الخلاص
لأنّهم ما زالوا يلبسون ثوب العالم في التفكير وردّات الفعل. باختصار، ما
زالوا في الجسد وبه يتعاملون، وككلِّ واحدٍ منّا، ربّما كانوا ينتقدون أو
ينهون الاخرين عن فعل ما يرغبون هم بفعله أو الحصول عليه.
لا أشكّ في أنّهم جميعاً وثقوا به، وإلاّ لما تركوا كلّ شىء وتبعوه،
متحمّلين الإهانات ورفض المجتمع اليهوديّ لهم بكتبته وفرّيسيّيه. لكنّ يسوع
يعرف الإنسان وضعفه حقّ المعرفة، لذلك دخل في حوار مع يعقوب ويوحنّا كي
يتأكّد من ثباتهما في هذا الطريق الصعب، ويشير إلى رسله ولنا أيضاً، أنّ
الجهاد مطلوب من المسيحيّ الملتزم في سبيل نعمة الحياة الأبديّة التي لا
تُمنح كجائزة ترضية ولا كهديّة، بل هي نعمة، على كلّ مؤمن استحقاقها
بالجهاد المستمرّ "أنتما لا تعلمان ما تطلبان".
كم نُشْبِه هذه الشخصيّات في علاقتنا مع الله!
من جهة أخرى، لكي نُظْهِر مسيحيّتنا نبدأ بتوزيع الإبتسامات وضمّ اليدين
إلى الصدور مع حنية رأس خفيفة فَ "نحن متواضعون..." إنّما الغيرة تنهش
عظامنا. وعندما نريد الوصول إلى مبتغانا، نفتح "صرّة" طلبات وتمنّيات
شخصيّة على أنّها صلاة، وفي أبعد تقدير، نذهب فيها إلى أولادنا وأزواجنا
(أو زوجاتنا)، ومن الصدف أن نذكر الأبعدين، مكتفين بترداد الكلمات بإلحاح
دون أن نعي حقيقة ما فعلنا في تحويلنا الصلاة إلى قائمة رغبات لا تبني"
بيتاً" ولا تقيم هيكلاً مشلولا. ثمّ ننسى أو نتناسى ما علينا القيام به: أن
ننهض للعمل ، مشمّرين عن سواعدنا استعداداً للنزول إلى ساحة المعركة ،
معركة الحياة حيث هناك الكثير من أعداء الحبّ والإيمان، المتربّصين شرّاً
بأبناء الله كي يهِدّوا عزيمتنا ويتحيّنون الفرصة لتدميرنا.
فما رأيك أنت؟ هل تعلم ما تطلبه، وكيف تطلبه؟ ربّما كنت من "المستزلمين"
للمسيحيّة بالمظاهر، هلاّ اتخذت الخطوة الآن نحو التحوّل إلى مولودٍ جديد
في المسيح ، فتوقف التذمّر والإنتقاد والتلطّي وراء الضعف الذي فيك عند
المحنة هارباً من المواجهة؟ هل ستجيب كما يوحنا ويعقوب: "نستطيع" وتبرهن عن
ذلك بشهادتك وعملك من خلال الرسالة الموكلة إليك؟ فالملكوت يغتصب اغتصاباً
بالحبّ والتواضع، الطريق الأقصر إلى قلب الآب: "من أراد أن يكون فيكم
كبيراً فليكن لكم خادماً" . هذا الحبّ المتجرّد هو الذي ينبت القديسين؛ هو
وحده الذي يمرّ بالصليب دون أن يموت، بل على العكس، يعطي الحياة والفرح
والجرأة حتّى في أقصى درجات الشدّة. هو الذي يبقى حياً دون الجسد عند
الموت، لأنّه هبة الله للإنسان في نفسه لا في جسده، مهما كانت مرتبة هذا
الأخير الدنيوية حتّى في الكنيسة: الكلّ صائراً إلى لقاء وجه الحبيب، الله
الآب. فإمّا أن تدخل ويداك مملؤتان مما حملته يداك من حبّ ولو في أصغر
الأمور، إمّا أن تبقى خارجاً "عن جواره" تبحث عمّا أضعته من نعمةٍ أمنّك
عليها الخالق مذ فُتِحَت عيناك على الحقّ في ابنه يسوع وروحه القدّوس
المقدّمة و من إعداد الخوري نسيم قسطون
الصلاة وأفكار من وحي الرسالة والتأمّل من وحي الإنجيل
تأمّل روحي |