|
زمن الصليب الأحد السادس بعد عيد الصليب (25 تشرين الأول 2009) |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
::: مقدّمة ::: |
• إنّه الأحد السادس والأخير بعد عيد الصليب ومعه نختم التأمّل
بالنهيويات...
• أوّلاً، في الرسالة إلى أهل غلاطية، يدعونا مار بولس ألّا "نَمَلَّ عَمَلَ
الـخَيْر، ولا نَكِلَّ، ...مَا دَامَ لَنَا مُتَّسَعٌ مِنَ الوَقت".
• أمّا في الإنجيل وفقاً للقديس متى، فيدعونا الربّ يسوع إلى استثمار ما وهبه
لنا الله من وزناتٍ لأنّ "كُلُّ مَنْ لَهُ يُعْطَى ويُزَاد، ومَنْ لَيْسَ لَهُ
يُؤْخَذُ مِنْهُ حَتَّى مَا هُوَ لَهُ".
في هذا الأحد، تدعونا الكنيسة إذاً إلى المثابرة على عمل الخير مستخدمين كلّ ما
حبانا به الله من وزناتٍ ومواهب ليستحقّ كلّ واحدٍ منا طوبى المسيح للعبيد
الصالحين: "يَا لَكَ عَبْدًا صَالِحًا وأَمِينًا! كُنْتَ أَمِينًا على القَليل،
سَأُقِيمُكَ على الكَثِير".
|
::: صلاة ::: |
مِن عُمقِ ضُعفِنَا الصَّارِخِ إِلَيكَ ارحَمنا، نَرفَعُ
أَيدِينَا الفَارِغَتَين نحوَ رَحمَتِكَ لِتَملأَهَا نِعمَةً مِن وَزَنَاتِ
مَحَبَّتِكَ وَتُرَافِقَنَا عَلَى دُرُوبِ المَلَكُوت فَنُتَاجِرَ بِكَنزِ
مَحَبَّتِكَ صَانِعِينَ مَعَكَ مَلَكُوتَ الحُبِّ وَالسَّلامِ وَالَفَرَحِ.
جَنِّبنَا يَا رَب أَن نَكُونَ عَبيدًا بَطَّالِينَ لا خَيرَ فِينَا. فَنَحنُ،
وَأَنتَ عَارِفٌ أَنَّنَا مَجبُولونَ بِالضُّعفِ، نَصرُخُ مَعَ بُولُس
"نُعمَتُكَ تَكفِينَا". آمِين.
|
::: الرسالة ::: |
1 أيُّهَا الإِخْوَة، إِنْ أُخِذَ إِنْسَانٌ بِزَلَّة،
فأَصْلِحُوهُ أَنْتُمُ الرُّوحِيِّينَ بِرُوحِ الوَدَاعَة، وَاحْذَرْ أَنْتَ
لِنَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَيْضًا.
2 إِحْمِلُوا بَعْضُكُم أَثْقَالَ بَعض، وهكَذَا أَتِمُّوا شَرِيعَةَ الـمَسيح.
3 إِنْ ظَنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ شَيء، وهوَ لا شَيء، فَقَدْ خَدَعَ نَفْسَهُ.
4 فَلْيَمْتَحِنْ كُلُّ وَاحِدٍ عَمَلَهُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ افْتِخَارُهُ في
نَفْسِهِ فَقَطْ لا في غَيْرِه.
5 فإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَيَحْمِلُ حِمْلَهُ الخَاصّ.
6 مَنْ يَتَعَلَّمُ كَلِمَةَ الإِيْمَان، فَلْيُشَارِكْ مُعَلِّمَهُ في جَمِيعِ
الـخَيْرَات.
7 لا تَضِلُّوا! فإِنَّ اللهَ لا يُسْتَهزَأُ بِهِ. فَكُلُّ مَا يَزْرَعُهُ
الإِنْسَان، فإِيَّاهُ يَحصُدُ أَيْضًا.
8 فالَّذي يَزرَعُ فِي جَسَدِهِ، يَحصُدُ منَ الـجَسَدِ فسَادًا؛ والَّذي
يَزْرَعُ في الرُّوح، يَحصُدُ مِنَ الرُّوحِ حَيَاةً أَبَدِيَّة.
9 فلا نَمَلَّ عَمَلَ الـخَيْر، ولا نَكِلَّ، لأَنَّنَا سَنَحْصُدُهُ في
أَوَانِهِ.
10 إِذًا فمَا دَامَ لَنَا مُتَّسَعٌ مِنَ الوَقت، فَلْنَصْنَعِ الـخَيْرَ إِلى
جَمِيعِ النَّاس، وخُصُوصًا إِلى أَهلِ الإِيْمَان.
(غل6/1-10)
|
::: حول الرسالة ::: |
إِخوَتِي الأَحِبَّاء، كَونُ هَذِهِ الرِّسَالَةُ غَنِيَّةٌ
جِدًّا وَكُلُّ آيَةٍ مِنهَا يُكتَبُ عَنهَا صَفَحَاتٌ لا بَلْ أَكثَرَ مِنْ
ذَلِك، فَكُلُّ آيَةٍ هِيَ بِالفِعلُ مَشرُوعَ حَيَاةٍ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ
أَنْ يَحمِلَ صَلِيبَ الخَلاصِ مَعَ الرَّبِّ فَيُخَلِّصَ نَفسَهُ وَالآخَرِين.
لِذَلِكَ أَرَدْتُ أَن أَتَأَمَّلَ مَعَكُم:
1- أَوَّلاً بِكَلامِ مَار بُولُسَ بِقَولِهِ "وَمَا هِيَ شَرِيعَةُ المَسيحِ
غَيرَ شَرِيعَةِ المَحَبَّةِ" الَّتِي نَجِدُ تَجسِيدَهَا فِي عِظَةِ يَسُوع
عَلَى الجَبَلِ ( مَتَّى ٥/١–١۲) الَّتِي خَتَمَهَا يَسُوع بِقَولِهِ
"اِفرَحُوا وَابْتَهِجُوا لأَنَّ أَجرَكُمْ عظِيمٌ فِي السَّماوات" (مَتَّى
٥/١۲).
وَيَختَصِرُ يَسُوع شَرِيعَتَهُ وَكُلُّ الشَّرَائِعِ بِقَولِهِ "فَكُلُّ مَا
تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَهُ النَّاسُ لَكُم،اِفعَلُوهُ لَهُم أَنتُم أَيضًا،
هَذِهِ هِيَ الشَّرِيعَةُ وَالأَنبِيَاء"(مَتَّى ٧/١۲). وَيُقَابِلُهُ قَولُ
بُولُسَ "فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ تَكتَمِلُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أَن
تُحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفسِكَ (غَلاطيَة ٥/١٤).
2- وثانِياً قَولُ بُولُس "فَكُلُّ مَا يَزرَعُهُ الإِنسَانُ فَإِيَّاهُ
يَحصُد. فَالَّذِي يَزرَعُ فِي جَسَدِهِ، يَحْصُدُ مِنَ الجَسَدِ فَسَادًا،
وَالَّذِي يَزرَعُ فِي الرُّوحِ، يَحصُدُ مِنَ الرُّوحِ حَيَاةً اَبَديَّةً".
فَمَا هِيَ أَعمَالُ الجَسَدِ؟ وَبِحَسَبِ بُولُس: "أَمَّا أَعمَالُ الإِنسَانِ
الجَسَدِيِّ فَوَاضِحَة وَهِيَ: الفُجُورُ وَالنَّجَاسَةُ وَالعِهرُ
وَعِبَادَةُ الأَوثَانِ وَالسِّحرُ وَالعَدَاوَاتُ وَالخِصَامَ وَالغَيرَةُ
وَالغَضَبُ وَالمُنَازَعَاتُ وَالإِنقِسَامَاتُ وَالبِدَعُ وَالحَسَدُ
وَالسِّكرُ..." وَمَا اَكثَرَهَا فِي اَيَّامِنا، فَيُحَذِّرُنَا بُولُسَ
بِقَولِهِ "إِنَّ الَّذِينَ يَعمَلُونَ هَذِهِ الأَعمَال لَنْ يَرِثُوا
مَلَكُوتَ الله" (غلاطية ٥/١٩–۲١).
وَمَا هِيَ ثِمَارُ الرُّوحِ؟ أَمَّا ثِمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ المَحَبَّةُ
وَالفَرَحُ وَالسَّلامُ وَالأَنَاةُ وَاللُّطفُ وَالصَّلاحُ وَالَمَانَةُ
وَالوَدَاعَةُ وَالعَفَافُ." (غلاطية ٥/۲۲–۲٣ ) وَمَا أَحوَجَنَا اليَومُ إَلَى
مِثلِ هَذِهِ الثِّمَارِ.
فَلنَصرُخ مَعَ بُولُسَ إِذَا أَرَدنَا الحَيَاة "فَلَستُ بَعدُ أَنَا الحَيُّ
بَلِ المَسِيحُ هُوَ الحَيُّ فِيَّ"(غلاطية ۲/۲۰) وَلنُكمِل مَعَ بُولُسَ
"أَمَّا أَنَا فَحَاشَا لِي أَن أَفتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ
المَسيحِ الَّذِي صَلَبَ العَالَمَ لِي وَأَنَا صُلِبتُ لِلعَالَم". (غلاطية
٦/١٤).
|
::: الإنجيل ::: |
14 ويُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ رَجُلاً أَرَادَ
السَّفَر، فَدَعَا عَبِيدَهُ، وسَلَّمَهُم أَمْوَالَهُ.
15 فَأَعْطَى وَاحِدًا خَمْسَ وَزَنَات، وآخَرَ وَزْنَتَين، وآخَرَ
وَزْنَةً وَاحِدَة، كُلاًّ عَلى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وسَافَر.
16 وفي الـحَالِ مَضَى الَّذي أَخَذَ الوَزَنَاتِ الـخَمْس، وتَاجَرَ بِهَا
فَرَبِحَ خَمْسَ وَزَنَاتٍ أُخْرَى.
17 وكَذـلِكَ الَّذي أَخَذَ الوَزْنَتَينِ رَبِحَ وَزْنَتَينِ أُخْرَيَين.
18 أَمَّا الَّذي أَخَذَ الوَزْنَةَ الوَاحِدَةَ فَمَضَى وحَفَرَ في
الأَرْض، وأَخْفَى فِضَّةَ سَيِّدِهِ.
19 وبَعْدَ زَمَانٍ طَويل، عَادَ سَيِّدُ أُولـئِكَ العَبِيد، وحَاسَبَهُم.
20 ودَنَا الَّذي أَخَذَ الوَزَنَاتِ الـخَمْس، فَقَدَّمَ خَمْسَ وَزَنَاتٍ
أُخْرَى قَائِلاً: يَا سَيِّد، سَلَّمْتَنِي خَمْسَ وَزَنَات، وهـذِهِ
خَمْسُ وَزَنَاتٍ أُخْرَى قَدْ رَبِحْتُهَا!
21 قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: يَا لَكَ عَبْدًا صَالِحًا وأَمِينًا! كُنْتَ
أَمِينًا على القَليل، سَأُقِيمُكَ على الكَثِير: أُدْخْلْ إِلى فَرَحِ
سَيِّدِكَ!
22 ودَنَا الَّذي أَخَذَ الوَزْنَتَينِ فَقَال: يَا سَيِّد، سَلَّمْتَنِي
وَزْنَتَين، وهَاتَانِ وَزْنَتَانِ أُخْرَيَانِ قَدْ رَبِحْتُهُمَا.
23 قَال لَهُ سَيِّدُهُ: يَا لَكَ عَبْدًا صَالِحًا وأَمينًا! كُنْتَ
أَمينًا على القَليل، سَأُقِيْمُكَ على الكَثِير: أُدْخُلْ إِلى فَرَحِ
سَيِّدِكَ!
24 ثُمَّ دَنَا الَّذي أَخَذَ الوَزْنَةَ الوَاحِدَةَ وقَال: يَا سَيِّد،
عَرَفْتُكَ رَجُلاً قَاسِيًا، تَحْصُدُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَزْرَع،
وتَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَبْذُر.
25 فَخِفْتُ وذَهَبْتُ وأَخْفَيْتُ وَزْنتَكَ في الأَرض، فَهَا هُوَ مَا
لَكَ!
26 فَأَجَابَ سَيِّدُهُ وقَالَ لَهُ: "يَا عَبْدًا شِرِّيرًا كَسْلان،
عَرَفْتَ أَنِّي أَحْصُدُ مِنْ حَيْثُ لَمْ أَزْرَع، وأَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ
لَمْ أَبْذُر،
27 فَكَانَ عَلَيْكَ أَنْ تَضَعَ فِضَّتِي عَلى طَاوِلَةِ الصَّيَارِفَة،
حَتَّى إِذَا عُدْتُ، اسْتَرْجَعْتُ مَا لِي مَعَ فَائِدَتِهِ.
28 فَخُذُوا مِنْهُ الوَزْنَةَ وَأَعْطُوهَا لِمَنْ لَهُ الوَزَنَاتُ
العَشْر.
29 فَكُلُّ مَنْ لَهُ يُعْطَى ويُزَاد، ومَنْ لَيْسَ لَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ
حَتَّى مَا هُوَ لَهُ.
30 وهـذَا العَبْدُ الَّذي لا نَفْعَ مِنْهُ أَخْرِجُوهُ وأَلْقُوهُ في
الظُّلْمَةِ البَرَّانِيَّة. هُنَاكَ يَكُونُ البُكَاءُ وصَرِيفُ
الأَسْنَان.
(متى25/14-30)
|
::: تأمّل من وحي الإنجيل ::: |
فِي هَذَا الأَحَدِ الأَخِيرِ مِن زَمَنِ الصَّلِيبِ وَفِي هَذَا المَثَلِ الَّذِي نَتَأَمَّلُ فِيهِ، نَرَى أَنَّ يَسُوعَ يَضَعُنَا أَمَامَ عَدلِ اللهِ وَأَمَامَ قَرَارِ الإِنسانِ.
بِدَايِةً، مَنْ هُوَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي أَرَادَ السَّفَرَ؟ هُوَ
يَسُوعَ المَسيح المَائِتِ عَلَى الصَّلِيبِ وَالقَائِمِ مِنَ المَوتِ
وَالصَّاعِدِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَبلَ صُعُودِهِ سَلَّمَ عَبِيدَهُ
(تَلامِيذَهُ) مَالَهُ (إِعلانَ مَلَكُوتِهِ): "إِذْهَبُوا فِي العَالَمِ
كُلِّهِ وَأَعلِنُوا البِشَارَةَ إِلَى الخَلقِ أَجمَع"(مر ١٦/١٥ ).
بِالعَودَةِ إِلَى المَثَلِ، كَيفَ نَرَى عَدلَ الله مَعَ الفَارِقِ
الكَبيرِ فِي إِعطَاءِ الوَزَنَاتِ ؟ نَرَاهُ بِقَولِ يَسُوع "كُلاًّ عَلَى
قَدرِ طَاقَتِهِ " وَقَولُهُ لِلعَبِيدِ الأُمَنَاءِ بِالتَّسَاوِي "كُنتَ
أَمِينًا عَلَى القَليل، سَأُقِيمُكُ عَلَى الكَثِير، أُدخُل فَرَح
سَيِّدِكَ".
وَلَو أَنَّ العَبدَ الشِّرِّير الكَسلان قَد تَاجَرَ بِالوَزنَةِ
الوَاحِدَة عَلَى مِثَالِ رِفَاقِهِ لَكَانَ سَمِعَ ذَاتِ الكَلامِ مِن
سَيِّدِهِ وَأَدخَلَهُ فَرَحَهُ، وَلَكِنَّ هَذَا العَبدَ أَضَاعَ فُرصَةً
ثَمِينَةً عَلَى نَفسِهِ بِدَفنِهِ فِضَّةَ سَيِّدِهِ فِي الأَرضِ أَي
أَنَّهُ أَلهَى ذَاتَهُ بِأُمُورِ الأَرضِ نَاسِيًا أَو مُتُنُاسِيًا
أَنَّه مَهمَا طَالَ الزَّمَان سَيَأتِي يَومُ الحِسَاب وَيُؤَدِّي
الحِسَابَ عَن وَكَالَتِهِ.
وَمِن جِهَةٍ ثَانِيَة، نَرَى أَنَّ هَذَا العَبدَ يَجهَلُ مَن هُوَ
سَيِّدُهُ فَيَصِفُهُ بِالرَّجُلِ القَاسِي الَّذِي يَحصُد مِن حَيثُ لَم
يَزرَع وَيَجمَع مِن حَيثُ لم يَبذُر، وَاَكثَرَ مِن ذَلِكَ، فَهُوَ عَلَى
عَلاقَةِ خَوفٍ مَعَهُ.
وَنَرَى جَوَابَ الإِنسَان علَى دَعوَةِ الله لَهُ فِي أَن يَكُونَ شَريكًا
وَمُشَارِكًا فِي خِدمَةِ المَلَكُوت (سَلَّمَهُم أَموَالَهُ). فَإِمَّا
اَن يُبَادِرَ إِلَى المُتَاجَرَةِ بِالوَزَنَاتِ فَيَربَح فَرَحَ
سَيِّدِهِ أَم أَنَّهُ يَذهَب وَيَحفُر فِي الأَرض ِ وَيُخفَي فِضَّةَ
سَيِّدِهِ جَاهِلاً دَعوَتَهُ فَيَكُونُ نَصِيبُهُ الظُّلمَةَ
البرَّانِيَّةَ.
وَالتِّجَارَةُ فِي مَلَكُوتِ الله لَها طَابِعٌ خَاص، فَلا تَخضَعُ
لِمَبدَأ الرِّبحِ وَالخَسَارَة لَكِن فِيهَا دَائِمًا رِبحٌ عظِيمٌ جِدًّا
(راجِع مَتَّى ١٩/۲٧–۲٩).
وَرَوعَةُ هَذِهِ التِّجَارَة هُوَ أَنَّ الله جَعَلَنَا لَهُ سُفَرَاءَ (
۲قورنتس ٥/۲۰ ) وَمُعَاوِنُون (۲ قورنتس ٦/١) لِنُكمِلَ مَا قَد بَدَأَ
بِهِ أَي بُنيَانَ مَلَكُوتِهِ عَلَى الأَرض. هَذَا المَلَكوت لَهُ
شَرِيعَةٌ (راجِع متَّى ۲٥ /٣١–٤٦ ).
فَالدَّعوَةُ مُوَجَّهَةٌ لَنَا لِكَي يُمتُحَنَ كُلُّ وَاحِدٍ عَمَلَهُ
(غلاطية ١/٤) عَارِفِينَ أَنَّ كُلَّ مَا يَزرَعُهُ الإِنسان إِيَّاهُ
يَحصُد، فَالَّذِي يَزرَع فِي جَسَدِهِ يَحصُدُ فَسادًا وَالَّذِي يَزرَعُ
فِي الرُّوح يَحصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّة ( غلاطية ٨/٨ ).
فَمَا دَامَ لَنَا الوَقت، فَلنَصنَعِ الخَيرَ إِلَى جَمِيعِ النَّاس
(غلاطية ٥/١۰) عَارِفِينَ أَنَّ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مُشَارَكَتِهِ لَم
يُحَمِّلنَا أَكثَرَ مِن طَاقَتِنَا حتَّى أَنَّهُ قَالَ "مَنْ سَقَى
أَحَدَ هؤلاء الصِّغَارِ وَلَو كَأْسَ مَاءٍ بَارِد لأَنَّهُ تِلمِيذ
فَالحقَّ أَقُولُ لَكُم أَنَّ أَجرَهُ لَن يَضِيع" (متَّى ١۰/٤۲)
فَلنَكُن أُمَنَاءَ "فَكُلُّ مَا يُطلَبُ مِنَ الوُكلاء هُو أَن يَكُونَ
كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم أَمينًا" (١ قورنتس ٤/۲).
|
::: تأمّل روحي ::: |
إنّها الثقة
من منّا لم يسمع، على الأقلّ، إن لم يقرأ، مثل الوزنات؟ من منّا لم يأخذه بحرفيّته، مقارباً إيّاه إلى الحياة اليوميّة، مستخلصاً منه عِبرة العين بالعين والسنّ بالسنّ؟ أمّا الصعوبة فتكمن في ما هو أبعد وأعمق.
إنّ كلمة الله لنا تختلف بمفهومها عمّا نقرأه حرفياً. نصّ متّى 25: 14-30،
يُظهر لنا، بمجمله، صورة الله الأب، الذي لم يشكّ في عبيده وأمانتهم. كانت
ثقته بهم لا حدّ لها، لذلك سلّمهم أملاكه (الوزنات)، كلّ على قدر طاقته،
وسافر، لا تهرّباً بل إفساحاً بالمجال أمام أبنائه لعملٍ مسؤولٍ أكبر،
وزيادة في فسحة حرّيتهم في التصرّف. لم يشترط عليهم كمّية الربح، كما وأنّه
لم يلزمهم بوسيلة تعاملٍ محدّدة، لأنّه كان يدرك أنّهم أكفاء ونزهاء
يستحقّون ثقته. فهو يعرف من هم وما هي قدراتهم، لذلك أعطى الأوّل خمس وزنات
والثاني وزنتين أمّا الثالث فسلّمه وزنة واحدة كي لا يحرمه من الحظوة
والمكافأة، إن استطاع أن يحسن إداء مهمّته!
هنا تبرز صورة الآب الكثير الرحمة، حيث المحبّة عنده، تتخطّى العدالة التي
لم يرَها العبد الثالث، صاحب الوزنة الواحدة، بل على العكس، لقد رأى فيه
صورة الدائن، القاسي القلب، الذي لايهتمّ إلاّ لجمع المال، قالباً حقيقة
الخَلْق رأساً على عقب، بحسب تفكيره المحدود، جاعلاً الخالق على صورة
الإنسان المخلوق ومثاله، مُلْبِساً إيّاه ثوب طاغيةٍ مستبدّ. ثمّ حدّ
تفكيره في منطق المديونيّة، لأنّه توقّف عند مَا سمعته أذناه دون أن يفهم
طبيعة سيّده وكرمه وكثرة رأفته. لقد خافه دائماً لذلك كان الأضعف بينهم. لم
يرَ فيه صورة الأب الذي، إن أعطى ولده، وهبه بثقة وحرّية. خوفه حجب عنه
الرؤيا الصحيحة، وجعله يتقوقع في محدوديته وجهله لمفهوم العطاء، فلم يؤمن
به، ولم يعرف التعامل مع العطيّة بحسب ما لديه من مهارات، ولو كانت على"قدر
حبّة الخردل"، فدفنها، محوّلاً إيّاها إلى وديعة للحفظ ("أخفيتُ وزنتك
ودفنتها")، فخسرها وخسر معها الحياة.
ربّما نحن أيضاً لا ننتبه انّنا سنَمْثُل يوماً أمام "السيّد عند عودته"،
كالإبن الذي يفخر بما حقّقه من ربحٍ أثناء غياب أهله، مهما كان ضئيلاً.
فقلّما يهمّ مقدار الوزنات التى ائتمننا عليها، إنّما الأهمّ هو إرادتنا في
جعل العطيّة تثمر، لأن النصيب الأفضل والمكافأة ينتظران كلّ الذين يجتهدون
وينتجون في عملهم("أيّها العبد الصالح...أدخل إلى فرح سيّدك").
كذلك،على الأرحج، أنّ ما يشغل تفكيرنا أكثر هو عدم تساوي الحصص (الوزنات).
وبحجّة الظلم يتحرّك فينا الشعور بالحسد من الذي اُعطي الوزنة الأكبر،
فنصرخ لائمين: أين هي عدالتك يا الله؟! ثمّ نمضي في التهويل على رحمته
وحكمته، ونُضْرِب عن الدأب والجدّ في العمل بما اُعْطِينا من نعم
ومواهب،دافنين إيّاها في مقبرة "خوفنا من الخسارةِ" المستترِ بالغضب، حيث
لا من حياة ولا من ثمار، فنكون بذلك قد حكمنا على أنفسنا بالعقم الأبديّ
بعد فقداننا حتّى ما نملكه، ورمينا بأنفسنا في المتاهات العقيمة المظلمة،
البعيدة كلّ البعد عن حضن الآب.
فلنواجه الآن خوفنا، ولنثق أن الله وضع تحت تصرّفنا كلّ ما في الأرض
لخيرنا، واهباً كلاً منّا عطيّة الحياة برأسمالٍ "طافحٍ مهزوز" من القدرات
والهبات والمواهب، لا بل أعظم بكثير، وهبنا كلّ ما له، وحيده، يسوع في
الأفخارستيا، كي يكون الحاضر دائماً معنا، ممّا يسمح لنا بالإرتقاء نحو
الأفضل والكسب الأكبر، فنصبح بذلك جزءاً من مشروع الحبّ في العالم.
لا نتردّدنّ إذن اليوم في المتاجرة الذكية الصحيحة بوزناتنا، لأنّه وثق بنا
وآمن بقدراتنا، عطيّته الثمينة لكلٍّ منّا.
المقدّمة و من إعداد الخوري نسيم قسطون
الصلاة وأفكار من وحي الرسالة والتأمّل من وحي الإنجيل
تأمّل روحي |