|
زمن الميلاد المجيد |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة | |
::: مدخل ::: | |
• ميلاد ٱبن اللهِ بالجَسَد مِنْ مَرْيَمَ ٱلبَتول، بِحُلولِ
ٱلرُّوحِ ٱلقُدُسِ فيها، وَ مِنْ دونِ أبٍ بَشَرِيّ، هوَ بِدءُ ٱلخَلاصِ ٱلذي
يَكْتَمل بالمَوْتِ وَ ٱلقِيامَة وَ حُلولِ ٱلرُّوحِ على الكَنيسَة. وَ نَحْنُ
مَدْعوونَ لِفَهْمِ بَدءِ ٱلخَلاصِ هذا على ضَوْءِ ٱلقِراءَتَين
المُخَصَّصَتَينِ للمُناسَبَة .
• الرِّسالَة إلى العِبرانيين تُرَكِّز على ٱمْتِياز الإبن الوارِث، شُعاعِ
مَجْدِ ٱلله وَ صورَةَ جَوْهَرِهِ، كَلِمَة الله المُتَمَيِّزَة عَن كَلام
ٱلأنْبِياء، وجَميعِ ٱلأشْباهِ وَٱلصُّوَر القَديمَة. فَهوَ يَفوقُ جَميع
المَخلوقات وَالمَلائِكَة لأنَّهُ الإبن الوَحيد الذي بِهِ خُلِقَ كُلُّ شَيء
وَالذي بِهِ تَمَّ فِداءُ كُلّ شَيء. فالميلادُ إذاً هوَ ميلادُ ٱلإبنِ
ٱلكَلِمَة وَدُخولُهُ في تاريخ البَشَرِيَّة مِنْ جَديد في مَجْدِ ٱلله حَيثُ
هوَ الآن بَعْدَ قِيامَتِهِ.
• في الإنجيل يحدّثنا القديس لوقا عن ميلاد الربّ يسوع ويضعه في قلب التاريخ
البشريّ (الإحصاء الروماني) ليجعله بعدها مركزاً للتاريخ يدور في فلكه البلاط
السماوي (الملائكة) والأرضي (الملوك والمجوس) والناس البسطاء (الرعاة) وباقي
مكوّنات الكون (النجم والثور والحمار والخراف)...
• ففي عيد الميلاد لا بدّ من السؤال: "في فلك من تدور حياتي؟ هل يسوع هو المركز
فيها؟"
::: صلاة تأملية ::: |
في مزودٍ صغير ولِدتَ أيّها الطفل يسوع؛ ولدتَ محروماً من كلّ ما يلزم لأمٍ
مُرضعةٍ ومولودٍ أحوج ما يكون إلى الدفء والراحة.
ولدت عارياً كما كلّ إنسان، غنياً كان أم فقيراً. ذلك لأن تواضعك وحبك للإنسان
هو لشخصه لا لما يملك.
تواجدت صِنْواً مع الفقر في المغارة وأنت هو الغنيّ و المُغني.
قبلتَ أن تقَيّد باللفائف "الحقيرة" كي تفكّنا من أسرِ التعجرف والأنانيّة. في
صمت ولادتك وسكونها، ذاعت البشرى حتى أقاصي الأرض، فأتى الملوك يسجدون لك
محمّلين بالهدايا.
أصليّ لك يا أبي من أجل الغنيّ بماله والفقير إليك، المغتبط ببهرجته والحزين في
قلبه، المالك كل شيء في العالم والمفتقد للشيء الوحيد وصاحب الملك الأوحد.
أصليّ أمام مزودك يا حبيبي و كليّ إيمان من أجل الغنيّ بك حتى في فقره والصحيح
بروحك حتى في مرضه، والفرِح فيك حتى في أساه وألمه.فأنت الحنون وحدك والمُجيب،
آمين.
::: الرسالة ::: |
1 إِنَّ اللهَ كَلَّمَ الآبَاءَ قَدِيْمًا في الأَنْبِيَاء،
مَرَّاتٍ كَثِيرَة، وبأَنْواعٍ شَتَّى،
2 وفي آخِرِ هـذِهِ الأَيَّام، كَلَّمَنَا في الابْن، الَّذي جَعَلَهُ وَارِثًا
لِكُلِّ شَيء. وبِهِ أَنْشَأَ العَالَمِين.
3 وهُوَ شُعَاعُ مَجْدِهِ وصُورَةُ جَوهَرِهِ، وضَابِطُ الكُلِّ بَكَلِمَةِ
قُدْرَتِهِ. فَبَعْدَمَا أَتَمَّ تَطْهِيرَ الـخَطايَا، جَلَسَ عَنْ يَمِينِ
الـجَلالَةِ في الأَعَالِي،
4 فَصَارَ أَعْظَمَ مِنَ الـمَلائِكَة، بِمِقْدَارِ ما الاسْمُ الَّذي وَرِثَهُ
أَفْضَلُ مِنْ أَسْمَائِهِم.
5 فَلِمَنْ مِنَ الـمَلائِكَةِ قَالَ اللهُ يَومًا: "أَنْتَ ابْنِي، أَنَا
اليَومَ وَلَدْتُكَ"؟ وقَالَ أَيْضًا: "أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا، وهُوَ
يَكُونُ ليَ ابْنًا"؟
6 أَمَّا عِنْدَمَا يُدْخِلُ ابْنَهُ البِكْرَ إِلى العَالَمِ فَيَقُول:
"فَلْتَسْجُدْ لَهُ جَمِيعُ مَلائِكَةِ الله!".
7 وعَنِ الـمَلائِكَةِ يَقُول: "أَلصَّانِعُ مَلائِكَتَهُ أَرْوَاحًا،
وخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَار".
8 أَمَّا عَنِ الابْنِ فَيَقُول: "عَرْشُكَ يَا أَلله، لِدَهْرِ الدَّهْر،
وصَولَجَانُ الاسْتِقَامَةِ صَولَجَانُ مُلْكِكَ.
9 أَحْبَبْتَ البِرَّ وأَبْغَضْتَ الإِثْم. لِذـلِكَ مَسَحَكَ إِلـهُكَ، يا
أَلله، بِدُهْنِ البَهْجَةِ أَفْضَلَ مِنْ شُرَكَائِكَ".
10 ويَقُولُ أَيْضًا: "أَنتَ، يَا رَبّ، في البَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْض،
والسَّمَاوَاتُ صُنْعُ يَدَيْك.
11 هِيَ تَزُولُ وأَنْتَ تَبْقَى، وكُلُّهَا كَالثَّوبِ تَبْلَى،
12 وتَطْوِيهَا كَالرِّدَاء، وكالثَّوبِ تَتَبَدَّل، وأَنْتَ أَنْتَ وسُنُوكَ
لَنْ تَفْنَى".
13 وَلِمَنْ مِنَ الـمَلائِكَةِ قالَ اللهُ يَومًا: "إِجْلِسْ عَن يَمِينِي
حَتَّى أَجْعَلَ أَعدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْك"؟
14 أَلَيْسُوا جَمِيعُهُم أَرْوَاحًا مُكَلَّفِينَ بِالـخِدْمَة، يُرْسَلُونَ
في خِدْمَةٍ لِلَّذِينَ سَوْفَ يَرِثُونَ الـخَلاص؟
(عب1\ 1-14)
::: أفكار من الرسالة ::: |
لقد شاءت الكنيسة المارونيّة أن تختار هذا مطلع الرسالة
إلى العبرانيين لتتأمّل به في عيد الميلاد المجيد.
نذكّر أولاً بأنّ هذه الرسالة توجّهت بشكل أساسيّ إلى جماعات اليهود لتؤكّد لهم
بأن يسوع هو المسيح المنتظر.
ولكننا لن نتأمّل اليوم في أبعاد هذه الرسالة وأهدافها المباشرة بل في ما
تتوجّه إلينا به، نحن المسيحيّون المجتمعون، في عيد الميلاد، حول مائدة مذبح
الربّ لنحتفل بسرّ الإفخارستيا، حيث يتحوّل الخبز والخمر، بفعل وحلول الروح
القدس، إلى جسد ودمّ يسوع المسيح الّذي يحقّق بذلك وعده : "وهَا أَنَا مَعَكُم
كُلَّ الأَيَّامِ إِلى نِهَايَةِ العَالَم" (متى 28\20).
يفتتح الكاتب الرسالة بالقول: "إِنَّ اللهَ كَلَّمَ الآبَاءَ قَدِيْمًا في
الأَنْبِيَاء، مَرَّاتٍ كَثِيرَة، وبأَنْواعٍ شَتَّى، وفي آخِرِ هـذِهِ
الأَيَّام، كَلَّمَنَا في الابْن، الَّذي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيء.
وبِهِ أَنْشَأَ العَالَمِين".
كم هو كبيرٌ وعظيمٌ حِلْمُ وصبرُ الله علينا!
فمن يتأمّل ما كُتِبَ في الكتاب المقدّس لا يسعه سوى أن يدرك كم تعدّدت وتنوّعت
أساليب ومحاولات الله لمخاطبة الناس الّذين كانوا (وما يزالون) يصمّون آذانهم
عن سماع كلمة الحياة ويقسّون قلوبهم عن فهمها ويغلقون عيونهم كيلا يبصروا أفعال
"محبّة الله الآب ونعمة الابن الوحيد وشركة وحلول الروح القدس".
كيف يسعنا ألّا نندهش أمام إصرار الله على محبّة الإنسان وربّ قائلٍ: "كفر
الإنسان بالله ولم يكفر الله بالإنسان"!
فقد ثابر الله مرّة تلو المرّة على منح ثقته للإنسان لحتّى يمكن القول إن إيمان
الله بالإنسان فاق بأضعاف إيمان الإنسان بالله. فالإنسان كثيراُ ما استغنى عن
الله أو استبدله بآلهةٍ مزيّفة أو ماديّة، لا تعدو كونها تجسيداً لرغباته أو
لشهواته... رغم ذلك يظهر في هذا العيد إصرار الله على خلاص الإنسان حتى لو
كلّفه الكثير من التنازل والتواضع الّذي يظهر جلياً في مغارة الميلاد وفي رموزه
رغم إننا، مع الأسف، فقدنا النظرة "التأمّليّة" (contemplative) بمعانيها
مكتفين بالنظرة "الجماليّة" (esthétique):
• أصبحنا نتنافس على بناء المغارة الأجمل أو الأكبر أو الأضخم وتناسينا أن
الله، مالئ الكون، أضحى طفلاً صغيراً لم يجد والداه سوى إسطبل ليأويا إليه
بينما الناس تنعم بدفء بيوتها وأسرّتها وبلذّة موائدها في ليلة ونهار العيد.
• أصبحنا "نتشاطر" بتغيير الألوان في عيد يسوع ليعبّر كلّ منا في زينته وضيافته
عن "عبادته" لهذا الزعيم أو ذاك وهو لم يكلّف خاطره عناء "مرّة" أبانا وسلام
أمام الإله الحقيقي المضطجع طفلاً في مزودٍ حقير.
• أصبحنا نزايد على بعضنا البعض بكلفة الضيافة في العيد في حين كان بالإمكان
إعانة عائلة جائعةٍ لن يمرّ عليها العيد من دون مساعدةٍ منّا وقد تكفيها ربطة
خبزٍ أو كيلو لحم أو قنّينة زيت ...
• أصبحنا نقاطع بعضنا البعض في العيد فمن يزورني أزوره وإلا... وأنا الأكبر
فواجبه أن يزورني أولاً... و"صرلو سنين ما دعس ببيتي"... وننسى أن الله "حطّ
ورا ضهره" كلّ خطايانا وذنوبنا وخيانتنا المتكرّرة وتجسّد رغم كلّ ذلك وهو يعلم
أن طريق الفداء صعبة كما نقل يوحنا الرسول عن لسان يسوع: "هـكَذَا أَحَبَّ
اللهُ العَالَم، حتَّى إِنَّهُ جَادَ بِابنِهِ الوَحِيد، لِكَي لا يَهْلِكَ
أَيُّ مُؤْمِنٍ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّة" (يو 3\16).
• أصبحنا نضع "إكساً" (La lettre X) على المسيح في عيده (Xmas بدل Christmas)
ما يعبّر صراحةً عن مدى انزعاجنا من هذا الإله الّذي يستفزّنا بمحبّته ووداعته
وصبره وبتعاليمه التي ترفعنا من شراكتنا مع الحيوان بالجسد إلى شراكةٍ مع الله
بالروح.
فيا إخوتي، لنتذكّر في عيد الميلاد أن الله يريد على الدوام أن يخاطبنا بابنه
يسوع وبروحه القدّوس من خلال الكنيسة المؤتمنة على الإنجيل الّذي هو إنجيل
"حياة" - كما دعاه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني - وعلى تعاليم يسوع ومحبّة
يسوع ونهج يسوع، فهل نريد أن نصغي إليه أو نريد أن ننضم إلى جماعة واضعي ال "X"
عليه؟
::: الإنجيل ::: |
1 وفي تِلْكَ الأَيَّام، صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أَغُوسْطُسَ قَيْصَرَ بِإِحْصَاءِ
كُلِّ الـمَعْمُورَة.
2 جَرَى هـذا الإِحْصَاءُ الأَوَّل، عِنْدَمَا كانَ كِيرينيُوسُ والِيًا على
سُورِيَّا.
3 وكانَ الـجَمِيعُ يَذهَبُون، كُلُّ واحِدٍ إِلى مَدِينَتِهِ، لِيَكْتَتِبوا
فِيهَا.
4 وَصَعِدَ يُوسُفُ أَيضًا مِنَ الـجَلِيل، مِنْ مَدينَةِ النَّاصِرَة، إِلى
اليَهُودِيَّة، إِلى مَدينَةِ دَاوُدَ الَّتي تُدْعَى بَيْتَ لَحْم، لأَنَّهُ
كَانَ مِن بَيْتِ دَاوُدَ وعَشِيرَتِهِ،
5 لِيَكْتَتِبَ مَعَ مَرْيَمَ خِطِّيبَتِهِ، وهِيَ حَامِل.
6 وفِيمَا كانَا هُنَاك، تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِد،
7 فوَلَدَتِ ابنَهَا البِكْر، وَقَمَّطَتْهُ، وأَضْجَعَتْهُ في مِذْوَد،
لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ في قَاعَةِ الضُّيُوف.
8 وكانَ في تِلْكَ النَّاحِيَةِ رُعَاةٌ يُقِيمُونَ في الـحُقُول، ويَسْهَرُونَ
في هَجَعَاتِ اللَّيْلِ على قُطْعَانِهِم.
9 فإِذَا بِمَلاكِ الرَّبِّ قَدْ وقَفَ بِهِم، ومَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ
حَولَهُم، فَخَافُوا خَوفًا عَظِيمًا.
10 فقالَ لَـهمُ الـمَلاك: "لا تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ
عَظِيمٍ يَكُونُ لِلشَّعْبِ كُلِّهِ،
11 لأَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ اليَوْمَ مُخَلِّص، هُوَ الـمَسِيحُ الرَّبّ، في
مَدِينَةِ دَاوُد.
12 وهـذِهِ عَلامَةٌ لَكُم: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا، مُضْجَعًا في
مِذْوَد!".
13 وانْضَمَّ فَجْأَةً إِلى الـمَلاكِ جُمْهُورٌ مِنَ الـجُنْدِ السَّمَاوِيِّ
يُسَبِّحُونَ اللهَ ويَقُولُون:
14 "أَلـمَجْدُ للهِ في العُلَى، وعَلى الأَرْضِ السَّلام، والرَّجَاءُ
الصَّالِحُ لِبَني البَشَر".
15 ولَمَّا انْصَرَفَ الـمَلائِكةُ عَنْهُم إِلى السَّمَاء، قالَ الرُّعَاةُ
بَعْضُهُم لِبَعْض: "هيَّا بِنَا، إِلى بَيْتَ لَحْم، لِنَرَى هـذَا الأَمْرَ
الَّذي حَدَث، وقَد أَعْلَمَنا بِهِ الرَّبّ".
16 وجَاؤُوا مُسْرِعِين، فوَجَدُوا مَرْيمَ ويُوسُف، والطِّفْلَ مُضْجَعًا في
الـمِذْوَد.
17 ولَمَّا رَأَوْهُ أَخبَرُوا بِالكَلامِ الَّذي قِيلَ لَهُم في شَأْنِ هـذَا
الصَّبِيّ.
18 وجَمِيعُ الَّذِينَ سَمِعُوا، تعَجَّبُوا مِمَّا قَالَهُ لَهُمُ الرُّعَاة.
19 أَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ هـذِهِ الأُمُورَ كُلَّهَا،
وتتَأَمَّلُهَا في قَلْبِهَا.
20 ثُمَّ عَادَ الرُّعَاةُ وهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ ويُسَبِّحُونَهُ على كُلِّ
ما سَمِعُوا ورأَوا، حَسَبَما قِيْلَ لَهُم.
(لوقا2\ 1-20)
::: أفكار على ضوء الإنجيل ::: |
يُدْخِلُ
ٱلقِدِّيس لوقا حَدَث وِلادَة يَسوع في تاريخِ شَعْبِهِ وَقَبيلَتِهِ (بَيت
داود مِنْ بَيت لَحم) وَيَسْتَغِلّ سُلْطَة الإمبراطور الرُّوماني الباسِط
نُفوذَهُ على العالم وَالدَّاعي إلى إحْصاءِ المَسكونَة، لِكَي يبرّر لنا
وِلادَةُ يَسوعَ في مَدينَةِ داود والتي شارَكَ ٱلرُّعاة وَ ٱلمَلائِكَة فيها
وسبّحوا ٱلله من أجلها.
فَميلادُ ٱلرَّبِّ إذاً، وَلَوْ في مَكانٍ مَنْسِيٍّ في مَغارَة، قَدْ حَدَثَ
وَسُجِّلَ "الله-الكلمة" في عِدادِ ٱلرَّعايا الخاضِعين لِسُلْطانِ ٱلقَيصَر
الرُّومانِيّ، وَفي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ مِنَ ٱلتَّاريخ. دَخَلَ تاريخَنا وَخَضَعَ
لِمُعْطَياتِ المَكان وَالزَّمان وَالمُجْتَمَع، لِيُحدِثَ التَّحَوُّل في
قَلْبِ ٱلتَّاريخ فَيَتَحَوَّل البَشَر مَعَهُ مِنْ رَعايا إلى أبناءِ لله
وَيُصْبِحَ بِذلِكَ التَّاريخ "تاريخ الخَلاص".
عملياً، عيد الميلاد هو دَعْوَةٌ لَنا لِنَدْخُلَ سَنَةً بَعْدَ سَنَة، في
سِرَّ ٱبْنِ ٱللهِ ٱلمُتَجَسِّد. فالعيد لَيْسَ بالمَظاهِر الخارِجِيَّة بَل
بالفَرَح الرُّوحِيّ النَّبِع مِنْ انْتِماءِ ٱبْنِ اللهِ إلى إنْسانِيَّتِنا
لِيَجْعَلْنا جَميعاً عائِلَة الله وَإخْوَةً لِبَعْضِنا ٱلبَعض. فَهَلْ
نَرْتَفِع بالعيد مِنْ مُسْتَوَى التَّعاطي البَشَرِيّ العادي إلى مُسْتَوَى
رؤيَةِ ٱلله وَ تَبَنِّيهِ لَنا بِشَخْصِ يَسوعَ ٱلمَسيح؟؟
البُعد الإنْسانِيّ النَّابِع مِنْ تَجَسُّدِ ٱبْنِ ٱلله يَدْفَعُنا إلى رؤيَةٍ
أكْثَرَ فيها كَرامَةٌ أكبر للإنْسان. فيَسوع قد رَفَعَ مُسْـتَوَى
إنْسانِيَّتِنا.
فَهَل يَحُقُّ لَنا أنْ نَبْقَى على المُسْتَوَى »الآدَمِيّ« التُّرابِيّ في
عَلاقاتِنا اليَومِيَّة؟؟ أم نَسْتَجيب لِرِسالَة الميلاد، فَنَرَى الإنسان
ببُعْدِهِ »المَسيحي« وَ نَتَعاطَى مَعَ بَعْضِنا على أساس هذا البُعد؟؟
::: دَعوَتُكَ لِهذا الأسبوع ::: |
* لَمْ يَكُنْ لَهُما مَوْضِعٌ في قاعَةِ ٱلضُّيوفِ:
تُذَكِّرُنا هذه الآيَةُ بِكَلِماتِ مار يوحَنَّا: »جاءَ إلى بَيْتِهِ وَ لَمْ
يَقْبَلْهُ أهْلُ بَيْتِهِ«.
عالَمُنا مُنْغَلِقٌ على ذاتِهِ، إذا جاءَهُ أحَدٌ مِنَ الخارِج يَشْعُرُ
بِأنَّهُ مُهَدَّدٌ وَ سُلْطانُهُ سَيُنْتَزَعُ مِنْهُ. إذا جاءَ اليَوم
الطِّفل يَسوع فَهَلْ يَجِدُ مَكاناً عِنْدَنا؟؟
*يولَدُ يَسوع في الفَقير وَ الضَّعيف وَ المَظْلوم وَ المُتَألِّم وَ
المُهَمَّش وَ المَسجون. فَهَلْ لَهُمْ مَوْضِعٌ في قَلْبِنا؟؟ في العَطاءِ
فَرَح وَ وِلادَةٌ جَديدَةٌ . لِماذا لا نَتَعَوَّدُ على العَطاءِ مِثْلَ
عَطاءِ الله لابْنِهِ يَسوع؟؟
* »لا تَخافوا إنِّي أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظيم«: يَدْعونا الرَّبُّ إلى
نَزْعِ ٱلخَوْفِ مِنْ قُلوبِنا، الخَوف مِنَ المُسْتَقْبَل، الخَوفُ مِنَ
المَوت، الخَوف مِنَ النَّاس، الخَوف مِنَ الله. فاللهُ يُريحُنا وَ لا
يُبَشِّرُنا إلاَّ بالفَرَح . وَ يُعْلِنُ لَنا الله، اليَوم: أنتُم
مُخَلَّصون. أنا أُحِبُّكُم . إنَّهُ يُريدُنا للحَياة، يَفْتَحُ لَنا
السَّماءَ لِنُصْبِحَ مِنْ أهْلِ بَيْتِهِ. إفْرَحوا أيُّها المؤمِنون، إنَّ
مَجْدَ الرَّبِّ أشْرَقَ عَلَيْنا، فَلا تَخافوا إنَّهُ نورُنا.
* »وُلِدَ لَكُم اليَومَ مُخَلِّص«: اللهُ صادِقٌ بِوُعودِهِ. وَعَدَنا
بِأنَّهُ سَيَكونُ مَعَنا »إلهُنا مَعَنا« وَ حَقَّقَ وَعْدَهُ. وُلِدَ اليَومُ
لَنا الخَلاص. هَلْ نَثِقُ بالله وَ وعودِهِ؟ هَلْ نَثِقُ بِخَلاصِهِ وَ لِماذا
لا نَلتَجِئُ إلَيْهِ إلاَّ في الأعْياد وَ نَتْرُكهُ طِوالَ أيَّامِ ٱلسَّنَة؟
كَيْفَ يُخَلِّصُنا الله إذا لَمْ نَكُنْ مَعَهُ مِثْلَما هوَ إلهُنا مَعَنا؟
هَل نَثِقُ بِأنَّ السَّماء وَالأرض تَزولان وَكَلامُ الرَّبِّ باقٍ إلى
الأبَد؟
المقدّمة وأفكار من الرسالة من إعداد
الخوري نسيم قسطون
الصلاة من إعداد
أفكار على ضوء الإنجيل
ودعوتك لهذا الأسبوع |
::: تأمّل ::: |
ميلادك هو ميلادي
في ليل هذا العالم المظلم، رأيت سراًّ عظيماً يفرش
نوره على المسكونة كلّها، وسمعت هزيز أوتارِ الملاك يترنّح في الأفلاك مع ترنيم
الشيروبيم وتهليل الكاروبيم. الكلّ يمجّد ويغوص في أعماق سرٍ تأنّس: الله على
الأرضِ في إنساننا، والإنسان في السماء في قلب الله.
- أرى فأومن
أقول، كيف لي أن أفهم أن أؤمن بشخصٍ لم أره أو ألمسه؟ هذا هو واقع الإنسان:
صعبٌ عليه أن يصدّق من دون أن يرى. فاللامنظور عنده كان غامضاً، مشوشاً للأفكار
وربّما موتّراً ومحيّراً أحياناً، وضعٌ مؤلم عاشه على مدى عصورٍ، قبل ألفيّ عام
وحتى عصرنا الحاضر عند البعض، فابتعد عن الله محجّراً قلبه ضارباً عرض الحائط
بوصاياه. لكنّ إله السلام، الآب السماوي، عزّ عليه ضياع أبنائه فأرسل ابنه
الوحيد لنا متّخذاً من جسدنا الزائل المنظور جسداً له، محاكياً نظرنا فنثق بما
نراه، ومتكلّماً بلغّتنا فنصغي إليه ونتّعلم فنفهم حتى إذاً ما آمناّ قادنا إلى
اللامنظور الكائن فينا فنخلُص.
- كيف يتّخذ الله من جسدنا البشريّ جسداً لابنه؟
هذا الجسد الضعيف الذي هو سبب خطيئة كل دقيقة وحدث: من أنانية قايين إلى جشع
وغطرسة هيرودوس، من هوى بتشابع إلى زنى المجدلية، من استبداد القياصرة والحكاّم
إلى مضطهديّ الصلاّح ومستغليّهم... أهذا يُعقل؟
إن فكر الله بعيدٌ كلّ البعد عن فكرنا، فلقد أوجد الجسد كي يكون مقدّساً
باحتواء روحه القدوّس العامل فينا كي يقودنا في طريق الخير؛ فلِما ترفض حقّ
الله في تقديسك؟ هو حلّ فينا كي يطهّرنا كما الجَرّاح يطهّر الجسد من الورم
الخبيث: إن دَخَل ماءً عكراً، متّسخاً، وعاءً قيّماً في بيتك، هل ترمي الوعاء
وما فيه، أم تنظّفه حتى ولو أتعَبَكَ وأَجهدك كي تعيده إلى ما كان عليه نظيفاً،
لامعاً، تفوح منه رائحةً طيّبة؟ اليوم هو الفرصة المناسبة التي تسترد فيها
نظافة داخلك (فكرك، قولك، فعلك وعملك)، فهل أنت مستعدٌ لاستقبال صاحب هذا
الحدث، يسوع، كي يمدّك بالعون وتكون فرِحاً بما يفعله في داخلك، مجدّداً إيّاك
به؟ هل عندك الجرأة كي تتخّذ القرار في جعل هذا اليوم يومَ ميلادٍ حقيقيّ لك
فتسهر بحضوره وتصلّي بحقّ أينما كنت؟
هل تخشى خطيئتك فتشعر أنّك غير مستحق للتقرّب منه، مختبئاً وراء السَكَر
والخمرة وهلوسة الليالي والشتيمة أو وراء الرزيلة وعتمة القلب؟
هل تخشى التخلّي عماّ يخلب عقلك ويسلّي أهواءك ويسلب قلبك من دون أن تعير
انتباهك إلى كل ما تخلىّ عنه أباك السماوي لأجلك أنت؟
إتّخذ القرار الآن ولا تجعل السوء يُقنّع إرادتك. إنك الأهمُّ في نظر الإله
الذي صار طفلاً لفرط حبّه لك: "فكيف تخشى إلهاً صار طفلاً لأجلك؟" (Ste.
Therese )
فإن كنت مريضاً خذ الدواء المناسب كي تشفى ولا تستسلم للمرض فتموت.