مدخل السنة الطقسيّة
أحد تقديس البيعة
(1 تشرين الثاني 2009)

::: مدخل :::

تفتتح الكنيسة المارونية، مع هذا الأحد، السنة الطقسيّة الجديدة. ونذكّر أنّها تكرّس أحدين تمهيديين لزمن الميلاد وهما أحد تقديس البيعة وأحد تجديد البيعة، واللذان قد يجتمعا سويّة في أحدٍ واحد، في بعض السنوات، وفقاً لعدد الآحاد ما بين الأوّل من تشرين الثاني ويوم عيد الميلاد.


في هذه السنة أيضاً الأحدان منفصلان.
هذا الأحد هو إذاً أحد تقديس البيعة الّذي يتصادف وقوعه مع عيدٍ مهمّ في الكنيسة هو عيد جميع القدّيسين.
وبما أنّ الطقوس الشرقيّة تعطي دائماً الاهميّة لآحاد واحتفالات السنة الليتورجيّة على حساب أيّ عيدٍ أو مناسبة قد تطرأ عليها، يكون احتفال هذا الأحد محصوراً بأحد تقديس البيعة ويلغى بالتالي عيد جميع القدّيسين لهذه السنة.
- في أحد تقديس البيعة، تدعونا الكنيسة لنتأمّل في مدى سعينا إلى القداسة عبر التأمّل بنصّين من الرسالة إلى العبرانيين ومن إنجيل متّى.
- فكاتب الرسالة إلى العبرانيين يدعونا لنفعّل مشاركتنا في الطقوس وشعائر العبادة لتترسّخ فينا مفاعيل الفداء الّذي أتمّه ربّنا يسوع بدمه المهراق من أجلنا، فتنعكس قداسةً في حياتنا الروحيّة وتقديساً في علاقتنا مع الناس.
- أمّا إنجيل متى فيدعونا إلى وعي التحوّل الجذريّ الّذي أتمّه يسوع المسيح في حياتنا حين سلّمنا، عبر بطرس الرسول ورئيس الرسل، مفاتيح السماء لنعي أنّنا ولو كنّا نمرّ في الأرض فإنّ وطننا الحقيقيّ والنهائي هو السماء!
- فهل تريد أخي أو أختي أن تمرّا مرور الكرام في هذه الحياة أو ستتركا بصمة قداستكما في حياة و ذاكرة كل من عرفكما؟!

 

::: صلاة :::

نَشكُرُكَ أيّها الآب السماوي، الربّ "الضابط الكلّ"، على الفداء الأبديّ الّذي حقّقه في حياتنا ربّنا يسوع المسيح، إبنك الوحيد، "الربّ الفادي" بدمه المهراق "من أجلنا ومن أجل خلاصنا" والّذي يتأوّن في حياتنا بالأسرار وفي تأصّل انتمائنا إلى الكنيسة بنعمة وحلول الروح القدس "الربّ المحيي".
أَهِّلْنا لِنَعيشَ، بعمق، بنوّتنا لك، داخل الكنيسة، ومن خلالها وعبرها، في العالم ومع العالم، في صَلاتِنا وَحَياتِنا، الآنَ وإلى الأَبَد، آمين.

 

::: الرسالة :::

1 فَالعَهْدُ الأَوَّل، كَانَتْ لَهُ أَيْضًا شعَائِرُ عِبَادَة، وبَيْتُ قُدْسٍ أَرْضِيّ.
2 فَبُنِيَ الـمَسْكِنُ الأَوَّل، وهُوَ الَّذي يُدْعَى "القُدْس"، وكانَ فيهِ الْمَنَارَة، والْمَائِدَة، وخُبْزُ التَّقْدِمَة،
3 ووَرَاءَ الـحِجَابِ الثَّانِي بُنِيَ الـمَسْكِنُ الَّذي يُدْعَى "قُدْسَ الأَقْدَاس"،
4 ويَحْتَوِي مِجْمَرَةً ذَهَبِيَّةً لِلبَخُور، وتَابُوتَ العَهْد، مُغَشًّى كُلُّهُ بِالذَّهَب، وفيهِ جَرَّةٌ مِن ذَهَبٍ تَحْتَوِي الـمَنّ، وعَصَا هَارُونَ الَّتي أَفْرَخَتْ، ولَوحَا العَهْد،
5 وفَوقَ التَّابُوتِ كَرُوبَا الـمَـجْدِ يُظَلِّلانِ الغِشَاء: أَشْيَاءُ لا مَجَالَ الآنَ لِلكَلامِ عَنْهَا بالتَّفْصِيل.
6 وإِذْ بُنِيَتْ تِلْكَ الأَشْياءُ على هـذَا التَّرتِيب، كانَ الكَهَنَةُ يَدْخُلُونَ إِلى الْمَسْكِنِ الأَوَّلِ في كُلِّ وَقْت، لِيُتِمُّوا العِبَادَة،
7 أَمَّا الْمَسْكِنُ الثَّانِي فكانَ عَظِيمُ الأَحْبَارِ يَدخُلُ إِلَيهِ وَحْدَهُ مَرَّةً واحِدَةً في السَّنَة، ولا يَدْخُلُ إِلَيهِ إِلاَّ ومَعَهُ دَمٌ يُقَرِّبُهُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ جَهَالاتِ الشَّعْب.
8 وبِهـذَا يُوضِحُ الرُّوحُ القُدُسُ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلى قُدْسِ الأَقْدَاسِ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ قَدْ كُشِف، مَا دَامَ الْمَسْكِنُ الأَوَّلُ قَائِمًا.
9 وهـذَا رَمزٌ إِلى الوَقتِ الـحَاضِر، وفيهِ تُقَرَّبُ تَقَادِمُ وذَبائِح، لا يُمْكِنُهَا أَنْ تَجْعَلَ مَنْ يُقَرِّبُهَا كامِلاً مِن جِهَةِ الضَّمِير.
10 إِنَّهَا شَعَائِرُ جَسَدِيَّةٌ تَقْتَصِرُ على أَطْعِمَةٍ وأَشْرِبَة، وأَنْواعٍ شَتَّى مِنَ الاغْتِسَال، مَفْرُوضَةٍ إِلى أَنْ يَأْتِيَ وَقْتُ الإِصْلاح.
11 أَمَّا الـمَسِيحُ فَقَدْ ظَهَرَ عَظِيمَ أَحْبَارِ الـخَيْرَاتِ الآتِيَة، واجْتَازَ الـمَسْكِنَ الأَعْظَمَ والأَكْمَل، غَيرَ الـمَصْنُوعِ بِالأَيْدِي، أَيْ لَيْسَ مِن هـذِهِ الـخَليقَة،
12 فَدَخَلَ إِلى قُدْسِ الأَقْدَاسِ مَرَّةً واحِدَة، لا بِدَمِ الـتُّيُوسِ والعُجُول، بَلْ بِدَمِهِ هُوَ، فَحَقَّقَ لنَا فِدَاءً أَبَدِيًّا.
(عب 9/1-12)

 

::: تأمّل من وحي الرسالة :::

في هذا المقطع من الرسالة إلى العبرانيين، يحذّرنا الكاتب من الوقوع في فخّ المعادلة الإيمانيّة الشعبيّة التي تربط مفهومي الخلاص و القداسة بكثرة ممارسة الطقوس أو شعائر العبادة. وفي هذا الظنّ - في الواقع – عودةٌ إلى زمن الوثنيّة حيث الطقوس تغلب على الإيمان والذبائح على العبادة واسترضاء الآلهة على محبّتها.
يأتي هذا المقطع ليصحّح هذا المفهوم الخاطئ موضحاً أنّ الطقوس القديمة لم تكن سوى "شَعَائِرُ جَسَدِيَّةٌ تَقْتَصِرُ على أَطْعِمَةٍ وأَشْرِبَة، وأَنْواعٍ شَتَّى مِنَ الاغْتِسَال، مَفْرُوضَةٍ إِلى أَنْ يَأْتِيَ وَقْتُ الإِصْلاح" ولكنّها "لا يُمْكِنُهَا أَنْ تَجْعَلَ مَنْ يُقَرِّبُهَا كامِلاً مِن جِهَةِ الضَّمِير".
قد يتسائل هنا المؤمن المسيحيّ: لمَ إذاً نمارس الطقوس والشعائر حتّى اليوم، خاصّةً عندما يقرأ الآية الأخيرة القائلة: "فَدَخَلَ إِلى قُدْسِ الأَقْدَاسِ مَرَّةً واحِدَة، لا بِدَمِ الـتُّيُوسِ والعُجُول، بَلْ بِدَمِهِ هُوَ، فَحَقَّقَ لنَا فِدَاءً أَبَدِيًّا"!
في الحقيقة، لا تعلّم الكنيسة أبداً بأنّ الطقوس أو أعمال الرحمة أو ما سواها تستطيع أن تبرّر الإنسان أو تخلّصه لأنّ الفداء تحقّق بالمسيح وبواسطته دون أيّ استحقاقٍ من البشر بل بنعمةٍ مجّانيّة من الله، دافعها المحبّة الخالصة للإنسان وللكون.
ولكنّ هذا الفداء الّذي تمّ مرّةً واحدةً، يتأوّن في كلّ مرّة تجتمع الكنيسة لحتفل بالأسرار، وخاصّة سرّ الإفخارستيا.
ماذا يعني تأوين الفداء؟هل يعني تحقيقه من جديد، صلباً وموتاً وقيامة؟
طبعاً لا، فالمسيح تألّم وصلب ومات ثمّ قام مرّةً واحدةً، كما قلنا، وبالتالي ليس المسألة مسألة إعادة بل تحقّق وتجذّر نفس الحدث بمفاعيله التي تتجاوز الوقت والزمان أو المكان.
فحدث القيامة ليس كالأحداث التاريخيّة التي تحدث ثم تمرّ وتصبح من الماضي!
هذا الحدث ما زال مستمرّاً ودائماً فنحن نعيش ونحيا من مفاعيله ونغلب الموت بقوّته ونرث الحياة الأبديّة بسببه. وما الأسرار سوى تجسيدٍ وتأصيلٍ وتركيزٍ للحدث الخلاصي الواحد ليتمّ، ليس في التاريخ حيث تمّ أصلاً بل في حياتنا نفوسنا وقلوبنا وعقولنا.
الأسرار تحرّرنا إذاً من أسر منطق المكان والزمان الماديين والمحدودين لتدخلنا في منطق الزمان والمكان الإلهيَين واللامحدودين، فنتذوّق ولو لهنيهات طعم الأبديّة "الآن وهنا"، وفقاً للمقولة اللاهوتيّة المشهورة!
فليس المطلوب إذاً عيش الشعائر والطقوس كواجبات علينا تأديتها بل كوسيلة تواصل مع الله تقرّبنا منه أكثر منطقاً وروحاً وحياةً!
فيوم الدينونة لن يسألك الله بالضرورة كم قدّاس أو صلاةٍ "حضرت" بل على الأرجح سيسألك كم مرّة شاركت في القدّاس أو الصلاة بكلّ قلبك وفكرك وروحك ونفسك وكم مرّة انعكست هذه المشاركة محبّةً وصفحاً في علاقتك مع الآخرين؟!
فلنقيّم إخوتي إذاً ممارستنا الدينيّة وليفحص كلّ واحدٍ منّا ضميره سائلاً ذاته:
1- هل أبحث عن تقديس ذاتي من خلال الأسرار أو الصلاة أو القدّاس؟ أو أكتفي بتسجيل حضوري له على سبيل تأدية الواجب؟
2- هل أسعى وأبحث فعلاً عن القداسة أو أتركها لبعض العجائز أو الكهنة أو المكرّسين، وأمضي عمري لاهثاً خلف القرش أو المجد أو الشهوة؟
3- هل أشارك لأخلّص نفسي "فقط" أو لينعكس الخلاص الّذي يتحقّق في حياتي شهادةً ليسوع المسيح أمام الآخرين؟

أسئلةٌ برسم الإجابة أخي وأختي هدفها ترسيخ انتماءكما للكنيسة، البيعة، التي شاءها ربّها، مقدَّسة بكيانها ومقدِّسة لبنيها.
أعطنا يا ربّ مؤمنين قدّيسين، آمين!

 

::: الإنجيل :::

1 وجَاءَ يَسُوعُ إِلى نَواحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيْلِبُّسَ فَسَأَلَ تَلامِيْذَهُ قَائِلاً: "مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَان؟".
2 فقَالُوا: "بَعْضُهُم يَقُولُون: يُوحَنَّا الـمَعْمَدَان؛ وآخَرُون: إِيْليَّا؛ وغَيْرُهُم: إِرْمِيَا أَو أَحَدُ الأَنْبِيَاء".
3 قَالَ لَهُم: "وأَنْتُم مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟".
4 فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وقَال: أَنْتَ هُوَ الـمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الـحَيّ!".
5 فأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهُ: "طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بنَ يُونَا! لأَنَّهُ لا لَحْمَ ولا دَمَ أَظْهَرَ لَكَ ذـلِكَ، بَلْ أَبي الَّذي في السَّمَاوَات.
6 وأَنَا أَيْضًا أَقُولُ لَكَ: أَنْتَ هُوَ بُطْرُسُ، أَيِ الصَّخْرَة، وعلى هـذِهِ الصَّخْرَةِ سَأَبْنِي بِيْعَتِي، وأَبْوَابُ الـجَحِيْمِ لَنْ تَقْوى عَلَيْها.
7 سَأُعْطِيكَ مَفَاتيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَات، فَكُلُّ مَا تَربُطُهُ على الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا في السَّمَاوَات، ومَا تَحُلُّهُ على الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً في السَّمَاوَات".
8 حينَئِذٍ أَوْصَى تَلامِيْذَهُ أَلاَّ يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ هُوَ الـمَسِيح.
(متى16/13-20
)

 

::: تأمّل من وحي الإنجيل :::

أحبائي ، كُتِبَ هذا النص عندما بدأت الجماعة المسيحية الأولى تعي أنّها مختلفة عن الجماعة اليهودية.
فبكلمة يسوع لبطرس أنت الصخرة، أسس المسيح " الكنيسة" وذلك بعد أن أسس جماعة الإثني عشر وعهدَ إليهم برسالة الخلاص.
لقد أسّس الرب يسوع كنيسته على سمعان الذي حوَّله الى بطرس أي الصخرة. وجعل من سمعان الرجل العادي المتزعزع ... أساساً لكنيسة أبدية لا يتزعزع! وهذا لَسرٌّ عظيم!
لقد ثبَّت الرب كنيسته في وجه كل قوى التجارب وكل حملات قوى الموت المعارضة لفكر المسيح وإرادته.


كثيراً ما نتوقّف عند ضعف الكنيسة ومحدوديَّة أولادها وأخطائها التاريخية... وهذا أمر طبيعي لا يمكن نكرانه، لكن ما لا يجوز هو أن نحكم على الأحداث الكنسية وعلى رجال الكنيسة كما لو كُنّا خارج الكنيسة وهنا الخطر الكبير، إذ نسمح لأنفسنا بأن ننساق في تيّار الإنتقاد اللاذع والهدام الى درجة الشك في بعض تعاليم الكنيسة و ما يقوله رعاتُها خلفاء الرسل... وكثيراً ما ننشُر في نظرتنا كما في كلامنا فكر الخوف على الكنيسة ووجودها ونقلق على مستقبلنا ووجودنا كمسيحيين، إذ نخاف من الإضطهادات والمحاربات والإنقسامات من هنا ومن هناك.
أحبائي من قال إنَّ الخطر غير موجود؟ ولن يكون هناك من إضطهادات؟ إن الخطر موجود ولا يجوز التغاضي عنه وإنه ليس خطراً طارئاً أو جديداً. بل إنه الخطر الدائم منذ تأسيس الكنيسة حتى اليوم ، لكن هذا الخطر لن يقوى على المسيحيين المؤمنين بيسوع ولا على كنيسته. وهنا لا بُدَّ لنا من أن نتوقف عند ما فَهِمَهُ أجدادنا حين قرأوا وفهموا وآمنوا بكلام الرب القائل "...أبواب الجحيم لن تقوى عليها" فأنذروا الجحيم بأن المؤمنين آتون بقوّة وبإيمان كبير ليَقتَحِموه ويُحَوِّلوه سماءً وبأنه لن يقوى على قوَّة المحبة.


هذا هو جوهر النص الإنجيلي، إن الكنيسة آتية لتُحَوِّل العالم مهما عُظُمَ شرّه الى مسكن الله عندنا. وهذا يتطلب منا العودة الى إيمان من سبقنا من رسل ومعلمين ومن كل أسلافنا ذوي الإيمان الحي ، لنتبنّى إيمانهم ونعيشه في حياتنا اليوم التي قلّ فيها الإيمان وشَحَّ ضوءه في قلوبنا...
أنتَ كنيسة الله وأنتِ كنيسة الله ونحن كلُّنا كنيسة الله . أنا وأنتَ وأنتِ كلّنا "الصخرة" التي يريد أن يبني يسوع كنيسته عليها. لا نخَف بعد الآن من ضعفنا، بل لِنَأخذ من إيمان بطرس مثالاً و مرجعاً، وهيا بنا نخلع أبواب الشر ونحاربه بسلاح المحبة ، عندها يعِمُّ السلام الأرض!


أحبائي سأنهي كلمتي الروحية هذه برواية استوقفتني : يُروى إنّ صياداً نقل بيض نسر ووضعه تحت دجاجة تحتضن بيضها. وبعد أن فرّخَ البيض كلّه، راحت صيصان النسر تلعب مع صيصان الدجاجة. ومن الجوّ شاهد النسر الأب أولاده يلعبون مع صيصان الدجاجة، فأخذه عنفوانه ونزل مسرعاً وسأل أولاده عمّا يفعلونه، فأجابوه بأنَّهم يلعبون معاً. فغضب النسر الأب وقال لهم: "ليس مكانكم هنا بل فوق". وعندها ثارت غيرته وانقضّ على فراخه وحملهم طائراً بهم الى الفضاء ثم قال لهم: "إلعبوا هنا في الفضاء فهنا مكانكم الطبيعي" عندها اكتشفت الفراخ بعدما طارت ولعبت في الجو بأنَّ والدها على حق فمكانها في السماء وليس على الأرض.


أحبّائي بالرغم من اننا ننتمي الى كنيسة تعيش في هذا العالم لكننا ننتمي الى كنيسة يسوع المسيح التي هي من عالم السماء. نحن نعيش على هذه الأرض لكن قلبنا وكنزنا هما في السماء. كنيستي هي التي تعطيني هوّيتي الحقيقية وتقول لي من أنا. وكنيستي هي أمي ولو تجَعّد شعرها وانحنت بسبب ثقل الصليب، فأنا أحبها في شيبها وشبابها، في ضعفها وقوّتها في أخطائها وبرارتها...لأنها أمي، كما قال أحد كبار اللاهوتيين.
ولا أنسى أنَّ كنيستي مقدَّسة لأنَّ مؤسسها قدوسٌ هو، ويدعوها الى فوق وهي تحملني الى فوق الى عيش هويتها

 

::: تأمّل روحي :::

 

خُلِقنا للقداسة؟

 

كم مررنا بالطرقات ولم نرَهُم، لأنّ نظرنا لم يَعْتد تخطّي الأنف!
كم تفرّجنا عليهم بدل أن نُعَزّيهم، لأنّهم صلّوا لأجل من ارتحل عنهم للأبد وأغفلوا الندب ولطم الخدود!
كم سخرنا من طيبتهم وتواضعهم لأنّهم عملوا بضمير حيّ وفرح ترجمته بسمة عذبة نابعة من قلبٍ متوجّع بسبب الظلم والإستغلال والتهميش أحياناً!
وَكم نَعَتْناهم بالسذّج والرجعيّين لأنّهم رَحَموا وأحبّوا بتواضع، وسَعوا إلى نثر ورود السلام، في القلب والعالم. وكم فرِحْنا بكذبنا عليهم والإساءة إليهم، كاشفين "سترهم" المتواضع كي نستر به عرينا!
وال"كم وكم" وجدت مرتعاً لها في حياتنا فاستساغت العيش مع جهلنا، وقلّة إيماننا بوجود ملكوت الله داخلنا، فأخذتنا على غفلةٍ منّا ورمت بنا في شباكها.
ألا تعتقدون معي أنّنا نعيّد اليوم هؤلاء القوم؟ كلّ الذين لم ننتبه لقداستهم بيننا؟ أليسوا هم هؤلاء القدّيسون الذين لا نعرف أسماءهم، إنّما جاورناهم وسمعناهم وعايشنا بعضهم، دون أن ندرك أهمّية تعاليمهم اليوميّة لنا؟ أقصد عيش البرارة بإيمان وحبّ، ورجاء وفرح وتواضع؟


هم أدركوا الحقّ وأحبّوه "فتزوّجوه" وسكن معهم. هم آمنوا بما قاله "المعلّم"، يسوع، "سَتبْكون، أمّا هم سيفرحون، ولكن حزنكم يصير فرَحاً"(يو:16:20). هم أيقنوا أنّ الحبّ لا يموت أبداً، وإلاّ، لماذا خُلِقْنا؟
هم عرفوا الجواب: خُلِقوا ليكونوا سعداء. نعم سُعداء، فساروا مشوار الحياة مدركين تماماً مفهوم السعادة الحقيقي، وأين يكمن سرّه (العيش للأبد بجوار من نحبّ)، فجاهدوا "الجهاد الحسن"حباً بالمسيح وإيماناً بمن أحبّوه.
"لماذا خُلِقْنا" إذن، سؤال ينتظر إجابتنا، إجابة تحدّد مصيرنا الحقيقي، لا في هذه الدنيا فحسب، بل في العالم الأبديّ أيضاً. ربّما نحن بحاجة إلى إصبع توما كي نؤمن بأنّ الحبّ لا يموت أبداً!
أنظر من حولك الغير ملتزمين مسيحياً تراهم مقتنعين بأنّ الإنسان خُلِق بالحبّ، وللحبّ سيحيا، لا لينتهي إلى تراب ويزول كالعشب بعد حين، بل هناك ما هو أسمى وأثمن بكثير، يخرجه من إناء الجسد الفاني، ويحمله إلى فوق، حيث لا سوس ولا عفن.


ألا توافقونني أننا جميعنا نرغب في السعادة والعيش للأبد؟ لكن، من منّا يتجرّا ويطلب بصراحة وإيمان وإدراك، من الله تعالى أن يحقّق له ذلك؟ ربّما لأنّنا نخاف مواجهة الحقيقة فلا نفعل: هل سيطلب منّا "بيع كلّ ما نملك والتصدّق به على الفقراء"؟، مَثَل ذاك الشاب الغنيّ الذي لم يدرك ما أراده منه يسوع حقاً، بسبب فقدانه "البصيرة"، إذ كان يرى سعادته في كلّ ما يملك من مال ومقتنات ومركز مرموق ... فمضى حزيناً!


بكلّ بساطة، طبعنا البشريّ يحبّ الكسب السريع في كلّ شيء حتّى في الرغبات التي نظنّها تجلب لنا السعادة، وإن كانت عابرة وتهدّد سلامنا، كالغنى الذي يحوّل تفكيرنا إلى الإهتمام باقتناء ما لم نحصل عليه بعدُ؛ والسلطة التي تُغرِق طمأنينتنا في التخوّف من قدرة من هو أقوى منا؛ وجمال الجسد الذي تسلبه منّا السنين يوماً بعد يوم ونحن لا نقوى على الإقرار بذلك... نعم، إنّ هذا الطبع يتغلّب على الإرادة في الحصول على الرغبة الحقيقية، أي السعادة، إن تخاذلنا أو يئسنا، لأنّها تتطلّب منّا التحلّي بالصبر وقوّة الإيمان والرجاء؟


هلاّ تأملنا إذن في القداسة، رغبة الله من خلقنا؟ لأنّه قد أرادنا أبناء سعداء، قدّيسين. إنّما، كي نولد فيها، لا بدّ لنا أن نمرّ بالمخاض أوّلاً، بانِين رجاءنا على المسيح الحيّ، حيث نقاوتنا تتلألأ كالمرآة، إن سكنتنا، وُلدنا بوجهٍ جديدٍ قُدْسيٍّ، وجه الله، وأصبحنا به واحداً.

 

 

المقدّمة والصلاة وأفكار من وحي الرسالة

من إعداد الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

nkastoun@idm.net.lb

 

التأمّل من وحي الإنجيل
من إعداد
الخوري رولان معربس
(خادم رعيّة سيّدة الانتقال – القبيّات، الضهر)

 

التأمّل الروحي من إعداد

السيدة جميلة ضاهر موسى
jamileh.daher@hotmail.com