|
زمن الميلاد
المجيد |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
::: مقدّمة ::: |
- نحتفل اليوم بعيد وجود الربّ في الهيكل وتدعونا الكنيسة، فيه،
من خلال نصّين من الرسالة إلى العبرانيين ومن إنجيل لوقا، لنتأمّل في الكهنوت
الجديد الّذي أرساه يسوع المسيح!
- في الرّسالة، نجد تأكيداً على تغيير الكهنوت القديم على يد يسوع المسيح الّذي
أدخل الرّجاء من جديد إلى الخدمة الكهنوتيّة.
- أمّا في الإنجيل فنجد يسوع يستردّ بيت أبيه من أيدي العلماء ويدخلهم في رحاب
منطق الله الّذي ابتعدوا عنه لردحٍ من الزمن وهذا سرّ دهشتهم.
في هذا الأحد، تؤكّد لنا الكنيسة أنّها "بيت الله" وتدعونا إذاً لنكون من أهل
هذا البيت، فنعيش ملء البنوّة مع المسيح وفي المسيح!
::: صلاة ::: |
نَشكُرُكَ أيّها الآب السماوي، يا من استعدت الهيكل من القلوب
والعقول المتحجرة عندما أرسلت ابنك فأدهش العلماء وأعادهم إلى مدرسة الروح
القدس.
هب لنا، اليوم، أن ندرك أهميّة حضورك في هياكلنا وكنائسنا وقلوبنا فتتألّق بنا
كنيسة البشر قبل أن نعلي الصروح الحجريّة وتشعّ منّا المحبّة قبل أن تعلو
القبب، فيتمجّد بنا وفي كلّ شيء، اسمك القدّوس، يا من تحيا وتملك إلى أبد
الدهور، آمين.
|
::: الرسالة ::: |
11 إِذًا لَو كَانَ الكَمَالُ قَدْ تَحَقَّقَ بِالكَهَنُوتِ
اللاَّوِيّ، وهُوَ أَسَاسُ الشَّرِيعَةِ الَّتي أُعْطِيَتْ لِلشَّعْب، فأَيُّ
حَاجَةٍ بَعْدُ إِلى أَنْ يَقُومَ كَاهِنٌ آخَرُ على رُتْبَةِ مَلْكِيصَادِق"،
ولا يُقَال "عَلى رُتْبَةِ هَارُون"؟
12 فمَتَى تَغَيَّرَ الكَهَنُوت، لا بُدَّ مِنْ تَغْيِيرِ الشَّرِيعَةِ
أَيْضًا.
13 فَالَّذي يُقَالُ هـذَا في شَأْنِهِ، أَي الـمَسِيح، جَاءَ مِنْ سِبْطٍ
آخَر، لَم يُلازِمْ أَحَدٌ مِنْهُ خِدْمَةَ الـمَذْبَح،
14 ومِنَ الواضِحِ أَنَّ رَبَّنَا أَشْرَقَ مِن يَهُوذَا، مِنْ سِبْطٍ لَمْ
يَصِفْهُ مُوسى بِشَيءٍ مِنَ الكَهَنُوت.
15 ويَزِيدُ الأَمْرَ وُضُوحًا أَنَّ الكَاهِنَ الآخَرَ الـَّذي يَقُومُ على
مِثَالِ مَلْكِيصَادِق،
16 لَمْ يَقُمْ وَفْقَ شَرِيعةِ وَصِيَّةٍ بَشَرِيَّة، بَلْ وَفْقَ قُوَّةِ
حَيَاةٍ لا تَزُول.
17 ويُشْهَدُ لَهُ: "أَنتَ كَاهِنٌ إِلى الأَبَد، على رُتْبَةِ
مَلْكِيصَادِق!".
18 وهـكذَا يَتِمُّ إِبْطَالُ وَصِيَّةِ الكَهنُوتِ السَّابِقَة، بِسَبَبِ
ضُعْفِهَا وعَدَمِ نَفْعِهَا،
19 لأَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تُبَلِّغْ شَيْئًا إِلى الكَمال، ويَتِمُّ أَيْضًا
إِدْخَالُ رَجَاءٍ أَفْضَل، بِهِ نَقْتَرِبُ مِنَ الله.
(عب 7\11-19)
|
::: الإنجيل ::: |
41 وكانَ أَبَوَا يَسُوعَ يَذْهَبَانِ كُلَّ سَنَةٍ في
عِيدِ الفِصْحِ إِلى أُورَشَليم.
42 ولَمَّا بَلَغَ يَسُوعُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَة، صَعِدُوا مَعًا كَمَا
هِيَ العَادَةُ في العِيد.
43 وبَعدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ العِيد، عَادَ الأَبَوَان، وبَقِيَ
الصَّبِيُّ يَسُوعُ في أُورَشَلِيم، وهُمَا لا يَدْرِيَان.
44 وإذْ كَانَا يَظُنَّانِ أَنَّهُ في القَافِلَة، سَارَا مَسِيرَةَ يَوْم،
ثُمَّ أَخَذَا يَطْلُبانِهِ بَيْنَ الأَقارِبِ والـمَعَارِف.
45 ولَمْ يَجِدَاه، فَعَادَا إِلى أُورَشَليمَ يَبْحَثَانِ عَنْهُ.
46 وَبعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّام، وَجَدَاهُ في الـهَيكَلِ جَالِسًا بَيْنَ
العُلَمَاء، يَسْمَعُهُم ويَسْأَلُهُم.
47 وكَانَ جَمِيعُ الَّذينَ يَسْمَعُونَهُ مُنْذَهِلينَ بِذَكَائِهِ
وأَجْوِبَتِهِ.
48 ولَمَّا رَآهُ أَبَوَاهُ بُهِتَا، وقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: "يا ابْنِي،
لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هـكَذا؟ فهَا أَنَا وأَبُوكَ كُنَّا نَبْحَثُ
عَنْكَ مُتَوَجِّعَين!".
49 فَقَالَ لَهُمَا: "لِمَاذَا تَطْلُبَانِنِي؟ أَلا تَعْلَمَانِ أَنَّهُ
يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ في مَا هُوَ لأَبي؟".
50 أَمَّا هُمَا فَلَمْ يَفْهَمَا الكَلامَ الَّذي كَلَّمَهُمَا بِهِ.
51 ثُمَّ نَزَلَ مَعَهُمَا، وعَادَ إِلى النَّاصِرَة، وكانَ خَاضِعًا
لَـهُمَا. وكَانَتْ أُمُّه تَحْفَظُ كُلَّ هـذِهِ الأُمُورِ في قَلْبِهَا.
52 وكَانَ يَسُوعُ يَنْمُو في الـحِكْمَةِ والقَامَةِ والنِّعْمَةِ عِنْدَ
اللهِ والنَّاس.
(لوقا 2\41-52)
|
::: تأمّل من وحي الرسالة والإنجيل ::: |
تحتفل الكنيسة اليوم بعيد وجود الرب في الهيكل حيث نجد ربطاً وتكاملاً ما بين نصّين يعلنان قيام كهنوتٍ جديد أساسه الربّ يسوع المسيح.
سمعنا في الرسالة إلى العبرانيين تأكيداً مفاده: "...وهـكذَا يَتِمُّ
إِبْطَالُ وَصِيَّةِ الكَهنُوتِ السَّابِقَة، بِسَبَبِ ضُعْفِهَا وعَدَمِ
نَفْعِهَا، لأَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تُبَلِّغْ شَيْئًا إِلى الكَمال،
ويَتِمُّ أَيْضًا إِدْخَالُ رَجَاءٍ أَفْضَل، بِهِ نَقْتَرِبُ مِنَ الله."
هذا الرجاء "الأفضل" تحقّق طبعاً في تجسّد الابن السماويّ كما تؤكّد ترنيمة
بديعة من ترانيم زمن الميلاد: "رجاء الكون وفانا كطفلٍ بيننا بانا...".
لقد قام الكهنوت في العهد القديم على تقديم الذبائح لإرضاء الله إلى أن أتى
يسوع "... من سِبْطٍ آخَر، لَم يُلازِمْ أَحَدٌ مِنْهُ خِدْمَةَ
الـمَذْبَح... مِنْ سِبْطٍ لَمْ يَصِفْهُ مُوسى بِشَيءٍ مِنَ الكَهَنُوت".
فهو، أي يسوع، لم يقدّم ذبيحةً حيوانيّة أو نباتيّة خارجة عن كيانه بل قدّم
ذاته ذبيحةً حيّة، فيها ملء الإنسانيّة والبشريّة، وملء الحبّ للإنسانيّة.
هدف الذبيحة بعد موت وقيامة يسوع أصبح إظهار محبّة الله للإنسان ولو حساب
العزّة الإلهيّة، ولم يعد إرضاءً لله على حساب الله نفسه لأنّ كلّ ما قدّمه
الإنسان ليرضي الله، قبل تجسّد المسيح، كان خارجاً عن ذاته ومنتقًى من
خلائق الله، وبالتالي أعجز عن أن يبرّر الإنسان. وهذا ما حدا بيسوع إلى
إطلاق صرخته الشهيرة: "أريد رحمة لا ذبيحة!" (متى 9\13).
مع يسوع أصبحت الذبيحة عطيّة مجّانيّة من الله للإنسان، عطيّة تأليه الخالق
للمخلوق وهو ما يحصل في الأسرار حيث نجد عناصر ماديّة كالخبز والخمر تتحوّل
بنعمة الله وقوّة السرّ إلى جسد ودم يسوع المسيح، وهو ما يجدر به أن يدهشنا
في كلّ مرّة كما أدهش يسوع العلماء الّذين كانوا "يسمعونه منذهلين بذكائه
واجوبته".
لقد فقدنا، مع الأسف، الإحساس بعظمة ما يحصل أمامنا في الأسرار لأنّنا
غرقنا، كما غرق قبلنا كهنة العهد القديم، في المظهر على حساب الجوهر،
وإليكم أمثلةً:
1- ألم تصبح الولادة الجسدية ومن بعدها الروحيّة من خلال المعموديّة
والتثبيت فرصةً للمزايدة في الهدايا وما شابه؟
2- ألم تصبح بعض زواجاتنا استعراضاتٍ خاوية من روح المحبّة، حيث ال "Liste
de Mariage" (لائحة الهدايا الماليّة أو العينيّة) أهمّ بكثير من ال "
Liste de vie" (لائحة الحياة المتضمنّة شروط الزواج الناجح وأهمّها المحبّة
والتضحية المتبادلة)؟
3- ألم تصبح بعض قدّاساتنا مهرجانات عائليّة أو قبليّة أو سياسيّة، تصدّر
الإنسان على حساب الإله، حيث المرحوم أهمّ ممن تقرّب إليه الذبيحة، فتحلّ
صورته على المذبح ضيفاً غير مرحّب به وفي غير مكانه عكس صاحبها المشفق على
غبائنا من عليائه وقد أضحى من أهل بيت الله؟!
فاليوم، في أحد وجود الربّ في الهيكل، نحن مدعوون لنجدّد ارتباطنا بهيكل
الله الحيّ، الكنيسة، ببشرها وحجرها، ولنسأل ذواتنا حول مدى فاعلية وجودنا
ومشاركتنا فيه وإلى أيّ مدى نقتدي بيسوع الّذي أحيا علماء الهيكل من سباتهم
الروحيّ!
ولكن لنتنبّه ليس المطلوب منّا أن نغيّر الآخرين قبل ذواتنا بل لنسعى
أوّلاً لننمو نحن "في الـحِكْمَةِ والقَامَةِ والنِّعْمَةِ عِنْدَ اللهِ
والنَّاس" ومن المؤكّد عندها أن الباقي سيزاد لنا!
آمين!
|
::: تأمّل روحي ::: |
أيّة حظوة أريد؟!
في بدء مسيرة الكلمة المتجسّدة، وككلّ طفلٍ وُلِد في عائلةٍ مؤمنة، أمينة على الحبّ الإلهيّ، قُدّم إلى الله في الهيكل وسُمّيَ يسوع. وفي الهيكل خضعَ لامتحان أهل الفقه وعلماء الشريعة (كما جرت العادة عند اليهود، لأبناء الثانية عشرة). كما وكانت بداية الإكتمال (إكتمال الخلاص) في الثلاثين من عمره.
هنا اعترف به سمعان الشيخ وحنّة النبيّة. وهنا أيضًا، وبعد سنوات، اعترفت
"دهشة" علماء الشريعة، بحكمة الله في هذا الولد، وبذكائه الفذّ وحضوره
الواثق الجدير بالإحترام، ممّا أثار فضولهم وخوفهم ممّا سيكونه هذا
المحاور-الطفل، الفهيم، المطّلع على كتاب التوراة والشريعة!
وهنا أيضًا تحوّلت حروف الشريعة إلى كلمة الله الناطقة بالحقّ، المعيوشة
بالإبن، هنا، في بيت أبيه الحميم، حيث يصلّي، و"عليه يغار"(يو2:17).
واليوم، هل يثير دهشتنا صاحب الهيكل، ويعني لنا أن نلتقيه في بيته؟ هل نغار
عليه وننتظر بلهفة تناول الكلمة،إبنه المتجسّد، في الخبز والخمر؟ هل نصغي
إلى ما يكلّمنا به في الإنجيل؟ هل "ننطلق إلى بيت الرّبّ فرحين" كي نلتقي
من نُحبّ؟
في بيت الآب إلتأمت العائلة من جديد، بعد بحثٍ عن يسوع دام َثلاثة أيّام.
ضياع، قلق، دموع، إحساس بالإهمال، ثمّ، التقاء، فعتب دون توبيخ، أخيرًا، إدراك لحقيقةِ عدم امتلاك يسوع، ابن الله، تفهُّم، صمت، والمشوار يكمل... وكان الحبّ والطاعة هما سيِّدا الموقف في إبراز وجه الله في عائلتهم: "يسوع عاد طائعًا"، كما أنّ مريم أطاعت بصمتها، "كانت تحفظ كلّ تلك الأشياء في قلبها".
واليوم، هل نَعي دورنا كآباء وأمّهات في تربية أولادنا، ونحسن التعاطي معهم
في أمور الحياة بالرغم من كلّ المفارقات؟ هل ندرك أنّنا ذوو رسالة سامية،
خصّنا بها الآب منذ ارتبطنا بِ"نَعَم للأبد" في الحبّ، وأنّنا لا نستطيع
تجاهل هويّتنا وماهيّتنا، وما علينا القيام به بأمانة؟ هل تنبّهنا إلى جوهر
الثالوث الّذي يربط بين أفراد العائلة: الأب والأمّ والأولاد، حافظًا
كرامتها في إطار الحبّ المقدّس، مثبّتًا جذورها في أرض القداسة العائليّة،
مغذّيًا ثمارها، جاعلاً إيّاها طيّبة الذاق عند إداء رسالتها والقيام
بمسؤوليّاتها؟ كيف تتفاعل مع أولادك؟ هل تعنّفهم لخطأ ارتكبوه، أم تسعى كي
تتفهّم مواقفهم أو ردود فعلهم؟ هل تمارس الطاعة، لا الخنوع، أمامهم،
فيتعلّموا منك؟ هل تعرف كيف تصمت، محاولاً أن تتفهم، أم تثور لأنّك تعتقد
ببدهيّة حقّك في ذلك، حتى وإن لم تفهم السبب، فأنت الأنضج، بحسب الطبيعة،
والأكبر سنًا!؟...
وكان يسوع يتسامى في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس(لو2/52)
من منّا لا يريد أن يتسامى، أو أن يكون معروفّا ومحبوبًا، ويمتلك الإحترام
والمركز المرموق والشهرة...؟ لكنّ السؤال، كيف نحقّق هذه الرغبات، بأيّة
وسائل نبلغها؟ هل نكتفي بما نحقّقه من" حظوةٍ عند الناس" فقط وننسى "حظوتنا
عند الله؟" كلّنا يميل إلى الأسهل اكتسابًا والأكثر مجدًا عند الناس، ولكن،
كلّ ذلك سرعان ما يندثر كما "العشب في الغداة ييبس ويزول". فماذا يبقى لنا
من حظوات؟ أنَحْمل قلوبًا فارغة ، باردة، إلى أبينا الّذي، ربّما ردّدنا
إسمه عل ألسنتنا دون أن ندرك حبّه؟ هل نخاف الألم والسخرية إن سعينا إلى
الحظوة عند الله، فنتخلّى عن شجاعتنا المسيحيّة، وندفن وزناتنا في باطن
الخوف من فكرة التخلّي عمّا يدغدغ رغباتنا، ويحرّك مشاعرنا "الأنانيّة"
وطموحاتنا البشريّة المحدودة؟ هل آمنّا يومًا أنّ الحظوة عند الله هي
الحرّية من تعقيدات الإنسان وأفكاره التي تكبّله داخل ذاته، فيغدو أسيرًا
لما يراه ويلمسه، يتذوّقه ويسمعه أحيانًا؟ ربّما لم نتنبّه إلى أنّ ذَوو
الحُظوات الدنيويّة المفلسة روحيّا، كم قادت من شعوبٍ وأُمَم إلى حروب،
وجلبت إليهم الدمار والويلات، فدفعوا فواتير جهل العلم والمعرفة البشريّة
والسلطة الدنيويّة المحضة، وكانوا فريسةَ مَن استأسد في سيرك الحياة.
فيا أخي الإنسان، إنّ الطبيعة قادرة أن تتكفّل بتَساميك في القامة، أمّا في
الحكمة والنعمة، فّهُما من كَرَم الله عليك، فلا تغلق أبواب قلبك عليه!
|
المقدّمة والصلاة و تأمّل من وحي الرسالة والإنجيل من إعداد
الخوري نسيم قسطون
التأمّل الروحي |