زمن الدنح المبارك
الأحد الأوّل بعد عيد الدنح
(10 كانون الثاني 2010)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مقدّمة :::

• إنّه الأحد الأوّل من زمن الدنح وفيه تدعونا الكنيسة، من خلال الرسالة، إلى تجاوز محدوديّتنا الجسديّة لندخل في مسيرة تأمّل شخصيّة يسوع المسيح وجوانبها المتعدّدة وأوّلها ما يعرضه لنا إنجيل اليوم" يسوع المسيح "حمل الله".
• في الرسالة إلى أهل قورنتوس، يردّ مار بولس على منقديه بدعوتهم إلى الواقعيّة الروحيّة وإلى التواضع وإلى تقبّل المؤمنين الآخرين.
• في الإنجيل، تقدّم لنا الكنيسة يوحنّا المعمدان وهو يدلّ تلميذين من تلاميذه على يَسوع »حَمَلُ ٱلله الرَّافِع خَطيئَة العالم« لَتنتهي مهمّته، وفق إنجيل يوحنّا، حتى تبدأ مسيرة يَسوع المسيح.
• نحن مدعوون إذاً، إخوتي، لنكون شهوداً للخلاص الّذي تمّمه من أجلنا لحمل الله، يسوع المسيح، الّذي يرفع خطايانا مع خطيئة العالم!

 

::: صلاة :::

نشكرك أيّها الآب السماوي من أجل ابنك، حمل الله، ربّنا يسوع المسيح، الّذي حمل خطايانا وعاهاتنا وخلّص العالم.
نشكرك أيضاً من أجل روجك القدّوس الّذي يكمّل فينا عمل الخلاص عبر زرعه في نفوسنا روح التوبة والتوق إلى ملكوت السماوات.
نسألك اليوم أن تمنحنا جرأة الشهادة ليسوع المسيح في حياتنا، على مثال يوحنا المعمدان، لننادي في كلّ مكان وزمان "هذا هو حمل الله، هذا هو حامل خطيئة العالم"، آمين.

 

::: الرسالة :::

1 أَنَا بُولُسُ نَفْسي أُنَاشِدُكُم بِوَدَاعَةِ الـمَسِيحِ وَحِلْمِهِ، أَنَا الـمُتَواضِعُ بَيْنَكُم عِنْدَمَا أَكُونُ حَاضِرًا، والـجَريءُ عَلَيْكُم عِنْدَما أَكُونُ غَائِبًا.
2 وأَرْجُو أَلاَّ أُجْبَرَ عِنْدَ حُضُورِي أَنْ أَكُونَ جَريئًا، بِالثِّقَةِ الَّتي لي بِكُم، والَّتي أَنْوِي أَنْ أَجْرُؤَ بِهَا عَلى الَّذينَ يَحْسَبُونَ أَنَّنا نَسْلُكُ كَأُنَاسٍ جَسَدِيِّين.
3 أَجَل، إِنَّنا نَحْيَا في الـجَسَد، ولـكِنَّنا لا نُحَارِبُ كَأُنَاسٍ جَسَدِيِّين؛
4 لأَنَّ أَسْلِحَةَ جِهَادِنا لَيْسَتْ جَسَدِيَّة، بَلْ هيَ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلى هَدْمِ الـحُصُونِ الـمَنِيعَة؛ فإِنَّنا نَهْدِمُ الأَفْكَارَ الـخَاطِئَة،
5 وكُلَّ شُمُوخٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ الله، ونَأْسُرُ كُلَّ فِكْرٍ لِطَاعَةِ الـمَسِيح.
6 ونَحْنُ مُسْتَعِدُّونَ أَنْ نُعَاقِبَ كُلَّ عُصْيَان، مَتى كَمُلَتْ طَاعَتُكُم.
7 إِنَّكُم تَحْكُمُونَ عَلى الـمَظَاهِر! إِنْ كَانَ أَحَدٌ وَاثِقًا بِنَفْسِهِ أَنَّهُ لِلمَسيح، فَلْيُفَكِّرْ في نَفْسِهِ أَنَّهُ كَمَا هوَ لِلمَسيحِ كَذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا.
8 فَأَنا لا أَخْجَلُ إِنْ بَالَغْتُ بَعْضَ الـمُبَالَغَةِ في الاِفْتِخَارِ بِالسُّلْطَانِ الَّذي وَهَبَهُ الرَّبُّ لَنا لِبُنْيَانِكُم لا لِهَدْمِكُم.
9 ولا أُرِيدُ أَنْ أَظْهَرَ كأَنِّي أُخَوِّفُكُم بِرَسَائِلي؛
10 لأَنَّ بَعْضًا مِنْكُم يَقُولُون: "رَسَائِلُهُ شَدِيدَةُ اللَّهْجَةِ وقَوِيَّة، أَمَّا حُضُورُهُ الشَّخْصِيُّ فَهَزِيل، وكَلامُهُ سَخِيف!".
11 فَلْيَعْلَم مِثْلُ هـذَا القَائِلِ أَنَّنا كَما نَحْنُ بِالكَلامِ في الرَّسَائِل، عِنْدَما نَكُونُ غَائِبين، كَذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا بِالفِعْل، عِنْدما نَكُونُ حَاضِرين.

(2 قور 10\1-11)

 

::: أفكار من الرسالة :::

في المقطَع الذي يُقرَأ على مَسامِعِنا هذا الأحَد، مِن الرِسالَة الثانية إلى أهل قورنتوس، نَرَى أنَّ مار بولُس يُدافِعُ عَن نَفْسِهِ، إذ اتُّهِمَ بِأنَّ الجهد الذي يَبذُلُهُ وَمَسْلَكهُ الحَياتي هوَ بَشَرِيّ بَحت، ليسَ لله أي تَدَخُّل فيه، كَما ٱتُّهِمَ بالضُّعفِ وَالهَزالَةِ في حُضورِهِ، مَعَ العِلمِ أنَّ رَسائِلَهُ فيها منَ القُوّةِ التي تدُبُّ في قُلوبِ المُؤمِنينَ الحَماس على عَمَلِ الخَيرِ، كَما نُلاحِظ في الفَصل السَّابِق للنَّصّ الذي بين ايدينا. لِذلِكَ لا يَسعَى بولُس إلى رَدّ التُّهَم عَنهُ، بل يَعمَلُ بالأحرَى على ثِقَتِهِ بِأنَّهُ قادِرٌ بِجُرأتِهِ المَعهودَة أن يُسكِتَ المُتَّهِم، وَهوَ يُناشِدُ المُؤمِنين "بِوَداعَة المَسيح وَحِلْمِه". بالرُّغمِ مِن كُلِّ ذلِك، لم يَكُن بولُس يَتَكَلّم دِفاعًا عَن نَفْسِهِ إلاَّ بلغة المَنطِق المُحاوِر. فَأورَدَ التُّهمَة، وَوَضَعَها في الإطار الصَّحيح. فَما هِيَ الطَّريقَة التي اعتَمَدَها بولُس؟ وَما هوَ الأهَمّ بالنِّسبَةِ لَهُ؟


الإتِّهام الأوّل كانَ أنَّهُ يَحيا حَياةً بَشَرِيَّة-جَسَدِيّة، وَقَد أظهَرَ بولُس في رِسالَتِهِ الأولَى لأهلِ قورِنتُس ضَرورَة الإبتِعاد عَن هكذا حَياة، وبالتَّالي الإبتِعاد عَن التّفكير البَشَرِيّ للدُّخولِ في مَنْطِقِ الله. فَأوضَحَ بولُس بِصَراحَة، أنَّهُ بَشَرّ، وَأنَّهُ يَعيشُ الحَياةَ كَما كُلّ البَشَر. ولَكِنّ الأهَمّ، لَيسَ كَيفيّة العَيش، إنَّما كَيفيّة العَمَل وَالجِهاد الرُّوحِيّ في سَبيلِ الله، لِيُصبِحَ العَمَل البَشَرِيّ كُلُّهُ لله، وَفي سَبيلِ بُنيانِ كَنيسَة الله، أي الجَماعَة المُؤمِنَة بِيَسوع. وَيوضِح بولُس أنَّ إدخال الجهد البَشَري الذي نَقوم بِهِ في مَنطِق الله، هوَ الذي يَجعَلنا أُناساً روحيين، وَهذا الجهد البَشَريّ نفسه، هوَ الذي يَنظُرُ إلَيْهِ الله على أنّهُ قَوِيّ، قادِرٌ "على هَدمِ الحُصون". هذه الحُصون هِيَ عُجْب الإنسان وَ"كُلّ كِبرِياء يَحول دونَ مَعرِفَة الله".


الإتِّهام الثّاني الذي واجَهَهُ بولُس كانَ القَول بَأنَّ واقِعهُ الحَقيقي-الشّخصي لا يَحمِل واقِعهُ الذي يَظهَر في رَسائِلِهِ المُوَجَّهَة إلى الكَنائِس. فَيَقولونَ أنَّ وَقعَ رَسائِلَهُ القَوِيّ لا يَظهَر في تَصَرُّفِهِ وَكَلامِهِ عِندَ حُضورِهِ بَينَهُم. فَأوضَحَ بولُس أنّ فيه انسِجام بينَ ما يَقول وَبَينَ ما يَفعَل. وَقَد نَبَّهَ أوَّلاً مُؤمِني الكَنيسَة للنَّظَر "إلى حَقائِق الأُمور"، نَبَّهَهُم لِيَكونوا واقِعيين، وَلا يُفاخِروا إن كانوا للمَسيح وَكَأنَّهُ لَيسَ في الأرضِ مَن هوَ مِثلَهُم، أو أنَّهُم قادِرين للوُصولِ إلى مَعرِفَة المَسيح مِن دونِ الرُّجوع إلى التَّعليم الصَّحيح الذي يُعطيهِ بولُس الذي ٱختَبَرَ شَخصِيًّا يَسوعَ القائِم مِنَ المَوت. فَهوَ وَرِفاقه الذينَ بَشَّروهُم، وَقَدْ ظَهَرَت أسْماؤُهُم في رِسالَتِهِ الأُولَى إلى أهلِ قورِنتُس، يُعَلِّمونَ بِسُلطان أُعطِيَ لَهُم من قِبَل الرُّوح القُدُس، وَهُم أيْضاً للمَسيح! بِناءً على هذا كُلِّهِ، قالَ بولُس أنَّهُ مُنسَجِمٌ مَعَ نَفْسِهِ، فلا يَقولُ بِحُضورِهِ ما يَقولُهُ في رَسائِلِهِ، بَل يَعمَل في حُضورِه ما يَقول وَهوَ بَعيد عَنهُم.


وَنحنُ: ما الَّذي نَفعَلهُ عِندَما نُتَّهَم وَماذا يَكونُ مَوقِفنا؟ الثَّورَة؟ أم الإجابَة التي لا تَخلو من الصَّراحَة وَبعض القَسوَة المُحِبَّة التي استَعمَلَها بولس الرَّسول؟ هَل لَنا أن نُعطي لِرُدودِنا عِنْدَما نُتَّهَم، وَداعَة المَسيح وَحِلْمِه؟ أم نَدَعُ كِبرِيائِنا يَتَصَرّف لِنَهْدِمَ الآخَر؟ فَما هوَ مِعيارُ رَدِّ التُّهمَة؟ هَدم الآخَر الذي يَتَّهِمُنا، أم الرَّدّ بِمَنْطِق وَصَراحَة، وَبِكُلِّ مَحَبَّة لِبُنيانِهِ وَبُنيانِ أنْفُسِنا؟


ألا نَزعَمُ أحْياناً أنَّنا أكبَر في الإيْمان من غَيرِنا؟ ألا نُفاخِر بِأنَّنا قادِرونَ على مَعرِفَةِ المَسيح دونَ المُرور في الكَنيسَة؟ فَكَم مِن مَرَّةٍ نَسْمَعُ فيما بيننا بعض الآراء التي تَرفُضُ أسْراراً في الكَنيسَة كالإعتِراف مَثلاً؟ كَم مِن مَرَّةٍ نَسْمَعُ بِمَنْ يَعتَرِفونَ لله مُباشَرَةً، دونَ المُرور بالكَنيسَة التي حَمَلَت وَديعَة الإيْمان من الرُّسُل الذينَ ٱختَبَروا المَسيح وما زالت تَحمِلها بِكُلّ أمانَة؟ كُلُّنا كَمُعَمَّدون، وُسِمنا حُملاناً في رَعِيَّة المَسيح. وَمَتَى قَبِلنا هذا الوَسم هَل مِنَ المَنطِقِيّ أنْ نَقبَل ما يُناسِبنا في هذه الرَّعِيَّة أو نرفُض ما لا يُناسِب؟ ألَيْسَ مِن عَلامات الكِبرِياء أنْ نَنتَمي لِكَنيسَة مَنْ يُعطينا المَعمودِيَّة، وَنَصيرَ مِن أفْرادِ بَيتِهِ، وَنَحْمِل الرَّفض لِبَعض تَعاليمِ هذا البيت الذي هوَ الكَنيسَة؟ ألَيْسَ مِن عَلامات الكِبرِياء أن نَعْتَدَّ بِأنْفُسِنا لأنَّنا نَحمِلُ إيْماناً أعمَق أو أكبَر من الذينَ نَراهُم حَولَنا؟


إلى أيّ حَدّ نحنُ مُنسَجِمونَ مَعَ ذَواتِنا؟ هَل هُناكَ تَناقُض بَينَ ما نَقول وَبَينَ ما نَعمَل؟ الله أعطانا روحَهُ في العِماد. هذا الرُّوح عَينَهُ يَعمَلُ فينا لِنَسلُكَ مَسلكاً يَليقُ بِنا كَمَدْعُوِّينَ لِنَصيرَ أبْناء لله. وَلكِن، هذا المَسلِك لا يَتَحَقَّق إلاَّ إذا ٱستَجَبْنا بِحُرِّيَّة لِهذِهِ الدَّعوَة، عامِلينَ على تَحقيقِها بِمَجهودِنا البَشَرِيّ، أي بِأعْمالِنا اليَومِيَّة، حَتَّى البَسيطَة مِنها. فَما هوَ المَجهود الذي نَقوم بِهِ لِنُحَقِّقَ ذَواتَنا؟ القَول بِأنَّنا مُؤمِنون وَبِأنَّنا أبْناء لله لا يَكفي! هَل لَنا أن نُتَرْجِمَ ما نَقول بِأعْمالِنا التي تَصُبُّ كُلُّها في سَبيلِ الله، وَتَدُلُّ على أنَّنا بالفِعل أبناءَه؟

 

::: الإنجيل :::

19 في الغَدِ رأَى يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ فَقَال: "هَا هُوَ حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ العَالَم.
20 هـذَا هُوَ الَّذي قُلْتُ فِيه: يَأْتِي ورَائِي رَجُلٌ قَدْ صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلي.
21 وأَنَا مَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ، لـكِنِّي جِئْتُ أُعَمِّدُ بِالـمَاء ِ لِكَي يَظْهَرَ هُوَ لإِسْرَائِيل".
22 وشَهِدَ يُوحَنَّا قَائِلاً: "رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً كَحَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاء، ثُمَّ اسْتَقَرَّ عَلَيْه.
23 وأَنَا مَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ، لـكِنَّ الَّذي أَرْسَلَنِي أُعَمِّدُ بِالـمَاءِ هُوَ قَالَ لي: مَنْ تَرَى الرُّوحَ يَنْزِلُ ويَسْتَقِرُّ عَلَيْه، هُوَ الَّذي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ القُدُس.
24 وأَنَا رَأَيْتُ وشَهِدْتُ أَنَّ هـذَا هُوَ ابْنُ الله".

(يو1\ 29-34)

 

::: أفكار على ضوء والإنجيل :::

في هذا النَّص مِن إنْجيل يوحَنَّا، نَرَى أنَّ المعمدان يَدُلُّ على يَسوع قائِلاً: "هوذا حَمَل الله الذي يَرفَع خَطيئَة العالم".
لَقَد سُمِّيَ المُخَلِّص بِألقاب كَثيرَة في العَهد القَديم. وَلَكِن، هذا إسْمٌ جَديد يَظهَر الآن على لِسانِ يوحَنَّا للمَسيح الرَّبّ. فَهوَ لَن يَكونَ إلاَّ حَمَلاً، يَحمِل خَطيئَة العالم، يَرفَعها بِشَكلٍ نِهائِي. لَطالَما قَدَّمَ بَنو إسْرائِيل الحِملانَ ذبائِح، تَكفيراً عَن خَطاياهُم، وَلَم تَمحوها! وَها إنَّ يوحَنَّا المعمدان يُعلِن أنَّ الخَلاص يَأتي من يَسوع، الحمل الذي أرسَلَهُ الآب لِيَموتَ كَفّارَةً عَن خَطيئَة العالم كُلِّه. بِهذه الطَّريقَة أعْلَنَ المَعمَدان إنتِهاء رِسالته.
فَيوحَنَّا شَهِدَ لِتَلاميذِهِ بِأنَّ يَسوع، الذي عَمَّدَهُ، وَرَأى الرُّوح يَحِلّ عَلَيْه، هوَ المَسيح، ليسَ الذي انتَظَرَهُ اليَهود على أنَّهُ المَلِك الذي يُخَلِّصهُم مِن ظُلم الرُّومان الذينَ كانوا يَحْتَلُّونَ أرْضَهُم، وَلَكِن، الذي يَموت، مِثلَ الحَمَل، رافِعاً عَن البَشَرِيَّة ثِقلَ الخَطيئَة وَظُلْمَها.


ونحن، هَل نَعْلَمُ مَن هوَ المَسيح الذي احتَفَلنا بِظُهورِهِ مِن فترة قَصيرَة؟ هَل نَعلَم أنَّهُ أتَى لِيَرفَعَ خَطيئَتَنا إذا نحنُ أرَدناها أن تُرفَع؟ هَل لَنا التَّواضُع الذي لِيَسوع؟ فَهوَ تَواضَعَ وَنَزَلَ إلَيْنا، وَهوَ بِلا خَطيئَة، حَمَلَ خَطايانا واعتَمَد. فَهَلْ لَنا التَّواضُع الذي يَجعَلنا نَعْتَرِف أنَّنا خَطَأة، فَنَتوب إلى الله، الذي لَن يَترُكنا لأنَّهُ وَلَدَنا بالمَعمودِيَّة، إذ يُعطينا الغُفران؟
لم يَتَوانَى يوحَنَّا لَحظَة عَن الدَّلالة على يَسوع، بالرُّغمِ مِن أنَّهُ كانَ قَد حَصَلَ على مَقامٍ كَبير بين النَّاس، إذ كانوا يَعتَبِرونَهُ نَبِيًّا عَظيماً، وَكانَ لَهُ تَلاميذ يُحيطونَ بِهِ... فَفي اللحظَة التي رَأى فيها الرُّوح نازِلاً على يَسوع، عَلِمَ أنَّ رِسالَتَهُ ٱنتَهَت، وَأعلَنَ لِتَلاميذِهِ بِكُلِّ تَواضُع أنَّ مَن هوَ أكبَر مِنهُ أتَى، وَهوَ مَاثِل أمامَهُم، وَلَيْسَ عَلَيْهِم إلاَّ ٱتِّباعَهُ.
ونحن، هَل نُدرِك أنَّنا نَحْمِلُ رِسالَة عَلَيْنا أن نُؤَدِّيها في حَياتِنا؟ أم نَعيش فقط لِنَجْمَعَ المال، نَأكُل وَنَشْرَب، وَنَشْهَد لأنْفُسِنا أنَّنا قادِرونَ على كَذا وَكَذا ... بِكُلِّ ٱعْتِداد؟ هَل نَشْهَد لِيَسوعَ في حَياتِنا على أنَّهُ يُخَلِّصنا مِن خَطيئَتِنا، أم نَشْهَد لِشَخْصٍ آخَر يُمكِن أن يُخَلِّصنا من بعض المَطَبَّات التي يُمكِن أن نَمُرّ بِها في حَياتِنا؟
أعطِنا يا رَبّ، أنْ نُدْرِكَ مَحَبَّتَكَ الغافِرَة، فَنَشْهَدَ لَكَ طولَ أيَّامِ حَياتِنا. آمين.

 

::: تأمّل روحي :::

 

كلمة حقّ!

 

من جرن المعموديّة إلى المذبح، يمُرُّ العمر مع كلّ إنسان دَخَلَ في هذا السرّ المقدّس. مِن "أنت هو ابني الحبيب" إلى "خذوا كلوا، وخذوا اشربوا من أجل الحياة الأبديّة"، تُكتَب صفحات كلّ مَن آمن بهذا الابن، وتناوله، راجياً الحياة معه للأبد.


فمن هو هذا الابن؟


إنّه "حمل الله الحامل خطايا العالم" (يو :29) . هو الذيّ كان قبل الأكوان والإنسان، قَبِلَ أن يصير "حَمَلَ الفِصحْ" المتألّم، الذي سيق إلى الذبح (أش52) كي يفتَدينا ويحرّرنا من عبوديّة الخطيئة والموت. هو المحبّة المُكتَمِلة، الكائن منذ الأزل، اعتمد مثلنا، نحن الخطأة، كي يفتح بصيرتنا عليه، لا على شريعة "الخوف من الله" ، أتى كي يستبدل قلوبنا المتحجّرة بأُخرى، من "لحمٍ ودمٍ" ، قادرة على رؤيته في الآخَر، فتكرّمه في سِتْر عُري من يرتجف من البرد ويتجمّد من الصّقيع.


صار مثلنا كي يكشف لنا حقيقة ما صرنا إليه، ومدى فقداننا الحنان والرأفة نحو الآخر. لقد عزّت عليه رؤية كؤوس الذّهب والتّقادم تملأ الهياكل، وليس هناك من "أحد يمنح كأس ماءٍ" (يوحنا فم الذهب). لقد آلَمَتهُ رؤية الحرير والأحجار الكريمة تُرصِّع زينة المذابح وتوابعها، ولا مِن قطعة قِماط تُوهَبُ لِتَلُفّ طفلاً وُلِدَ في كوخ، أو حجر زاوية يثبّت جدار بيتٍ يُحاكي زمن ما قبل التّاريخ لشدّة هشاشتِهِ!


لقد أخذ الألم من قلبه مأخذًا حين رأى مَن خلَقهم على صورته ومثاله، يأسرون النَفس في الأجساد ويكبّلونها حتىّ تكاد لاتميّز بين ما تلبسه وتتزيّن به وبين واجهات متاجر زبائن ال "VIP" الأرضيّة. توَجَّع حين لَبِس البشر قناع التبرّج، وتلوّنوا بألوانِ الدُنيا، حتىّ تكادُ لا تتعرّف على شخصٍ التَقَيتَهُ بالأمس. حَزِن لرؤيتهم يموّهون صَنَميّتهم بالألوان والأشكال و "الإيتيكات" المُمَكننة، المناسبة لكلّ قناع، ويربطون حياتهم بتدجيل المنجّمين وكاشفي المستقبل المزعومين، بورقة لعبٍ، المُسْتَغِلّين صِغارَ النّفوس.


وهناك، على الطُرُقات وتحت الجسور مَن يَقبَع باكياً، ينتظر مَن يسُدّ رَمَقَهُ بكَسرَة خبزٍ، أو يسمح له بِغَسلِ غبارٍ العَوَزِ عن وجههِ؛ وفي زوايا الأكواخ مَن يَنتظر تعزيَةً أو بسمة حقيقيّة، تردّ له الأمل، وتدفعه للإستمرار في الحياة، مُستَبدِلَةً يأسَه وكآبته بِفَرَحِ يسوع وسلامه!


" هو من نَزَلَ عليه الروح، كحمامةٍ من السّماء" (يو1 : 34- 32).


إنّه ابن الله الذيّ "رفرف الرّوح فوقه" كما يوم خَلَق العالم والإنسان. إنّه الذّي يمتلك الروّح متّحداً به؛ هو من أتى كي يَلِدنا من جديد فنصبح بذلك خليقة جديدةً، أبناءً حقيقيّن لِللّه بِعمادنا بالرّوح، فنرث معه الحياة الأبديّة.
لقد أتى كي يفتح بصيرتنا على عظمة سرّ الثاّلوث بإتّحاد الآب والابن وانبثاق الرّوح، الّذي نناله حين نخلع الإنسان العتيق، ونَلْبَس الإنسان الجديد، بالعماد. أتى كي ينبّهنا إلى مدى أهميّة الرّسالة التي نحمل: ألا نفتخر بطفلٍ أتى ثمرة اتّحادِ أبٍ وأمّ بالحبّ؟ ألا نرغب في تقديمه لكلّ من نلتقي به، ونسعد برفقته؟


اليوم، الدّعوةُ مُلِحّة كي نتنبّه إلى صراع العالَمَيْنِ داخلنا: عالم المادّة المُسْتَعبِد إرادتنا، وعالم الرّوح، محرّرنا من قيود الضعف والخوف من الآخر ونظرته، ومن الفشل، من ألف إغراء وإغراء...


لِنلجأ إذاً إلى الّذي كان وسيبقى كائناً فينا، عاملاً فينا بروحِه، محرّراً، مُرشداً، مُعزّياً، إلى الأبد.

 

المقدّمة والصلاة

من إعداد

الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

nkastoun@idm.net.lb

 

أفكار من الرسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الإكليريكي فؤاد فهد
fouad.fahed@hotmail.com

 

التأمّل الروحي
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
Jamileh.daher@hotmail.com