زمن الدنح المبارك
الأحد الثاني بعد عيد الدنح
(17 كانون الثاني 2010)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مقدّمة :::

• إنّه الأحد "الثاني" من زمن الدنح، وفيه نتأمّل في جانبٍ آخَر من شخصيّة مخلّصنا يسوع "الربّ" و"المسيح".
• في الرسالة إلى أهل قورنتوس، يدعونا مار بولس أن "لا نُبَشِّرُ بِأَنْفُسِنَا، بَلْ نُبَشِّرُ بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ رَبًّا" وهذا ما سيفعله مار يوحنا المعمدان الّذي تنتهي مهمّته مع إنجيل اليوم لتبدأ مسيرة يسوع المسيح.
• في الإنجيل يحدّثنا يوحنا الإنجيلي عن التِّلْميذينِ ٱللذينِ كانا مَعَ مُعَلِّمِهِما في حالَةِ ٱنْتِظارٍ ثمّ تَبِعا يَسوع.
• السُّؤالُ ٱلمطْروح في هذا الأحَد هوَ ٱلتَّالي: ماذا كانَ سَيَجْري لَوْ لَمْ يَلْتَفِتِ الرَّبُّ وَيَرَ ٱلتِّلْميذَيْنِ وَيَسْألْهُما ماذا يُريدان؟ ما هِيَ مَراحِلُ ٱلإتِّباع التي يَمُرُّ بِها التِّلْميذ قَبْلَ أنْ يُقيمَ مَعَ يَسوع وَيَتَعَرَّف إلَيه، ثُمَّ يَشْهَدْ لَهُ؟ مَنْ يُريدُ ٱلحَقيقَة، يَكْفُرُ بِكُلِّ ما هوَ زائِف، وَيَسْعَى إلى الإقامَة في قَلْبِ يَسوع، حَيثُ سَيَجِدُ ٱسْمَهُ وَتَتَجَلَّى مَهَمَّتَهُ، وَيَرْتَسِمُ أمامَهُ مُسْتَقْبَل جَديد، يَعيشُ فيهِ حُرًّا في كُلِّ شَيءٍ حَتَّى في المَوت والإسْتِشهاد... حُرًّا بالحُبّ وَللحُبّ...

 

::: صلاة :::

يا أبانا، أرسَلتَ ابنَكَ يَعرِفُ أعْماقَ ٱلقُلوبِ وَمَكنوناتِ ٱلنُّفوس وَخَفايا ٱلنَّوايا، وَنَتَعَجَّب اليَوم لِسَماعِ سؤالِهِ للتِّلميذَين: "ماذا تُريدان؟" هَلْ في التَّساؤُلِ جَهْلٌ لِما يَسأل؟ أم أنَّهُ يَقْصِدُ شَيءٌ آخَر؟
أيُّها الرَّبُّ يَسوع، إجعَل إرادَتَنا قَرارًا حُرًّا داخِلِيًّا ثابِتًا تُحَرِّكُهُ رَغْبَةٌ عَميقَةٌ مُوَجَّهَة، تَحْمِلُ في طَيَّاتِها عُمق كيانِنَا الدَّاخِلي. أرادَ ٱلتِّلميذانِ أنْ يَعْرِفاكَ فَسَألاكَ عَنْ مَكانِ إقامَتِكَ، وَالإقامَةُ فيها خُصوصِيَّاتِ ٱلقَلْبِ وَحَميميَّاتِهِ. إنَّها غَوْصٌ مُباشَرٌ إلى العُمق. فإذا بِكَ تُقيمُ في قَلْبِ ٱلألوهَةِ الأزَلِيَّة وَفي قَلْبِ ٱلعالم الفقير، وَلاحِقًا سَنَراكَ على الصَّليب، حَيثُ سَيَنكَشِفُ لَنا نِهائِيًّا أنَّكَ أنتَ قَلْبُ ٱلحُبّ.
إجعَلنا نَرَى أيْنَ تُقيم! إجعَلنا نَرَى بِذلِكَ مَسيرَة نُضجِنا في قَلْب الحُبّ، مَسيرَةَ انتِقالِنا مِنَ ٱلعالم الفقير الجائِع إلى عالمِ ٱلسَّماء، تَماماً كَما كانت إقامَتَكَ مَسيرَةٌ مِنْ قَلْبِ ٱللهِ إلى قَلْبِ ٱلعالم، فَنَعْرِف أنَّكَ مَعَنا، إذ "يُضَيَّقُ عَلَيْنا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، لَكِنَّنا لا نُسْحَق، نَحْتارُ في أمْرِنا وَلَكِنَّنا لا نَيْأسْ، نُضْطَهَدُ وَلَكِنَّنا لا نُهْمَل، نُنْبَذ وَلَكِنَّنا لا نَهْلِك، وَنَحْمِلُ في جَسَدِنا كُلَّ حينٍ مَوْتَكَ، لِكَي تَظْهَرَ حَياتُكَ أيْضاً في أجسادِنا" (2كور4: 8-10) لَكَ المَجدُ مَعَ أبيكَ المُبارَك وَروحِكَ القُدُّوس إلى الأبَد. آمين

 

::: الرسالة :::

5 فَنَحْنُ لا نُبَشِّرُ بِأَنْفُسِنَا، بَلْ نُبَشِّرُ بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ رَبًّا، وبِأَنْفُسِنَا عَبِيدًا لَكُم مِنْ أَجْلِ يَسُوع؛
6 لأَنَّ اللهَ الَّذي قَال: "لِيُشْرِقْ مِنَ الظُّلْمَةِ نُور!"، هُوَ الَّذي أَشْرَقَ في قُلُوبِنَا، لِنَسْتَنِيرَ فَنَعْرِفَ مَجْدَ اللهِ الـمُتَجَلِّيَ في وَجْهِ الـمَسِيح.
7 ولـكِنَّنَا نَحْمِلُ هـذَا الكَنْزَ في آنِيَةٍ مِنْ خَزَف، لِيَظْهَرَ أَنَّ تِلْكَ القُدْرَةَ الفَائِقَةَ هِيَ مِنَ اللهِ لا مِنَّا.
8 يُضَيَّقُ عَلَيْنَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ولـكِنَّنَا لا نُسْحَق، نَحْتَارُ في أَمْرِنَا ولـكِنَّنَا لا نَيْأَس،
9 نُضْطَهَدُ ولـكِنَّنَا لا نُهْمَل، نُنْبَذُ ولـكِنَّنَا لا نَهْلِك،
10 ونَحْمِلُ في جَسَدِنَا كُلَّ حِينٍ مَوْتَ يَسُوع، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا في جَسَدِنَا؛
11 فَإِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسْلَمُ دَوْمًا إِلى الـمَوْت، مِنْ أَجْلِ يَسُوع، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا في جَسَدِنَا الـمَائِت.
12 فَالـمَوْتُ يَعْمَلُ فينَا، والـحَيَاةُ تَعْمَلُ فيكُم.
13 ولـكِنْ بِمَا أَنَّ لَنَا رُوحَ الإِيْمَانِ عَيْنَهُ، كَمَا هوَ مَكْتُوب: "آمَنْتُ، ولِذلِكَ تَكَلَّمْتُ"، فَنَحْنُ أَيْضًا نُؤْمِن، ولِذلِكَ نَتَكَلَّم.
14 ونَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ ذلِكَ الَّذي أَقَامَ الرَّبَّ يَسُوع، سَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضًا مَعَ يَسُوع، وَيَجْعَلُنَا وإِيَّاكُم في حَضْرَتِهِ.
15 فَكُلُّ شَيءٍ هُوَ مِنْ أَجْلِكُم، لِكَي تَكْثُرَ النِّعْمَة، فَيَفِيضَ الشُّكْرُ في قُلُوبِ الكَثِيرينَ لِمَجْدِ الله.

(2 قور 4\5-15)

 

::: أفكار من الرسالة :::

في هذا المقطَع من الرّسالة الثّانية إلى أهل قورنتوس، يَتَكَلّم بولُس عَن العمل الرّسولي الذي من خِلالِهِ يَشهَد لِيَسوع أنّه هوَ المَسيح المَصلوب، القائِم من المَوت، غافِر الخَطايا، وَدَيّان الأحياء والأموات. هذه الحَقيقَة التي آمَنَ بِها بولس، وَاختَبَرَها، لم يَتَوانَى لحظة عَن الإندِفاع بِغَيرَةٍ لا نَظيرَ لها، للعمَل على نَشرِها. وَهذا ما يوضِحُهُ في الفُصول السّابِقَة للرّسالة، مُشَدِّداً على أنّ هذا العمل لا يَخلو من الصُّعوبات، على أنّ نِعمَة الله التي تُغدَقُ بكَرَمٍ وَاستِمرار تُعزِّي من كُلّ الشّدائِد.
فَبولُس يَعرِفُ أنّهُ لا يُبَشّر بِنَفْسِهِ، فهوَ لَيسَ إلاّ خادِم الكَنيسَة من أجلِ مَنْ أرسَلَهُ للبِشارَة. فَكَما قالَ في البَدء "لِيُشرِق من الظُّلمَة نور"، كَذلِكَ أشرَقَ بِكَلِمَتِهِ في قلبهِ وَقُلوبِ المُبَشّرينَ الذينَ مَعَهُ، فَأصبَحوا مِثلَ مِرآةٍ صافِيَةٍ تَعكسُ هذا النّور، كَما هوَ، للآخَرين. هوَ يَعرِفُ أيضاً أنّهُ ضَعيف. فالبِشارَة التي يَحمِلها، والتي يَصِفُها بـ"الكَنز"، يَحمِلها "في إناءٍ من خَزَف"، أي في شَخصِهِ هُوَ، الإناء المُعَرّض للكَسر في أيّة لحظَة! وَيَقولُ ذلك لِتَظهَرَ قُدرة الله. فَلَو كان يَعتَبِر نفسه قويًّا، قادِراً لِوَحدِهِ، لَكانَ بَشّرَ بِنَفْسِهِ ولَيسَ بالله مُرسِلِهِ. وَبالفِعل، نَرَى أنَّ بولُس – هذه الآنِيَة الخَزَفِيّة على حَدِّ قَولِهِ هُوَ- لا يَتَحَطّم على الرُّغمِ مِن كُلّ الضّربات، والفَضلُ لله المُنَجّي والحامي.
إستِناداً إلى الواقع المُؤلِم الذي يَعيشه، لم يَستَسلم بولس، وَلَم يَتَراخَى مُتَشَكِّيًا، بَل صَرَّحَ بِكُلّ ما لَهُ مِن إيْمانٍ وَرَجاء، بأنَّهُ يُسلَم وَرِفاقَهُ إلى المَوتِ في كُلِّ حين، وذلك لِتَظهَر حَياة يَسوع فيهِم. هُم يَموتونَ بِشَدائِدِهِم عَن أنفُسِهِم، لِيُوصِلوا الحَياة وَالحَقيقَة من خلال كلمة يسوع إلى جَميع النّاس. والكَلام الذي يُبَشّر بِهِ بولُس ليسَ بِسَهلٍ للقُبول، وَيُسَبِّب لَهُ المَشاكِل، وَلَكِن، بالرُّغم من كُلّ ذلك، لا يَسمَح لِنَفْسِهِ بالصّمت، حَتّى لو أودَى بِهِ ذلك إلى الموت. فالآب يُنعِم بالقِيامَة عَلَيْهِ وَعَلى الذينَ بَشّرَهُم كَما يَسوع، حَتّى يَتَمَجَّدَ في كُلِّ آن.
صورَتان سَوداوِيَّتان يَضَعُنا بولس الرَّسول أمامَهُما: الضّعف الشَّخصي، وَالمَوت. يُقابِلهُما صورَتانِ مُشرِقَتانِ: القُوَّة التي في الشّخص الضَّعيف، وَالقِيامَة الغالِبَة للمَوت. إلى أيّ مِن الصُّوَر ننظُر؟
- هَل نَشعُر بِأنفُسِنا ضُعَفاء، فَنَجلِس على هامِشِ الحَياة، مُعتَبِرينَ أنَّهُ مِن المُستَحيل أن نَحمِل كَلِمَة الله في قُلوبِنا لِنَعيشَها وَنُعطيها للآخَر؟ أو نَشعُر بأنَّنا أقوِياءَ كِفايَة، فلا نَحتاج لنَتَقوَى بِكَلِمَة الله، بل نَمتَلئ مِن ذَواتِنا كِبرِياءً فارِغاً؟
- ما هِيَ الحَقيقَة التي نحمِلها؟ هَل هِيَ نور الله الذي حَمَلَهُ بولُس وَقَبِلَ المَوت في سَبيلِهِ؟ هَل نَخافُ المَوت عِندَ المُجاهَرَة بالحَقيقَة التي دَعانا الله للشّهادَة لَها؟ أم نَقولُها عالِمينَ أنَّ الذي أعطانا إيّاها هُوَ يُحيينا إن شَهِدنا لَها بِصِدق؟
أعطِنا يا رَبّ أن نَمتَلِئ منكَ فلا نَستَحي بِضُعفِنا، أعطِنا الإيمان الذي يُقَوِّينا على المُجاهَرَة بالحَقيقَة، حَتَّى لَو اضطُهِدنا، فَنُصبِح الشُّهَداء الذينَ يَحتاجُهُم عالمنا اليَوم. آمين.

 

::: الإنجيل :::

35 في الغَدِ أَيْضًا كَانَ يُوحَنَّا وَاقِفًا هُوَ واثْنَانِ مِنْ تَلاميذِهِ.
36 ورَأَى يَسُوعَ مَارًّا فَحَدَّقَ إِليهِ وقَال: "هَا هُوَ حَمَلُ الله".
37 وسَمِعَ التِّلْمِيذَانِ كَلامَهُ، فَتَبِعَا يَسُوع.
38 والتَفَتَ يَسُوع، فرَآهُمَا يَتْبَعَانِهِ، فَقَالَ لَهُمَا: "مَاذَا تَطْلُبَان؟" قَالا لَهُ: "رَابِّي، أَي يَا مُعَلِّم، أَيْنَ تُقِيم؟".
39 قالَ لَهُمَا: " تَعَالَيَا وانْظُرَا". فَذَهَبَا ونَظَرَا أَيْنَ يُقِيم. وأَقَامَا عِنْدَهُ ذلِكَ اليَوم، وكَانَتِ السَّاعَةُ نَحْوَ الرَّابِعَةِ بَعْدَ الظُّهر.
40 وكَانَ أَنْدرَاوُسُ أَخُو سِمْعَانَ بُطْرُسَ أَحَدَ التِّلمِيذَيْن، اللَّذَيْنِ سَمِعَا كَلامَ يُوحَنَّا وتَبِعَا يَسُوع.
41 ولَقِيَ أَوَّلاً أَخَاهُ سِمْعَان، فَقَالَ لَهُ: "وَجَدْنَا مَشيحَا، أَيِ الـمَسِيح".
42 وجَاءَ بِهِ إِلى يَسُوع، فَحَدَّقَ يَسُوعُ إِليهِ وقَال: "أَنْتَ هُوَ سِمْعَانُ بْنُ يُونا، أَنتَ سَتُدعى كيفا، أَي بُطرُسَ الصَّخْرَة".

(يو 1\ 35-42)

 

::: أفكار على ضوء والإنجيل :::

ما يُمَيّز هذا النّصّ مِن إنجيل يوحَنّا، هوَ أنَّهُ يُظهِر يوحَنّا للمَرَّة الأخيرَة، يَشهَد للحَقيقَة أمامَ تَلميذَيه، إذ يَدُلّ على يَسوع قائِلاً لَهُما: "هُوَذا حَمَل الله!".
في الآيات السّابِقَة لِهذا النّص، نَرَى الأضواء مُسَلّطَة على يوحَنَّا وَهوَ يُعَلّم الشّعب وَيَعِظ، مُهَيِّئًا الطّريق أمامَ الآتي. في هذا النّص، لَم يَعُد لِيوحَنَّا شَيءٌ يَقولُهُ سِوَى: "هُوَذا حَمَل الله!"، ما دَفَعَ تِلميذَيه لاتّباعِ يَسوع.
لَقَد أظهَرَ يوحَنَّا الحَقيقَة التي يَحمِلها، وَأرشَدَ تِلميذَيه، اللَّذَين لَم يَتَوانَيا منذُ اللَّحظَة الأولَى عَن مناداة يَسوع: "يا مُعَلّم". وَلَم يَتبَعاه فقط، بَل أرادا مَعرِفَتَهُ فَطلَبا مِنهُ الإقامَة مَعَهُ. فَمَكان إقامَة الشّخص هوَ الذي يَحمِل الخاصّ والحَميم فيه: أرادَ التّلميذان الغَوص إلى العُمق في الحَقيقَة المُتَجَسّدَة التي أشارَ إلَيْها مُعَلّمهُما السّابق. لم يَتَكَلّم الإنجيل عَن مَكان الإقامَة، وَلا عَن مُواصَفاته. كُلّ ما نَعلَمهُ هوَ أنّ التّلميذَين أقاما عِندَهُ في ذلكَ اليَوم، مما يَعني أنّ المَكان لَم يَكُن سَيِّئاً بالنّسبَةِ لَهُما.
إختَبَرَ التّلميذان في ذلك اليَوم الحَقيقَة، وَيَبدو أنّها كانَت خِبرَة جَميلَة، حَتَّى أنّ أندراوس -أحد التّلميذين- أتَى بِأخوه سِمعان، وَلَم يَجِد سِوَى كَلِمَة "مَشيحا" (أي المَسيح) لِيُعَرّف بِها الشّخص الذي وَجَده! وَفي لحظَة وُقوف سِمعان أمامَ يَسوع، تَغَيَّرَت حَياته، إذ وَجَدَ اسْمَه الذي سَيَحمِلهُ في مُستَقبَلِهِ. فَيَسوع عَرَفَ أنَّهُ "سمعان ابنَ يونا" وَأوجَدَهُ عِندَما قالَ لَهُ أنَّهُ سَيُصبِح "كيفا" (أي الصّخر) لِبَقِيّة حياتِه! أتَى سِمعان مَعَ أخوهُ لِيَجِدَ هُوَ أيْضاً المَسيح، فَوَجَدَ نَفسَهُ، إذ رأى دَعوَتَهُ.
ونحن:
- هَل اختَبَرنا الحَقيقَة (التي هِيَ يَسوع) لِيُصبِح باستِطاعَتنا أن نُشيرَ إلَيْها كَما فَعَلَ يوحَنّا؟ وَما عَسانا نَقول عَن هذه الحَقيقَة؟ هَل نَجرُؤ على تَسمِيَتها "حمل الله"؟ أم نَهرُب مِنها، فنَضَعُها جانِباً، لِنَشهَدَ لِحَقيقَةٍ أكثَرَ قُوّةً وَلَمَعانًا؟
- هَل نُحاوِل أن نُظهِر أنفُسَنا وَنحنُ نَشهَد للحَقيقَة؟ أم نَختَفي أمامَها، وَنَذوب، على مِثالِ يوحَنّا؟
- ماذا نُريدُ مِن هذه الحَياة بالدّرَجَة الأولَى؟ مال، سُلطَة،... أم الإقامَة في قَلب الحَقيقَة التي تُغني الكُلّ؟ هَل نُدرِك أنّ الحَقيقَة أصبَحَت جَسَداً بِيَسوع، لِنُصبِح قادِرينَ على مَعرِفَتها والإتّحاد بِها؟ هَل نَأتي إلى يَسوع لِنُقيمَ مَعَهُ حَيثُ يُقيمُ هُوَ؟ أم نرفُض الإقامَة إلاَّ في ما يُريحُنا؟
مَنْ يُريدُ ٱلحَقيقَة، يَكْفُرُ بِكُلِّ ما هوَ زائِف، يُجَدِّدُ مَعمودِيَّتَهُ، بِحَيثُ يَموتُ عَن إنسانِهِ العَتيق، مُنتَظِراً الإسم والدّعوَة التي سَيُعطيهِما لَهُ يَسوع، على مِثال سِمعان. مَن يُريدُ الحَقيقَة يَسْعَى إلى الإقامَة في قَلْبِها، حَيثُ سَيَجِدُ ٱسْمَهُ وَتَتَجَلَّى مَهَمَّتُهُ، وَيَرْتَسِمُ أمامَهُ مُسْتَقْبَل جَديد، يَعيشُ فيهِ حُرًّا في كُلِّ شَيءٍ حَتَّى في المَوت والإسْتِشهاد... حُرًّا بالحُبّ وَللحُبّ...

 

::: تأمّل روحي :::

 

"كلّنا مدعوّ للبشارة"

 

"وكانت الساعة نحو الرابعة بعد الظهر."
إنّها ساعة الإنقلاب في حياة التلميذ الثاني (على الأرجح، يوحنّا كاتب هذا الإنجيل). ساعة اللقاء تلك، بمن كان ينتظره بشغف، غيّرت وجه ماضيه من انتظار بدا طويلاً، مُرهِقًا، إلى حقيقة ظهور "المُنتَظَر" في حاضرٍ مسيحانيّ طبع مستقبل ذاك التلميذ بالإيمان العميق الراسخ، ودفعه للغوص في الحبّ الإلهيّ، فنَشَر الكلمة في أرجاءِ المعمورة.
كلّ شيء قد بدأ في تلك الساعة.
بدأ اعتلان يسوع للعالم، عندما قدّمه يوحنّا المعمدان لتلاميذه، مردّدًا ما قاله فيه أشعيا "هذا هو حمل الله". لكنّه، وعلى الرغم من رغبته في الإعلان عن نفسه، مرّ أمام الجموع بصمتٍ وهدوءٍ ، دون أن يؤكّد أو يثير انتباه مَن كان عند حوض المعموديّة. إلاّ أنّ سكينة ذاته وجمال سِرِّه،جذبا أندراوس و"التلميذ الآخر". وومضة من روحه حرّكت داخلهما، فقادتهما إليه.
لم يفرض ذاته عليهما، رغم حاجته لأشخاصٍ يساعدونه في نشر الرسالة الّتي من أجلها أتى. لكن يمكننا أن نتخيّل مدى غبطته عندما التفت ورآهما يتبعان خطواته، علمًا أنّهما سيكونان أوّل مِدْماكَين في كنيسته، فسألهما "ماذا تطلبان؟".
هذا هو ابن الله! بسؤاله هذا، أراد يسوع أن يعي التلميذان مدى جدّيّة ما يطلبانه، وأن يُعلِنا عن رغبتهما في الإقتراب منه! ذلك أنّه يريدنا أن نكون واثقين ممّا نفعله، حتّى إذا ما فعلنا، غمره السرور لقرارنا اتّباعه بحرّيّة، وعزّى قلبه إتياننا إليه ببساطة وتواضع، مقدّمين إرادتنا له كي ينقّيها ويعيدها إلينا ثابتة متبصّرة. فيا ليتنا ندرك مدى اهتمامه بكلّ خطوةٍ من خطواتنا نحوه، مهما كانت صغيرة!
"رابّي أين تقيم؟"
لقد بدأ نوره يبدّد ظلمة القلوب المنتظرةِ رجاءً. والفرح في تحقيق الوعد (الخلاص)، بدأ يشقّ طريقه إلى النفوس المؤمنة. فلقد شعِر أندراوس والتلميذ الآخر، أنّ اكتشاف شخصيّة هذا الرجل المُمّيّز، لا تتِمّ إلاّ بمجالسةٍ حميمةٍ معه، فسألاه عن مكان إقامته.
"تعاليا وانظرا"
بقليلٍ من الكلمات، وكثيرٍ من النظرات وتخاطب القلب، دعاهما يسوع كي يتبعاه، دون أن يخبرهما عن مكانه أو أن يصفه لهما. مخاطَرَة؟ ربّما!... لقد آمنا بما قاله عنه يوحنّا، وتأثّرا بما عكسه حضوره عليهما من ثقة وفرح؛ فهل كان هذا كافيًا لاتّباعِه؟
نعم! ... ( "لقد وجدنا مشيحا أي المسيح")
أن تشعر بالسلام الداخليّ والفرح، يعني أنّك بدأت تتلمّس الطريق إلى ذاتك القَلِقَة... كلّنا يميل طبيعيّا إلى المعرفة قبل اتّخاذ القرار المناسب. لكنّ الخطوة الأولى تكمن في الشعور. وهذا كان كافيًا للتلميذين الأوّلَين كي يغوصا في الأعماق ويخوضا التجربة بنفسيهما مع يسوع، ليتعرّفا إلى حقيقة سّره الّذي اجتذبهما. وبعدما اختبراه "في أرضهما الطيّبة"،أخبرا عنه بلهفة من وجد الحبيب المنتظر.
لقد بات مقيمًا فينا وحاضرًا دومًا معنا، فإن كنّا من المؤمنين بذلك، لا بدّ لنا من إعلانه للملأ بفرح الأمّ لولادة طفلها،" فالنور قد وُجِدَ كي يبدّد الظمات، لا لكي يوضع تحت المكيال."
بهذه النفس التي وجدت جناحيها المفقودتان،إنطلق أندراوس في إعلان الخبر السّار،لأوّل من التقاه، بطرس أخوه الّذي آمن بما بشرّه به لِما لمسه من رجاء في ما تكلّم به. ثمّ اقتاده لالتقاءِ يسوع وجهًا لوجه. فما كان من الرّبّ إلاّ أن ناداه باسمه، وخَصَّه بشخصه، ثمّ أعلنه "صخرة الكنيسة" الّتي "لن تقوى عليها أبواب الجحيم".
إن تأمّلنا في مسيحيّتنا، لوجدنا أنفسنا أوفر حظًا من التلاميذ الأوائل. لقد تألّموا وعانوا ما عانوه من اضطهاد وأسفار ومشقّات كي ينشروا البشرى الحسنة ويثبّتوا كنيسة المسيح في كلّ أرجاء العالم. أمّا اليوم فنولد في أحضان المسيحيّة ونتربّى في كنفها دون جهدٍ ولا متاعب، ونشيب على تعاليمها وروحها. "بتنا نعرف أنّنا لسنا أبناء تيّارٍ فلسفيّ أو أيديولوجيّ. بل نحن أشخاص قد عاشوا، بالإيمان، خبرة الإلتقاء بشخصٍ حيّ، يسوع ابن الله، التقاء جدّد حياتنا وحوّلها للأفضل!".
أفلا ينبغي أذًا أن نشهد له بالفم الملآن بالتسبيح والشكران، وبالإيمان الثابت، وبالقلب المستعدّ النابض بالحبّ؟ ألسنا مسؤولين، منذ اللحظة، عن إرشاد الناس بتواضع، إلى الحقّ لا إلى الذات؟

 

المقدّمة والصلاة وأفكار من الرسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الإكليريكي فؤاد فهد
fouad.fahed@hotmail.com

 

التأمّل الروحي
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
Jamileh.daher@hotmail.com