الأسابيع الممهّدة للصوم
أحد الكهنة
(24 كانون الثاني 2010)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مقدّمة :::

- يَفْتَتِحُ أحَد الكَهَنَة الأسابيع التَّحْضيريَّة للدُّخولِ بِزَمَن الصَّوم. وَفي هذا الأحَد، نَذْكُرُ كَهَنَتَنا الذينَ خَدَموا الكَنيسة، أحْياءً وَأمْواتاً، وَنُصَلِّي إلى الله، لِيُعْطِنا كَهَنَةً قِدِّيسين.
- في الرِّسالَةِ، يُنَبِّه بولُس تِلميذَهُ طيموتاوس إلى أنْ يَكون خادِماً صالِحاً للمَسيح في تَعْليمِهِ وَفي التَّقْوَى وَالسِّيرَة وَالمَحَبَّةِ وَالإيمانِ وَالعَفاف.
- وَيُحَدِّثُنا الرَّبُّ مِنْ خِلالِ إنْجيل لوقا، عَنِ الوَكيل الأمين الحَكيم. إذ يُظهِر لنا أنّ الرّب سَيُكافِئ الذي يَحفَظ الأمانة التي استَلَمها منه، وَسَيَدين الذي يَخون هذه الأمانة.
نحنُ مَدعوونَ اليَوم، للتَّأمُّلِ بِكُلِّ مَسؤولِيَّةٍ أوْكِلَتْ إلَيْنا: كَيفَ نَقومُ بِها؟ عَلامَ وَعلى مَنْ تَدُلُّ خِدْمَتُنا؟ هَل تَدُلُّ عَلَيْنا، أمْ على اللهِ الذي أوْكَلَنا هذه الخِدْمَة؟ ماذا تَعْني لَنا الأمانَة؟ وَماذا تَعْني لَنا الدَّعْوَة؟ لِنَطْلُب مِنَ الله أنْ يَزيدَنا أمانَةً وَحِكْمَةً وَمَحَبَّة وَتَقْوَى وَالتِزاماً في حَياتِنا... لِنَطلُب مِنْهُ أنْ يُساعِدَنا على سَماعِ صَوْته، آمين.

 

::: صلاة :::

كَم هُوَ صَعبٌ اللقاءُ بِكَ، وَأنتَ الآتي لِتَسْتَرجِعَ الأمانَة التي أحسستُ بِثِقلِها، لِسَنَواتٍ عَدَدْتُها وَسأعُدُّها يَوماً بِيَوم. إنّكَ الدّيّانُ الذي يَأتَمِن لِيُحاسِب، يُعطي لِيَدين! كَم هُوَ صَعْبٌ اللِّقاءُ بِسَيِّدٍ كَهذا! وَكَم هُوَ أصْعَب التَّعَلُّق بِعُبودِيَّة الظّاهِر وَأنا أقومُ بواجِبي مُنتَظِراً المُكافَأة! أقومُ بِواجِبي وَأنا أنتَظِر المُكافَأة كَمُتَكَبِّر، يُسقِطُكَ في قَوالب مِن صُنعِ يَدَيه.
إجعَلني خادِماً مُتَواضِعاً، يَعلَمُ إرادَتَكَ بِفَرَح، مُدرِكاً أنَّهُ في شراكة معك. إجعَلني خادِمًا، يَكون فَرَحه وَعلاقَتهُ بالسّيد مُتَوَقّفة على شهادة حياتِهِ. إجعَلني خادِماً، يُدرِكُ أنّهُ صورَتَكَ وَحُضورَكَ في غِيابِكَ. إجعَلني خادِمًا، يَحيا خِدمَتَهُ بِخشيَةٍ وَخُشوع، يَسهَر مُنتَظِراً عَودَتَكَ، لأنّ حُبّك فاضَ في قلبه، فَيُصبِح مُتَشَوِّقاً لِرُؤيَتِكَ وَجهاً لِوَجه. إجعَلني خادِماً، يَحزَن إذا لم تَكتَمِل صورَتَكَ فيه، إذْ شابَ قَلبَهُ نَقصٌ في الحبّ والرّحمَة.
رافِقني يا رَبّ كُلَّ أيَّامِ حَياتِي، وَأعطِني أن أعيش الخِدمَةَ وَالمَحَبَّةَ وَالتَّفاني تِجاهَ إخوَتي. إجعَل عائِلاتِنا مَنبِتاً للدَّعَوات الكَهنوتِيَّة لِيَكونَ مِن بَيننا كَهَنَةً قِدِّيسين، وَأهِّلني لِنَعيمِكَ الأبَدِيّ مَعَ أبْرارِكَ وَجَميع الكَهَنَة الذينَ ٱنتَقَلوا مِن هذه الدُّنيا إلَيْك، فَنُمَجّدَكَ إلى الأبد. آمين.

 

::: الرسالة :::

6 فإِذَا عَرَضْتَ ذلِكَ لِلإِخْوَة، تَكُونُ خَادِمًا صَالِحًا للمَسِيحِ يَسُوع، مُتَغَذِّيًا بِكَلامِ الإِيْمَانِ والتَّعْلِيمِ الـحَسَنِ الَّذي تَبِعْتَهُ.
7 أَمَّا الـخُرَافَاتُ التَّافِهَة، حِكَايَاتُ العَجَائِز، فَأَعْرِضْ عَنْهَا. وَرَوِّضْ نَفْسَكَ عَلى التَّقْوَى.
8 فإِنَّ الرِّيَاضَةَ الـجَسَدِيَّةَ نَافِعةٌ بعْضَ الشَّيء، أَمَّا التَّقْوَى فَهِيَ نَافِعَةٌ لكُلِّ شَيء، لأَنَّ لَهَا وَعْدَ الـحَيَاةِ الـحَاضِرَةِ والآتِيَة.
9 صادِقَةٌ هيَ الكَلِمَةُ وجَدِيرَةٌ بِكُلِّ قَبُول:
10 إِنْ كُنَّا نَتْعَبُ ونُجَاهِد، فذـلِكَ لأَنَّنَا جَعَلْنَا رجَاءَنا في اللهِ الـحَيّ، الـَّذي هُوَ مُخلِّصُ الـنَّاس أَجْمَعِين، ولا سِيَّمَا الـمُؤْمِنِين.
11 فأَوْصِ بِذـلكَ وعَلِّمْهُ.
12 ولا تَدَعْ أَحَدًا يَسْتَهِينُ بِحَداثَةِ سِنِّكَ، بَلْ كُنْ مِثَالاً للمُؤْمِنِين، بِالكَلام، والسِّيرَة، والـمَحَبَّة، والإِيْمَان، والعَفَاف.
13 وَاظِبْ عَلى إِعْلانِ الكَلِمَةِ والوَعْظِ والتَّعْلِيم، إِلى أَنْ أَجِيء.
14 لا تُهْمِلِ الـمَوْهِبَةَ الَّتي فِيك، وقَد وُهِبَتْ لَكَ بالنُّبُوءَةِ معَ وَضْعِ أَيْدِي الشُّيُوخِ عَلَيك.
15 إِهْتَمَّ بِتِلْكَ الأُمُور، وكُنْ مُواظِبًا عَلَيهَا، لِيَكُونَ تَقَدُّمُكَ واضِحًا لِلجَمِيع.
16 إِنْتَبِهْ لِنَفْسِكَ وَلِتَعْلِيمِكَ، وَاثْبُتْ في ذلِك. فإِذا فَعَلْتَ خَلَّصْتَ نَفسَكَ والَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ.
(1طيم 4\6-16)

 

::: أفكار من الرسالة :::

يُقرَأ على مَسامِعِنا في هذا الأحَد المُخَصَّص لِذكر الكهنة المُنتَقِلين، مَقطَع من رسالة القديس بولس الأولى إلى طيموتاوس تلميذِهِ، حَيثُ يطلب فيها منهُ – بعدَ أن وَصَفَهُ بـ"إبنه المُخلِص في الإيمان"– أن يَبقَى في أفسس، وَيوصي الجَميع ألاَّ يَنجَرّوا إلى تَعاليم، قصص وخرافات غَير التي تَلَقُّوها منه، وذلك انطِلاقاً من محبَّة، صادِرَة عَن قلب طاهر وإيمان ثابت.


وَبَعدَ أن عَرَضَ صِفات ووظيفة الأسقف، وصِفات الشّمامسة، وبعدَ أن تَكَلّمَ عن المُعَلّمين الكذّابين، يَأتي هذا النّصّ لِيُوضِح لِطيموتاوس صِفات مَن يُريد أن يَكون الخادِم الصّالِح للمَسيح. فَما هي هذه الصّفات؟


- الإبتعاد عن الخرافات: فقد سادت في أفسس مُعتَقَدات تُخالف الإيمان الصّحيح، ما استَدعَى التّدَخُّل المُباشر لِبولس في هذه الرّسالة. مِن هُنا، فَعَلى الخادِم الصّالِح أن يُعرِض عَن كُلّ ما يُزيغُهُ عَن الإيْمان الصّحيح، وَيُدخِلُهُ في ما لا يُعَبّر عَن إيْمانِهِ بِيَسوع. وهذا يَفتَرِض الأمانَة في حِفظ التّعليم والإيمان ونَقْلِهِ كَما هوَ للآخَرين.


- التّقوَى: وَهيَ تَعني علاقات الإنسان السّليمَة مع أخيه الإنسان. وَهيَ أيْضاً الأمانه في أداء الواجِبات الدّينيّة. فالتّقوَى في العلاقة مع الله تَجعَلها عَلاقَة بَنَوِيّة، بِحَيثُ أنّ السّائِر في التّقوَى يَجهَدُ في تتميم إرادة الله في كُلّ شَيء. وَيَأتي بولُس في هذا السّياق على المقارنة بين التّقوَى والرّياضَة البَدَنِيّة، إذ يُوضِح أنّ الرّياضَة "فيها بعض الخَير" أمّا التّقوَى، "فيها كُلّ الخَير"، وَهيَ ضَمانَة للحاضِر والمُستَقبَل، بِما أنّ العلاقَة الجيّدَة مع الله والقَريب لَن تَأتي على الشّخص إلاَّ بالخَير.


- التَّعَب والجهاد في الحقل الرّسولي: فالخادِم الصّالح لا يَجِدُ وقتَ فراغ في حياته. فهوَ في جهادٍ مُتَواصِل، لِيُوصِلَ نور المَسيح لِكُلّ الذينَ يُحيطونَ بِهِ، إن بِشَهادَة حَياتِهِ، أو بأعمالِهِ الحَسَنَة والتّبشير. وَلَكِنّ الأهَمّ في كُلّ ذلِك، أن يَكون التّعب والجِهادِ نابِعانِ من الرّجاء في الله الحَيّ الذي يُنعِم بالخَلاص، خاصّةً على الذينَ يُؤمِنون بِهِ. وَأهَمّ جهاد هوَ أن يَكون الخادِم الصّالِح بِنَفْسِهِ شَهادَة حَياة: يَسلُك بِحَسَب الإيْمان، يَعيش الرّجاء وَيُجَسِّد المَحَبَّة.


- القدوة الصّالحة: إضافةً إلى ما سبق، على هذا الخادِم أن يَعمَلَ ما يُحتَذَى بِهِ "بالكلام والسّيرَة والمَحَبّة والإيمان والعَفاف." وَأهَمّ قُدوَة هوَ أن يَكون الخادِم الصّالِح بِنَفْسِهِ شَهادَة حَياة: يَسلُك بِحَسَب الإيْمان، يَعيش الرّجاء وَيُجَسِّد المَحَبَّة.


- عَدَم إهمال موهبة الرّوح التي أُعطِيَت لهُ بِوَضع اليَد: نفهَم من بولُس الرّسول أنّ طيموتاوس نال وضع اليد، أي السّيامة الكَهنوتِيّة. أي نال الرّوح القُدُس الذي يُعطيهِ سُلطان تَعليم الشّعب والوعظ... يوصي بولس ويُشَدَّد على عَدَم إهمال هذه الموهبة المجّانيّة التي من لَدُن الله، وَتَغذِيَتها بالقِراءَة خاصّةً. فَيوصي بولُس بالإلتِزام والإهتِمام بهذه المَوهِبَة، إذ يُؤَدّي ذلك إلى نُموّ الشّخص، وَتَقَدُّمهُ في مَيادين الحَياة وأمام النّاس. هذا التّقَدُّم هوَ من أهمّ علامات الخدمة الصّالِحَة، لأنّ الذي يَستَسلم للغشّ ويُهمِل نفسه مُتَنَكّراً للنّعمَة، أي الوزنة التي أعطاها الله لهُ، يَبدَأ بالتّراجُع فلا يَكونُ علامة لِحُضور الرُّوح الذي يبني الجماعة. لذلك يوضِح بولس الرّسول أنّ عَدَم إهمال هذه الموهبة هوَ مَصدَر خلاص للذي يحصَل عَلَيْها وللنّاس الذينَ يَقودُهُم بالسُّلطان المُعطَى لَهُ بِهذه الموهِبَة. مِن هُنا نرى أهميّة رسالة الكاهِن وسط الجماعة المُؤمِنَة.


ونحن:
- هَل نُحاوِل الإبتِعاد عَن الخُرافات التي تُحيطُ بِنا وَتَأتينا من كُلّ صَوب، فَنَعلَم أنّ مَن لَهُ الإيْمان بِإلهٍ غلب المَوت، لا يُمكِنُهُ أن يُؤمِن بِمَن يَدّعي أنَّهُ يُطَمئِنهُ عَلى مُستَقبله بِطُرُق لا يُقالُ عَنها إلاَّ استِغباءً لِعُقولِنا؟


- هَل نَسيرُ في التّقوَى، مُقيمينَ عَلاقَةً مَتينَةً بالله، حامِلنَ سَلامَهُ في قُلوبِنا لِجَميع الذينَ حَولَنا؟


- ماذا نُحاوِل أن نوصِلَ للآخَر؟ كَلِمَة الله؟ أم كلام آخَر يُبعِد الآخَر عَن الله؟ هَلاَّ عَلِمنا أنّ نِعمة الخلاص هِيَ لَنا وَلِكُلّ الذينَ مِن حَولِنا؟ فَلِماذا نُضَيّع وقتنا بِكَلامٍ فارِغٍ يُدَمّر الآخَر في مَجالِسِنا، بدل أن نَقول ما يَبني الآخَر ويُثَبّتهُ بالرّجاء؟ وَأولادنا الذينَ في بُيوتِنا؟ هل نَعلم بِأنَّهُم الحَقل الواسِع الذي يَبدَأ فيه العمل لِنَزرَع فيه كلمة الله؟ هَل نَشعُر بالمَسؤولِيّة تجاههم، عالِمين أنّه عَلَيْنا تَربيتهم، عبر الحِوار البَنّاء، على سَماعِ كَلِمَة الله وتَنمِيَتها في قُلوبِهِم؟


- هَل نَعيش القُدوَة الصَّالِحَة أمام مُجتَمَعنا وفي عائِلاتنا؟ فَهَل يُعَبّر سلوكنا (أمام أولادِنا خاصّةً) عَن الإيْمان الذي نَحمِلهُ في داخِلِنا؟ ماذا يَستَحوِذُ على ما في داخِلِنا؟ أأفكار الرّب أو أفكارنا نحن التي لا تَكونُ في كَثيرٍ من الأحيان بحَسَب قلب الرّب؟ هَل نَعيش الرّجاء في حَياتِنا؟ أم نُمضي وقتنا مُتَشائِمين، وَكَأنّ الرّبّ لا وُجودَ لِعِنايَتِهِ؟ كَيفَ نُجَسّد المَحَبّة في شَخصِنا؟


- طيموتاوس نالَ الرّوح القُدُس بِوَضع اليَد، فَأصبَحَ خادِماً للرّب بِتَوكيلٍ من الأساقفة. ونحنُ أيْضاً نِلنا الرُّوح في العِماد، وَهوَ يَعمَلُ فينا! فماذا نفعَل بهذه العَطِيّة الثّمينة؟ هَل نَفهَمها على أنّها حُضور الله فينا؟ أم نَتَجاهَلها، وَلا نُدرِك قيمتها كَوَزنَةٍ علينا المُتاجَرَة بِها، فَنَدفنها في التُّراب؟ هذه المَوهِبَة عَينها أعطَت للكاهِن السُّلطان الذي بِهِ يُعَلّمنا، وَيُدَبّر الجَماعَة والأفراد الذينَ فيها... فَهَل نَحتَرِم هذه المَوهِبَة التي فيه؟ وَكَم يَسهُل في هذه الأيّام الكَلام عَن الكاهِن، وَكَم يَقْبُح ذِكرُهُ، وَكَم يَزدادُ الهُزء عِندَما تُطرَح سيرته في مُجتمعاتِنا! نحنُ لا ننفي بعض الضّعف الذي يَشوب كُلّ إنسان بِما فيه الكاهِن، وَلَكِن، ألا نُدرِك أنّ الله اختار هذا الشّخص، بالرُّغمِ مِن ضُعفِه، لِيَكونَ خادِماً صالِحًا لِكَلِمَتِهِ، وَخادِمًا صالِحًا لنا بِنَفس الرُّوح الذي حَلَّ عَلَيْنا في العِماد؟ هَلاَّ أدرَكنا أنَّهُ مِن علامات الإيْمان الذي نحملهُ، وإحدَى الطُّرُق التي بِها نُجَسّد المَحَبّة، هي أن نسنُد الكاهِن في أوقات ضعف، بدل أن نَستَخِفّ بِهِ، وَنَفتَخِر بِأنَّنا "قادِرونَ" على تَحطيمِهِ؟


في الخِتام لا يَسَعُنا القَول سِوَى ما جاءَ في المَزمور: "هكذا أُبارِكُكَ في حَياتي، وباسمِكَ أرفَعُ كَفّي"، فنَذكُر كَهَنتنا المُنتَقِلين، وَنقرَأ حَياتَهُم على ضَوءِ ما جاءَ في هذا المقطَع من الرّسالة، لِنَرَى أنّهُم جاهَدوا وَعَمِلوا ما بِوِسعِهِم لِيَكونوا خُدّاماً صالِحين للكَلِمَة. لِنُصَلِّي مِن أجلِهِم، وَمِن أجلِ كَهَنَتِنا الأحياء الذينَ يَخدموننا في رَعايانا ويَسهَرونَ على مَسيرَةِ إيْمانِنا، وَيَرفَعونَنَا في صلواتِهِم كُلَّ حين، شاكِرينَ الله على وُجودِهِم بيننا، طالِبينَ مِنهُ أن يُعطينا كَهَنَة قِدّيسين.

 

::: الإنجيل :::

42 فَقَالَ الرَّبّ: "مَنْ تُرَاهُ الوَكِيلُ الأَمِينُ الـحَكِيمُ الَّذي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُم حِصَّتَهُم مِنَ الطَّعَامِ في حِينِهَا؟
43 طُوبَى لِذلِكَ العَبْدِ الَّذي، مَتَى جَاءَ سَيِّدُهُ، يَجِدُهُ فَاعِلاً هـكذَا!
44 حَقًّا أَقُولُ لَكُم: إِنَّهُ يُقِيمُهُ عَلَى جَمِيعِ مُقْتَنَياتِهِ.
45 أَمَّا إِذَا قَالَ ذلِكَ العَبْدُ في قَلْبِهِ: سَيَتَأَخَّرُ سَيِّدِي في مَجِيئِهِ، وَبَدأَ يَضْرِبُ الغِلْمَانَ وَالـجَوَارِي، يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَسْكَر،
46 يَجِيءُ سَيِّدُ ذلِكَ العَبْدِ في يَوْمٍ لا يَنْتَظِرُهُ، وَفي سَاعَةٍ لا يَعْرِفُها، فَيَفْصِلُهُ، وَيَجْعلُ نَصِيبَهُ مَعَ الكَافِرين.
47 فَذلِكَ العَبْدُ الَّذي عَرَفَ مَشِيئَةَ سَيِّدِهِ، وَمَا أَعَدَّ شَيْئًا، وَلا عَمِلَ بِمَشيئَةِ سَيِّدِهِ، يُضْرَبُ ضَرْبًا كَثِيرًا.
48 أَمَّا العَبْدُ الَّذي مَا عَرَفَ مَشِيئَةَ سَيِّدِهِ، وَعَمِلَ مَا يَسْتَوجِبُ الضَّرْب، فَيُضْرَبُ ضَرْبًا قَلِيلاً. وَمَنْ أُعْطِيَ كَثيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ الكَثِير، وَمَنِ ائْتُمِنَ عَلَى الكَثِيرِ يُطالَبُ بِأَكْثَر.

)لو 12\42-48 (

 

::: أفكار على ضوء والإنجيل :::


لَقَد رَأيْنا في الرّسالَة كَيفَ أنَّ الخادِم الصَّالِح للمَسيح هوَ الذي يَبني نفسه لِيَسْتَطيع أن يَخدُم الجَماعَة. هذا الخادِم الصّالِح يَجِب أن يَبني كُلّ ما يَفعَله على أساس النّصّ الإنجيلي هذا الذي تَضَعهُ الكَنيسَة بينَ أيْدينا اليَوم. فَقَد ضَرَبَ يَسوعُ مَثَلاً عَن السَّهَر الذي يَجِب أن يَعيشُهُ كُلُّ مُؤمِن، وَكانَ الرُّسُل حاضِرون. فَلَمَّا انتَهَى يَسوع قالَ لَهُ بُطرس: "يا رَبّ، ألَنا تَضرِب هذا المَثَل أم للنّاسِ جَميعاً؟" فَأجابَ يَسوعُ بالمَثَل الذي بينَ أيْدينا الآن، والذي يَجِب أن يَعني بِشَكلٍ خاصّ الرُّسُل، الذينَ دَعاهُم يَسوع لِيَخدموا الكَلِمَة. فَما هِيَ الرّسالة التي أرادَ يَسوع إيْصالَها من هذا المَثَل؟


لَقَد وَصَفَ يَسوع في المَثَل الأوّل بِـ"الخَدَم" أولئِكَ الذينَ يَتَعاطَى معهُم سَيّد البيت الذي يُمَثّل الله. أمّا في النّص الذي يُقرَأ على مَسامِعِنا هذا الأحَد، يَصِف يَسوع بـ"الوَكيل"، والفرق هُنا شاسِع. فمسؤوليّة الوَكيل أكبر بِكَثير من تلكَ المُلقاة على عاتِق الخَدَم. وَعَلَيْهِ أن يَتَعاطَى مَعَ ما أوكَلَهُ إلَيْهِ السّيد وكَأنّه ملكه الخاصّ، فهوَ خادِم لا يَعمَل ما يَأمُرهُ بِهِ السّيد إذا ما حَضَر، بَل يَعرِف ما يُريد السّيّد، وَيَعرِف تَماماً ما يَتَوَجّب عليه حتّى لو كانَ السّيد غائِباً. فالوَكيل إضافةً إلى أنّهُ خادِم، هوَ أيْضاً حامِلٌ لإرادَة السّيد، وَهوَ المَسؤول عَن أيّ خَطَأ يَحصَل، وَهوَ الذي يَجِب أن يُؤَدّي الحِساب أمام سيّده.


وَنَرَى يَسوع يُطَوّب الوَكيل الذي كانَ خادِماً صالِحاً، وَيُوضِح للرُّسُل كَم سَيَكون الضّرب مُبَرّحاً عِندَما يَخون هذا الوَكيل الأمانَة، ليسَ بالإساءَة إلى أملاكِه المادّيّة، بل بالإساءَة إلى البَشَر الذينَ يَخدِمونَ البيت. وَيَختُمُ يَسوع موضِحاً أنّ النّعمَة التي يُعطيها السّيّد يَجِب أن تُحتَرَم وَتُنَمَّى. فالَّذي أُعطِيَ مَسؤولِيَّة كُبرَى، يُطلَبُ مِنهُ عَمَلاً كَثيرًا، وَمَن تَسَلَّمَ وَديعَةً، يُطلَب مِنهُ أنْ يُنَمّيها وَيَزيدَها رِبحاً، لِيُعطيها أكبَر عِندَما يَأتي السّيّد لِيَسْتَرجِعها.


ونحن: هَلاَّ عَلِمنا أننا وُلِدْنا مَسيحيين، وَحَلّ عَلَيْنا الرُّوحُ القُدُس في العِماد، وَأصْبَحْنا بِذلِكَ وُكَلاءَ لِكَلِمَة الله في مُجتَمَعِنا وَمُحيطِنا؟ فَماذا نَفعَل بِوكالَتِنا؟ أنَدفِنها؟ أم نُعطيها طَعاماً روحِيًّا لِرِفاقِنا، وَعِيالِنا وَشَبابِنا لِنُمُوّهِم؟


كُلُّنا مَدعوونَ لِنَكونَ خُدّاماً صالِحين، وَأُمَناءَ على إنماء الوَديعَة التي أعطانا إيّاها الرّب. فَهَل حاوَلنا أن نَعرِف ما هيَ قُدُراتِنا، وَنِقاط قُوّتنا التي من خِلالِها يَجِب أن تَظهَرَ قُدرَة الله فينا؟ أم نَتَجاهَل أمرَها، وَنَدفِنها في قُلوبِنا، وَنُعيدها إلى اللهِ كَما أعطانا إيّاها؟ هَلاَّ عَلِمْنا أنَّنا مَسؤولون عَن تَطوير المَواهِب وَالقُدُرات التي فينا لأنّها مِن الله لا مِنَّا.

 

::: تأمّل روحي :::

 

في الآخَرِ أراك


أيّها الآب
خلقتنا أحرارًا، من عبوديّة الذّات وملّكْتنا على الدنيا وما فيها، فاسْتَهَنّا بها واستسلمنا إلى ما هو دونك، وارتضينا بعبوديّة ما أُغْوينا به.


ذلك أنّ النفس لم ترضَ بما وهبتها من مرتبةٍ ساميَةٍ تماثل عظمتك، فطَمِعَت بالحبّ الّذي ظلّلْتَها به، وفَضَّلَت المُكابرة على شكرك. ثمّ، لِجَهلها وتَعَنُّتِها وجُبْنِها، نَزَعَت إلى عبادة الفاني والذوبان فيه، عوضًا عن البقاء حيّةً بك، دافنةً ما أودعتها من مواهب وآيات في قبرها المُكَلَّس، غارقةً في وُحول الأنانيّة. ففَقَدْت ما فَقَدَت من سلامٍ وسكينةٍ وفرحٍ، غير مدركة أنّك أبٌ غفورٌ حنون رحوم، ورفيقٌ صدوقٌ"مُخَلِّصٌ" (بابنك)، وملهِمٌ، مرشدٌ،( بروحك القدّوس)!


لكنّك يا أبي، أردت أن تفهمنا أنّ لحياتنا معنىً، يصعب على الخطيئة أن تُبَدّدُه ولا لضعفنا أن يدمِّره،فأرسلت يسوع ابنك مخلّصًا، يُعيد لنا ما فقدناه من رجاء وكرامة. أرسلته كي يؤكّد لنا أنّنا " نور العالم"، وعلينا أن " نكون في قلب العالم وليس مِن العالم"، أرسلته مرشدًا وهاديًا إلى الطريق المفقود، الّذي لا بدّ له من أن يعبر بالآخر كي ندرك به قلبك.


اليوم، ما زلت تسألني كيف أنظر إلى هذا "الآخر" وعلى أيّ أساسٍ تقوم علاقتي به. فتساءلتُ إن كان ذلك تأكيد لبُنُوَّتي لك، فبدأت أُسائل ذاتي: - هل أنا مستعدٌ للجواب في أيّة لحظةٍ تناديني: "يا بنيّ، ماذا فعلت لإخوتك؟"... بماذا أجيب؟ خاصَّةً إن كنتُ " وكيلاً"(لو 12) مسؤولاً، مُحَمّلاً كنوزًا إئتمنتني توزيعها على هؤلاء " الإخوة الصغار".ماذا كنت أفعل طِوال حياتي العمليّة؟ هل أحببتُ بما يكفي، وقبِلتُ الآخرين كما هُم، بأطباعِهم المختلفة، ونقائصهم؟ أم كنت أبحث عن ذاتي لإرضائها في تقرّبي منهم؟... -هل اكتفيت بالقليل من الخِدْمة، وأكثرتُ من "الأكل والشّرب واللّهوِ..." على حساب رسالتي، بينما المتعطّشون إلى خبز الحياة اليوميّ، من خلال محبّتي لهم، ينتظرون فطنتي لمعرفة ما هُمْ بحاجةٍ إليه، آملين أن أتحمّل مسؤوليّاتي تجاههم في الخدمة؟ - هل أخافني تكريس ذاتي في سبيل إسعاد الآخرين، فَجَنَحْتُ إلى "إسعادِ" نفسي في إرضائهم بِنَثْرِ بعض الورود البخسة الثمن؟... أيّ معنى لكلّ ما أعِظُ به إن لم يجد معناه في الحياة، أو إذا خَلا من الصِدْق وانْتَفَتِ الخبرة منه؟ أيّ قيمة لإناءٍ، مهما غلا ثمنه، إذا قُدّم فارغًا لظمآنٍ؟


أيّها الآب، دعني لا أنسى أنّك بثالوثك تعرف جَبْلَتنا، وتُقَدِّرُ اختيارنا لك، وخدمتنا من خلال الآخر. إنّك لَعَلى ثقة بما نُظْهِره من طيبةٍ ورأفةٍ وكرمٍ وشجاعةِ قلب. وبالمقابل، أنت تعرف أيضًا مدى قساوة قلوب البعض منّا، على أنفسنا قبل الآخرين، لكنّ نظرتك إلينا، المملؤة رجاء، تجعل مشروعك يتحقّق فينا، ومسيرة النعمة، ورغبتنا المختبئة في أعماقنا، في أن نرى وجهك القدّوس، تجعلان الحبّ ممكنًا، مهما كان قلبنا صغيرًا، وإدراكنا محدودًا، وحياتنا مزدحمةً بالصراعات الداخليّة...إلاّ أنّك يا قدّوس، أنت قادرٌ أن تزيدنا قوّة كي نُرَمِّم ما شوّهته أنانيّتنا في إهمالنا للفضائل والفرح والسلام في أنفسنا وفي الآخرين، حتّى إذا ما مَثَلْنا أمامك، أعَدْنا إليك ما أئتمنتنا عليه، عطيّتك لنا، طافحًا بالحبّ والأمان.

 

المقدّمة والصلاة وأفكار من الرسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الإكليريكي فؤاد فهد
fouad.fahed@hotmail.com

 

التأمّل الروحي
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
Jamileh.daher@hotmail.com