الأسابيع الممهّدة للصوم
أحد الموتى المؤمنين
(7 شباط 2010)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مقدّمة :::

• قبل أسبوع من بدء زمن الصَّوم الكبير، وتَحضيراً لآلام الرَّب يَسوع وَمَوتِهِ وَقِيامَتِهِ، نَتَوَقَّف عِندَ الرِّسالَة وَالإنجيل الذَين نقرؤُهُما اليوم لِيُذَكِّراننا بِضَرورَة السَّهَر في ٱنتِظارِ مَجيءِ الرَّبّ.
• الرَّسول بولُس يُشَدِّد على أهَمِّيَّة السَّهَر بانتِظار الرَّبّ، فالإنسانُ سَيَموت لا مَحال؛
• أمّا يَسوع فيُشَدِّدُ في الإنجيل اليَوم على ضَرورة الاستِعداد للموت على هذه الأرض وليس من أجلها، لأنَّ ما فيها لَن نَأخُذهُ مَعَنا إلى الأبَدِيَّة! فَما سَنَأخُذهُ هوَ أعمالُنا الصَّالِحَة وَحَياة المَحَبَّة التي سَنَعيشُها!
• فَهَل فَكَّرنا يَوماً حَولَ ما يُمكِن أن تَكون عَلَيْهِ حالُنا في ذلك اليَوم؟

 

::: صلاة :::

يا أبانا السّماوي، ما أرهَبَها ساعَةً نَحضُرُ فيها أمامَكَ حامِلينَ ما قُمنا بِهِ مِن خَيرٍ، وَفَعَلْنا مِن شَرّ، وما لم نَقُم بِهِ من خَيرٍ كُنّا قادِرينَ على فعله ووقفنا مَكتوفين.
نَشكُرُكَ لأنَّكَ أرسَلتَ لنا ابنَكَ يَسوع وَتَرَكْتَهُ يَعَيشُ الطّاعَةَ لك حَتَّى المَوت لِيَكونَ لَنا المِثال الحَيّ. نَشكُرُكَ لأنَّكَ تترُكُنا نَعيشُ على هذه الأرض بِحُرّيّة، وَتترُكُ لنا الخَيار في عَيشِ الطّاعَةِ لَكَ، أم لِشَهَواتِنا. أعطِنا أن نَفهَمَ أنَّ الحُريّة الحَقَّة هيَ في اختِيارِ عَيشِ مَشيئَتِكَ. أعطِنا نِعمَةَ أن نَفْهَمَ إرادَتَكَ، فنَعمَلَ عَلى تَتْميمِها.
ايُّها الرّبّ يَسوع، انتَ الذي أعلَنتَ لنا مَشيئَةَ الآب، لا بالكَلام، بل بِعَمَلِكَ. فقد أطَعتَهُ حَتّى المَوت. وَفي ساعَةِ فِراقِكَ صَرَخت: "إلهي إلهي لماذا تركتَني!"، إذ شَعَرْتَ بالهُوَّة التي تَفصِلُ إنْسانِيَّتَنا -التي عِشتَها أنت- عَن الآب. وَلَكِنَّكَ أقَمتَ بِصَليبِكَ الجِسرَ الذي يُساعِدنا على عُبور الهُوَّة العَظيمَة تِلك. وَعَلَّمتَنا أنّ مَن يُريدُ أن يَدخُلَ الفَرَح السّماوي، عليهِ أن يَحمِلَ صَليبَ الألم، لِيُخَفِّفَ بِذلِكَ عَن أخيهِ المُتَألِّم والفقير. أعطِنا أن نَفهَمَ ذلك السّرّ العظيم، وأن نَعلَم أنّ عَيش الفرح الأبَدي، يَبدَأ عِندَما نُقاسِم أفراحَنا الزَّمَنِيَّة مَعَ الذينَ لا أفراحَ لَهُم، يا مَن تَحيا وَتَملِك، مَعَ أبيكَ وَروحِكَ القُدُّوس إلى الأبَد. آمين.

 

::: الرسالة :::

1 أَمَّا الأَزْمِنَةُ والأَوقَات، أَيُّهَا الإِخْوَة، فلا حَاجَةَ بِكُم أَنْ يُكْتَبَ إِلَيْكُم في شَأْنِهَا؛
2 لأَنَّكُم تَعْلَمُونَ جَيِّدًا أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ يأْتي كَالسَّارِقِ لَيْلاً.
3 فحِينَ يَقُولُون: سَلامٌ وأَمْنٌ! حِينَئِذٍ يَدْهَمُهُمُ الـهَلاكُ دَهْمَ الْمَخَاضِ لِلحُبْلى، ولا يُفْلِتُون.
4 أَمَّا أَنْتُم، أَيُّها الإِخْوَة، فَلَسْتُم في ظُلْمَةٍ لِيُفَاجِئَكُم ذلِكَ اليَومُ كالسَّارِق.
5 فأَنْتُم كُلُّكُم أَبْنَاءُ النُّور، وأَبْنَاءُ النَّهَار؛ ولَسْنَا أَبْنَاءَ اللَّيلِ ولا أَبْنَاءَ الظُّلْمَة.
6 إِذًا فلا نَنَمْ كَسَائِر الـنَّاس، بَلْ لِنَسْهَرْ وَنَصْحُ؛
7 لأَنَّ الَّذِينَ يَنَامُونَ فَفي اللَّيلِ يَنَامُون، والَّذِينَ يَسْكَرُونَ فَفي اللَّيلِ يَسْكَرُون.
8 أَمَّا نَحْنُ أَبْنَاءَ النَّهَار، فَلْنَصْحُ لابِسِينَ دِرْعَ الإِيْمَانِ والـمَحَبَّة، ووَاضِعِينَ خُوذَةَ رَجَاءِ الـخَلاص.
9 فإِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْنَا لِلغَضَب، بَلْ لإِحْرَازِ الـخَلاصِ بَرَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيح،
10 الَّذي مَاتَ مِنْ أَجْلِنَا، لِنَحْيَا مَعَهُ سَاهِرِينَ كُنَّا أَمْ نِائِمِين.
11 فَلِذلِكَ شَجِّعُوا بَعضُكُم بَعْضًا، وَلْيَبْنِ الوَاحِدُ الآخَر، كَمَا أَنْتُم فَاعِلُون.
(1تس5 \1-11)

 

::: أفكار من الرسالة :::

في المَقطَع الذي تَضَعهُ الكَنيسَة في أحَد تَذكارِ المَوتَى نَرَى أنّ بولُس الرَّسول يُعلِن كَيفيّة العَيش لِنَوال المَصير السّعيد في ساعَة المَوت.
في المَقطَع السَّابِق من هذه الرّسالَة التي يُوَجِّهها إلى أهل تسالونيكي، أعلَنَ أنَّ الإنسان لا يذهب إلى العدم عند ساعة المَوت. فالمَوتُ هو إنتِقالٌ من هذه الحَياة إلى حَياةٍ أُخرَى، بِجِوار الرّبّ، وَدعا إلى أن نُشَدِّدَ بَعضُنا بَعضاً، وَنَتَعَزَّى بِهذا الكَلام.
فماذا عَلَيْنا أن نَعمَل لِنَصِلَ إلى تِلكَ الحَياة مَعَ الرّبّ، التي مِلؤُها الفَرَح؟


يَضَعُنا مار بولُس في بِدايَة المَقطَع الذي يُقرَأ على مَسامِعِنا هذا الأحَد في جَوٍّ مِنَ القَلَق: فلحظَة المَوت تَأتي كَما السّارِق. نَمُرُّ في أيَّام نَعيش فيها بِأمانٍ وَسَلام وَرَغَد... ولكِن، بالرُّغمِ مِن ذلك، هذا لا يُبعِدُ لحظَة المَوت، التي يُمكِن أن تَأتي لأسباب عَديدَة، وَفي أيّ لحظَة! يُشَبِّه بولُس تلكَ اللحظَة بِمَخاض الحُبلَى، التي تَعلَم تَماماً أنَّهُ سَيَأتي، وتَعلَم حَتَّى أنَّهُ سَيَأتي في أواخِر الشَّهر التّاسِع! يَعني مِن الممكِن أن تعلَم أنَّهُ اقتَرَب. ولِكن، لن تَعلَمَ يَوماً اللَّحظَة الحاسِمَة. فهيَ تَأتي دَوماً بِشَكلٍ مُفاجِئ! ويَقول بولس أنَّ هذه اللَّحظَة الرَّهيبَة لن يُفْلِتَ مِنها أحَد!


أمامَ هذا المَشهَد المُخيف، يَضَعُنا بُولُس بِوَجهِ صورَةٍ مُتَناقِضَة:
- صورَة أبناء النُّور: هؤلاء يَعلَمون أنَّ اللَّحظَة الرَّهيبَة آتِيَة، وهُم يَعلَمون أنَّهُم لَن يُفلِتوا، لِذلِكَ، يَبقونَ على جُهوزِيَّة تامَّة لِعَيش هذه اللَّحظَة، ليسَ بِقَلَق وَحُزن، بل بِالفرح الذي يُعطيه الرّجاء بِأنَّهُم سَيَكونونَ بِجانِبِ السّيّد. وَيَأمُر بولُس أن نَصحو وَنَكون فعلاً من أبناء النّهار، ونحنُ نعيش الإيمان، وَنُجَسِّدهُ بالمَحَبَّة، وَنَحمِل الرَّجاء بِلِقاءِ الرّبّ.
- صورَة أبناء اللَّيل: هَؤُلاء يَصِفُهُم بولُس بالنَّائِمين، والسَّكارَى؛ أي الذينَ فقدوا الوَعي، ولم يَعودوا بِحالَة إنتِظار. فعاشوا في أنانِيَّتِهِم. رُبَّما آمَنوا، ولكِن لَم يُجَسِّدوا إيْمانَهُم بِأعمال المَحَبَّة. هُم الذينَ ألَّهوا أنفُسَهُم، فلم يَعيشوا على رجاء اللقاء بالإله الحَقيقي.


و نحن:
هَل نَعيش على الرَّجاء الذي أعلَنَهُ بولُس، فَنَتَعَزَّى عِندَما نَفقدُ شَخصاً عَزيزاً بِشَكلٍ مُفاجِئ، وَنَتَشَجَّع وَنَتَحَلَّى بالصّبر؟
هل نحنُ مِن أبْناء النَّهار أم مِن أبْناء اللَّيل؟ هل نَعمَل في حَياتِنا على تَجْسيد إيْماننا؟ أم نَعتَبِرهُ "فُلكلور" نَعيشُهُ بَعيداً عَن المَحَبَّة، فَيَبقَى فِكراً دونَ تَطبيق؟

 

::: الإنجيل :::

19 كَانَ رَجُلٌ غَنِيٌّ يَلْبَسُ الأُرْجُوانَ وَالكَتَّانَ النَّاعِم، وَيَتَنَعَّمُ كُلَّ يَوْمٍ بِأَفْخَرِ الوَلائِم.
20 وكانَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ اسْمُهُ لَعَازَرُ مَطْرُوحًا عِنْدَ بَابِهِ، تَكْسُوهُ القُرُوح.
21 وكانَ يَشْتَهِي أَنْ يَشْبَعَ مِنَ الفُتَاتِ الـمُتَسَاقِطِ مِنْ مَائِدَةِ الغَنِيّ، غَيْرَ أَنَّ الكِلابَ كَانَتْ تَأْتِي فَتَلْحَسُ قُرُوحَهُ.
22 وَمَاتَ الـمِسْكينُ فَحَمَلَتْهُ الـمَلائِكَةُ إِلى حِضْنِ إِبْرَاهِيم. ثُمَّ مَاتَ الغَنِيُّ وَدُفِن.
23 وَرَفَعَ الغَنِيُّ عيْنَيْه، وَهُوَ في الـجَحِيمِ يُقَاسِي العَذَاب، فَرَأَى إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعِيد، وَلَعَازَرَ في حِضْنِهِ.
24 فَنَادَى وقَال: يا أَبَتِ إِبْرَاهِيم، إِرْحَمْنِي وَأَرْسِلْ لَعَازَرَ لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصْبَعِهِ بِمَاءٍ وَيُبرِّدَ لِسَانِي، لأَنِّي مُتَوَجِّعٌ في هـذَا اللَّهِيب.
25 فَقالَ إِبْرَاهِيم: يا ابْنِي، تَذَكَّرْ أَنَّكَ نِلْتَ خَيْراتِكَ في حَيَاتِكَ، وَلَعَازَرُ نَالَ البَلايَا. والآنَ هُوَ يَتَعَزَّى هُنَا، وأَنْتَ تَتَوَجَّع.
26 وَمَعَ هـذَا كُلِّهِ، فَإِنَّ بَيْنَنا وَبَيْنَكُم هُوَّةً عَظِيمَةً ثَابِتَة، حَتَّى إِنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْتَازُوا مِنْ هُنا إِلَيْكُم لا يَسْتَطْيعُون، ولا مِنْ هُناكَ أَنْ يَعْبُرُوا إِلَيْنا.
27 فَقَالَ الغَنِيّ: أَسْأَلُكَ إِذًا، يا أَبَتِ، أَنْ تُرْسِلَ لَعَازَرَ إِلَى بَيْتِ أَبي،
28 فإنَّ لي خَمْسَةَ إِخْوة، لِيَشْهَدَ لَهُم، كَي لا يَأْتُوا هُمْ أَيْضًا إِلى مَكَانِ العَذَابِ هـذَا.
29 فقَالَ إِبْرَاهِيم: عِنْدَهُم مُوسَى وَالأَنْبِياء، فَلْيَسْمَعُوا لَهُم.
30 فَقال: لا، يَا أَبَتِ إِبْرَاهِيم، ولـكِنْ إِذَا مَضَى إِلَيْهِم وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يَتُوبُون.
31 فقالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: إِنْ كانُوا لا يَسْمَعُونَ لِمُوسَى وَالأَنْبِيَاء، فَإِنَّهُم، وَلَو قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَات، لَنْ يَقْتَنِعُوا!".

(لو 16/19-31)

 

::: أفكار على ضوء والإنجيل :::

يَأتي هذ المَثَل التي تَضَعهُ الكَنيسَة لِيُقرَأ على مَسامِعِنا في أحَدِ تذكار المَوتَى، حَلَقَةً في سِلسِلَة أمثال مَوضوعها الأساسي الرّحمَة من الله تجاهنا، ومِنّا تجاه إخوتنا.
في هذا المثل، يُظهِر لنا يَسوع، مَن هوَ الذي يَستَحِقّ أن يَعيش الرّاحَة في المَلَكوت بعد موتِه.


صورَتان مُتَناقِضَتان على مِثالِ ما رَأيْناه في الرّسالَة:
- غَنيّ لم يَرَ لعازَر على بابِهِ وكانَ يَلبَس الأرجوان وَيَعيش التَّرّف... لا نَعرِف اسمَهُ؛ ماتَ وَدُفِن، وبَدَأ يَذوق العَذاب في الجَحيم.
- فقير لا يَستَطيع أن يَأكُل إلاَّ من فتات الخُبز المُتَساقِط عَن مائِدَة الغَني... إسمُهُ لَعازَر. ماتَ فَحَمَلَتهُ المَلائِكَة إلى حِضن إبْراهيم، الذي يَرمُز إلى الرّاحَة في الكِتاب المُقَدَّس.


أمامَ هاتَين الصُّورَتَين نَسالُ: أيُمنَع أن يَكون الإنسان غَنِيًّا؟ أين العدالَة؟ لماذا لم يُحمَل الغَني إلى حِضنِ ابراهيم؟ فهوَ لم يَفعَل السُّوء لأحَد!
بالتَّأكيد، لم يَقصِد يَسوع أنّ الغَني لا يَدخُل المَلَكوت، أمَّا الفقير فَنَعَم! ما قَصَدَهُ يَتَلَخّص في النّقطَتَين التّالِيَتَين:
* إغْلاق القَلب وَالفِكر: ظُلمَة كَبيرَة... الغِنَى هوَ الإكتِفاء الذَّاتِيّ، وَالعزلَة وَرَفض وُجود الآخَر. وَهوَ إغْلاق القَلب وَالفِكر وَالتَّقَوْقُع لِدَرَجَة عَدَم الحاجَة لأحَد مع أن الله خَلَقَنا لِنَعيشَ مَعاً وَنَخْلُصَ مَعاً. فالذي يَكْتَفي بِذاتِهِ، هوَ بِغِنَى عَنْ أخيهِ وَبِغِنَى عَنْ خالِقِهِ وهذا هوَ المَوتُ وَالعُزلَة وَالوَحْدَة. أنا بالتَّأكيد غَنِيّ بالنِّسْبَةِ لِكَثيرين... حَتَّى وَلَوْ لَمْ أمْلِك المال الوَفير... فهَلْ أتَقَوْقَع على ذاتي أمْ أُفَكِّرُ بِمُساعَدَةِ الآخَر؟ هَلْ يوجَد لَعازَر على بابِي؟
* ما بَعْدَ المَوت: وَضَعَ فينا اللهُ نَسْمَةَ الحَياة وَأعْطانا مَواهِبَ وَخَيْراتٍ وَنِعَمٍ عِدَّة لِيَزيدَنا شَوْقاً وَحُبًّا لِنَعيشَ مَعَهُ سَعادَةً أبَدِيَّةً في مَلَكوتِهِ. وَسَوْفَ يُحاسِبنا على ما أعْطانا. ماذا نَعْمَلُ اليَوْمَ بِما أعْطانا إيّاه؟ هَلْ نُدْرِكُ أنَّنا عِنْدَما نُوَدِّعُ هذه الحَياة سَوْفَ نقِفُ أمامَ الرَّبِّ لِيَسْألَ كلّ واحدٍ منّا: »كَمْ أحْبَبْت؟«. في تلكَ اللَّحظَة ما عَسايَ أُجيب؟

 

::: تأمّل روحي :::

 

هل نختار بصدق ؟!

 

تجمّعوا حول النّعش يبكون خسارة الحبيب ويندبون رحيله. ولكن هل انتهى مع موت جسده؟


ربّما البعض يتساءل في تلك اللحظات المؤلمة عن قيمة الحياة على الأرض، وعن جدوى الصلاة والتقشّف وعمل الخير، عن العلم والثقافة... إذا كان الموت هو نهاية الإنسان، فنراهم يرفضون ذلك الواقع ويهربون إلى إطالة أيّامهم بطرقٍ شتّى، فيبحثون عمّا يجدّد شبابهم، وما أكثر تلك الوسائل في أيّامنا هذه، مُسْتَنْزِفين اللّحظات بكلّ ما لديهم من إمكانيّات، ظنًّا منهم أنّهم يقتنصون السّعادة، مُخْتَبئين وراء خوفهم من فكرة الموت، وهم لا يدرون أنّهم يهربون إلى الزائل من السعادة المؤقّتة، كالغبار المُتَطاير مع النّسيم، أمام الواقع المُحَتَّم الّذي بدايه رُقاد ثمّ تَفَتُّحُ حياةٍ بعد قيامةٍ مع المسيح.


صحيح أنّ الله خلقنا للحياة، ووضع فينا الرّغبة الأقوى والأكثر عفويّة كي نحياها بملئها، ولكن كيف؟


لنقف وقفةً صادقة أمام ذواتنا ونقرّر ماذا نختار!


هل نريد حياةً مستقرّةً وسعيدةً، مؤمنين أنّها لا تَقُوم إلاّ على الحبّ ووَهْبِ الذّات ومشاركة الآخر في "كلّ ما هو له" من خيراتٍ مادّية وفكريّة، معنويّةٍ وروحيّةٍ...؟ أمْ نختار اليأس لإحساسنا بالظّلْم والغُبْن، وشعورنا بالإحْباط، فنحمل راية الإحتجاج على الحياة، وننكفىء على ذواتنا، قابعين في زنزانة الحزن، دافنين سعادتنا، "ناحرين"، كلّ يومٍ، رجاءنا على مذبح الموت البطيء دون أن ندري؟


هل نريد حياةَ الخَلقِ والإبداع بما وضعه الله بين أيدينا، مؤمنين أنّنا أروع ما خُلِق في الوجود، وأجمل مَن حمل روح الله في داخله وجُبِل على صورته ومثاله، فنعكس إبداعه في جمال خُلُقِنا وعلاقاتنا بالآخر، ونَخْلُق الأمَل في نفس الخائب، ونرسم بسمةً على شفاه المُسْتَجْدي حبًّا. أمّا خائر القوى والّذي "لا حَوْلَ له"، نَبْتَكِرُ طرقًا لا مَثيلَ لها كي نَسْنُدَه ونُجْبِرَ ما تحطّم من كيانه؛ كما ونُظْهِر روعة الآب في خليقته إلى كلِّ فاقد ثقةٍ أو كافرٍ بالوجود...


وإلاّ، أخاف أن أقول بأنّنا اخترنا أنفسنا، بجسدنا الفاني، وبدأنا نَضْرِبُ الأخماس بالأسداس، باحثين عن طرائق يطفح بها "مكيالنا"، هادرين حقّ الغير في الحياة الشّريفة ولقمة العيش "الهنيّة"، مُسْتَغِلّين ضُعْفَ الآخرين، مُفَضّلين القوّة على اللّطْفِ، والخُبْث على الشّفافيّة في التّعامل، والتّجْريح بالمُسْتَضْعَفين، وتَحْقير مواهبهم وقدراتهم بدل احترامهم وتقدير ملكاتهم وتشجيعهم بالتّحْفيز والحُلْوُ مِنَ العِبارات...أفلا نكون بذلك قد ساهمنا في موتهم وهم لا يزالون أحْياء؟!


هلمّوا اليوم كي نختار ال:
• لا للخوف من موت الجّسَد والتّقَوقُع في قبر الذّات.
• لا للحَسد والبُغض...
• لا لإسْفَاف الغير وتحقيرهم أو الإزدراء بكلّ ما لديهم.
• لا لِلْفَصْل والإنْفِصال عن الآب.
• و
• نعم للحياة والتّحرّر من أغْلالِ المَوت بسبب الأنانيّة.
• نعم للحبّ والعطاء، والصّفح والغفران والتّسامح واستقامة الضّمير.
• نعم للإتّحاد بالآب والصّلاة والتأمّل.
• نعم للسّعادة الحقيقيّة في حضن أبي إلى الأبد.

 

المقدّمة والصلاة وأفكار من الرسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الإكليريكي فؤاد فهد
fouad.fahed@hotmail.com

 

التأمّل الروحي
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
Jamileh.daher@hotmail.com