زمن الصوم
أحد شفاء الأبرص
(21 شباط 2010)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مقدّمة :::

في هذا الأسبوع الثاني من الصوم نسمع الرب يسوع يقول للابرص : أطهر (مر1 : 40) وذلك بعدما توسّل إليه. فالربّ يحقّق لنا إرادتنا متى توافقت مع إرادته. لذا، علينا نحن السائرين في مسيرة الصوم، أن نسأل ذواتنا: ماذا نريد؟ وهل سيمرّ الصّوم مرور الكرام لنعود بعده إلى ما كنّا عليه في السابق؟


فالله خلق الانسان على صورته ومثاله وأعطاه الحرّية الكاملة ودعاه ليكون كاملاً كما الله وجعل من جسده مسكن الروح القدس (1 كور3: 16). فهل سنجعله مسكناً للخطيئة وللشهوات ويغرد كل منّا على ليلاه ونعيش في عزلةٍ عن إخوتنا متمسّكين ببرصنا (أي خطيئتنا، أنانيّتنا ...)؟


ليكن عصر النعم السماوية، من عرس قانا إلى شفاء الابرص ... والتي ترويها لنا أناجيل أسابيع الصوم، عصر عودة إلى الذات ليكتشف كلّ واحدٍ فينا برصه ولنهتف معاً إلى الربّ: أنت الوحيد القادر على أن تبرأنا، آمين.

 

::: صلاة :::

في أحد شفاء الأبرص، نصلّي على نيّة جميع المهمّشين، خاصة في الدول التي تعاني من الانقسامات والأنانيّة والتسلّط والحروب، في شرقنا وفي العالم كله.
أعطهم يارب أن ألّا يعرفوا الإحباط بل أن يدركوا بأنّهم ضعفاء ببعدهم عنك وأنّهم أقوياء بك وأن يكسروا الحواجز التي تبعدهم عنك، فيقتربوا منك وتكون أنت قوّتهم وعزاءهم وبلسمهم في صعابهم وشدّتهم.
ترأّف يا ربّ أيضاً بفقرائنا ومرضانا المهمّشين على فراش الألم، أعطهم السلام ليقبلوا ألمهم بصبر فيدركوا أنّك أنت الشافي الوحيد، آمين.

 

::: الرسالة :::

12 إِذًا فَلا تَمْلِكَنَّ الـخَطيئَةُ بَعْدُ في جَسَدِكُمُ المَائِت، فَتُطيعُوا شَهَوَاتِهِ.
13 وَلا تَجْعَلُوا أَعْضَاءَكُم سِلاَحَ ظُلْمٍ لِلخَطِيئَة، بَلْ قَرِّبُوا أَنْفُسَكُم للهِ كَأَحْيَاءٍ قَامُوا مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، واجْعَلُوا أَعْضَاءَكُم سِلاحَ بِرٍّ لله.
14 فلا تَتَسَلَّطْ عَلَيْكُمُ الـخَطِيئَة، لأَنَّكُم لَسْتُم في حُكْمِ الشَّرِيعَةِ بَلْ في حُكْمِ النِّعْمَة.
15 فَمَاذَا إِذًا؟ هَلْ نَخْطَأُ لأَنَّنَا لَسْنَا في حُكْمِ الشَّرِيعَة، بَلْ في حُكْمِ النِّعْمَة؟ حَاشَا!
16 أَلا تَعْلَمُونَ أَنَّكُم عِنْدَمَا تَجْعَلُونَ أَنْفُسَكُم عَبيدًا لأَحَدٍ فَتُطيعُونَهُ، تَكُونُونَ عَبيدًا للَّذي تُطيعُونَه: إِمَّا عَبيدًا لِلخَطِيئَةِ الَّتي تَؤُولُ إِلى الـمَوت، وإِمَّا لِلطَّاعَةِ الَّتي تَؤُولُ إِلى البِرّ.
17 فَشُكْرًا للهِ لأَنَّكُم بَعْدَمَا كُنْتُم عَبيدَ الـخَطيئَة، أَطَعْتُم مِنْ كُلِّ قَلْبِكُم مِثَالَ التَّعْلِيمِ الَّذي سُلِّمْتُمْ إِلَيْه.
18 وَبَعْدَ أَنْ حُرِّرْتُم مِنَ الـخَطِيئَة، صِرْتُم عَبيدًا لِلبِرّ.
19 وأَقُولُ قَوْلاً بَشَرِيًّا مُرَاعَاةً لِضُعْفِكُم: فَكَمَا جَعَلْتُم أَعْضَاءَكُم عَبيدًا لِلنَّجَاسَةِ وَالإِثْمِ في سَبِيلِ الإِثْم، كَذـلِكَ اجْعَلُوا الآنَ أَعْضَاءَكُم عَبيدًا لَلبِرِّ في سَبيلِ القَدَاسَة.
20 فَلَمَّا كُنْتُم عَبيدَ الـخَطِيئَة، كُنْتُم أَحْرَارًا مِنَ البِرّ.
21 فأَيَّ ثَمَرٍ جَنَيْتُم حِينَئِذٍ مِنْ تِلْكَ الأُمُورِ الَّتي تَسْتَحُونَ مِنْهَا الآن؟ فإِنَّ عَاقِبَتَهَا الـمَوْت.
22 أَمَّا الآن، وقَدْ صِرْتُم أَحراَرًا مِنَ الـخَطِيئَةِ وعَبيدًا لله، فإِنَّكُم تَجْنُونَ ثَمَرًا لِلقَدَاسَة، وعَاقِبَتُهَا الـحَيَاةُ الأَبَدِيَّة.
23 لأَنَّ أُجْرَةَ الـخَطِيئَةِ هِيَ الـمَوت. أَمَّا مَوْهِبَةُ اللهِ فَهيَ الـحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ في الـمَسيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.
(روم6 \12-23)

 

::: أفكار من الرسالة :::

إلى ألفي سنة خلت، فإنّ محتواها يجعلنا نشعر بأنّ مار بولس يتوجّه إلينا اليوم بألم ووجع .
- فالخطيئة لم تترك العالم يوماً من آدم حتى اليوم وهي ظاهرة بقوة اليوم اكثر مما كانت عليه في خضم عصر الوثنية .
- يذكّر مار بولس بأنّه لا يجب أن تملك الخطيئة على الجسد المائت. فما هو الموت؟ أليس هو حدّ ما بين زمنين؟ فهناك فترة من الجهاد والنضال على هذه الأرض ولكنّها ستكون محدودة و قصيرة، إذا ما قيست بالفترة التي لا تقاس بزمان، أي في الأبديّة. لهذا فليضحّي المرء بالقليل ليحصل على الكثير ولو كلّف الأمر بأن يعمل المرء بجهدٍ وأن يُمات مرات عديدة في اليوم، حتّى إذا ما انتهت فترة الجهاد وفاز المجاهد بالظفر، كان له إكليل الغار في الحياة الأبدية واللقاء الفرح مع الرب.
- هناك إله واحدٌ وملكٌ واحدٌ هو الله والملكيّة حكرٌ لهوليست للخطيئة. فليس باستطاعة الإنسان عبادة ربّين. فلا يكمن أن يصير البطن إلهاً ولا العرش ولا المال ولا الجاه ولا الجنس ولا إلى ما هنالك مما يصوّر من آلهةٍ زائفة.
- الجسد المائت، إمّا أن يموت إلى الأبد أو أن يقوم و يحيا إلى الأبد. فالله جعله للصلاح وليكون مسكناً للرّوح القدس، لا ليكون سلعة رخيصةً في موجة عارمة من الانفلات الخلقي... وهذا ما نراه يدخل بيوتنا دون استئذان عبر الإعلام المرئي وعبر الإعلانات... حيث تسوَّقُ الخطيئة كثمرةٍ طيّبةٍ، يجب الاستمتاع بها كما تفصّح أحد المعلنين عن إحدى السلع حين قال إنّها لذيذةٌ كالخطيئة! أضف إلى ذلك ما يعرضُ من مسلسلات وبرامج تلفزيونية وسينمائية تنقل فهماً مغايراً لما فهمناه إذ لا قيم ولا استقلالية السيطرة هي للغرائز الحيوانية.
- خلاصة القول هي في ما كتبه أحد آباء الكنيسة: "ما دامت الخطية موجودة في اعضائك فلا تجعل لها سلطان لتملك عليك وعلى الأقلّ لا تطع متطلباتها".

 

::: الإنجيل :::

35 وقَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْر، فخَرَجَ وذَهَبَ إِلى مَكَانٍ قَفْر، وأَخَذَ يُصَلِّي هُنَاك.
36 ولَحِقَ بِهِ سِمْعَانُ وَالَّذين مَعَهُ،
37 ووَجَدُوهُ فَقَالُوا لَهُ: "أَلْجَمِيعُ يَطْلُبُونَكَ".
38 فقَالَ لَهُم: "لِنَذْهَبْ إِلى مَكَانٍ آخَر، إِلى القُرَى الـمُجَاوِرَة، لأُبَشِّرَ هُنَاكَ أَيْضًا، فَإِنِّي لِهـذَا خَرَجْتُ".
39 وسَارَ في كُلِّ الـجَلِيل، وهُوَ يَكْرِزُ في مَجَامِعِهِم وَيَطْرُدُ الشَّيَاطِين.
40 وأَتَاهُ أَبْرَصُ يَتَوَسَّلُ إِلَيْه، فجَثَا وقَالَ لَهُ: "إِنْ شِئْتَ فَأَنْتَ قَادِرٌ أَنْ تُطَهِّرَنِي!".
41 فتَحَنَّنَ يَسُوعُ ومَدَّ يَدَهُ ولَمَسَهُ وقَالَ لَهُ: "قَدْ شِئْتُ، فَاطْهُرْ!".
42 وفي الـحَالِ زَالَ عَنْهُ البَرَص، فَطَهُرَ.
43 فَانْتَهَرَهُ يَسُوعُ وصَرَفَهُ حَالاً،
44 وقالَ لَهُ: "أُنْظُرْ، لا تُخْبِرْ أَحَدًا بِشَيء، بَلِ اذْهَبْ وَأَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِن، وَقَدِّمْ عَنْ طُهْرِكَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى، شَهَادَةً لَهُم".
45 أَمَّا هُوَ فَخَرَجَ وبَدَأَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ ويُذِيعُ الـخَبَر، حَتَّى إِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَعُدْ قَادِرًا أَنْ يَدْخُلَ إِلى مَدِينَةٍ عَلانِيَة، بَلْ كانَ يُقِيمُ في الـخَارِج، في أَمَاكِنَ مُقْفِرَة، وكانَ النَّاسُ يَأْتُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَكَان.

(مر 1/35-45)

 

::: أفكار على ضوء والإنجيل :::

في الأحد الثاني من الصوم، تضع الكنيسة المارونية نصاً انجيلياً يتكلم عن شفاء السيد المسيح للأبرص.
كان الأبرص يعتبرُ ميّتاً من وجهة النظر الاجتماعيّة، إذ كان يُفصَلُ عن الجماعة نظراً لطبيعة مرضه المعدية.وبكونه على شفير الموت الجسدي طبياً، خاصّةً متى أصبح في مرحلةٍ متقدّمةٍ من المرض. ولا شكّ أيضاً بأنّه لم يكن ليُحسَدَ على حالته النفسية بكونه مهمّشاً، منبوذاً ومتروكاً ينتظر ليلفظَ الرّوح .


فقديماً، كان يعتبر المرض عقاباً على الخطيئة. فمرض البرص والأمراض التي كانت تتطلّب الحجر الصحي والانفصال عن الجماعة، كانت تعتبر عقاباً للخاطئ الّذي يجب أن ينفصل عن الجماعة بكون خطئه، غير موجّهٍ فقط ضد الله بل ضد الجماعة أيضاً، إذ يشكّل مرضه المعدي خطراً على حياة الجماعة.


في هذا عبرةٌ صالحة لليوم إذا ما اعتبرنا أن الخطيئة تشكّل خطراً على حياة الإنسان وعلى حياة الجماعة دون أن يؤدّي ذلك بنا إلى إدانة الخاطئ! فالخطيئة هي ما يجب اسئصاله أمّا الخاطئ فيكفي أن يدرك ما ارتكب ومضارّه ليتوب عنه لله ولمن خطئ تجاهه وهو فردٌ أو مجموعة. لذا، في القرون الغابرة، كنّا نجد أنّ اعتراف الخاطئ يتمّ أمام الجماعة والكاهن مجتمعين.


وهذا ما فعله الأبرص الّذي عرف داءه وما لبث أن عرف دواءه فكان له الجرأة والايمان بأنه سيلقى الاهتمام اللازم من إله الفقراء والمهمّشين والمضنوكين والمتعبين .
فإن كان الأبرص قد عرف مرضه فهل نحن نعرف أمراضنا الرّوحيّة والعائليّة والاجتماعيّة، ...؟ وهل نسعى لكشف الداء والدواء؟
وإن كان الأبرص قد تجرّأ على كسر عقدة العزلة فهل نجرؤ نحن على أن نترك عزلتنا لنلاقي ربّنا والآخرين؟ أم سنبقى على كبريائنا وتعنّتنا؟
إن الحبّ الذي أحبّنا إيّاه المسيح جعله يتحمل وزر برصنا وخطيئتنا وهو الوحيد المنزه عن الخطيئة. فكما تخلى الناس عن هذا الأبرص وتركوه، سنرى المسيح، على خشبة الصليب، متروكاً لدرجة الصراخ: "إلهي إلهي لماذا تركتني". وما كلّ ذلك إلّا ليردّنا إلى طبعنا الأول ويصالحنا مع الاب ومع الجماعة. لهذا نردد "أخذت ما لنا ووهبتنا ما لك".


أخيراً، إن تعب أحدنا، وشعر بمرضه، فلا يترددنّ في دخوله المستشفى الروحي الّذي هي سرّ التوبة والمصالحة والاعتراف فيكشف عن ضعفه وبرصه للمرشد او المعرّف ليأخذ الوصفة الروحيّة والحلّة التي يعطيها الأخير باسم المسيح وبهذا يتعافى فيتصالح مع ربّه ونفسه وإخوته كما صالحنا المسيح على الصليب عامودياً مع الاب وأفقياً مع الإخوة.

 

::: تأمّل روحي :::

 

إن شئنا... شاء!

 

هناك في القفر، في صمت الصحراء المُجدِبة، حيث لا تُسْمَع إلاّ الريح إن عصفت، ولا يُرى أخضرٌ ولا حتّى يباسٌ، هناك قُرِعَت أجراس أبرصٍ نُفِيَ إلى جزيرة "الموت البطيءِ"، لأنّهم حَسبوه نجسًا وملعونًا من الله بسبب خطاياه، فسلبوه الكرامة، وطمروا حقّه في العيش، في تراب القفر، وحجبوا عنه رؤية أيّ حبيب، ونظرة كلّ حنونٍ تُعزّيه في شدّته، وبسمة قريبٍ تُشْعِره بقيمته كإنسانٍ محبوب...
لقد حرموه الحياة وهَنِؤا بوسائد الراحة. قتلوه حيًا وفرحوا.
ما أقسى ذلك المجتمع الّذي يأخذ مكان الله، ويقصيه كي يتمادى في إبرام الأحكام، ويتجلْبَبْ بعباءات القضاة الظالمين، متأبّطين حقائب العدالة والرحمة، معتصرين إيّاها بين "راحتيّ" الأذرع وقساوة القلب، متمسّكين بها مقفلةً لئلأّ تفلت منها الحرّية والكرامة إن فُتِحَت، فتهتزّ معادلاتهم وراحة بالهم المتزمّتة...


مِن ذلك الصمتِ، نادى الأبرص يسوع بحرارةٍ، وشوقٍ إلى الحياة، جاثيًا على ركبتيه أمام عظمته، معترفًا بمشيئته وقدرته ("آ:40 إن شئت..."). ودون أن يًدرك،لم يُرِدْ، في أعماقه يسوع البشريّ، بل الله في أقنوم الإبن، كي يَرُدَّ له حرّيته الإنسانيّة – فالبشر قد خذلوه – فبادره يسوع بفعلين قبل أن يتكلّم: مَدَّ يده، ولَمَسَه.
أَلَمْ يكن قادرًا على شفائه بالكلام فقط؟
هو الكلّي القدرة، يستطيع أن يفعل ما يشاء، لكن، ألَمْ تكن تلك رسالة للإنسانيّة جمعاء؟
لقد أراد منّا الوثوق بأنّ القداسة تنتقل إلى الآخر عبر الإيمان والأعمال، كالعدوى (لَم يخَفْ ملامسة الأبرص)، لأنّها هي الأقوى، هي وحدها القادرة أن تطهّر الإنسان من أمراض البرص المعاصرِ المتنوّعِ والخطيرِ الّذي يَفْتِكُ بنفوسنا، بل بكياننا كلّه.
لقد فتح أعيننا على فهم الشريعة التي اُعْطِيت لخدمة الإنسان وليس العكس، وإلاّ حجّرت قلوبنا وقتلتنا، مؤكّدًا لنا أنّ كلّا منّا هو محورُ اهتمام الله، وفرحه وكرامته هما غايته.
لقد كشف ذاته من خلالنا وفينا، بصمت. في لمسته للأبرص وشفائه، علّمنا الجرأة والثقة في لَمْسِ وجَعِ مَن حولنا، ومحاكاة أَلَمهِم، بإيمان الأبناء القادرين على الشفاء بقدرة العليّ، ومَدّهم بالعون، بقدر ما اُعْطينا، كي نعيد لهم رجاءً فقدوه، ومكانةً أو اعتبارًا أُقْصوا عنهما ضمن جماعةٍ أو في مجتمعٍ أو مؤسّسة أو...


ونحن، هل تعلّمنا كيف نتواصل مع الإنسان كقيمةٍ بحدّ ذاته، لا كوسيلة؟ هل بدأنا نساوي الآخر بأنفسنا، ذاك الّذي حُرِم، قسرًا أو عمدًا، من التحصيل العلميّ أو المركز الإجتماعيّ أو ...؟
ما هي نظرتنا إلى إلى الإجهاض، حتّى ولو كان الجنين معاقًا؟ إلى عدم توظيف المعاقين المنتجين؟ ماذا عن استغلال الخدم والخادمات...؟ ماذا عن كلّ تلك القوانين التّي نشرّعها تحت شعار" من أجل مجتمعٍ حرٍّ متطوّر؟"
نقتل الجنين في الرحم ونَهْنَأ بنومِ أصحاب الشريعة. نقتل الحبّ ونسلب الآخر قيمته السامية ونَسْتَطيبُ فِعْلَتَنا. نقتل المرأة في الفتاة المغلوب على أمرها، ولا يرفّ لنا جفنٌ، ثمّ نفتخر بأمانتنا على الحرّية المزعومة، كأمانة " مختاريّ العهد القديم" في رَجْمِ الزانية!
اليوم باتت مجتمعاتنا تختنق في الإنحطاط واستهلاك كلّ ما تقع عليه اليد. حتّى الجسد بتنا نستهلكه أو نعرضه للإستهلاك...! لقد بات السجود يؤدّى إلى آلهة الذاتيّة الأحاديّةِ بدَلَ السجود للإله الواحد والأوحد، الّذي فيه كلّ الكمال والحبّ الأعظم.


إلى أين نحن ماضون؟ ألَمْ يحِنِ الوقت كي نبرأ من برصنا ونستعيد قيمتنا الحقيقيّة؟

 

::: قراءة خاصّة بزمن الصوم :::


إرشاد بشأن الصوم
بحسب مار أفرام السرياني

 

لقد عادت أيام الصوم المباركة، أيام طهارة الجسد، ونقاوة القلب. إنه صوم يستحقّ العناء والتّعب، إنه زمنٌ تُقبل فيه الطِلبات والتضرّعات، ويقول القديس بولس: هوذا الآن يوم الخلاص والزمن المقبول (2كورنتس6/2).
وأيام الصوم، أيها الأحبّاء هي أيام جهاد، من أجل إعلاء الروح على الجسد، ولمكافحة الشرور والتجارب. لأنه ما من أحد يقدر أن يقهر الشرّير من دون معونة الله ومن دون الصوم والصلاة. فلنكمّل صومنا بمحبّة وقداسة، ولنصلِّ بحرارة وإيمان، وليكون هذا الصوم مقبولاً أمام الله الكلّي الرحمة والحنان.

 

إننا بصومنا نُشابه الملائكة، فهم لا يأكلون ولا يشربون، إنما هم دوماً في حضرة ربّهم يُنشدون ويُسبّحون، منتظرين أوامره. إن الله يرضى عن الصوم، لأنه يرى فيه مناسبةً لتقديسنا، وتقدّمنا الروحي، خاصّةً، إذا ما عمِلناه بمحبّة وتواضع، وإذا ما أتممناه بتوبة صادقة.
لقد صام قديماً الأنبياء، ومنهم موسى، إيليا ودانيال، واستحقّوا معاينة الله ونيل بركاته. وصام سيّدنا وربّنا يسوع المسيح أربعين يوماً بلا طعام ولا شراب.
وصام من بعده، الرُّسل الأطهار والتلاميذ والآباء (أباء الكنيسة) والمبشّرون، وأبناء الكنيسة الأتقياء. وعلّمنا الرب يسوع أن القداسة، لا تقوم إلا بالجهاد والصّبر في مقاومة الشرّير وتجاربه، وخاصة بالصلاة والصوم. هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم (مرقس9/29)
وبما أن حرب الشرّير ترتكز على الجسد أي أنه يحاربنا من خلال شهوات أجسادنا غير المقدّسة مثل: الكبرياء، البخل، الغضب، الشراهة، الحسد، الكسل والفساد، هذه هي الخطايا السبع الرئيسيّة ومنها يتفرّع باقي الخطايا. لهذا فإن حربنا المضادة، هدفها أيضاً هو الجسد ذاته، به نحارب الشيطان في عقر داره.

وذلك من خلال الصوم والصلاة والإماتات والتقشّفات، لتتم السيطرة على هذا الجسد، ومنعه من التحكّم فينا. لأن الشرّير يتدخّل في حياة ومصير كلّ واحد منّا، من خلال هذه النواقص والضُّعفات التي تتحكّم بمشاعرنا وقراراتنا، ليجرّنا إلى الخطيئة، ومن ثم ليبعدنا عن الله.
وبعد أن نتمكّن من السيطرة على أهواء الجسد، يسهل علينا قيادتها إلى طاعة وصايا الله، ولعمل خلاصنا الأبدي.


أيها الأحبّاء، ليحافظ الرجال والنساء على هذا الصوم المقدّس، بالعفاف والطّهارة، وليحفظوا أنفسهم من كل تجربة، وليخذلوا الشرّير. (أي بعدم السماح له أن يتدخّل في حياتهم).
وليحافظ الشبّان والشابات في هذا الصوم المقدّس على قداستهم، وليكونوا امام الله بلا لوم ولا عيب. وليصُمْ الصوم، كلُّ مَنْ كان قادراً على ذلك، إلا الذين ابتلوا بالأمراض، أو الذين يقبل الرّب أعذارهم.
ليصُم الأغنياء وليوزّعوا قَدْرَ طاقتهم من الحسنات على المُعْوَزين. وليصُم الفقراء وليكتفوا بما لديهم، ليصلّوا إلى الله ليسدّ احتياجهم.
وليصُم اليتامى طالبين من الله أن يكون لهم أباً وراحماً. ولتُصلِّ الأرامل طالبات من السيّد المسيح إعالتهنَّ وحفظهنَّ.
ما أعظمك أيها الصيام! وطوبى لمن يكمّلك كما يجب، وأن يوجَد حسب رغبة قلب الرّب.
لكن مَنْ صام وقلبه ما زال حاقداً على أخيه وغاضباً، فهو مشابهٌ للشّرِه، وصومه أمام سيّده عديم النَّفع.
ومَنْ صام وهو دَنِسْ الشّفتين واليدين، أو زانٍ فهو في عداوة مع الله، ومبغضٌ لخلاص نفسه.
إن لم تسامح فعبثاً تصوم وتصلّي. ولماذا تُتْعِبْ نفسك بالصوم وتُضنيه بالجوع والعطّش؟ فإن لم تُسامح ومن كل قلبك، فأنت في صداقة مع الشرّير، وفي عداوة مع الله.

 

فلنَصْرِفْ أيها الأحبّاء الصّوم بنشاط وتوبة حقيقيّة، حتى لا يكون في أجسادنا أي رِجْس(قباحة). واحذروا النّميمة والفتنة، ومجّدوا الله دائماً، واشكروا على كل شيء. لا تأخذكم الكبرياء، ولا يستولي عليكم الغرور، بل اتّشحوا بالوداعة والمحبّة والتواضع، وابغضوا مال الحرام (السرقة) وابتعدوا عن الزنى وشهادة الزور.
إن ابن الله ربّنا يسوع، أظهر لنا الطريق المؤدّي إلى الملكوت، فلا نَعْمَلَنَّ إلا الحقّ، لنصل إلى الحياة الأبديّة، لأنه هو الطريق والحق والحياة.
ولتكن توبتنا صادقة، ولنحبّ الصوم والصلاة، والإحسان إلى الفقراء. ولنحبّ بعضنا بعضاً محبّة أخويّة صادقة، فهكذا نتمّم الناموس كلّه. لأن المحبّة هي تمام النّاموس (رومية13/10).
وهكذا يساعدنا الصوم، ويهدينا إلى أبواب التوبة الإلهية، وإلى صداقة الله ومحبّة القريب
.

 

المقدّمة

من إعداد

الخوري نسيم قسطون

nkastoun@idm.net.lb

 

الصلاة وأفكار من الرسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الشدياق جوزيف أنطون

tes_yeux_me_voient@hotmail.com

 

التأمّل الروحي

من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
Jamileh.daher@hotmail.com

 

قراءة خاصّة لزمن الصوم

من إعداد

الخوري منير حاكمه