زمن الصوم
أحد شفاء المنزوفة
(28 شباط 2009)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مقدّمة :::

في الأحد الثالث من الصوم تدعونا أمّنا الكنيسة للتأمّل في أعجوبة شفاء النازفة، والنزف مرضٌ لا يقلّ خطراً عن البرص (الأحد الثاني)، فالدم بالنسبة للبيئة والتقليد السائدين آنذاك هو الحياة، وبالتالي نزف الدم هو نزفٌ للحياة التي تفقد ببطءٍ، وبفقدانها تنجّس صاحبها وكلّ ما يلمسه أو من يلمسه من أشياء أو أشخاص.
هذه النازفة آمنت ليس بكلام الرب فحسب بل أكثر من ذلك بأنّ لمسة منه قادرةٌ على شفائها واستطاعت أن تقتنص الحدث وتسلط الأضواء عليها، فكان من المفترض أن يكون الحدث هو شفاء ابنة يائيروس، رئيس المجمع، على قدر ما كان للأخير من مكانةٍ، ولكن جاءت النازفة المنبوذة لتأخذ الشفاء والحدث بعدما استنفذت كلّ العلاجات البشريّة الممكنة.
ليكن تأمّلنا في نصّي الرّسالة والإنجيل اليوم حافزاً لنا لنقول للرب: "لمسةٌ منك يل ربّ قادرة على كلّ شيء فأنت الأوّل والأخير في حياتنا". فإن كان هذا إيماننا، فالربّ واقفٌ على الباب ينتظر، يقرع، ليس فقط ليلمسنا بل ليدخل إلى قلبنا وفكرنا، وهو ينتظرنا في الإفخارستيا أيضاً ليعطينا جسده ودمه وفي كلمة الحياة في الكتاب المقدّس.
يبقى علينا أن نختار كيف نريد نحن أن نلمسه؟!

 

::: صلاة :::

"إيمانُكِ خَلَّصَكِ، إِذهَبي بِسَلام".
يا ربّ، صلاتنا في هذا الأحد هي على نية جميع الّذين فقدوا الايمان و الرجاء وأوغلّوا في اليأس والإحباط، خاصّةً جميع الّذين يحملون بأجسادهم أمراضاً مستعصية، حتى تجددهم بقوتك وتعطيهم الرجاء، وتكون لمستك بحياتهم فتضع الفرح والبلسم لكلّ آلامهم النفسيّة والجسديّة، أنت السامع والشافي الوحيد.
ونصلّي أيضاً على نيّة المؤمنين لتثبيت الإيمان وزيادة الرجاء وليكونوا فعلة خير في العالم الذي يتوق إليك وإلى سلامك، يا من تحيا وتملك إلى أبد الآبدين، آمين.

 

::: الرسالة :::

4 إِنَّ لي عَلَيْكُم دَالَّةً كَبِيرَة، ولي بِكُم فَخْرًا عَظِيمًا. وَلَقَدِ امْتَلأَتُ تَعْزِيَة، وأَنَا أَفِيضُ فَرَحًا في ضِيقِنَا كُلِّهِ.
5 فإِنَّنَا لَمَّا وَصَلْنَا إِلى مَقْدَونِيَة، لَمْ يَكُنْ لِجَسَدِنَا شَيءٌ مِنَ الرَّاحَة، بَلْ كُنَّا مُتَضَايِقِينَ في كُلِّ شَيء، صِرَاعٌ مِنَ الـخَارِج، وخَوفٌ مِنَ الدَّاخِل!
6 لـكِنَّ اللهَ الَّذي يُعَزِّي الـمُتَوَاضِعِينَ عَزَّانا بِمَجِيءِ طِيْطُس،
7 لا بِمَجِيئِهِ فَحَسْب، بَلْ أَيْضًا بِالتَّعْزِيَةِ الَّتي تَعَزَّاهَا بِكُم. وقَدْ أَخْبَرَنَا بِاشْتِيَاقِكُم إِلَيْنَا، وحُزْنِكُم، وغَيْرَتِكُم عَلَيَّ، حَتَّى إِنِّي ازْدَدْتُ فَرَحًا.
8 و إِذَا كُنْتُ قَدْ أَحْزَنْتُكُم بِرِسَالتِي فَلَسْتُ نَادِمًا عَلى ذلِكَ، معَ أَنَّنِي كُنْتُ قَدْ نَدِمْتُ، لأَنِّي أَرَى أَنَّ تِلْكَ الرِّسَالَة، ولَوْ أَحْزَنَتْكُم إِلى حِين،
9 قَدْ سَبَّبَتْ لي فَرَحًا كَثِيرًا، لا لأَنَّكُم حَزِنْتُم، بَلْ لأَنَّ حُزْنَكُم أَدَّى بِكُم إِلى التَّوبَة. فَقَدْ حَزِنْتُم حُزْنًا مُرْضِيًا لله، كَيْ لا تَخْسَرُوا بِسَبَبِنَا في أَيِّ شَيء؛
10 لأَنَّ الـحُزْنَ الـمُرْضِيَ للهِ يَصْنَعُ تَوْبَةً لِلخَلاصِ لا نَدَمَ عَلَيْهَا، أَمَّا حُزْنُ العَالَمِ فَيَصْنَعُ مَوْتًا.
11 فَانْظُرُوا حُزْنَكُم هـذَا الـمُرْضِيَ للهِ كَم أَنْشَأَ فِيكُم مِنَ الاِجْتِهَاد، بَلْ مِنَ الاِعْتِذَار، بَلْ مِنَ الاِسْتِنْكَار، بَلْ مِنَ الـخَوْف، بَلْ مِنَ الشَّوْق، بَلْ مِنَ الغَيْرَة، بَلْ مِنَ الإِصْرَارِ عَلى العِقَاب! وقَدْ أَظْهَرْتُم أَنْفُسَكُم في كُلِّ ذـلِكَ أَنَّكُم أَبْرِيَاءُ مِنَ هـذَا الأَمْر.
(2قور7 \4-11)

 

::: أفكار من الرسالة :::

في الرسالة الثّانية إلى أهل كورنتوس، نرى الرّسول بولس فرحاً وفخوراً وقلبه فائضٌ بالعزاء.


ولكن هذا الفرح ليس هو نفسه ما يشعر به القائد العسكري او الزعيم السياسي إن تربّع على عرشٍ أو منصّةٍ أو ربح معركةً أو الطبيب إن أجرى عمليّة جراحيّة ناجحةً... فالوضع هنا مختلف:
ـ كان بولس يعيش في الشدّة، ويعاني التّعب، ويجاهد وسط الإضطهاد.
ـ لم يعمل بولس لذاته، لقضيّة شخصيّة، بل عمل للمسيح وبالتالي للكنيسة التي كان على استعدادٍ أن يبذل نفسه من أجلها كما فعل المسيح، إذ لم يكن يريد شيئاً لذاته، بل اعتبر نفسه سفيراً للمسيح الّذي هو مصدر قوّته، ولهذا كان مستعدّاً لكلّ أنواع العذاب والجهاد والتعب بفرحٍ إذ ما من تلميذٍ أفضل من معلّمه.
ـ ما أجمل التعب عندما يأتي بالثمار الجيدة فكم بالحريّ عندما تكون هذه الثمار هي العمل بمشيئة الرب ونيل الخلاص.
ـ ولكن مهما حصل فما يهمّ مار بولس هو أن يصل إلى مبتغاه، لذا فهو جريء يضع النقاط على الحروف في التأنيب والتنبيه والارشاد: الحزن في سبيل الله يصنع ندامة ثابتة ويعيد الحياة وحزن العالم يصنع موتاً والربّ لا يريد موت الخاطئ بل أن يتوب ويعود الى الله عودة راضية مرضيّة .


إن كان بولس تصرّف هكذا مع الكورنثيين وكان عنده الحسّ والجرأة فنجح ولقي فرحه رغم الشدّة، ليس لأنه تكلذم كلاماً عبثياً ليقول الناس إنّه تكلم بل لأنه أعطى وهو يتكلم، تكلّم ليس للتشهير والذمّ بل للبناء، وكانت كلمته نعم نعم ولا لا .
بولس زرع الثقة بقلوب مؤمني المناطق التي بشرها وشاهدوا بأم العين عمله وجهده وتعبه فاستحق أن يصغوا إلى ما يوصيهم به فأصبحوا عائلة متماسكة.
هل نحن اليوم قادرون على أخذ موقف كبولس على الأقل مع أولادنا، كلّ ضمن عائلته على الأقل؟ اليوم نتوق على الأقل لتحمل مسؤولية العائلة التي أردنا تأسيسها فماذا نفعل لعائلاتنا؟ لمجتمعنا؟
ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان! والتضحية لا يجب أن تكون للخبز الفاني بل للخبز الباقي للحياة الأبدية.

 

::: الإنجيل :::

40 وَلَمَّا عَادَ يَسُوع، اسْتَقْبَلَهُ الـجَمْع، لأَنَّهُم جَميعَهُم كَانُوا يَنْتَظِرُونَهُ.
41 وَإِذَا بِرَجُلٍ اسْمُهُ يَائِيرُس، وكَانَ رَئِيسَ الـمَجْمَع، جَاءَ فارْتَمَى عَلَى قَدَمَي يَسُوع، وَأَخَذَ يَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ،
42 لأَنَّ لَهُ ابْنَةً وَحِيدَة، عُمْرُها نُحْوُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَة، قَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى الـمَوْت. وفِيمَا هُوَ ذَاهِب، كانَ الـجُمُوعُ يَزْحَمُونَهُ.
43 وَكانَتِ امْرَأَةٌ مُصَابَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَة، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَشْفِيَهَا.
44 دَنَتْ مِنْ وَرَاءِ يَسُوع، وَلَمَسَتْ طَرَفَ رِدَائِهِ، وَفَجأَةً وَقَفَ نَزْفُ دَمِهَا.
45 فَقَالَ يَسُوع: "مَنْ لَمَسَنِي؟". وَأَنْكَرَ الـجَمِيع. فَقَالَ بُطْرُسُ وَمَنْ مَعَهُ: "يا مُعَلِّم، إِنَّ الـجُمُوعَ يَزْحَمُونَكَ وَيُضَايِقُونَكَ!".
46 فَقَالَ يَسُوع: "إِنَّ واحِدًا قَدْ لَمَسَنِي! فَإنِّي عَرَفْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي!".
47 وَرَأَتِ الـمَرْأَةُ أَنَّ أَمْرَها لَمْ يَخْفَ عَلَيه، فَدَنَتْ مُرْتَعِدَةً وارْتَمَتْ عَلَى قَدَمَيه، وَأَعْلَنَتْ أَمَامَ الشَّعْبِ كُلِّهِ لِماذَا لَمَسَتْهُ، وَكَيْفَ شُفِيَتْ لِلْحَال.
48 فَقَالَ لَهَا يَسُوع: "يا ابْنَتِي، إِيْمَانُكِ خَلَّصَكِ! إِذْهَبِي بِسَلام!".
49 وَفيمَا هُوَ يَتَكَلَّم، وَصَلَ وَاحِدٌ مِنْ دَارِ رَئِيسِ الـمَجْمَعِ يَقُول: "مَاتَتِ ابْنَتُكَ! فَلا تُزْعِجِ الـمُعَلِّم!".
50 وَسَمِعَ يَسوعُ فَأَجَابَهُ: "لا تَخَفْ! يَكْفي أَنْ تُؤْمِنَ فَتَحْيا ابْنَتُكَ!".
51 وَلَمَّا وَصَلَ إِلى البَيْت، لَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ مَعَهُ سِوَى بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبَ وَأَبي الصَّبِيَّةِ وأُمِّهَا.
52 وكَانَ الـجَمِيعُ يَبْكُونَ عَلَيْها وَيَقْرَعُونَ صُدُورَهُم. فَقَال: "لا تَبْكُوا! إِنَّهَا لَمْ تَمُتْ. لـكِنَّهَا نَائِمَة!".
53 فَأَخَذُوا يَضْحَكُونَ مِنْهُ لِعِلْمِهِم بِأَنَّها مَاتَتْ.
54 أَمَّا هُوَ فَأَمْسَكَ بِيَدِها وَنَادَى قاَئِلاً: "أَيَّتُهَا الصَّبِيَّة، قُومِي!".
55 فَعَادَتْ رُوحُهَا إِلَيْهَا، وَفَجْأَةً نَهَضَتْ. ثُمَّ أَمَرَ بِأَنْ يُطْعِمُوهَا.
56 فَدَهِشَ أَبَوَاها، وَأَوْصَاهُمَا يَسُوعُ أَلاَّ يُخْبِرَا أَحَدًا بِمَا حَدَث.

(لو 8/40-56)

 

::: أفكار على ضوء والإنجيل :::

يسوع المسيح الّذي يعطي دون مكيال ودون استحقاق لا يريد أن يبقى هذا العطاء مدفوناً. فهذا العطاء بحدّ ذاته هو وزنةٌ مدعوٌ من وُهِبَها للمتاجرة بها جهراً امام الناس ليتمجد وليثبت رسالته ويتمجد من أرسله "فيمجدوا أباكم الذي في السماوات ".
بالمجال ذاته، المرأة أخذت ما لها من طرف رداء السيّد الّذي لم يرضى أن تبقى كما كانت!
هو لا يريدها أن تأخذ شفاءها وتبقى معزولةً لذا أدار وجهه إليها وبذلك بنى علاقه ثقة معها أما م الجموع وأثبت رضاه عن عطاءه لها.
عند يسوع "لا خفياً إلا وسيعلن"؛ صحيح أنه حبيب من يريدون قنص الملكوت وسرقته إلا أنّه يريدهم ان يظهروا كلّ شيء للعلن، فهذه فترة الإعلان المسيحاني وفترة إعلان مجده التي بدأت بعرس قانا (وأعلن مجده وآمن به تلاميذه).
يسوع يريد أن ينتشر مجده في المعمورة كلّها ونصب عينيه الملكوت فهو آتٍ للعالم كلّه وليس لطبقة او لأشخاص معيّنين بل كلّ هؤلاء معنيّون باكتمال هذا الملكوت ...
الأنظار كانت متّجهةً نحو ابنة يائيروس والناس يزاحمون المسيح ويعيقون تقدمه باتجاه المنزل وبالتالي يعيقون ويؤخّرون وصوله لرؤية ابنة رئيس المجمع. ولكن لا مشكلة لدى الربّ بين أن يكون يسوع الشافي من المرض أو أن يكون معطي الحياة ومحيي الموتى كما حصل مع ليعازر وإن كان بشفاء النازفة أيضاً قد أعطاها الحياة.


وكما يسوع تعرقل وصوله وتقدّمه نحو بيت يائيروس، كذلك نحن نعاني أحياناً في زحمة الحياة ممن يعيق تقدّمنا باتجاهه، وهؤلاء بالغالب يمونون ممن يضعون العثار والشكوك في طريق الإخوة ويمكن أن يكونوا من المقرّبين أو حتى القيّمين او الجيران أو ممن نلتقي بهم. فهل هذا سببٌ كافٍ لتغيير الطريق أو تبديلها؟


لقد حدّد يسوع متطلّبات وجودنا في هذا العالم قائلاً: "أنتم في العالم ولستم من العالم".
هذا يتطلّب خطوة شجاعة مصيرية نعترف فيها بأنّنا موتى وبأنّنا ننزف على دروب الحياة: في نزف الحبّ الأخويّ، في نزف المسؤوليات العائلية، في نزف في العلاقات الاجتماعيّة، إضافة إلى الإفراط في الحرية والانفتاح على ثقافات مختلفة وما ينتج عنها من خلقيّات حديثة تجعل من الانسان رقماً وهو يجب أن يعيش طالما هو قادرٌ على الإنتاج بينما يجب التخلص منه حين يخفّ عطاؤه!
أضف إلى ذلك كم من الناس، وفي كثير من الأوقات، يساهمون في حجب الحياة عنهم، من خلال عدم تلبية حاجتهم إلى الأدوية المزمنة أو إلى الطعام...


فلنتمثل إذاً بالمسيح الذي أعطى ووهب الحياة ولكن أعاد لها كرامتها فهل نساهم في الحفاظ على كرامات الناس وبنائهم؟

 

::: تأمّل روحي :::

 

كلّنا ننزف

ذكرٌ وأنثى خلقهما، جاعلاً المرأة أمًّا للحياة، بشراكةِ حبّ سامية، مقدّسة. هذه المرأة الّتي من أجلها "يترك الرجل أباه وأمّه ويلازمُها، فيصبحان جسدًا واحدًا"، هذا السند ومَكْمن العواطف، ولولب الحركة المتنامية في المنزلِ، بين الأهل والأولاد وفي بين الأقربين والأبعدين؛ مات في النازفة (لو: 8: 40-56).
لقد حُرِمت قسرًا من أن تكون ما يجب أن تكونه من إمرأةٍ مكتملة، وعروسةً لرجلٍ بحسب قوانين الطّبيعة.
إمرأة ليست بامرأة، باتت تخجل وتتألّم بصمتٍ وما من أحدٍ يدري بنزاعها اليوميّ... لقد سُلِبَت حقّها الطبيعيّ في أن تحيا وتعطي الحياة، فغرقت في الإحباط وأقْصَت نفسها عن المجتمعِ لئلاّ يُكْتشَفَ أمرها، وتدور الكلمات "تزعق" في الحناجر أغنية الموت البطيء دون رحمة:" أنظروا المدنّسة، اْنبذوها، لا تَمَسّوها..."
لقد خرجت من دائرة الحبّ المتبادل منذ اثنتيّ عشرة سنة، وراحت تفقد، كلّ يوم، نسمةً من حياةٍ، مع كلّ ورقة متساقطة من وردتها الحمراء الذّابلة انتهت... لقد أضحت جسدًا بلا حياة.
 

في المقلب الثاني من الحدث، فتاة في ربيع العمر وفورة الأنوثةِ وبدءِ النّضجِ، تموت قبل أن تتفتّح فيها المرأة، في سنّ الثانية عشرة. إبنةٌ وحيدة، إبنة أبيها، القائدِ القويّ الذّي عُرِف بِتَعَلّقِه بوحيدته حتّى الثمالة، ابنة العزّ والدّلال والرَّفاهِ ماتت ولم يستطع أن يرْدَّ عنها سوء المَصير.
فتاتانِ توقّفت فيهما حياة المرأة :الأولى بسبب مرضها والثانية بسبب الموت.
 

ويمرّ يسوع في المكان... ويَقْوى نداء الحياة على الإستسلام إلى الموت والتخلّي عن الحقّ فيها! صوت الإيمان داخل المرأة النازفة وَلَّد رجاءً في الشفاء، فاستلَبَته من "المعلّم". لم تجرؤ على النظر في عينيه، ولم تقدر أن تطلب منه آية: "كيف تفعل؟ ألا يُفْتَضَح أمرها؟!" إنّ تلك الرّغبة الصادقة والإيمان المطلق بقدرة يسوع، وهباها الخلاص، وأعاداها صحيحة إلى مجتمعٍ سقيم الفكر، متزمّت الحكم على ذوي بعض الأمراض.
ضعيفة. أتت من خلفٍ ولمسته؟
كانت، لا بل كان مغلوبًا على أمرها. لكنّها آمنت، فشُفِيَت، وفتقوَّت بالذي انتشلها من عارِها، مُعيدًا إليها كلّ ما فقدته، فجاهرت فرحة بشفائها، معترفة بِعِلَّتِها، شاكرة، بأعلى صوتها، الّذي أخرسه الألم والإحباط طوال اثنتيّ عشرة عامًا، شاهدةً على قدرة يسوع، دون إيعازٍ من أحد بل لأنها أحسَّت ذلك في قلبها وأدركته بإيمانها الواعي.
 

أمّا الصبيّة، فأعادها هي أيضًا إلى الحياة كي تنطلق حرّة ناضجة مُطلَقَة القيود في عواطفها الأنثويّة، موحِيًا إلى والدَيْها بإعتاقها من حبّهما القاتل وعدم التهامِها بتملُّكها واستبقائها طفلةً، بل أن يرعياها مهتمَّين بحاجاتها ("أعطوها كي تأكل").
- ونحن، هل نرى أنفسنا في إحداهنّ، أو في "يائير" القائد؟ هل نجرؤ على الاعتراف بما نحن عليه ونبوح بما ينزف داخلنا منذ سنوات؟ هل ندرك أنّ علّة الجسد لا تقاس بقساوة علّة النفس وانعكاساتها السلبيّة؟
- هل نخنق أولادنا بمحبّتنا العمياءِ المكَبِّلةِ حرّيتهم كأبناءٍ لله، لهم شخصيّتهم وحقوقهم؟ هل نحترم أحاسيسهم ونقدّر عواطفهم؟ هل ندرك أنّ في ذلك إرضاء لأنانيّتنا وحباًّ للتَّمَلُّك؟
- كأزواج وزوجات، هل نلاحظ نزف الشريكِ فنسعى إلى المساعدة لا إلى الإستخفاف والإستهجان؟ هل ننكر على الآخر حقّه في العيش سيّد نفسه؟ هل نؤمن بقدسيّة الشّراكة الزوجيّة؟ هل نأخذ، سوّيًا، اليد باليد، ونلمس بصدقٍ وإيمان طرف رداء يسوع كي يشفي نزف علاقتنا الزّوجيّة أو العائليّة؟
- كم من مرّة أدركتنا المحن؟ هل لجأنا إلى الكتاب المقدّس وتسلّحنا بالكلمة، جاثين بتواضعٍ وخشوعٍ أمام الصليب راجين الخلاص؟ هل تذكّرنا أمُّ ذاك الطبيب، الشفيعة الحاضرة؟


تأمّل بذاك الّذي يلامس جراحك كي يشفيك: السّاكِنُ في قلبك... ينتظر!

 

::: قراءة خاصّة بزمن الصوم :::

 

آراء في الصوم

- الصوم هو أكبر مساعد لإخماد شهوات الجسد.
- الجوع يذلّ الجسد ويُضعفه، أما الشّراهة فتقوّيه وتجعله متسلّطاً.
- أنت في صومك، أشبه بملاك في حضرة الله (الملاك لا يأكل)
- الصوم النابع من القلب، والمتناسب مع رغبة الله، هو أكبر محارب للشرّير. (لأنك رفضت أن تماشيه بإرضاء شهواتك)
- إن كنت مريضاً، أو ضعيفاً، غير قادر على الصيام لسبب ما (يمكن لله أن يقبله منك). فلا تستسلم للرفاهية واللّذة والسكر وغيرها، ولا تكن ضعيفاً أو مريضاً على صعيد الروح، ولا كسولاً في أعمال الخير والمحبّة، وفي الصلوات والمطالعات.
- أزجر الشرّير، ولا تأخذ (بأفكاره وأقواله) أي بعروضاته، وتمسّك بما في الكتاب المقدّس، واتبع القداسة والقناعة والاعتدال.
- ما الفائدة من الأسوار، والأبواب إن بقيت مشرّعة؟ هكذا إن لم تسيطر على باب فمك (الشّراهة) وإن لم تنظّم أوقات طعامك.
- أعمال الجسد كثيرة: نوم، لذّة، رفاهية، كبرياء، حسد، نميمة، طمع، بخل، زنى وإلى ما هنالك. كلها تعطّل أعمال الروح من: صلاة، تأمل، شكر، تواضع، رحمة، مطالعات روحيّة، أعمال محبّة وغيرها.
- إن نجحت في السيطرة على شهوة الطعام، ستتمكّن من السيطرة، والتحكّم في باقي الشهوات غير المقدّسة: من كبرياء وكسل وفساد وطمع وكسل وبخل وغيرها. وستتمكّن من إفساح المجال للفضائل أن تنمو في حياتك، مثل: الصبر، التواضع، القناعة، الاجتهاد، طول الأناة، الكرم...
- أثناء الصوم، جسدك في عطلة، في إجازة عن الطعام، فاستغلّ الفرصة لتغذي حياتك الروحيّة: كتاب مقدّس، صلاة، قدّاس، تأمّل وأعمال رحمة.
- قاد الصوم أهل نينوى إلى التوبة – كما قاد الجوع الابن الضال إلى أبيه.
- يقول الله في (يوئيل النبي2/13) مزِّقوا قلوبكم، لا ثيابكم، لذا فهو يُسَرّ بترك الخطيئة والعودة إليه.
- مَنْ اختبر مرارة الجوع، لا يقدر إلاّ أن يرحم الفقراء.
- الصوم يدرّبك على الزهد في الأرضيات، والتعلّق بالسماويات، لذا قال يسوع: طعامي أن أعمل مشيئة من أرسلني.
- كُلْ قَدْرَ حاجتك، وتذكّر أنه عليك أن تصلّي قبل الطّعام وبعده.
- كان يسوع يقود الجموع إلى الطعام الروحي (تعليم وإرشاد)
- لم تُخلق للطعام، بل خلق الطعام لنحيا به. ويقول يسوع: الطعام للجوف ثم يُدفع به للخارج.
- إعملوا للطعام الباقي للحياة الأبديّة.
- إحرص على نفسك من السُكر، لا تسكروا من الخمر لأن فيه الخلاعة.
- الخطيئة المميتة نار قويّة، أما الخطيئة العرضيّة فهي نار ضعيفة. فاحرص من خطاياك العرضيّة لئلا تصبح نارك المهلكة.
- هل تقبل أن تعمل أكثر من طاقتك؟ فلماذا تٌحمّل معدتك أكثر من طاقتها؟ إنّها ستقتص منك وتسبب لك الأوجاع والأمراض.
- من أهداف الصوم، التوصّل إلى صوم اللّّسان عن كل سوء.
- لا تستخف بالكلام، لأن كل كلمة بطّالة لها حساب يوم الدين.
- أنت في صومك تُقدّس جسدك ونفسك، فلماذا تنجّسهما بالكلام الرديء. كلُّ ما يخرج من الفم ينجّس الانسان. (متى15/11)
- أنت تمجّد الله بقولك: قدّوس قدوس قدوس، فلماذا تعود وتمجّد الشرّير بشتائمك، وباللّسان ذاته؟
- أثناء الصلاة، لسانك هو إناء مقدّس، وهو ملك لله. فكيف تسمح للشرّير أن يستعمله للنجاسة.
- الشّراهة والتُّخمة أثناء الطعام، ليستا للإنسان العاقل.
- لماذا تتخلّى عن الطعام في صومك، ولا تتخلّى عن خطاياك؟
- قال أحدهم: لقد صمت الصوم كلّه عن الأطعمة الشهيّة. أجابه الآخر: هل سامحت جارك؟ ردّ قائلاً: لا تذكر لي إسمه من فضلك؟
- بالصوم يُفتح باب السماء. (لأن الصوم يقودنا إلى التوبة).
- نُمضي مُجمل نهارنا، في كسب طعامنا وطبخه، والباقي نقضيه في تسلياتنا ورفاهيتنا، ولا نبقي إلا الفتات لطعامنا الروحي.
- غدك ومستقبلك ليسا طعاماً وشراباً وثياباً، إنما خلاص أبدي أيضاً
- إن لم يصم الأهل، فعبثاً يصوم الأولاد.
- تجتهدون أكثر من طاقتكم، لتغذّوا أولادكم وتحشونهم بالأطعمة. ولكن ماذا تفعلون لغذائهم الروحي؟
- إن اكتفيتم بتغذية أولادكم على الصعيد الجسدي، فأنتم تقودونهم إلى غدٍ ملحدٍ، لأنكم غيَّبتم حضور الله في حياتهم.
- تهتمّون بأجساد أولادكم وألعابهم وعلومهم حتى الجنون، وتهملون حياتهم الروحيّة.
- لوفرة الأطعمة ولكثرة المشتريات ولإمكانية تناولها في كل وقت، إنما نُنتج أجيالاً لا تستطيع أن تصوم.
- الجارة: لمن تُحضّرين اللّحم؟ فاليوم يوم الجمعة. أجابتها: يقبرني إبني، فهو الذي طلب مني ذلك. فماذا نستنتج؟ إنها تساعد إبنها على كسر وصايا الله والكنيسة.


- كي يكون للصوم ثماره الروحيّة فلنتدرّب على الأمور التالية:
1- تدرّب على ترك كل خطيئة تتكرّر في حياتك، وتقف في طريق خلاصك.
2- إقرأ الكتاب المقدّس، وتدرّب على حفظ البعض من آياته.
3- رتّل واشكر الله في قلبك كلّ حين
4- لا تهمل قراءة سِيَر القديسين وباقي القراءات الروحيّة.
5- تدرّب على حسن معاملة الآخرين. باللّطف والصبر والكلمات الطرية، بعيداً عن كل غضب ومشاجرة.
6- السعي للوصول إلى نقاوة القلب، قلباً نقياً أخلق فيَّ يا الله القلب النقيّ كلّه سلام، ومحبة، ولطف، وتواضع، وفرح وإيمان...
7- لا تهتم بالشكليات أثناء الصوم. مثل التركيز على فترة الانقطاع، ونوع الأطعمة وكميّتها. لأن الهدف، هو ضبط الجسد، والاهتمام بتغذية الروح.
8- لقد اهتمّ الكتبة والفريسيّون بخارج الكأس، أي بنظافة الكأس من الخارج، لقد اهتمّوا بالنظافة الخارجيّة، ونسوا نظافة القلب.
9- قبل حلول الصوم حاول أن تؤخّر فطورك نصف ساعة تقريباً ولمدّة أقل من أسبوع، فتجد أنّك تواجه الصوم بدون أي إزعاج.
10- أُسلك بحسب إلهام الروح وليس بحسب شهوة الجسد، لأن السلوك بالروح يُبعدك عن الخطيئة.
11- رمّم ما تهدَّم في حياتك بسبب الخطايا، وعوِّض عنها قدر المستطاع.
12- خسر الإنسان السعادة في الفردوس بسبب الشهوة، فليس لك دواء أنجح من الصوم لمحاربتها.
13- لا تحتج ببعض التفسيحات لتُعفي نفسك من باقي مُتطلّبات الصوم، كالصلاة والتقشّفات والمُطالعات وأعمال التقوى والعبادة.
14- إن لم يكن بإمكانك الصوم، فامتنع أقلّه عن المشاهدات الفاسدة وصوّم قلبك وفكرك ولسانك عن كل ما يهن الله والقريب.
لنتوّج الصوم بعودة صادقة إلى الحضن الأبوي، (أي بالتوبة) أقوم وأمضي إلى أبي (الابن الضال).

 

المقدّمة

من إعداد

الخوري نسيم قسطون

nkastoun@idm.net.lb

 

الصلاة وأفكار من الرسالة وأفكار على ضوء الإنجيل

من إعداد

الشدياق جوزيف أنطون

tes_yeux_me_voient@hotmail.com

 

التأمّل الروحي

من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
Jamileh.daher@hotmail.com

 

قراءة خاصّة لزمن الصوم

من إعداد

الخوري منير حاكمه