|
زمن الصوم |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
::: مقدّمة ::: |
إنجيل اليوم ليس مجرّد "خبريّة"؛ إنه يتكلّم عن قوّة إيمان
أربعة أشخاص ساعدوا مخلّع وأوصلوه إلى يسوع ليشفيه .
للأسف أنّه ما زال هناك أناسٌ في أيّامنا لا يعرفون قسمة الوقت الممنوح إليهم
مجّاناً فلا يشعرون به إلاّ وقد مضى، وإذ بهم على حافّة القبر!
ولكن، وقبل أن يصلوا إلى نهاية الطريق، كان بإمكانهم مساعدة أشخاصٍ كثيرين
وضعهم الرب على طريقهم وكان بإمكانهم مساعدتهم لليحيوا.
تستحقّ قراءة هذين النصّين من الرسالة ومن الإنجيل التأمل لكي نجعل محيطنا
قضيّتنا ونجسّد الحبّ في حياتنا.
لنتأمّل كم مرّةٍ نحملُ بعضنا بالصلاة أمام الربّ؟ وكم مرّة نتحمّل بعضنا
البعض، بالفعل وليس بالقول، كجماعةٍ واحدةٍ عبر قبول أخطاء بعضنا البعض وذلك في
سبيل تحقيق الهدف الأسمى الّذي هو بنيان جسد المسيح السري؟!
::: صلاة ::: |
صلاتنا في أحد المخلع هي على نيّة جماعتنا.
علِّمنا يا ربّ أن نعرف أنّه ليس المهمّ ما نحمله إليك أو ما هي الوسائل التي
نستخدمها، إنّما المهمّ هو أن نحمل ونعمل بحبٍّ ونعرف كم منحتنا من القدرة على
الحبّ!
علِّمنا ما ان نحمل بعضنا بعضاً بحبنا ورحمتنا.
وعلِّمنا أن نجتمع على عمل الخير والمحبّة وإن كان كلّ شخص لديه أسلوبه، فنعمل
كلّ شيء دائماً وأبداً لمدح اسمك ولتمجيدك، أنت الّذي اخترتنا وأحببتنا رغم
تخلّعنا.
أعطنا أن يعرف كلّ منّا ذاته وأنّ في كلّ ذات نقصها وتخلّعها، فتصبح حياتنا
أكثر انسانية، آمين.
|
::: الرسالة ::: |
24 مِنَ الـنَّاسِ مَنْ تَكُونُ خَطَايَاهُم وَاضِحَةً قَبْلَ
الـحُكمِ فِيهَا، ومِنهُم مَنْ لا تَكُونُ واضِحَةً إِلاَّ بَعْدَهُ.
25 كذلِكَ فَإِنَّ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ هِيَ أَيضًا وَاضِحَة، والَّتي هيَ
غَيرُ واضِحَةٍ فَلا يُمْكِنُ أَنْ تَبْقَى خَفِيَّة.
1 على جَمِيعِ الَّذِينَ تَحْتَ نِيرِ العُبُودِيَّةِ أَنْ يَحْسَبُوا
أَسْيَادَهُم أَهْلاً لِكُلِّ كَرَامَة، لِئَلاَّ يُجَدَّفَ عَلى اسْمِ اللهِ
وتَعْلِيمِهِ.
2 أَمَّا الَّذِينَ لَهُم أَسْيَادٌ مُؤْمِنُونَ فلا يَسْتَهِينُوا بِهِم،
لأَنَّهُم إِخْوَة، بَلْ بِالأَحْرَى فَلْيَخْدُمُوهُم، لأَنَّ
الـمُسْتَفِيدِينَ مِن خَدْمَتِهِم الطَّيِّبَةِ هُم مُؤْمِنُونَ وأَحِبَّاء،
ذلِكَ مَا يَجِبُ أَنْ تُعَلِّمَهُ وتَعِظَ بِهِ.
3 فَإِنْ كَانَ أَحدٌ يُعَلِّمُ تَعْلِيمًا مُخَالِفًا، ولا يَتَمَسَّكُ
بالكَلامِ الصَّحِيح، كَلامِ ربِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيح، وبِالتَّعْلِيمِ
الـمُوَافِقِ للتَّقْوى،
4 فهُوَ إِنسَانٌ أَعْمَتْهُ الكِبْرِيَاء، لا يَفْهَمُ شَيْئًا، بَلْ مُصَابٌ
بَمَرَضِ الـمُجادلاتِ والـمُمَاحَكَات، الَّتي يَنْشَأُ عَنْهَا الـحَسَدُ
والـخِصَامُ والتَّجْدِيفُ وسُوءُ الظَّنّ،
5 والـمُشَاجَرَاتُ بينَ أُنَاسٍ فَاسِدِي العَقْل، زَائِفِينَ عَنِ الـحَقّ،
يَظُنُّونَ أَنَّ التَّقْوى وَسيلَةٌ لِلرِّبْح.
(1طيم 5\24-6\5)
|
::: أفكار من الرسالة ::: |
- في الرّسالة التي نتأمل بها يميّز بولس الرسول ما بين نوعين
من الناس: من خطاياهم واضحة ومن ليست كذلك!
وللوهلة الاولى، يتبادر إلى ذهننا أنّ الرسول يذكّر بعض الناس بخطاياهم وكأنّها
إدانة أو دينونة! ولكن حاشا لأنّ قصده هو تحذيرهم من مغبّة الاستمرار في الخطأ!
فالربّ وحده هو الديّان. ولكن كم من المرات نكون في أحاديثنا على هذا المستوى ،
فلان كذا وفلان ... وليس المقصود طبعاً البنيان، كما فعل بولس الرّسول؟!
- إنّ ما يريده بولس هو الفصل ما بين هذين النوعين من الناس. فالّذين يسلكون في
الظلمة، أي طريق الشرّ، يقودون الناس إلى ذلك الطريق. وأمّا السالكون في النور
فيقودون أو يساعدون الناس للسير في النور.
والمسيحي لا يمكن أن يكون الّا من أبناء النور لأنّ المسيح أوصانا بأن نكون نور
العالم والنور لا يضيء لذاته بل للآخرين، كما الشمعة التي لا تذوب من أجل ذاتها
بل من أجل محيطها!
- دعوة اليوم من خلال الرسالة هي دعوةٌ لعيش الالتزام المسيحي ضمن الجماعة، لا
سيّما في أيامنا، حيث اعتاد البعض أن يقولوا "أنا مسيحي و أقوم بواجباتي
المسيحية" علماً بأنّ حياته وتصرّفاته يثبتان العكس!
- فما يجب أن نسعى إليه هو الشيء المفيد الّذي كان بإمكاننا فعله ولم نفعله!
|
::: الإنجيل ::: |
1 وبَعْدَ أَيَّامٍ عَادَ يَسُوعُ إِلى كَفَرْنَاحُوم.
وسَمِعَ النَّاسُ أَنَّهُ في البَيْت.
2 فتَجَمَّعَ عَدَدٌ كَبيرٌ مِنْهُم حَتَّى غَصَّ بِهِمِ الـمَكَان، ولَمْ
يَبْقَ مَوْضِعٌ لأَحَدٍ ولا عِنْدَ البَاب. وكانَ يُخَاطِبُهُم بِكَلِمَةِ
الله.
3 فأَتَوْهُ بِمُخَلَّعٍ يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةُ رِجَال.
4 وبِسَبَبِ الـجَمْعِ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الوُصُولَ بِهِ إِلى يَسُوع،
فكَشَفُوا السَّقْفَ فَوْقَ يَسُوع، ونَبَشُوه، ودَلَّوا الفِرَاشَ الَّذي
كانَ الـمُخَلَّعُ مَطْرُوحًا عَلَيْه.
5 ورَأَى يَسُوعُ إِيْمَانَهُم، فقَالَ لِلْمُخَلَّع: "يَا ابْني،
مَغْفُورَةٌ لَكَ خطَايَاك!".
6 وكانَ بَعْضُ الكَتَبَةِ جَالِسِينَ هُنَاكَ يُفَكِّرُونَ في قُلُوبِهِم:
7 "لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هـذَا الرَّجُلُ هـكَذَا؟ إِنَّهُ يُجَدِّف! مَنْ
يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ الـخَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟".
8 وفي الـحَالِ عَرَفَ يَسُوعُ بِرُوحِهِ أَنَّهُم يُفَكِّرُونَ هـكَذَا في
أَنْفُسِهِم فَقَالَ لَهُم: "لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهـذَا في قُلُوبِكُم؟
9 ما هُوَ الأَسْهَل؟ أَنْ يُقَالَ لِلْمُخَلَّع: مَغْفُورَةٌ لَكَ
خطَايَاك؟ أَمْ أَنْ يُقَال: قُمْ وَاحْمِلْ فِرَاشَكَ وَامْشِ؟
10 ولِكَي تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا أَنْ يَغْفِرَ
الـخَطَايَا عَلَى الأَرْض"، قالَ لِلْمُخَلَّع:
11 "لَكَ أَقُول: قُم، إِحْمِلْ فِرَاشَكَ، واذْهَبْ إِلى بَيْتِكَ!".
12 فقَامَ في الـحَالِ وحَمَلَ فِرَاشَهُ، وخَرَجَ أَمامَ الـجَمِيع،
حَتَّى دَهِشُوا كُلُّهُم ومَجَّدُوا اللهَ قَائِلين: "مَا رَأَيْنَا
مِثْلَ هـذَا البَتَّة!".
(مر2 /1-12)
|
::: أفكار على ضوء والإنجيل ::: |
- الإنسان المسيحي لا يعيش إلّا ضمن جماعة وهذه الجماعة سميّت بالرعيّة، بالكنيسة... من هنا ما كان حال المخلّع لو كان بعيداً عن الجماعة ولم يصل إليه احد؟
فما يجب أن أفكّر به وأقتنع به هو أنّ السماء هي نعيمي بجوار الرب ولكن ليس
لوحدي بل مع من حولي! ومن يفكر بالاستئثار واحتكار السماء لا مكان له هناك!
وهنا إشارة إلى أنّه، حتّى النّساك المتوحدون، لا يعيشون وحدهم بل يحملون
العالم بصلواتهم وإرشاداتهم!
- الربّ يستجيب ويقدّس المبادرات الخيّرة، لا بل يمنحها الطوبى، وهو لا يمكنه إلّا أن يقول لهذا المخلع "لأنّي رأيت أعمالهم، ولأنّي وثقت من ايمانهم، قم واحمل سريرك وامشي".
- الزوّادة الروحية في هذا الأحد تكمن في أنّ الربّ يدعونا للتفكير بإخوتنا في كلّ حقول الحياة وعلى المستوى الإنساني والحياتي و الروحي وليس فقط على مستوى الطعام والشراب فحسب!
- إنّها دعوةٌ لأن نحمل بعضنا بعضاً كما فعل الأربعة مع المخلّع، فإن سُدَّت كلّ طرقات العالم ستبقى وسائل وطرق كثيرة للوصول إلى الربّ! ونحن نرى كم هناك من الجموع التي تمنعنا من الدخول من الباب بحجج مختلفة، تارة متطلبات الحياة وطوراً ثقافات جديدة أو عدم وجود الوقت! أمورٌ كثيرة تفتّر الايمان وتقعده في الزاوية ونعيش واقفين مكاننا وسط الجموع التي تقطع الطريق كما حاولت الجموع منع أعمى أريحا من الصراخ وكنا رأيناها كيف حاولت منع النازفة من لمس طرف رداء المعلم.
- الرجال الأربعة عملوا أي حملوا والذي يحمل يتعب ولكنهم لم يشعروا بالتعب لأن المخلع هو قضيتهم واللافت أنهم رأوه فحملوه ولم يفتحوا فاههم لا في الطريق ولا عند المعلم! فالربّ يعرف ما تريد واستجابة الرب تأتي عندما يراك وضعت كلّ شيء أمامه بإيمان وهو يرى الأفضل لك. المهمّ أن تكون جاهزاً وتقول له: "أنا مستعدّ"، فيجيبك: "إتبعني". ما أحوجنا إلى إعادة النظر بتعليم الإيمان وعيشه، خاصّة في العائلة، الكنيسة البيتية، حيث نسي البعض أنّ هناك أباً حنوناً يتدبر أمورنا بينما هم يموتون خوفاً وهم مسمّرون على شاشات التلفزة، ينتظرون ويولولون عندما يسمعون من كلام التنجيم والتوقع!
أخيراً نسأل: إن رأيت تخلّع أحد، هل ستحمله في قلبك وصلاتك وستحاول بكلّ قوتك لتضعه أمام الربّ بإيمان، لأنّه الشافي الأول والوحيد لتخلّعنا ولتخلّع إخوتنا ولتخلّع عائلاتنا ولتخلّع أوطاننا؟ أم سنحمله على لساننا، في صبحيّاتنا وزياراتنا، لنثبت أنّنا مهمّون ومطّلعون على الأخبار؟! هل سنحنو عليه ونساعده؟! أم يكفي التشهير به على طاولات المقاهي؟ّ وقفة مع الذات هي ضروريّة فالربّ جعلنا للعمل لا للكلام وهو الّذي سيقوّينا، آمين.
|
::: تأمّل روحي ::: |
هل تؤمن؟!
"يا بنيّ مغفورة لك خطاياك"
هذا الفعل العميق الأثر في النفس، لم ينتبه أحدٌ لأهمّيته مِن بين كلّ من
حضر، حتّى الرجال الأربع الّذين دلَّوه من السقف: لقد جاؤوا به بهدف
الشّفاء الجّسديّ، وإذ بيسوع يفاجئهم بالمغفرة، وكأنّه أرادهم أن يتنبّهوا
إلى حقيقة العلاقة بالآب وضرورة سرّ المصالحة. فكيف لي أن أطلب خبزًا من
شخصٍ قد أسأتُ إليه، وشوّهت سمعته، بفكري، بقولي أو بفعلي؟ أليس مِن الواجب
أن أتصالح معه ثمّ أساله حاجتي؟
لقد أدخل يسوع المخلّع إلى أعماق ذاته كي يرى بوضوح صورة الآب المنتظِر
عودة نفسه (نفس المخلّع) التائهةِ المُنْهَمِكة في ألمِها لشلل الجسد،
ويُفْهِمَه أن غياب علاقته الحقيقية بالله لَهو أسوأ من الشلل وأخطر من
الموت، لا بل هو الموت بالذات. بعد أن كشف له أبعاد المصالحة مع الآب
وأهمّية المغفرة، أطلقه حرًا مُعافى من سجن التَخَلّع، مُعيدًا إلى جسده
الحركة وإلى نفسه فرح الشفاء الكامل. لقد وُلِد من جديد بأفعالٍ ثلاث: دعاه
الى قيامةٍ جديدة ("قم")، إلى عملٍ جديد في حقل البشارة ("إحمل فراشك"،
فراش الشهادة للإيمان والشفاء الكامل للنفس والجسد)، وإلى الإنطلاق
("وامشِ") نحو الهدف الأسمى، والدّعوةِ إلى التوبة والمصالحة مع الآب
بواسطة الإبن.
أليس هذا ما يجب أن نكون عليه؟ أليست حال المخلّع هي حال الكثيرين منّا
اليوم؟ هل نُقِرّ بأنّ عالمنا الحديث يعاني الكثير من الشّلل في العلاقة مع
الله، لأنّنا ننظر إلى الحياة على أنّها مساحة عمرٍ محدودةٍ بسنواتٍ،
فنجتهد أن نَغْرفَ منها ما استطعنا من إفادةٍ آنيّة، بِغَضّ النّظر عن
الوسيلة، ولا نَتَنَبّه إلى أنّها أهمّ مرحلة تهيّئنا للّقاءِ الحقيقيّ
بالحبيب. ودون أن ندرك، أحيانًا، نَتَلَطّى وراء "قضبان" الدُنيا وميولها،
والنزعات الجسديّة، فنأسُر نفوسنا على فراش الهروب من وجه الحقيقة
المُطْلَقة، وجه الآب.
ربّما نسينا أو تناسينا أن الله خلقنا أبناء له، يوم نفخ فينا روحه وبعث
فينا الحياة. فَمَهْما ابتعدنا، وكفرنا به، وأنكرناه، سوف يحتضننا ولن
ينكرنا، كما أنّنا لَن نستطيع دحض حقيقة أبوّته لنا، لأن تركيبتنا
الكيانيّة تحمل ال"د.أن،أي" الإلهيّ. فلا نَجْهَدنّ في الإبتعاد عنه أو
إنكاره... !
وهل مِن أبٍ يكره ولده الخاطىء؟ بالطبع لا! بل يكره الخطيئة فيه.
إن الآب يريد أن يعيد إلى حضنه، كل من خلّعته الخطيئة، كي يبقى تحت سقف
بيته ليتنقّى كالماس، ويشفى من كلّ مرضٍ أبعده وأقعده في جمود عدم الرجاء،
ويصوّب مفهومه للحبّ، جاعلاً قلبه مدركًا وَساعَةَ الغفران، وأنّه ابن لا
عبد لأبيه. فَفي بيت الاب فقط، يستطيع الإنسان أن يكتشف هويّته الحقيقيّة،
ومقدار قيمة وجوده. وفي حضن ابيه وحده، يَتَيَقّن أن النفس لا تُدْرِك
الإمتلاء، إلاّ بعلاقتها بخالقها. أمّا "أنا موجود"، المُفْرَدَةِ
المُخَلّعةِ بالأنانيّة، تصبح "به ومعه، أنا موجود"، فريدةً بامتلائها
وقيمتها وعملها.
فَهَلاّ آمنت بأنّ الله قد هيّا لك مشروعًا خاصًا بك في العالم، داعيًا
إيّاك كي "تقوم، وتحمل فراشك، وتمضي" بشجاعةِ المؤمن، الواثق بمغفرته لك
واحتضانه لشخصك وشفائه آلامك، لأنّك ابنه؟!
|
::: قراءة خاصّة بزمن الصوم ::: |
المُعَلِّمُ الصائِم، معلِّمٌ للصوم
(من وحي مثل الزارع)
نَعلَمُ جَميعاً أنَّ المَسيحَ يَسوع قَد صامَ أَربعين
يوماً وأربعين ليلة قبل شُرُوعِهِ في حياتِهِ العَلَنيَّة التي عُرِفَ
خلالَها بال"مُعَلِّم".
ونَعلَمُ أَنَّ الصومَ أيامَها كان إحدى علامات التوبَةِ والرُّجوعِ عن
الخَطِيئَة. ومن هنا السؤال : ما كانت حاجَةُ يَسوعَ للصَّومِ وَهوَ
البارُّ الّذي ما عَرِفَ إِثماً ولا خَطيئَةً (عب 15،4) ؟
الجَوابُ يَرتَبِطُ بِأسلوبِ يَسوعَ التربوي الّذي يَتَلَخَّصُ بما يَلي :
أَفضَلُ الطُرُقِ للتَعليم هِيَ أَن يُطَبِّقَ المُعَلِّمُ دَرسَهُ أمامَ
تلاميذِهِ مِمّا يُوَلِّدُ لَدَيهِم قناعَةً راسِخَةً وبالتالي دائِمَةً.
صامَ يَسوعُ ليُصغِيَ لصوت الله فَيَستطيعَ أنَ يكونَ بَينَ النَّاسِ
كَلِمَةَ الله، المُعَبِّرَ عَن مشيئَتِهِ القُدُّوسَة.
صامَ يَسوعُ ليُعَلِّمَنا ضَرُورَةَ التَفَرُّغِ، مِن حينٍ لآخَر، للاتحادِ
باللهِ وبِذاتِنا على حِسابِ كُلِّ ما قَد يَشْغَلُنا أو يُتعِبُنا في
حياتِنا الخاصَّة أَو العامَّة.
صامَ يَسوعُ استعداداً للقاءِ الناسِ وهمومِهِم، خالقاً في نَفسِهِ الهدوءَ
اللازِم لمواجَهَةِ كُلِّ ما يُتعِبُ الناسَ ويُؤلِمُهُم : المَرَض،
الأَلَم، الخيانَة، الموت...
وَأنت ؟
هل فَكَّرت لِمَ صيامُك؟ أَهُوَ عادَةٌ؟ أَو واجِبٌ؟ أَو استِعدادٌ
داخلِيٌّ لإصغاءٍ أعمَقَ لِكَلِمَةِ اللهِ لِتَفعيلِها في الحياة
العَمَلِيَّة ؟
هَل سَأَلت نَفسَك : أَينَ كَلِمَةُ الله مِنك؟ أَمَوقِعُها على هامِشِ
حياتِك؟ هَل وَقَعَت على صَخرِ قَلبِك أَو عَقلِك فَتَحَطَّمَت على جمودِ
رتابَةِ الحياةِ ورُوتينِها؟ أم اختَنَقَت بِهُمومِك وَمَشاكِلِك أَو حتّى
بِطُموحاتِك وأَحلامِك ؟
يُعَلِّمُنا مَثَلَ الزّارِع (لو8: 4-15) أَنَّ الصومَ الحقيقيّ هُوَ
مُراجَعَةٌ لنَوعِيَّةِ أَرضِنا ومَدى استِعدادِها لاستقبالِ بُذورِ
الحياةِ الأَبَديَّةِ، ثِمارِ موتِ وقيامةِ المسيح. وَهُوَ أَيضاً انفِتاحٌ
على الآخَر وَشهادَةٌ حيَّةٌ عن إيمانِنا أَمامَهُ وَمَعَهُ.
هذا الصومُ يؤَهِّلُنا لِنَكونَ بِدَورنا مُعلِّمينَ على مِثالِ يَسوع :
شهودَ حَقيقَةٍ نتَكَلَّمُ عَنها ونَعيشُ بِمُوجَبِها، أَي مِمَّن
"يَسمَعونَ كلامَ الله ويَحفظُونَهُ بِقَلبٍ طَيِّبٍ صالحِ، فيَـثمرونَ
بِثَباتِهِم"(لو 15،8)، فلا يَفصِلون بَيْنَ ما يُنادونَ بِهِ مِن جِهَة
وَما يَعيشونَهُ مِن جِهَةٍ أُخرى.
|
المقدّمة والصلاة وأفكار من الرسالة وأفكار على ضوء الإنجيل من إعداد tes_yeux_me_voient@hotmail.com
التأمّل الروحي
من إعداد
قراءة خاصّة لزمن الصوم من إعداد |