|
أسبوع الآلام
|
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
|
::: تأمّل روحي ::: |
الباب الضيّق
(تأمّل حول نصّ لوقا 13/22-31)
"يا سيد, أقليل عددُ الّذين يخلصون؟"
سؤالٌ يعبّر عن قلق واضطراب الإنسان منذ البدء وحتى يومنا هذا.
لكن كثيراً ما يختار هذا الأخير, الطرق الأسهل, تلك التي تناسب أطباعه, دون
أن تزعجه أو تؤخّره عن فعل ما تتطلّبه رغباته, فتراه لا يُفَوِّت قدّاس
الأحد أو تساعيّة كي يرضي الله, حاملاً رزنامة الواجبات الكنسيّة, يعُدّ
كلّ "طلّة عا الكنيسة" خطوة على درب السّماء.
يتناول جسد الرّب, ويردّد الإفراميات مع الجماعة, وأمّا عقله فمسافرٌ في
دنيا الأحلام السّعيدة, وقلبه بعيد كلّ البعد عن لقاء الحبيب... لقد وضعه
خارج نطاق حياته العمليّة, وسجنه في "بيت القربان". يدخل وحيداً الى
الكنيسة ويخرج كما دخل, وحيداً يبقى حتى ولو في وسط الأهل والأصحاب.
ربما, لم يدرك بعدُ أنّ قلبه هو مسكن روح الله, الحي الدائم, والمرافق
السّاهر الّذي لا ينام. لم يسمح له بعد بالظهور من خلاله خوفاً من فقدان
إرادته الذّاتيّة وحريته الّلامسؤولة, فلا يرضى أن يتشارك والله في العمل
واتّخاذ القرار...
كيف سيتعرّف اليه يوماً, بعدما استبعده "وركنه" في الزّاوية المظلمة من
حياته دون أن ينظر في عينيه ولو لمرّةٍ واحدة. أفلن يقول لنا يومها: "لا
أعرف من أين أنتم"؟
"اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيّق"
هل جرّبت الدّخول من بابٍ ضيّق؟ أما عليك أن تلقي أحمالك وكلّ ما يمكنه أن
يسُدّ الباب عليك؟ فإن كنت صاحب قرارٍ ملتزم في تلك اللحظة, وتؤمن بأنّ من
ينتظرك في الدّاخل هو البداية والنهاية, وهو الأهم, فإنك تتخلىّ عن كلّ ما
تملك مهما كان ثميناً, وتصرّ على الدّخول إليه, حيث الكنز الّذي تبحث عنه.
فمهما عَظُمَت معاصينا وخطايانا, سوف لن تردعنا عن الدّخول من ذلك الباب,
إن أدركنا مساوئها قبل فوات الأوان, وتخلّينا عنها, تائبين. أمّا المثال
الحيّ على ذلك, هم الرّسل أنفسهم. فمنهم من ترك يسوع وحده يوم الآلام,
ومنهم من خانه, ومنهم من أسلمه. كانت لهم نقائصهم ومحدوديتهم, لكنّهم تركوا
الروح يعمل فيهم ويضرم, فأشعل فيهم من جديد ذاك الفتيل الخافت, حبّ يسوع في
قلوبهم.
أكملوا الطريق بإيمان دون أن يقعوا عندَ مَا ارتكبوه, ولم يسمحوا لضعفهم أن
يثنيهم عن السّير نحو القمّة, لأن حبّهم للمسيح كان أقوى من الخوف وأعمق من
الرّغبات الآنيّة.
في هذا الأسبوع المقدّس, لنقترب أكثر من ذات الله السّاكن فينا, ولنحفر في
أعماق رغباتنا, دون توانٍ, كي يضيء عليها الرّوح, فنلقي خارجاً كلّ ما هو
سوء, ونستبدل كلّ ما يؤلم ويميت, بما يبني, كي نتجدّد, ونجد السّلام.
ولا نفتخرنَّ بأنّنا أبناء إبراهيم, ونتغنّى بمسيحيّتنا, ظانّين أنّ نصيبنا
الخلاص لا محالة. الفخر يكون عندما نعيش الإيمان بقدر ما أعطينا, ساعين الى
الخير والسّماح, مُغْتَذين من كلمة الله, عاملين في حقله وأذرعنا مرفوعة
نحو السّما ... لا نيأس.
|
التأمّل الروحي |