أسبوع الآلام
 

أربعاء الآلام


(31 آذار 2010)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: تأمّل روحي :::

 

إعمل هذا فتحيا


(تأمّل حول نصّ لوقا 10/25-37)

 

"ماذا أعمل حتى أرث الحياة الأبدية؟" (آ:25)
ما يثير الحشرية والتعجّب,هو أنّ معلم الشريعة هو المتسائل! إنتقاء هكذا سؤال بهدف إحراج يسوع, يطرح فكرة أساسية, شغلت الإنسان على مرّ العصور وفي كلّ المجتمعات, ألا وهي: الحياة ما بعد الموت.
هذا السّؤال ينطلق من استنتاج مَبنيّ على الإعتقاد بمحدوديّة حياة الإنسان وانتهائها, مع توقف قلبه عن الخفقان, وكأنها مُنْتَجٌ, تنتهي صلاحيّته عند تاريخ الإنتهاء المدْموغ على المغلّف!...
لكنّ شغف المرء إلى الحياة, جعله يفتّش عن طرقٍ ووسائل تجنّبه هذا الاضمحلال. ورفضه فكرة أن ينتهي يوماً الى غبارٍ يتطاير مع الريح ويُداس بالأقدام في الأفْنِيَةِ، قَضُّ مضجعه. فإن تنبّه المؤمن أو لا, هناك حقيقة خَلْقِنا على صورة الله ومثاله, أي أن هناك ما هو أبعد من الجسد الفاني, هناك نفحة الإله فينا, هناك أبدية.
ولكن, كيف السّبيل لنيل تلك الحياة؟ لقد أجاب معلم الشريعة على ذلك: "أحبب الرّب إلهك بكلّ قلبك, وبكلّ نفسك, وبكلّ قوّتك, وبكلّ فكرك, وأحبب قريبك مثلما تحبّ نفسك" (آ:27).أمّا جواب يسوع له فقد أحدث الصّدمة الكبرى لذاك "المعلم" في تلك الأيام, وما زلنا نُصْدَم حتى يومنا هذا: "إعمل هذا فتحيا" (آ:28)


كلنّا نعرف الوصايا وما تطلبه الكنيسة, كلّنا نقرأ الإنجيل, أو أقلّه, نستمع إلى بعض فصوله أيّام الآحاد والأعياد, لكن, أين هو من حياتنا العمليّة؟ إن يسوع يُسْقِط, كلّ لحظةٍ, تساؤلاتنا من مستوى" التذاكي في عيش المظاهر" الى حيّز الضمير والتّطبيق العمليّ, حتى في أصغر الأمور.


"ومن هو قريبي؟" (آ:29).
ألم يكشف هذا السؤال حقيقة تفكير معلّم الشريعة الّذي, من المفترض, عليه أن يمتلك الثقافة والعمق الروحيّ في الكتاب المقدس؟ ألا يجعلنا ندرك الوجه الآخر الّذي أراده منه: من الجيّد أن نحبّ بعض الأشخاص (الّذين نراهم مناسبين...) أمّا الآخرون فلا!؟
بالطّبع, إن الرّب لا يفرض علينا محبّة الجّميع, لكنّه يطلب منّا, بشخص يسوع, أن ننظر الى القريب المحتاج, دون تفرقة بين شخصٍ وآخر, مَثَل ذاك السّامريّ الّذي أدار ظهره لكلّ السّؤ والبغض والتّهكّم القائم منذ أجيال بين اليهود والسامريّين, وانحنى بلطفٍ نحو اليهوديِّ المُشْبَع ضرباً والمُلقى على قارعة الطريق, فأنقذه من موتٍ محتّم, بعد أن مرّ به الكاهن واللاوي دون أن يأبها لجراحه. هذا السّامري عرف من هو قريبه وترك الخير الّذي فيه يفيض رحمةً مكان الإساءة، فظهرت قوّة الله ورِفْعَتِه في أعماق هذا الإنسان المؤمن.
واليوم, السؤال موجّه لكلّ منّا: "من هو قريب ذاك المرميّ على حافة الطريق؟"


أما علينا أن نُفَعِّل صورة الله ومثاله في حياتنا وأعمالنا؟ وإن تعمقنا أكثر في هذا المثل, ألا نكون, أحياناً, ذاك الرّجل المُلْقى على حافة الطّريق, مجروحين, متروكين نتألّم من أقرب الأشخاص إلينا؟
ففي عمق خيبة الأمل, وفي لجة الألم, كما في أحلك الظروف هناك سامرياً صالحاً يتوقف كي ينحني نحونا وينقذنا من الإنتحار البطيء, إن فكّرنا لحظةً بالاستسلام.
لنكن واثقين إذًا من حضوره الدائم في كربنا ومحنتنا، وإنه يعرفنا حقّ المعرفة. حاضر كي يضمّد جراحنا ويجبر ما كسرناه بهفواتنا, حاضر كي يعيد إلينا الحياة, مدفوعاً بالحبّ.
إنه يسوع الّذي, بحبّه وعنايته, نستطيع الوقوف من جديد, والانطلاق، معافين، نحو الآخر مُقْتَفين خُطاه وصائرين على مثاله.

 

التأمّل الروحي

من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
Jamileh.daher@hotmail.com