أسبوع الآلام
 

خميس الآلام


(1 نيسان 2010)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: تأمّل روحي :::

القربان حياة

حول مائدة المحبّة وسيّدها، اجتمعت الكنيسة الأولى، حيث أُعلنت أولى الأسرار المقدّسة: سرَّيّ الأفخارستيّا والكهنوت. من هناك انطلقت الشعلة التي لم تنطفئ وستبقى حتّى اليوم الأخير. فَهَل توصيات تلك الليلة وتمنّيات يسوع الشفهيّة، لكانت كافية دون عمل (فعل)؟


إنّه جابلنا وعارفٌ بمحدودية الإنسان الّذي يبحث غالبّا عن الملموس، لذلك "قام، وائتزر، وغسل أرجل تلاميذه، ثمّ قبّلها" (لو13: 5-6)، داعيّا تلاميذه للعمل مع الجماعة بروح المحبّة والتواضع:" إذا كنت أنا السيّد قد غسلت أرجلكم..." (لو 13: 14)، فيدركوا عندها، أنّ الكلمة تُحيي، والقربان يغدق نعمه في عَيْشه، مؤمنين أنّ يسوع المتجسّد في القربان، قائمٌ في أعماق النفس لا في تلك العلبة المعدنيّة أو الخسبيّة داخل الكنيسة. هو رفيق دربٍ، وغذاء روح، لا تأتي الثمار ولا الحياة إلاّ به.


مثل ذلك، مثل حقلٍ تتغنّى بامتلاكه، وترجو منه الغلال الوافرة، لكنّك تهمل العناية به. حتمٌا إنّك ستُصْدَم ساعة يأتي الحصاد؛ سوف تجد أرضًا التَهَمَتْها الأعشاب، وتبدّلت معالمها. وفي أحسن الأحوال، ربّما، كُتِبَ العمر لبضع ثمرات، فنَجَت من أنياب" الأخضر" المفترس.
كما حدث للحقل هكذا يحدث في حياتنا. إنّ الثمار لا تأتي من ذاتها، إنّما هي نتيجة إيمانٍ يدفع بالإنسان إلى عملٍ يبدأ بزاد القربان، القوت الروحيّ، ثمّ الإنطلاق ، متسلّحًا" بالمحبّة والمسامحة والصدق، لابسًا عواطف الإيمان والرأفة والتواضع والوداعة والصبر والإحتمال... لأنّ الله قد اختارنا ( كما اختار الرسل) وقدّسنا وأحبّنا"( كو 3: 12-13).


فالحياة إذاً، هي دعوة كي نعيش الملكوت بدءًا من اللحظة. ففي "العشاء السرّيّ" و "الغسل"، قد سجّل بدمه الحيي، كلّ البشرِ إخوةً في جماعة" حبَ الله الأبديّ" للإنسان. إنّه يدعونا كي نتبنّى أعماله، فتصبح خاصّتنا، وجزءًا من حياتنا، لا بل حياتنا بالذات، بحيث لا يعد بإمكاننا الإحتفاظ بتلك النعمة لذواتنا، لأنّ الحبّ هو فيضٌ وعطاءٌ حيث الجفاف والعقم.


ماذا يعني لنا الغسل؟ إنّه ليس فقط محبّة الآخر وتبديد كلّ الحواجز بيني وبينه، كما وأنّه ليس فقط فعل تخلٍّ يتطلّب منّا "خلع ثوب" المظاهر والإئتزار بمنشفة، والإنحناء نحو الآخر" لغسل رجليه"، إنّما يذهب بنا إلى أبعد من ذلك بكثير، لأنّه يتوجّه إلى كلّ منّا بشخصه: أن ندع الآخر يغسل أرجلنا! أقصد، أن نعترف بأنّ الغبار يغطّي منّا اليدين والرِجْلَين وربّما الرأس أيضاً. أن نعترف بعدم طهارتنا، وأنّنا بحاجة إلى من هو قادر أن يطهّرنا ويغسلنا. ربّما وجدنا أن ذلك صعب التحقيق في غالب الأحيان، لكن لا حياة حقيقيّة لنا دون كسر" الأنا" بالتواضع، والمشاركة في الخدمة بتجردٍ وفرح.


كيف يكون ذلك؟ بالإيمان بيسوع المسيح الحيّ وقدرة الروح، لا بقوّتنا الشخصيّة وقوّة سواعدنا!
(( بين هلالين، أريد الإشارة ألى كمٍّ من التيّارات الفكريّة الّتي دحضت حقيقة القيامة وفعل المحبّة في كلمة الله المتجسّد، مُحاوِلةً إقناع الكثيرين بأنّها (أي القيامة) زيفٌ، وأنّنا لسنا بحاجتها بعدُ، فحاربت المسيحيّة، وارتكزت على قوّة الفكر والجسد، معرّيةً حياة الإنسان من جوهر الإيمان بالله الخالق لا بالإنسان المخلوق. لكنّ كلّ تلك البدعِ سرعان ما تلاشت عندما وصلت إلى حائطٍ مسدود، فاصطدمت بالواقع القائم منذ الخلق، والمثبّت بقيامة المسيح)).


ما هو جوابنا اليوم على طلب يسوع: "يجب عليكم أنتم أيضًا أن يغسل بعضكم أرجل بعض"؟ هل نخجل الإنحناء؟ هل نخاف الوقوع تحت عبء عملنا إن انحنينا؟ وهل نخشى نظرة العالم لنا عندما نخدم؟ أنخشى الصعوبة فنيأس ونتراجع عن فعل المحبّة؟ أنخشى خسارة كرامتنا إن اعترفنا بحاجتنا لغسل نفوسنا...؟


حتمًا إنّه صعبٌ، ومستحيلٌ لدى البعض، أحيانًا، دون التزوّد بالقوت الأساسيّ المقدّس. هو وحده القادر على دفعنا في اتّجاه الهدف الأسمى، سالكين طريق الحبّ والخدمة والمشاركة في كلّ شيء، وهو من قال على لسان بولس: "إحملوا بعضكم أثقال بعض، بهذا تتِمّون العمل بشريعة المسيح"(غلا: 6: 2).

 

التأمّل الروحي

من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
Jamileh.daher@hotmail.com