زمن القيامة
 

الأحد السادس للفصح
ظهور يسوع للرسل في العليّة
(9 أيار 2010)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

• إنّه الأحد السادس في زمن الفصح ومعه نتأمّل بيسوع القائم وهو يبدّد اضطراب رسله ويحثّهم على الشهادة لِما عاينوه وسمعوه وفهموه.
• في المقطع المختار من الرسالة إلى أهل روما، يدعونا مار بولس الرسول إلى تجديد "الإِيْمَانُ بِالقَلْبِ" الّذي "يَقُودُ إِلى البِرّ"، و"الاعْتِرَافُ بِالفَمِ" الّذي "يَقُودُ إِلى الـخَلاص".
• أما في مقطع الإنجيل المختار من لوقا، فنتأمّل بتصرّف وأقوال الربّ يسوع المسيح التي تقود الرسل إلى الخروج من الخوف والاضطراب للتهيّوء للانطلاق صوب الشهادة له ولإنجيله.
• تدعونا الكنيسة إذاً، في هذا الأحد، إلى الشكر لله على الخلاص الّذي منحنا إيّاه وإلى التجدّد الروحيّ لكي نكون على مستوى الرسالة التي كلّفنا بها الربّ يسوع حين قال: "وأَنْتُم شُهُودٌ عَلى ذلِكَ".

 

::: صلاة :::

يا رب، كثيراً ما يغمر الخوف قلوبنا وعقولنا ونفوسنا، من جرّاء صعوبات هذه الحياة وتحدّياتها. وكثيراً ما ننسى كلماتك وتحذيراتك لنا، في الإنجيل، ممّا سيواجهنا في مسيرتنا صوب ملكوتك، من ضيقات وتجارب.
ولكنّك، يا ربّ، دائماً ما تحضر في وسطنا، في أوقات الصلاة وفي أوان الأسرار، لتنشلنا من الخوف والاضطراب ولتشجّعنا على النهوض من كبواتنا، ولتذكّرنا بدورنا في هذه الحياة، أي أن نكون "شهوداً" لقيامتك ولخلاصك.
لذا، في هذا الأحد، نجدّد شكرنا لك ونسألك أن تعضدنا على الدوام لنستحقّ أن نحمل اسمك في كلّ لحظات حياتنا، أنت يا من تحيا وتملك إلى أبد الآبدين، آمين.

 

::: الرسالة :::

1 أَيُّهَا الإِخْوَة، إِنَّ بُغْيَةَ قَلْبي وتَضَرُّعِي إِلى اللهِ مِنْ أَجْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيَخْلُصُوا.
2 فأَنَا أَشْهَدُ لَهُم أَنَّ فيهِم غَيْرَةً لله، وَلـكِنْ بِدُونِ مَعْرِفَةٍ صَحيحَة.
3 فقَدْ جَهِلُوا بِرَّ الله، وحَاوَلُوا أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِم، فَلَمْ يَخْضَعُوا لِبِرِّ الله؛
4 لأَنَّ غَايَةَ الشَّرِيعَةِ إِنَّمَا هِيَ الـمَسِيح، لِكَي يَتَبَرَّرَ بِهِ كُلُّ مُؤْمِن.
5 وقَدْ كَتَبَ مُوسَى عَنِ البِرِّ الَّذي هُوَ مِنَ الشَّرِيعَةِ فَقَال: "مَنْ يَعْمَلُ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ يَحْيَا بِهَا".
6 أَمَّا عَنِ البِرِّ الَّذي هُوَ مِنَ الإِيْمَانِ فَيَقُول: "لا تَقُلْ في قَلْبِكَ: مَنْ يَصْعَدُ إِلى السَّمَاء؟"، أَيْ لِيُنْزِلَ الـمَسِيحَ مِنَ السَّمَاء.
7 ولا تَقُلْ: "مَنْ يَهْبِطُ إِلى الـهَاوِيَة؟"، أَيْ لِيُصْعِدَ الـمَسِيحَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات.
8 بَلْ مَاذَا يَقُول؟ "الكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، في فَمِكَ وَقَلْبِكَ"، أَيْ كَلِمَةُ الإِيْمَان، الَّتي نُنَادِي بِهَا.
9 فَإِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الرَّبّ، وآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، تَخْلُص.
10 فالإِيْمَانُ بِالقَلْبِ يَقُودُ إِلى البِرّ، والاعْتِرَافُ بِالفَمِ يَقُودُ إِلى الـخَلاص؛
11 لأَنَّ الكِتَابَ يَقُول: "كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لا يُخْزَى".
12 فلا فَرْقَ بَيْنَ يَهُودِيٍّ ويُونَانِيّ، لأَنَّ الرَّبَّ هُوَ نَفْسُهُ لِجَميعِهِم، يُفِيضُ غِنَاهُ عَلى جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ.
13 فَكُلُّ مَنْ يَدْعُو اسْمَ الرَّبِّ يَخْلُص.
( روم 10\1-13)

 

::: أفكار من وحي الرسالة :::

فِي بِدَايَةِ هَذَا المَقطَعِ مِنَ الرِّسَالَةِ إِلَى أَهلِ رُومَا تَضَرُّعٌ وَصَلاةٌ مِنَ الرَّسُولِ بُولُس مِن أَجلِ بَنِي إِسرائيل لِيَخلُصُوا. وَهَذَا هَمٌّ عَاشَهُ الرُّسُل (وَتَعِيشُهُ الكَنِيسَةُ اليَوم) عَلَى مِثَالِ مُعَلِّمِهِم يَسُوعَ المَسِيح الَّذِي أَتَى لِكَي يَمنَحَ الخَلاصَ لِكُلِّ إِنسَانٍ.
هَذَا الخَلاصُ الَّذِي تَحَقَّقَ بِتَجَسُّدِ ابنِ اللهِ وَصِيرُورَتِهِ انسَانًا وَعَيشِهِ بَينَنَا وَإِلقَائِهِ التَّعَالِيمَ الَّتِي تَقُودُ إِلَى الخَلاصِ (الإِنجِيل) الَّذِي لا يَستَحِي بِهِ بِقَولِهِ"فَإِنِّي لا أَستَحِي بِالإِنجِيلِ لأَنَّهُ قُوَّةُ الله لِخَلاصِ كُلِّ مُؤمِنٍ"(روم١/١٦)، هَذَا اِلإنجِيلِ الَّذِي يُعلِنُ بِرَّ الله (روم١/١٦).
وَمِن خِلالِ الإِنجِيلِ يَكتَشِفُ الإِنسَانُ مَا هِيَ مَشِيئَةُ الله بِحَسَبِ قَولِ بُولُس "تَغَيَّرُوا بِتَجدِيدِ عُقُولِكُم لِكَي تُمَيِّزُوا مَا هِيَ مَشِيئَةُ الله أَي مَا هُوَ صَالِحٌ وَمَرضِيٌّ وَكَامِل"(روم١٢/٢).
وَيُنَبِّهُنَا بُولُس لِكَي لا تَكُونَ مَعرِفَتُنَا لله نَاقِصَةً وَذَلِكَ بِأَن نَعرِفَ مَشِيئَةَ اللهِ وَلَكِن بِدُونِ العَمَلِ بِهَا بِحَسَبِ قَولِهِ"فَلَيسَ الَّذِينَ يَسمَعُونَ الشَّرِيعَةَ هُم أَبرَارٌ عِندَ الله بَلِ الَّذِينَ يَعمَلُونَ بِالشَّرِيعَة يُبَرَّرُون" (روم ٢/١٣).
وَيَدعَمُ هَذَا القَولُ مَار يَعقُوب بِقَولِهِ"أَرِنِي إِيمَانَكَ بِدُونِ أَعمَال وَأَنا اُرِيكَ بِالأَعمَالِ إِيمَانِي" (يعقوب ٢/١٨).
وَكُلُّ الَّذِينَ يَعرِفُونَ الشَّرِيعَةَ وَلا يَعمَلُونَ بِهَا يَصُحُّ بِهِم قَولُ بُولُس "لأَنَّهُم رَفَضُوا أَن يَثبُتُوا فِي مَعرِفَةِ اللهِ أَسلَمَهُم اللهُ إِلَى رَأْيٍ فَاسِدٍ حَتَّى يَفعَلُوا المَلَذَّات، مُمتَلِئِينَ مِن كُلِّ ظُلمٍ وَشَرِّ وَجَشَعٍ وَسُوءٍ، مُفعَمِينَ حَسَدًا وَقَتلاً وَمَكرًا وَلُؤْمًا، مُسِيئِينَ الظَّنَّ، نَمَامِينَ، مُبغِضِينَ، شَتَّامِينَ، مُدَّعِينَ، مُختَرِعِي الشُّرُورِ، عَاقِينَ لِوَالِدِيهم، لا فَهمَ لَهُم وَلا وَفَاء وَلا حَنَان وَلا رَحمَة"(روم ١/٢٨-٣١).
أَلَيسَ هَذَا مَا نَشهَدُهُ فِي أَيَّامِنَا وَأَوقَاتٍ كَثِيرَة نَحنُ نَعِيشُ كَذَلِك؟
فَمَا هُوَ المَطلُوب؟
المَطلُوبُ أَن يَعِيشَ الإِنسَانُ بِحَسَبِ شَرِيعَةِ الرَّبِّ، وَأَكثَرَ مِن ذَلِكَ كَمَالُ الشَّرِيعَة، وَكَمَالُ الشَّرِيعَةِ هِيَ المَحَبَّة بِحَسَبِ قَولِ بُولُس"لا يَكُن عَلَيكُم لِأَحَدٍ دَينٌ إِلَّا حُبُّ بَعضِكُم لِبَعض. فَمَنْ أَحَبَّ غَيرَهُ أَتَمَّ الشَّرِيعَةَ"(روم ١٣/٨) وَيُكمِلُ بِقَولِهِ"انَّ المَحَبَّةَ لا تَصنَعُ بِالقَرِيبِ شَرًّا، إِذا فَالمَحَبَّة هِيَ كَمَالُ الشَّرِيعَة"(روم ١٣/١٠).
وَيُعطِينَا الرَّبُّ يَسُوع قَاعِدَةً ذَهَبِيَّةً، إِن عِشنَا بِهَا نِلنَا الخَلاص "فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَن يَفعَلَهُ النَّاسُ لَكُم، افعَلُوهُ أَنتُم أَيضًا. هَذِهِ هِيَ التَّورَاةُ وَالأَنبِيَاء (الشَّرِيعَة)" (متى ٧/١٢).
مِن هُنَا نَسأَل : هَل نَبحَثُ عَنِ الخَلاص؟ هَل نَبحَثُ وَنَعِيشُ الإِيمَانَ العَامِلَ بِالمَحَبَّة ؟ هَل نَسعَى لِكَمَالِ الشَّرِيعَة؟
نَحنُ أَبنَاءُ القِيَامَةِ، هَل نُجَسِّدُ هَذِهِ القِيَامَةَ بِرَفضِنَا لِكُلِّ مَا يُعِيقُ خَلاصنَا مُنصَرِفِينَ لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ فَنَعِيشَ قَوَاعِدَ الحَيَاةِ المَسِيحِيَّةِ الَّتِي يُكَلِّمُنَا عَنهَا بُولُسَ فِي روم(١٢/٩-٢١).
لِنُصَلِّي إِلَى الرَّبِّ لِكَي يَمنَحَنَا النِّعمَةَ فَنَعرِفَ شَرِيعَتَهُ الَّتِي تَقُودُنَا إِلَى الإِيمَانِ العَامِلِ بِالمَحَبَّة فَنُؤْمِنَ بِهِ قَائِمًا مِنَ الأَموَاتِ فَنَدعُوَ بِاسمِهِ لِخَلاصِ نُفُوسِنَا. آمِين.

 

::: الإنجيل :::

36 وفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهـذَا، وَقَفَ يَسُوعُ في وَسَطِهِم، وقَالَ لَهُم: "أَلسَّلامُ لَكُم!".
37 فارْتَاعُوا، واسْتَوْلى عَلَيْهِمِ الـخَوْف، وكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُم يُشَاهِدُونَ رُوحًا.
38 فقَالَ لَهُم يَسُوع: "مَا بَالُكُم مُضْطَرِبِين؟ وَلِمَاذَا تُخَالِجُ هـذِهِ الأَفْكَارُ قُلُوبَكُم؟
39 أُنْظُرُوا إِلى يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ، فَإِنِّي أَنَا هُوَ. جُسُّونِي، وانْظُرُوا، فإِنَّ الرُّوحَ لا لَحْمَ لَهُ وَلا عِظَامَ كَمَا تَرَوْنَ لِي!".
40 قالَ هـذَا وَأَرَاهُم يَدَيْهِ وَرِجْلَيْه.
41 وَإِذْ كَانُوا بَعْدُ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ مِنَ الفَرَح، وَمُتَعَجِّبِين، قَالَ لَهُم: "هَلْ عِنْدَكُم هُنَا طَعَام؟".
42 فَقَدَّمُوا لَهُ قِطْعَةً مِنْ سَمَكٍ مَشْوِيّ، وَمِنْ شَهْدِ عَسَل.
43 فَأَخَذَهَا وَأَكَلَهَا بِمَرْأًى مِنْهُم،
44 وقَالَ لَهُم: "هـذَا هُوَ كَلامِي الَّذي كَلَّمْتُكُم بِهِ، وَأَنا بَعْدُ مَعَكُم. كانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ كُلُّ مَا كُتِبَ عَنِّي في تَوْرَاةِ مُوسَى، وَالأَنْبِيَاءِ وَالـمَزَامِير".
45 حِينَئِذٍ فَتَحَ أَذْهَانَهُم لِيَفْهَمُوا الكُتُب.
46 ثُمَّ قالَ لَهُم: "هـكذَا مَكْتُوبٌ أَنَّ الـمَسِيحَ يَتَأَلَّم، وَيَقُومُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ في اليَوْمِ الثَّالِث.
47 وبِاسْمِهِ يُكْرَزُ بِالتَّوْبَةِ لِمَغْفِرةِ الـخَطَايَا، في جَمِيعِ الأُمَم، إِبْتِدَاءً مِنْ أُورَشَلِيم.
48 وأَنْتُم شُهُودٌ عَلى ذلِكَ.
(لو 24\36-48)

 

::: أفكار من وحي الانجيل :::

القِيَامَةُ هِيَ جَوهَرُ إِيمَانِنَا المَسِيحِي، لِهَذَا يُكَثِّفُ يَسُوع ظُهُورَاتِهِ عَلَى تَلامِيذِهِ لِكَي يُثَبِّتَهُم بِإِيمَانِهِم.
وَنَرى فِي هَذَا الأَحَد اثبِاتاً عَمَلِيًّا وَحِسِّيًا للقِيَامَة مِن خِلالِ دَعوَةِ يَسُوعَ لِتَلامِيذِهِ لِيَلمِسُوهُ وَيَتَأَكَّدُوا أَنَّهُ هُوَ بِلَحمِهِ وَعِظَامِهِ وَأَكثَرَ مِن ذَلِكَ طَلَبَ مِنهُم طَعَامًا وَأَكَلَ أَمَامَهُم لِيُؤَكِّدَ لَهُم أَنَّ قِيَامَتَهُ هِيَ قِيَامَةٌ حَقِيقِيَّةٌ مِن بَينِ الأَموَاتِ وَانتِصَارٌ عَلَى المَوت، وَدَعَاهُم لِكَي يَكُونُوا شَهودٌ عَلَى ذَلِك.
لقد عَادَ بِهِم يَسُوع إِلَى تَعَالِيمِهِ وَنُبُؤَاتِ العَهدِ القَدِيم وَمَا كُتِبَ عَنهُ فِي تَورَاةِ مُوسَى وَالأَنبِيَاءِ والمَزَامِيرِ. وَأَكَّدَ قِيَامَتَهُ مِن خِلالِ مَا كُتِبَ أَنَّ المَسِيحَ يَتَأَلَّم وَيَمُوت وَيَقُوم مِن بَين اَلأموَات فِي اليَومِ الثَّالِث (أَلَيسَ هَذَا مَا نُعلِنُهُ فِي قَانُونِ إِيمَانِنَا عِندَمَا نَقُول : "... كَمَا فِي الكُتُب").
وَلِأَنَّ العَقلَ البَشَرِيَّ ليس قَادِراً عَلَى تَصدِيقِ حَدَثَ القِيَامَةِ بِقُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ، فَتَحَ أَذْهَانَهُم لِيَفهَمُوا الكُتُبَ (أَعطَاهُم نِعمَةً خَاصَّة).
فَأَينَ نَختَبِر هَذَا المَشهَد القِيَامِي وَنَعِيشُهُ فِي حَيَاتِنَا الإِيمَانِيَّة؟
يَقُولُ الرَّبُّ يَسُوع"فَحَيثُما اجتَمَعَ اثنَان أَو ثَلاثَة بِاسمِي، فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِم"(متَى ١٨/٢٠). وَنَحنُ فِي القُدَّاس، نَجتَمِعُ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، فَيَسُوعُ مَوجُودٌ بِقُوَّةٍ فِي جَمَاعَتِناَ المُصَلِّيَة.
- فِي القُدَّاس، نُصغِي إِلَى الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي مِن خِلالِهَا نَعرِفُ تَدبِيرَ الرَّبِّ الخَلاصِيّ وَيَسبِقُ ذَلِكَ صَلاتَنَا الَّتِي تَقُولُ :"أَيُّهَا الرَّبُّ القُدُّوس الَّذِي لا يَمُوت، قَدِّس أَفكَارَنَا وَنَقِّ ضَمَائِرَنَا، فَنُسبِّحَكَ تَسبِيحًا نَقِيًّا وَنُصغِيَ إِلَى كُتُبِكَ المُقَدَّسَة."
- وَفِي القُدَّاسِ، أَكثَرَ مِن مَرَّة يُعلِنُ الكَاهِنُ بَاسمِ المَسِيح " السَّلامُ لِجَمِيعِكُم"، مَعَ فَرقٍ جَمِيلٍ عَنِ النَّصِّ الإِنجِيلي وَهُوَ كَلِمَةُ "جَمِيع" الَّتِي تَتَوَسَّطُ الكَلِمَة وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّنَا جَمَاعَةُ سَلامٍ بِالرَّبِّ يَسُوع وَهَذَا السَّلامُ نَابِعٌ مِن قِيَامَةِ المَسِيحِ مِن بَينِ الأَموات.
- فِي الإِنجِيل، طَلَبَ يَسُوع طَعَامًا لِيُثبِتَ حَقِيقَةَ قِيَامَتِهِ، أَمَّا هُنَا فِي القُدَّاسِ فَالأَمرُ مَعكُوسٌ وَهُوَ أَنَّ الرَّبَّ يُقَدِّمُ ذَاتَهُ طَعَامًا لَنَا عُربُونًا لِحَيَاتِنَا الأَبَدِيَّة وَمُشَارَكَةً مَعَهُ فِي مَجدِ القِيَامَةِ.
- فِي الإِنجِيلِ نَرَى التَّلامِيذَ يَعِيشُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ عَن حَدَثِ المَوتِ وَالقِيَامَة وَفِي القُدَّاس نَذكُرُ مَوتَهُ وَقِيَامَتَهُ حَتَّى مَجِيئِهِ.
فَهَذِهِ نِعمَةٌ لَنَا يُعطِينَا إِيَّاهَا الرَّبُّ بِمَجَّانِيَّة، فَلِمَاذَا نَحرِمُ نُفُوسَنا مِنهَا وَلِمَاذَا لا نُشَارِكُ فِي مَوتِ المَسيحِ وَقِيَامَتِهِ وَنُشَارِكُ جَمَاعَةَ القِيَامَةِ هَذَا الفَرَح مَصَدِّقِينَ مُعلِنِينَ أَنَّ المَسِيحَ قَامَ مِن بَينِ الأَمواتِ وَنَحنُ شُهودٌ عَلَى ذَلِك.

 

::: تأمّل روحي :::

 

سلامي؟ عبور!

 

في صبيحة اليوم الثالث للقيامة، ظهر يسوع بين التلاميذ كالربيع المُعلِنِ بِدءَ حياةٍ جديدة... "السّلام عليكم" (لو24:36). كلمتان اثنتان خرجتا صاعقتين كدحرجة الحجر عن باب القبر، فارتعبوا!
* نظروا إلى نورٍ في جسدٍ عرفوه، وعانقوه مرارًا على مدى ثلاث سنوات. أكلوا من خبزِ آياته ، وشربوا من الماء خمرةً فريدةً في عرس قانا. ذُهِلوا واضطربوا لأنّهم كانوا يتوقّعون أن يروا مسيحًا مهشّمًا، غارقًا جسده في الندوب والجراح، وإذا بهم يرون جسدًا ممجّدًا، نورانيًّا، آثار المسامير تؤكّد هويّته، أنّه "هو"، المسيح ابن مريم المنتصر توًّا على الموت.


إنّهم ما زالوا مادّيّين، لا يدركون بعد الأشياء إلاّ بلغة المرئيّ والمحسوس، فحاكى فيهم حاسّة النّظر "أنظروا إلى يديّ ورجليّ"، ثمّ حاسّة اللمس "إلمسوني وتحقّقوا". كما أنّه رَغِب أن يُرينا بأعينهم وإيمانهم، مآلنا يوم القيامة: أجسادنا هذه، تشبه حبّة القمحِ المثقلة بذاتها ومادّيتها، توارى الثرى، فتتعفّن وتتلاشى، إلى أن تقوم إلى حياةٍ جديدةٍ متدثّرةً بحًلّةِ فرحٍ عظيمٍ، يرفعها صوب الشمسِ ملأى بالثمار الطيّبةِ الّتي طالما غذّتها واحتضنتها في الحشا.


ألم يكن ذلك دعوة إلى تثبيت إيمان الرسل وتجذيره في القلوب، بدعم الحواس، كي يعلنوه للعالم أجمع، ويخبروا الّذين لم يروا ولم يلمسوا، بما عاينوه؟


* غريب امرُ هذا السّيّد، المسيح يسوع! غريبة دروبه ومسالكه! لقد طلب أن "يأكل"، وهو مشبع الجياع ومكفي الفقراء. ربّما ما كتبه القدّيس غريغوريوس الكبير، يوضح لنا صورة هذه الآية :" هذه السمكة المشويّة، ترمز إلى المسيح؛ لقد أراد أن ينزل ويدخل إلى "محيط" الكائن البشريّ، تاركًا ذاته يؤخذ في شباك موتنا. ثمّ عَبَر وسط نار آلامنا، بآلامه، وها هو يعطينا الآن ذاته". مِن غرابة ما حدث، فهم التّلاميذ جوهر الرسالة، آمنوا بها وبما عاينوه من بعدُ، وقرّروا الغوص معه ، فحملوه إلى العالم أجمع، "دون أن يردعهم رادع الموت أم الضيق أم البشر".


* كم نشبه أولئك التلاميذ. كم هي كبيرة وعظيمة حياتنا مع المسيح! بَذْل ذاته لنا في القربانِ ليست برمزيّة، إنّما هي "سرّيّة": لقد عاشها في تسليم ذاته لِعُنْف البشر وشراسة أفكارهم... كلّ ذلك العنف وتلك الأفكار الّتي سمّمت كلّ علاقة إنسانيّة، وقتلت السلام الداخليّ فيما مضى، ما زالت مُكشِّرةً عن أنياب الحقد، ناهشةً كلّ مَن حاول أن يبتسم للحياة مع المسيح، أو يلقي برأسه على أقدام صليبه كي يرتاح.


أين هو السلام الّذي اُعطيناه مجّانًا؟ هل نؤمن أنّه، ما علينا سوى قبوله، دونما عناء، كي ننعم بالطمأنينة، ونتنشّق حرّيّة، ونرتشف عبير الفرح من المسيح؟... أين هو العالم منه اليوم؟ قد نُسَرّ بالتطوّر الحاصل، رغم ما يحمل من وحشيّة وظلم، وقتلٍ واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان؟ عنفٌ بعنفٍ يحاول مَحْوَ الحبّ، وإلغاء معنى الوجود، إلغاء الله بالذات؟ أليست مسؤوليتنا أن نفتح قلوبنا على ما كلّم به تلاميذه، وكأنّه موجّه لكلٍّ منّا بشخصه: "سلامي أعطيكم..."؟ هل نخاف المرور بجلجلةٍ ما، إن قَبِلناه؟ ربّما ذلك محتّم على أبناء الإيمان، في بعض الأحيان؛ ولكن، هل الخوف هو على أنفسنا من الألم، أم هو خوفٌ من ازدياد النكران للحبيب يسوع، رغم سعْيِنا بطرقٍ لا تشبه الفوقيّة ولا تَقرب امتيازات الحضارة الفاحشة بشيء؟


لقد أثبت لنا، كيف، بالصليبِ زعزع ممالك الدنيا، وقَلَبَ مقاييس ومعتقدات الملوك والأباطرةِ رأسًا على عقِب، من أجل كرامة الإنسان وحرّيّته وخلاصه. فلا يجوز أن نتنازل إذًا عن سلام المسيح في القلبِ لئلاّ يهرب الفرح، ويتلاشى رجاؤنا بالقيامة. ولا نضيفنّ خوفًا على خوفنا من الّذي يحصل لنا وحولنا. ولنحرص على ألاّ تغيب شمس إيماننا، حتّى وإن طال انتظارنا لِلُقيا وجه الحبيب. فسلام المسيح هذا، لا يمكن أحدٌ في الدنيا أن يعطيه. به تكون لنا القدرة على العبور، فهو جواز سفرنا إلى الأبديّة.

 

المقدّمة والصلاة

من إعداد

الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

nkastoun@idm.net.lb

 

تأمّلات من وحي القراءات
من إعداد
الخوري جوزيف هلال
(خادم رعيّة الأربعين شهيد – القبيات الغربيّة)

papajoe_13@hotmail.com

 

التأمّل الروحي

من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
Jamileh.daher@hotmail.com