زمن القيامة
 

خميس الصعود
(13 أيار 2010)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

• إنّه يوم خميس الصعود، وهو اليوم الأربعون من بعد القيامة.
• في المقطع المختار من أعمال الرسل، يوصي الربّ يسوع الجماعة الكنسيّة بضرورة التحرّر من الهوس بمعرفة المستقبل لتتمكن من القيام بالمهمّة الموكولة إليها أي الشهادة له ولتعاليمه.
• أما في مقطع الإنجيل المختار من مرقس، فيدعونا الربّ إلى الثقة بحضوره الدائم إلى جانب كلّ من اختار أن يكون أميناً لرسالة الشهادة.
تدعونا الكنيسة إذاً، في هذا الأحد، إلى التذكّر الدائم لآخر كلمات يسوع على هذه الأرض والسعي لتتميمها في حياتنا وسيرتنا.

 

::: صلاة :::

يا ربّ، فيما نعيّد ذكرى صعودك إلى السماء، نرفع إليك عيوننا وقلوبنا وعقولنا لتعيننا أمام صعاب هذا العالم ومآسيه.
هبنا اليوم الشجاعة لنكون أمناء على مهمّتنا الرّسوليّة فنبقى على الدوام شهوداً لمحبّتك ولخلاصك، يا من تحيا وتملك مع أبيك وروحك الحيّ القدّوس، إلى الأبد، آمين.

 

::: الرسالة :::

1 لَقَدْ دَّوَنْتُ في الكِتَابِ الأَوَّل، يَا تِيُوفِيل، كُلَّ مَا عَمِلَ يَسُوعُ وعَلَّم، مُنْذُ بَدْءِ رِسَالَتِهِ،
2 إِلى اليَوْمِ الَّذي رُفِعَ فِيهِ إِلى السَّمَاء، بَعْدَ أَنْ أَعْطَى بِـالرُّوحِ القُدُسِ وَصَايَاهُ لِلرُّسُلِ الَّذينَ اخْتَارَهُم.
3 وقَدْ أَظْهَرَ لَهُم نَفْسَهُ حَيًّا بَعْدَ آلامِهِ بِكَثِيرٍ مِنَ الأَدِلَّة، وهُوَ يَتَرَاءَى لَهُم مُدَّةَ أَرْبَعِينَ يَومًا، ويُكَلِّمُهُم عَنْ شُؤُونِ مَلَكُوتِ الله.
4 وفِيمَا هُوَ يَأْكُلُ مَعَهُم، أَمَرَهُم أَلاَّ يُغَادِرُوا أُورَشَلِيم، بَلْ أَنْ يَنْتَظِرُوا فيهَا وَعْدَ الآبِ "الَّذي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي؛
5 لأَنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِـالـمَاء، أَمَّا أَنْتُم فَسَوفَ تُعَمَّدُونَ بِـالرُّوحِ القُدُسِ بَعْدَ بِضْعَةِ أَيَّام".
6 وكَانَ الـمُجْتَمِعُونَ يَسْأَلُونَهُ قَائِلين: "يَا رَبّ، أَفِي هـذَا الزَّمَانِ تُعِيدُ الـمُلْكَ لإِسْرَائِيل؟".
7 فَقَالَ لَهُم: "لَيْسَ لَكُم أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ والأَوْقَاتَ الَّتِي حَدَّدَهَا الآبُ بِسُلْطَانِهِ الـخَاصّ.
8 لـكِنَّكُم سَتَنَالُونَ قُوَّةً بِحُلُولِ الرُّوحِ القُدُسِ عَلَيْكُم، وتَكُونُونَ لِي شُهُودًا في أُورَشَلِيم، وفي كُلِّ اليَهُودِيَّةِ والسَّامِرَة، حَتَّى أَقَاصِي الأَرض".
9 ولَمَّا قَالَ هـذَا، رُفِعَ بِمَرأًى مِنْهُم، وحَجَبَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ عُيُونِهِم.
10 وفيمَا كَانُوا شَاخِصِينَ إِلى السَّمَاء، وهُوَ ذَاهِب، إِذَا رَجُلانِ قَدْ وقَفَا بِهِم في ثِيَابٍ بَيْضَاء،
11 وقَالا: "أَيُّهَا الرِّجَالُ الـجَلِيلِيُّون، مَا بَالُكُم واقِفِينَ تُحَدِّقُونَ إِلى السَّمَاء؟ إِنِّ يَسُوعَ هـذَا الَّذي رُفِعَ عَنْكُم إِلى السَّمَاءِ سَيَأْتي كَمَا رَأَيْتُمُوهُ ذَاهِبًا إِلى السَّمَاء!".
12 حِينَئِذٍ رَجَعُوا إِلى أُورَشَليمَ مِنَ الـجَبَلِ الـمَدْعُوِّ جَبَلَ الزَّيْتُون، وهُوَ قَرِيبٌ مِنْ أُورَشَلِيم، على مَسِيرَةِ سَبْتٍ مِنهَا.
13 ولَمَّا دَخَلُوا الـمَدينَة، صَعِدُوا إِلى العِلِّيَّة، الَّتِي كَانُوا يُقِيمُونَ فِيهَا، وهُم: بُطْرُسُ ويُوحَنَّا ويَعْقُوبُ وأَنْدرَاوُس، فِيلبُّسُ وتُومَا، بَرْتُلْمَاوُسُ ومَتَّى، يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى وسِمْعَانُ الغَيُورُ ويَهُوذَا بْنُ يَعْقُوب.
14 هـؤُلاءِ كُلُّهُم كَانُوا مُوَاظِبينَ عَلى الصَّلاةِ بِنَفْسٍ وَاحِدَة، مَعَ بَعْضِ النِّسَاء، ومَرْيَمَ أُمِّ يَسُوع، ومَعَ إِخْوَتِهِ.
( رسل 1\1-14)

 

::: أفكار من وحي الرسالة :::

في يوم خميس الصعود، نتأمّل سويّة في هذا النص من سفر أعمال الرسل، من الفصل الأول، حيث نصغي إلى الربّ يسوع يقول لنا، عبر تلاميذه، "لَيْسَ لَكُم أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ والأَوْقَاتَ الَّتِي حَدَّدَهَا الآبُ بِسُلْطَانِهِ الـخَاصّ. لـكِنَّكُم سَتَنَالُونَ قُوَّةً بِحُلُولِ الرُّوحِ القُدُسِ عَلَيْكُم، وتَكُونُونَ لِي شُهُودًا في أُورَشَلِيم، وفي كُلِّ اليَهُودِيَّةِ والسَّامِرَة، حَتَّى أَقَاصِي الأَرض".
بدايةً، يذكّرنا الربّ يسوع بضرورة التحرّر من هوسنا بمعرفة المستقبل الّذي غالباً ما يكبّلنا ويقيّدنا وينغّص علينا عيش حاضرنا، بكلّ أبعاده، ليبعد أنظارنا عمّا يجدر بنا تتميمه وعيشه، وليقصر همّنا على الخوف من المجهول ومن الآتي الغامض المعالم!
فما يجدر بنا تتميمه هو الشهادة للربّ يسوع ... "حتّى أقاصي الأرض" ولكنّننا غالباً ما نمضي العمر في السعي الدؤوب نحو تجنّب ما "يخبّئه لنا المستقبل" بسبب ما زرعته في نفوسنا ثقافتنا الشعبيّة من أمثالٍ و"حكم" تشجّع على ثقافة الخوف والحذر، كما يظهره لنا المثل الشعبيّ الأشهر: "خبّي قرشك الأبيض ليومك الأسود"!
فخوفنا من اليوم "الأسود" يجعلنا نلهث خلف ضمانات المال والمعارف والسلطة والتي نكرّس لها معظم عمرنا وبالطبع على حساب مهمّتنا الأساسيّة، لا بل سبب وجودنا، أي البشارة بالربّ يسوع!
هنا نفهم أهميّة الوعد بالروح القدس الّذي من أبرز أدواره نزع الخوف من قلوب المؤمنين ومنحهم الشجاعة والقوّة للانطلاق في ميادين الرّسالة المتعدّدة داخل الأسرة والعمل والمجتمع!
وهنا نذكّر بقول الربّ يسوع: "خَيْرٌ لَكُم أَنْ أَمْضِي. فَإِنْ لَمْ أَمْضِ لا يَأْتِ إِلَيْكُمُ البَرَقْليطُ الـمُعَزِّي"(يو16/7).
وما هذا القول سوى تأكيدٌ لمدى فهم ربّنا للطبيعة البشريّة للرسل وللجماعة الأولى ومن بعدهم الكنيسة كلّها التي كان لا بدّ من "فطامها" عن حضور الربّ "الماديّ" لتكبر وتنمو بالرّوح القدس ومع الروح القدس بنعمة حضور الربّ "الروحيّ" والأسراريّ.
فلو بقي الربّ يسوع معهم لما أصبح الرسل شهوداً شجعاناً ولاكتفوا بالوقوف خلف "المعلّم" في لحظات القوّة وتلطّوا خلفه في أوقات المحن!
تدعونا هذه القراءة إذاً إلى عدم الوقوف (أي الجمود) محدّقين إلى السماء بل إلى المضيّ من جديد في طرق الرّسالة (أي الحركة) كلّ من موقعه وحيث شاء له الربّ أن يعيش ليشهد لمحبّته ولعظمته!
لنسأل الربّ، في مناسبة هذا العيد، أن يمنحنا بقوّة الرّوح القدس ومعونته الشجاعة والإرادة لنعود ولنظلّ شهوداً له إلى أبد الدهور، آمين.

 

::: الإنجيل :::

15 ثُمَّ قَالَ لَهُم: "إِذْهَبُوا إِلى العَالَمِ كُلِّهِ، وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّها.
16 فَمَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ يَخْلُص، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ فَسَوْفَ يُدَان.
17 وهـذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الْمُؤْمِنين: بِاسْمِي يُخْرِجُونَ الشَّيَاطِين، ويَتَكَلَّمُونَ بِلُغَاتٍ جَدِيدَة،
18 ويُمْسِكُونَ الْحَيَّات، وَإِنْ شَرِبُوا سُمًّا مُمِيتًا فَلا يُؤْذِيهِم، ويَضَعُونَ أَيْدِيَهُم عَلى الـمَرْضَى فَيَتَعَافَوْن".
19 وبَعْدَمَا كَلَّمَهُمُ الرَّبُّ يَسُوع، رُفِعَ إِلى السَّمَاء، وجَلَسَ عَنْ يَمِينِ الله.
20 أَمَّا هُم فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا في كُلِّ مَكَان، والرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُم وَيُؤَيِّدُ الكَلِمَةَ بِمَا يَصْحَبُها مِنَ الآيَات.
(مر 16\15-20)

 

::: تـأمل من وحي الانجيل :::

من منّا لم يعاني من ألم فراق محبوبٍ ولو كان يغادر إلى حين؟!
من منّا لم يقاسي ألم الوداع والفراق وخاصّةً إذا كان يعلم مسبقاً أنّ اللقاء لن يعود ممكناً بالوسائل والطرق والأساليب نفسها؟!
هذه كانت حال التلاميذ – على المستوى البشريّ - وهم "يودّعون" يسوع بكونهم لن يتمكّنوا، بعد صعوده، من معاينته بعين الجسد، بعد ثلاث سنواتٍ بأيامها ولياليها، خبروا معه فيها "الحلو" و"المرّ" ولحظات القوّة والضعف،...
بالطبع لم تكن هذه اللحظة طبعاً لحظة "سعادة مطلقة" وإن كانوا يعلمون سلفاً أن ما سيحصل هو لخيرهم ولخير الكنيسة، كما سبق وأكّد لهم الربّ بنفسه حين قال لهم: "خَيْرٌ لَكُم أَنْ أَمْضِي. فَإِنْ لَمْ أَمْضِ لا يَأْتِ إِلَيْكُمُ البَرَقْليطُ الـمُعَزِّي"(يو16/7).
موقفهم – عاطفياً - أقرب إلى موقف الأهل يوم زواج أولادهم فهم يدركون أنّهم ينطلقون نحو خيرٍ أعظم ولكنّ ذلك لا ينفي "غصّتهم" لأنّ أولادهم، وبشكلٍ من الأشكال، سينسلخون عنهم ابتداءاً من هذا النهار! ويمكننا حتى أن نذهب أبعد من ذلك فنقول أن الرسل كانوا يودّعون ضمانتهم وسرّ قوّتهم ونفوذهم الوحيد!
كلّ هذه الأحاسيس كانت لتغلب على مشاعرهم لولا إيمانهم بأنّ حضور الربّ سيستمرّ ولكن بطرقٍ جديدة، عبر الإفخارستيا وفي قلب جماعة المؤمنين، وهو ما حاول يسوع، في كلّ ظهوراته، أن يؤكّده لهم، كما فعل مثلاً حين اختفى عن ناظريّ تلميذي عماوس لدى كسر الخبز...
المسألة إذاً أصبحت، منذ يوم الصعود، مسألة إيمانٍ ورجاءٍ بحضور الربّ داخل الكنيسة ومع الكنيسة، وأمانةٍ لدعوة الشهادة والرسالة أمام الّذين لم يصبحوا بعد من أبنائها!
خميس الصعود مناسبةٌ لنا لنتجدّد فنخلع عنّا كسلنا الروحيّ وغرقنا في روتين ممارساتنا الدينيّة فنعود إلى ذواتنا ونجدد اندهاشنا أمام عظمة سرّ حضور الربّ يسوع في الكلمة (الكتاب المقدّس) وفي الإفخارستيا (القربان المقدّس)، اللذين بمقدار ما نغتذي منهما، نتوصّل إلى تحقيق دعوة الربّ إلينا: "إِذْهَبُوا إِلى العَالَمِ كُلِّهِ، وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّها"
لا يريدنا الربّ أن نبقى أسرى حضوره كما الولد الصغير الّذي يخشى المشي إلا بحضور أهله بل يريد أن يجعلنا حضوره أقوى وأنشط للانطلاق صوب تحقيق هدف وجودنا الأول والأهمّ: تمجيد اسمه في حياتنا!
الربّ إذاً لم يترك الكنيسة يوم الصعود بل أعطاها سبباً لتندفع نحو "الواقعية" فتنهل القوّة من السماء لتعيش بعمقٍ رسالتها على الأرض!
يمكننا هنا تشبيه هذا الموقف بنهاية فترة شهر العسل حين يبدأ العروسان فعلاً بعيش متطلّبات الزواج الواقعيّة والحقيقيّة ومتى واجهتهما الصعوبات يعودان بالذاكرة إلى تلك الفترة المميّزة لينطلقا من جديد بقوّة وعزم.
في هذا العيد، يدعونا الربّ يسوع للاتكال عليه مهما واجاهتنا الصعاب (بِاسْمِي يُخْرِجُونَ الشَّيَاطِين، ويَتَكَلَّمُونَ بِلُغَاتٍ جَدِيدَة، ويُمْسِكُونَ الْحَيَّات، وَإِنْ شَرِبُوا سُمًّا مُمِيتًا فَلا يُؤْذِيهِم، ويَضَعُونَ أَيْدِيَهُم عَلى الـمَرْضَى فَيَتَعَافَوْن") وإن ضعفنا أو شعرنا بالخوف يؤكّد لنا إنجيل اليوم: "والرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُم وَيُؤَيِّدُ الكَلِمَةَ بِمَا يَصْحَبُها مِنَ الآيَات".
"فلنصعد" إذاً مع الربّ تاركين همومنا ومخاوفنا خلفنا ولنغرف من حضوره القوّة والشجاعة للمضيّ في طريق الشهادة، آمين.

 

::: تأمّل روحي :::

 

بصعوده رفعنا ...


من ضعف وشكّ التلاميذ، وفرح الطفل الّذي فوجئ بعودة بعد طول انتظار، جعلهم الربّ رسلاّ، ثابتين في الإيمان، وأرسلهم كي "يكرزوا بالأنجيل" حتّى أقاصي الأرض. فأخبروا بما اختبروه من خوفٍ في أوقات الضعف، ومن قوّةٍ لمجابهة الموت، مُظلِّلاً إيّاهم بروحه، ومثبّتهم بالإيمانٍ بقيامته من الموت منتصرًا.


لقد رؤوه بحقٍّ، صاعدًا بجسده إلى السماء، إلى أبيه، حيث مكانه في المجد الأبديّ، لكنّهم أدركوا أنّه لم يبتعد عنهم، أنّما لم يعد منظورًا، حسّيًا،لأنّه تخطّى المادّيّة بالزّمان والمكان والجّسد، ليكون سرّيًا، في الإفخارستيّا، في كلّ بقعةٍ من بقاع الأرض، وعمليًا، حالاًّ في كلّ إنسان قَبِلَ المعموديّة وآمن بها، متجلّيًا حتّى في صغائر حياته اليوميّة، كي يرقى به نحو الخير الأسمى، ("فَمن اعتمد وآمن يخلص")، مُخلّصًا إيّاه من عبء الجسد وإغراءاته وميوله.


فهل نؤمن اليوم بحلول المسيح فينا مذ اعتمدنا بالماء والروح؟ هل نؤمن بأنّنا نلنا قوّةً من روحه وَبِتْنا "قادرين على الشّفاء..." وبأنّنا بقدرته "نشرب السّم ونمسك الحّيات... دون أن يصيبنا سوء" ؟ بمعنى آخر:أنّنا سنتغلّب على كلّ المخاطر، ونتخطّى الصعوبات في كلّ آنٍ ما دمنا في قلب الله، و"أبواب الجحيم لن تقوى" علينا ولا على الكنيسة المنتشرة؟


ربّما ما زلنا نشبه، في أكثر المواقف، أولئك الجّليليّين، "ما زِلْنا واقفين نننظر إلى السماء" حتّى اليوم، متصوّرين أن المسيح بصعوده، قد انفصل عنّا وأصبح في عالَمٍ غير عالمنا. فنفصل، نحن، بين الحياتين: الأرضيّة والسماويّة، فَنَظلّ غير مدركين أنّنا امتدادٌ للسماء، إذ أنّ المسيح هو رأس الجسد السرّيّ ونحن أعضاءه، وأنّ روحه ، هو الباعث فينا الحياة. كما وأنّنا، كي لا نُدان، نتجنّب أحيانًا فهم غايته، أنّه بصعوده قد رفعنا نحن أيضّا من مادّيتنا "مُؤَلْهِنًا" إنساننا، محرِّرًا إيّانا من قيود العالم والذّات(الدونيّة)، جاعلاً منّا خليقةً مُجدّدةً بروح الحقّ، مسلّحةً بنعمة الحبّ المجّانيّ، والحكمة، والقوّة للتَّغلُّب على الضيقات، وللتّحَكُّم بالأهواء والمشاعر...


ما من أحدٍ يستطيع نكران ما شوّهناه من صورة ومثال الله في ذواتنا، ولكن علينا أن نكتشف "عاهاتنا"، سبب انفصالنا عن الآب، كي، بالإيمان، نرمّم ما كسرناه، وبالحبّ، حبّ الآب "من كلّ القلب والفكر والقوّة" نعبر من قبولنا لذاتنا إلى قلب الآخر ف"نحبّ، عندها، القريب حبّنا لأنفسنا". كلّنا مدعوّون للقداسة والمجد. لا نخف إذن من الصليب، ولا نيأس من ضعفنا، بل "لِنَتَقوَّ بالذّي يقوّينا" أي بالمسيح يسوع. وإن نظرنا إلى السماء لا ننسى أنّ أرجلنا ما زالت على الأرض تنتظر أن تقودنا، كي ننقل مواهب السماء وحبّها كلّه إلى كلّ من نلتقيه.

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من وحي الرسالة وأفكار من وحي الإنجيل

من إعداد

الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

nkastoun@idm.net.lb

 

التأمّل الروحي

من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
Jamileh.daher@hotmail.com