زمن القيامة
 

الأحد السابع للفصح
وصيّة يسوع الجديدة
(16 أيار 2010)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

• إنّه الأحد السابع وهو الأخير في زمن الفصح.
• في المقطع المختار من الرسالة إلى أهل أفسس، نصلّي، مع مار بولس، من أجل الكنيسة كلّها ولا سيّما من أجل كنيستنا المارونيّة في عكار، التي تستقبل اليوم راعيها، غبطة أبينا السيّد البطريرك، مار نصر الله بطرس صفير، الكليّ الطوبى. الّذي سيتلو على مسامعنا، مقطعاً من إنجيل يوحنا، لنصغي، من جديد، إلى وصيّة الربّ يسوع المسيح "الجديدة"، لنفحص ضميرنا على أساسها ولننظر مدى التزامنا بعيشها وتطبيقها!


تدعونا الكنيسة إذاً، في هذا الأحد، إلى تجديد محبّتنا لله ولبعضنا البعض فنحقّق دعوتنا لنكون شهوداً له بمسلكيّتنا وروحانيّتنا كما قال لنا في ختام إنجيل اليوم: "بِهـذَا يَعْرِفُ الـجَمِيعُ أَنَّكُم تَلامِيذِي، إِنْ كَانَ فيكُم حُبُّ بَعْضِكُم لِبَعْض".

 

::: صلاة :::

يا رب، تدعونا، في هذا الأحد، قائلاً: "وَصِيَّةً جَديدَةً أُعْطِيكُم، أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُم بَعْضًا. أَجَل، أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُم بَعْضًا كَمَا أَنَا أَحْبَبْتُكُم".
نشكرك أوّلاً يا ربّ، من أجل هذه الوصيّة الجديدة، التي تعطي معنى لحياتنا فبالأمانة لها وبتطبيقها يعرف العالم سبب وجودنا وسرّ حياتنا: أن يعرف الناس أننا تلاميذك!
نعم يا ربّ، حسبنا أن نكون من تلاميذك ففرحنا يكمن في أن نكون بك ونعيش لك ونشهد لك مع كلّ نفسٍ وكلّ موقفٍ...
هبنا اليوم يا ربّ، بروحك القدّوس، القوّة والشجاعة لنحبّ رغم كلّ العوائق والصعوبات ولنغفر رغم كلّ المعاكسات والمناكفات، فيتمجّد بنا اسمك القدّوس واسم أبيك وروحك القدّوس إلى أبد الآبدين، آمين.

 

::: الرسالة :::

15 فَلِذلِكَ أَنَا أَيْضًا، وقَدْ سَمِعْتُ بإِيْمَانِكُم بِالرَّبِّ يَسُوع، ومَحَبَّتِكُم لِجَمِيعِ الإِخْوَةِ القِدِّيسِين،
16 لا أَزَالُ أَشْكُرُ اللهَ مِنْ أَجْلِكُم، وأَذْكُرُكُم في صَلَواتِي،
17 لِيُعْطِيَكُمْ إِلـهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيح، أَبُو الـمَجْد، رُوحَ الـحِكْمَةِ والوَحْيِ في مَعْرِفَتِكُم لَهُ،
18 فَيُنِيرَ عُيُونَ قُلُوبِكُم، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، ومَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيراثِهِ في القِدِّيسِين،
19 ومَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الفَائِقَةِ مِنْ أَجْلِنَا، نَحْنُ الـمُؤْمِنِين، بِحَسَبِ عَمَلِ عِزَّةِ قُوَّتِهِ،
20 الَّذي عَمِلَهُ في الـمَسِيح، إِذْ أَقَامَهُ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، وأَجْلَسَهُ إِلى يَمِينِهِ في السَّمَاوَات،
21 فَوقَ كُلِّ رِئَاسَةٍ وسُلْطَانٍ وقُوَّةٍ وسِيَادَة، وكُلِّ اسْمٍ مُسَمَّى، لا في هـذَا الدَّهْرِ وحَسْبُ، بَلْ في الآتي أَيْضًا؛
22 وأَخْضَعَ كُلَّ شَيءٍ تَحْتَ قَدَمَيْه، وجَعَلَهُ فَوْقَ كُلِّ شَيء، رَأْسًا لِلكَنِيسَة،
23 وهِيَ جَسَدُهُ ومِلْؤُهُ، هُوَ الَّذي يَمْلأُ الكُلَّ في الكُلّ.
(أف 1\15-23)

 

::: الإنجيل :::

31 فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ يَسُوع: "أَلآنَ مُجِّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ ومُجِّدَ اللهُ فِيه.
32 إِنْ كَانَ اللهُ قَدْ مُجِّدَ فِيه، فَاللهُ سَيُمَجِّدُهُ في ذَاتِهِ، وحَالاً يُمَجِّدُهُ.
33 يَا أَوْلادي، أَنَا مَعَكُم بَعْدُ زَمَنًا قَلِيلاً. سَتَطْلُبُونِي، ولـكِنْ مَا قُلْتُهُ لِلْيَهُودِ أَقُولُهُ لَكُمُ الآن: حَيْثُ أَنَا أَمْضِي لا تَقْدِرُونَ أَنْتُم أَنْ تَأْتُوا.
34 وَصِيَّةً جَديدَةً أُعْطِيكُم، أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُم بَعْضًا. أَجَل، أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُم بَعْضًا كَمَا أَنَا أَحْبَبْتُكُم.
35 بِهـذَا يَعْرِفُ الـجَمِيعُ أَنَّكُم تَلامِيذِي، إِنْ كَانَ فيكُم حُبُّ بَعْضِكُم لِبَعْض".
(يو 13\31-35)

 

::: أفكار من وحي الرسالة والانجيل :::

في الأحد الأخير من زمن الفصح، نصغي سويّة إلى هذه القراءة من الرسالة إلى أهل أفسس، حيث كتب مار بولس: "وقَدْ سَمِعْتُ بإِيْمَانِكُم بِالرَّبِّ يَسُوع، ومَحَبَّتِكُم لِجَمِيعِ الإِخْوَةِ القِدِّيسِين".
هنيئاً لهم أهل افسس فقد اشتهروا بالإيمان وبالمحبّة وهما صفتان أصبحنا، مع الأسف، نفتقر إليهما في مجتمعنا اليوم!


فيكفي أن ننظر حولنا وبدايةً إلى أنفسنا لندرك كم نحن بعيدون عن الإيمان العميق بالربّ. فنحن غالباً أسرى الإيمان التقليدي الموروث الحافل بآلاف المغالطات التي تماهت مع الزمن بممارستنا ومعتقداتنا لدرجةٍ أصبح فيها من الصعب على المؤمن - بشكلٍ سطحيّ – بين ما هو أساسيّ وما هو ثانويّ، لا بل قل بين ما هو صحيح وما هو خطأ!


وهذا النوع من الإيمان يحمل في طيّاته أسباب الفشل! فهو الّذي يؤدّي إلى تربية جيلٍ جديد متمرّد على مجموع مكونّاته كردّة فعلٍ على بعض عناصره، والتي غالباً، تكون من المعتقدات الدخيلة، المطلوب حذفها أو تعديلها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

 

باطل صحيح
الاعتقاد بالقدر الإيمان بالعناية الإلهيّة
الاعتقاد بغضب الله وانتقامه الإيمان بمحبّة الله
الاعتقاد باستجابة الله للدعوات الشرّيرة الإيمان بمفعول وقوّة الصلاة

 

هذا الجدول البسيط يظهر لنا كم ابتعدنا عن الجوهر الّذي لا يمكن استعادته من دون تسليم ذواتنا لعناية الرّوح القدس - ونحن في الأحد السابق للعنصرة - الّذي ينضح فيها من جديد، "رُوحَ الـحِكْمَةِ والوَحْيِ"، ووحده يقدر أن يُنِيرَ عُيُونَ قُلُوبِنا، لِنَعْلَمَ مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِنا، ومَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيراثِهِ في القِدِّيسِين...


دون هذا الروح، يضعف إيماننا وتذبل محبّتنا مما ينسينا "قُدْرَة الله الفَائِقَةِ" ويجعلنا أسرى خوفنا من "كُلِّ رِئَاسَةٍ وسُلْطَانٍ وقُوَّةٍ وسِيَادَة" وكأننا نطيح بالانتصار الّذي سبق وحققه الله عليها، بموت وقيامة الربّ يسوع، حين "أَخْضَعَ كُلَّ شَيءٍ تَحْتَ قَدَمَيْه، وجَعَلَهُ فَوْقَ كُلِّ شَيء، رَأْسًا لِلكَنِيسَة".


فليكن لنا هذا الأحد وهذه القراءة مناسبةً لنعيد إلى إيماننا نقاوته فنشذّبه ونطرح عنه ما يبس وما عفن فينعش ويزهو من جديد بالمحبّة التي أوصانا بها الربّ يسوع في إنجيل اليوم قائلاً: "وَصِيَّةً جَديدَةً أُعْطِيكُم، أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُم بَعْضًا. أَجَل، أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُم بَعْضًا كَمَا أَنَا أَحْبَبْتُكُم. بِهـذَا يَعْرِفُ الـجَمِيعُ أَنَّكُم تَلامِيذِي، إِنْ كَانَ فيكُم حُبُّ بَعْضِكُم لِبَعْض".

 

::: تأمّل روحي :::

 

في الحبّ ال"كاريتاس" رسالة

كالوردة، ترتشف النور وتشرب من خمرة الأرض غذاءً، فتتفتّح نضرةً في أبهى ما ألبسها الله من حلل، ناشرةً طيبها كريمًا من فيض السماء، هكذا أنت أيّها الإنسان، إن امتلأت من نوري (المسيح) وارتويت من فيض روحي عليك. لإنّك سوف تنثر أريج الحبّ المقّدس من حولك، وتعطي من ذاتك دون أن تسأل، حتّى لا يبقى امرءٌ دون أن يراني فيك ويعرف أنّك تلميذي، لا بل ابني.


* هل الحبّ ال"كاريتاس" يفرض ذاته على الإنسان؟


يقول قداسة البابا بنديكتس السس عشر بأنّ "الله لا يَصِفُ لنا شعورًا ليس بمقدورنا إيجاده وإيقاظه في ذواتنا. هو يحبّنا، إنّه يجعلنا نرى حبّه، فنستطيع اختباره. وانطلاقًا من "حبّ الله الأوّل" هذا، وجوابًا عليه، يستطيع(الحبّ) أن يتدفّق فينا"(رقم 17).


الحبّ إذن هو خيار: أن تحبّ الآخر، حتّى وإن كان عدوًّا لك، هو قرار، عليك وحدك صُنْعُه. فعندما نفتح قلوبنا على مُبادرة الخالق نحو المخلوق (الإنسان) ونختبر عظمة محبّته وقبوله لنا، كما نحن، على علِاّتنا، نفيض فرحًا وسلامًا لا يُقدّران بثمنٍ بشريّ، مُجاوبين على هذا الحبّ في حياةٍ لا تشبه إلاّ القداسة في بساطتها وعمقها: "لستم أنتم من اخترتموني بل أنا الذي اخترتكم أولاً".


نعم، لقد اختارنا والتزم بنا! كم وكم من الأشخاص اختبروا هذا الحبِّ في الإفخارستيّا؟ ففي كلّ مرّةٍ انكشَفَت لهم حقيقة يسوع الّذي بذل ذاته من أجل الإنسان، كي يعيد له كرامته ويرفعه من أوحال الخطيئةِ، غاصوا أكثر في سرّ الحبّ هذا، الّذي قاده إلى الصليب، وتثبّتت في داخلهم إرادة عيش الكلمة الحاوية كلّ معاني بذل الذات المجّانيّ.


* هل نحن اليوم تلاميذ يسوع؟ هل ما زلنا نحفظ الكنز الّذي ائتمننا عليه:وصيّة المحبّة؟


ربّما أجرؤ على القول أنّ العلاقات والصداقات، تجرّدت اليوم من مضمونها الحقيقي، وباتت مجرّد لياقات ومصالح مشتركة تلائم الطرفين. فقضيّتنا مع الآخر، أنستنا "قصّة الحبّ بين الله والإنسان"! وبدل أن نتشارك الأفكار والإرادة، ونتبادل الصدق في المشاعرِ كي ندرك فنلبّي حاجات ورغبات بعضنا البعض الصادقة، بات كلٌ منّا، ولعدم ثقته بالآخر، بسبب أنانيّته أوّلاً، ومن ثمّ بسبب ريائه وتملّقه، ويحتفظ بكلّ الأشياء لنفسه ولا يفصح بما يختلجه أو يفكّر به خوفًا من معاملته بالمِثْل فَيُسْتَغَلّ أو يُستَهْجَن به.


يا ليتنا نعود إلى تلك القصّة العجيبةِ ونتصادق مع المسيح، فتلتقي إرادته بإرادتنا، وتتحوّل " الأنا" إلى "نحن"، فنعيش الحبّ الصحيح، ونتبادل العطاء على أسس اتّحادٍفي الإرادةِ والفكر والرغبة الحسنة، ويغدو " المسيح هو الذّي يحيا فينا"(غل 2: 20)، عندئذٍ تزهر شجراتنا وتحمل ثمارها الطيّبةِ الناضجةِ للآخر، لا في مادّيتها، بل في حياةٍ عمليّة تضجّ بالفرح والثقة وسلام القلب.


فإن كنت تريد أن تسعد في حياتك ويعرف العالم أنّك تلميذ المسيح، "أحبب وافعل ما تشاء"!

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من وحي الرسالة والإنجيل

من إعداد

الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

nkastoun@idm.net.lb

 

التأمّل الروحي

من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
Jamileh.daher@hotmail.com