زمن العنصرة
 

أحد الثالوث الأقدس
(30 أيّار 2010)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

• في أحد الثالوث الأقدس، وهو الأحد الثاني في زمن العنصرة، تضع أمّنا الكنيسة بين أيدينا نصّين من رسالة مار بولس الى أهل روما (الفصل 11) ومن إنجيل متّى (الفصل 28).
• في الرّسالة، نجد أنّ مار بولس، الّذي اختبر حكمة الرومانيين وفكرهم، يوبّخهم على روح الاستعلاء بفكرهم. فحكمتهم هي على مستوًى محض بشريّ. أمّا تفكير وحكمة الله فهما على مستوًى آخر ونحن اليوم لا نقلّ حكمةً عن الرومان ولا تفكيرنا يقلّ عن تفكير الرومان. فمار بولس الّذي وجّه رسالته الى أهل روما، يوجّهها الينا اليوم وفي طيّاتها فحوى المثل الشهير: "يا من تدّعي العلم، علمت شيئاً وغابت عنك أشياء".
• أمّا الإنجيل فهو إنجيل الإرسال أي إطلاق الرسل للبشارة والتلمذة والصّيد فبعد عطيّة الرّوح القدس يأتي دور الإرسال للتلمذة والعماد أي لمسحنة الأرض.
فليسأل كل واحد منّا نفسه من خلال هاتين القراءتين: هل سلّمت أمري لله ولحكمته ليفعل بي ما يشاء؟ وماذا أفعل برسالتي وكرازتي وماذا أفعل لمسحنة الأرض وبالتالي لاكتمال الملكوت؟

 

::: صلاة :::

أيّها الثّالوث االأقدس، الآب والإبن والروح القدس، المتساوي في الجوهر، قوّنا في جهادنا لتحقيق رسالتنا في هذا العالم، لأنّك وحدك الصالح وطويل الأناة، وكثير الرأفة...
إغفر لنا آثامنا، نحن الخطأة وتعطّف علينا، أنر عقولنا، إفتح أفواهنا لتنشد تمجيدك...
أنر عيوننا وعقولنا فندرك الطريق الموصل إليك فنمجّد عزّتك، ونفهّم وصاياك، ونصنع مشيئتك، ونرتّل لك باعتراف قلب، ونسبّح اسمك الكلّيّ قدسه، أيّها الآب والابن والرّوح القدس، الآنَ وكلّ أوانٍ، وإلى دهر الدّاهرين. آمين.

 

::: الرسالة :::

25 لا أُرِيدُ، أَيُّهَا الإِخْوَة، أَنْ تَجْهَلُوا هـذَا السِّرّ، لِئَلاَّ تَكُونُوا حُكَمَاءَ في عُيُونِ أَنْفُسِكُم، وهوَ أَنَّ التَّصَلُّبَ أَصَابَ قِسْمًا مِنْ بَني إِسْرَائِيل، إِلَى أَنْ يُؤْمِنَ الأُمَمُ بِأَكْمَلِهِم.
26 وهـكَذَا يَخْلُصُ جَميعُ بَنِي إِسْرَائِيل، كَمَا هُوَ مَكْتُوب: "مِنْ صِهْيُونَ يَأْتي الـمُنْقِذ، ويَرُدُّ الكُفْرَ عَنْ يَعْقُوب؛
27 وهـذَا هُوَ عَهْدِي مَعَهُم، حِينَ أُزِيلُ خَطَايَاهُم".
28 فَهُم مِنْ جِهَةِ الإِنْجِيلِ أَعْدَاءٌ مِنْ أَجْلِكُم، أَمَّا مِنْ جِهَةِ اخْتِيَارِ الله، فَهُم أَحِبَّاءُ مِنْ أَجْلِ الآبَاء؛
29 لأَنَّ اللهَ لا يَتَرَاجَعُ أَبَدًا عَنْ مَوَاهِبِهِ ودَعْوَتِهِ.
30 فكَمَا عَصَيْتُمُ اللهَ أَنْتُم في مَا مَضَى، وَرُحِمْتُمُ الآنَ مِنْ جَرَّاءِ عُصْيَانِهِم،
31 كَذلِكَ هُمُ الآنَ عَصَوا اللهَ مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكُم، لِكَي يُرْحَمُوا الآنَ هُم أَيْضًا؛
32 لأَنَّ اللهَ قَدْ حَبَسَ جَمِيعَ النَّاسِ في العُصْيَان، لِكَي يَرْحَمَ الـجَميع.
33 فَيَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الإِدْرَاك، وطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقصَاء!
34 فَمَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبّ؟ أَو مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟
35 أَو مَنْ أَقْرَضَهُ شَيْئًا فَيَرُدَّهُ اللهُ إِلَيْه؟
36 لأَنَّ كُلَّ شَيءٍ مِنْهُ وَبِهِ وَإِلَيْه. لَهُ الـمَجْدُ إِلى الدُّهُور. آمين.
(روما 11\ 25-36)

 

::: حول الرسالة :::

أثناء تأمّلنا من خلال رسالة القديس بولس نصغي إليه في عمق أعماقنا وكأنّه يقول لكلّ واحدٍ منّا: "سلّم أمرك لله واجعله يفعل بك ما يشاء لأنه يعرف خيرك أكثر مما تعرفه أنت، وهو قريب إليك أقرب من قربك لذاتك. أتركه يتمّم بك مشيئته فتصبح على مثاله قدوساً، ولا تخف، إن أحسست بقساوة من قبله، لأنّه يريد أن يصهرك وأن يبنيك وأن يبعدك عن أمور كثيرة، وما كلّ ذلك إلّا لمصلحتك."
حتّى الموت، الّذي هو أصعب شيء على المستوى البشريّ، أصبح مع الرب سبب فرحٍ، لا حزن، لأننا أهل الرّجاء وأبناء الحياة الأبدية... لهذا لا يجب أن نحزن "كباقي الناس الّذين لا رجاء لهم"، فمع الربّ تصبح حياتنا موتاً عن العالم ويضحي موتنا حياةً مع القائم من بين الأموات...
من منّا لا يدفع ألفي ليرة ثمن شبكة لوتو إن ضمن أنّها رابحةٌ ملايين الليرات، فكم بالحري إن كانت الجائزة هي الحياة الأبدية التي لا تقدّر بثمن؟!
رسالة مار بولس تدعونا لكي نجتهد لنكون على قياس الله القدوس لا أن نجعل الله على قياسنا!
فكم من المرّات نعاتبه لأنه لا يستجيب طلباتنا وخططنا وبعد فترة نعرف أنّ طلباتنا هذه كانت لغير مصلحتنا، فلا ندعّي إذاً الحكمة مقارنةً بفكر الله وقصده وتدبيره، فالمتكل على الله يعرف بأنّه صالحٌ ومنه كل صلاح وخير خاصة لمحبّيه.

 

::: الإنجيل :::

16 أَمَّا التَّلامِيذُ الأَحَدَ عَشَرَ فذَهَبُوا إِلى الـجَلِيل، إِلى الـجَبَلِ حَيثُ أَمَرَهُم يَسُوع.
17 ولَمَّا رَأَوهُ سَجَدُوا لَهُ، بِرَغْمِ أَنَّهُم شَكُّوا.
18 فدَنَا يَسُوعُ وكَلَّمَهُم قَائِلاً: "لَقَدْ أُعْطِيتُ كُلَّ سُلْطَانٍ في السَّمَاءِ وعَلى الأَرْض.
19 إِذْهَبُوا إِذًا فَتَلْمِذُوا كُلَّ الأُمَم، وعَمِّدُوهُم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحِ القُدُس،
20 وعَلِّمُوهُم أَنْ يَحْفَظُوا كُلَّ مَا أَوْصَيْتُكُم بِهِ. وهَا أَنَا مَعَكُم كُلَّ الأَيَّامِ إِلى نِهَايَةِ العَالَم".
(متى 28\ 16-20)

 

::: تأمّل من وحي الإنجيل :::

في هذا الأحد وبعدما تسلّمنا السلاح والمؤونة (الرّوح القدس – البارقليط) في احد العنصرة، يرسلنا الربّ اليوم ويأمرنا ويسلّمنا المهمة التي أوكلها إلينا.
إذهبوا، أي : إنطلقوا – نفّذوا...
الانطلاق يتطلّب الاستعداد أي التحضير الجيّد... وبعد هذا الاستعداد والجهوزيّة يأتي دور الإرسال أي الإنطلاق.
فإن كان العسكريّ يتحضر للمعركة بسلاحه وذخيرته وعتاده ولوجستيته ودعمه وتغذيته واخلائه الصحي عند الضرورة وما الى هنالك من أمورٍ تكتيّة... فالمسيحي هو أيضاً جنديّ من نوعٍ آخر عليه التحضير أيضاً لأنّ معاركه ستكون شرسة وأكثر ضراوة من معارك المدفعية والدبابات والطيران... أي الحروب الكلاسيكية!
كما أنّ سلام المسيح ليس كسلام العالم، كذلك حرب الشرّير ليست كبقية الحروب وعندما يتأكد المسيحي أنّه خارج المعركة وليس عنده أعداء روحيّون، يجب عليه عندها أن يسأل السؤال: أين أنا؟ هل أنا مسيحيّ؟ ألم يقل المسيح أنّه سيرسلنا كنعاجٍ بين ذئاب؟


فإن شعرت بأنّ رسالتك تتضمّن مواجهةً مع عدوٍّ لدود و شرس، أصبح اليوم متغطرساً ومتحكّماً بالعالم، فعليك أن تقوم بما يلي:
1- أن توضع خوذة الخلاص ودرع الايمان،
2- أن تؤمّن التغذية من كلام الله والقربان المقدس،
3- أنم تثق بالدليل والهادي ومؤمّن الطريق أي الروح القدس،
4- أن تتزوّد باللوجستية والتغطية من خلال الاستعانة بصلوات الإخوة،
5- أن تدرك بأنّ الإخلاء الرّوحي سيكون إلى مستشفى "كرسي الاعتراف" في سرّ التوبة والاعتراف والعلاج هو في "حلّة" الكاهن وعند الضرورة في سرّ مسحة المرضى والصلوات الخاصة.


المعركة إذاً شرسة ولكن المسيحي لا يخاف لأنه عندما يحيا للمسيح يدرك لانّه ليس هو الحي بل المسيح هو الحيّ فيه...
من شروط الفوز بالمعركة دائماً هو أن تحسب عدوك دائماً أقوى منك ولديه الحكمة والدهاء والذكاء أكثر منك فتأخذ حذرك منه دونما أن تفقد الإيمان بأنّه مهما قوي فالمسيح باق معنا بروحه القدوس، إلى نهاية الدهور، إن مشينا بهديه، ليساعدنا ولينصرنا...
مع الأسف إذاً أنّ البعض "يعمّد" دون أن يدرك المترتّب عن هذا العماد الّذي ينتج عن الإيمان والإيمان المسيحي هو إيمان يعاش... لهذا فالمسيحية هي مشروع ونهج حياة... والمسيحي يستمدّ حياته من الله ونحن منه وله، فالله بحاجة إلى كلّ واحدٍ منّا ليسند إليه رسالة وهذه الرسالة أسماها السيد المسيح وزنة وهو سينال الجزاء الكامل إن عرف كيف يستثمرها...
عمّدوهم وعلّموهم وتلمذوهم...


فماذا نعلّم اليوم؟ ففاقد الشيء لا يمكنه أن يعطيه... فإن كنت تحبّ فيمكنك أن تعلمّهم المحبّة، وإن كنت تغفر فيمكن أن تعلّمهم المغفرة، وإن كنت تشفق... فهل نحن يمكننا أن نتلمذ؟
يقول المسيح اليوم لكلّ مسيحي نال الروح القدس بالعماد: "أنت مدعوٌّ لتعمّد العالم ولكن قبل ذلك ماذا فعلت بعمادك؟". ماذا نفعل بعمادنا وبالروح الذي نلناه بهذا العماد وكيف نظهر أنفسنا كمسيحيين وكيف يظهر المسيح من خلال حياتنا؟ فكم مرة يشتم المسيح بسبب بعض التصرفات التي لا تمت للمسيحية بصلة ؟


فلنتأمل بالثالوث الأقدس ونصلي إليه كي نجدّد فينا عمادنا وتلمذتنا فنكون كما أرادنا "ليروا الناس أعمالنا الصالحة ويمجّدوا أبانا الذي في السماوات" وبهذه التلمذة الحقيقية للربّ يسوع نستحق أن نكون مسيحيين...
يقول المسيح لنا اليوم، من جديد، أنتم من تلاميذي وعليكم مهمة تلمذة العالم فلا تترددوا ولا تخافوا من المعركة بل ثقوا لأنّ الروح القدس معكم، معنا، آمين.

 

::: (بالعاميّة اللبنانيّة) :::

 

نوايا للقدّاس


1- من أجل كنيستك والمسؤولين فيها، البابا بنيديكتوس السادس عشر بابا روما، ومار نصرالله بطرس بطريركنا الأنطاكي، ومار جورج بوجودة مطراننا، مع جميع الأساقفة والكهنة والمكرّسين على اسمك القدوس، أعطهم أن يفهموا سرّ السلطان المُعطى لهم، فَيَتَعالَوا عن كلّ ما يسيئُه، نسألك يا رب.
2- علّمنا أن نحفظَ كلّ ما أوصانا به ابنك، فنعيشَ الإيمان بِوجودك والرجاء بِلقائك والمحبة التي توحّدنا بك، نسألك يا رب.
3- لأنَّ كلَّ شيئ هو منك وبك وإليك مع ابنك وروحك، أعطنا حكمتك فنغتنيَ بك ونعرفَ أحكامك، والقوّة كي نَلزمَك فلا نبتعدَ بِأهوائنا عنك، نسألك يا رب.
4- يا من أعطيتَ ابنك كلّ سلطانٍ في السماء وعلى الأرض، بشفاعة مريم، سلطانة السماء والأرض، إنزعِ الشكّ من قلوبنا، فنسجد لك بإيمان متغلّبين على كلّ الصعوبات من ضعف ومرض وكبرياء، نسألك يا رب.
5- من أجل موتانا، وخاصةً من ليس لديه مَن يذكره، عاملهم بحسب فَيض رحمتِك، فيَعبروا بابنك إليك، غافرًا خطايانا وخطاياهم، نسألك يا رب.

 


صلاة شكر للقدّاس


لأنّك تفيض من حكمتك علينا، فنقرأ علامات حضورك في حياتنا وننموَ في معرفة فكرك،
لأنّك تجعل كلّ شخصٍ منّا مُشيرًا، كُلّما قبلتَ صلاتنا على نيّة مريض أو خاطئ أو ضعيف،
لأنّك تزيل خطايانا وتجعلنا أحبّاء بحسب ما وعدتَ به الآباء،
لأنّ كلّ شيءٍ هو منك وبك وإليك،
ولأنّك معنا كلّ الأيام إلى نهاية العالم،
لك المجد والشكر أيّها الثالوث الأقدس، الآب والابن والروح القدس، على كلّ ما منحتناه مَوسومًا بمناولتنا لجسد الابن، من الآن وإلى الأبد. آمين.

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من وحي الرسالة والإنجيل

من إعداد

الشدياق جوزيف أنطون
tes_yeux_me_voient@hotmail.com

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس (بالعاميّة اللبنانيّة)
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد
madeleinedib@hotmail.com