زمن الميلاد المجيد
الأحد الثالث - أحد زيارة العذراء لأليصابات
(29 تشرين الثاني 2009)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مقدّمة :::

- أحد زيارة العذراء لأليصابات هو الأحد الثالث من زمن الميلاد وتدعونا الكنيسة فيه، من خلال نصّين من الرسالة إلى أهل أفسس ومن إنجيل لوقا، إلى تأمّل "البركة الإلهيّة" التي تؤكّد حلول وحضور يسوع المسيح في حياتنا!
- ففي الرسالة إلى أهل أفسس يدعونا مار بولس إلى تقبّل "البركة الروحيّة" الممنوحة لنا بالابن المتجسّد والمتجليّة في الدعوة إلى القداسة وإلى البنوّة الإلهيّة!
- أمّا في إنجيل لوقا فنتأمّل في "الابتهاج" الّذي ينجم عن حضور يسوع المسيح في حياتنا!
ففي هذا الأحد، تدعونا الكنيسة، لنكون في عداد المباركين الّذين يزرعون حضور يسوع أينما حلّوا، على مثال العذراء التي نقلت يسوع إلى منزل زكريا وأليصابات!

 

::: صلاة :::

نَشكُرُكَ أيّها الآب السماوي، "أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيح"، يا من باركتنا "بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ في السَّمَاوَاتِ في الـمَسِيح"؛
نَشكُرُكَ أيّها الابن المسيح، يا من باركت بشريّتنا بشخص يوحنا المعمدان وهو بعد جنين في حشا أليصابات،
نَشكُرُكَ أيها الرّوح القدس، يا من ملأت أليصابات فهتفت "يا ممتلئة نعمة..." ؛
هب لنا، أيها الثالوث الأقدس، أن نسارع إلى الخدمة كمريم، و أن ننشد بفرحٍ كأليصابات وأن نبتهج في حضرتك كيوحنا فيتمجّد بنا وبكلّ شيء اسمك المبارك في كلّ آنٍ وأوانٍ وإلى دهر الداهرين، آمين.

 

::: الرسالة :::

1 مِنْ بُولُس، رَسُولِ الـمَسِيحِ يَسُوعَ بِمَشِيئَةِ الله، إِلى القِدِّيسِينَ الَّذِينَ هُم في أَفَسُسَ والأُمَنَاءِ في الـمَسِيح يَسُوع:
2 أَلنِّعْمَةُ لَكُم والسَّلامُ مِنَ اللهِ أَبِينَا والرَّبِّ يَسُوعَ الـمَسِيح!
3 تَبَارَكَ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الـمَسِيح، الَّذي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ في السَّمَاوَاتِ في الـمَسِيح؛
4 فإِنَّهُ اخْتَارَنَا فيهِ قَبْلَ إِنْشَاءِ العَالَم، لِنَكُونَ في حَضْرَتِهِ قِدِّيسِين، لا عَيْبَ فينَا؛
5 وقَدْ سَبَقَ بِمَحَبَّتِهِ فَحَدَّدَنَا أَنْ نَكُونَ لَهُ أَبْنَاءَ بِالتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الـمَسِيح، بِحَسَبِ رِضَى مَشِيئَتِهِ،
6 لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا في الـحَبِيب؛
7 وفيهِ لَنَا الفِدَاءُ بِدَمِهِ، أَي مَغْفِرَةُ الزَّلاَّت، بِحَسَبِ غِنَى نِعْمَتِهِ،
8 الَّتي أَفَاضَهَا عَلَيْنَا في كُلِّ حِكْمَةٍ وَفَهْم؛
9 وقَدْ عَرَّفَنَا سِرَّ مَشِيئَتِهِ، بِحَسَبِ رِضَاهُ الَّذي سَبَقَ فَجَعَلَهُ في الـمَسِيح،
10 لِيُحَقِّقَ تَدْبِيرَ مِلْءِ الأَزْمِنَة، فَيَجْمَعَ في الـمَسِيحِ تَحْتَ رَأْسٍ وَاحِدٍ كُلَّ شَيء، مَا في السَّماوَاتِ ومَا عَلى الأَرْض؛
11 وفيهِ أَيْضًا اخْتَارَنَا مِيرَاثًا لَهُ، وقَدْ سَبَقَ فَحَدَّدَنَا بِحَسَبِ قَصْدِهِ، هُوَ الَّذي يَعْمَلُ كُلَّ شَيءٍ بِقَضَاءِ مَشِيئَتِهِ،
12 لِنَكُونَ مَدْحًا لِمَجْدِهِ، نَحْنُ الَّذِينَ سَبَقْنَا فجَعَلْنَا في الـمَسِيحِ رجَاءَنَا؛
13 وفيهِ أَنْتُم أَيْضًا، بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُم كَلِمَةَ الـحَقِّ، أَي إِنْجِيلَ خَلاصِكُم، وآمَنْتُم، خُتِمْتُمْ بِالرُّوحِ القُدُسِ الـمَوعُودِ بِهِ،
14 وهُوَ عُربُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ شَعْبِهِ الَّذي اقْتَنَاه، ولِمَدْحِ مَجْدِهِ.
(أف 1/1-14)

 

::: تأمّل من وحي الرسالة :::

في رسالة اليوم، أحد زيارة العذراء لأليصابات، يدعو مار بولس أهل أفسس بتسمية "القدّيسين".
لا شكّ بأنّ "القدّيسين" هم من أكبر النعم التي يغدقها الله على الكنيسة وعلى العالم، ومن آخر من أُعلِنوا طوباويين، مؤسِّسة "رهبانيّة الورديّة"، الأخت ماري ألفونسين، ابنة الناصرة، مسقط رأس العائلة المقدّسة، وفي ذلك:
• علامة رجاءٍ لشعبٍ يقاسي ويعاني الأَمَرَّيْن من جور الاحتلال والقهر والظلم،
• وعلامة من علامات الأزمنة يدعو الله من خلالها المسيحيين إلى الوثوق بكلام الربّ: "لا تخافوا" (لو1\13،لو1\30...) وتذكّروا: "ها أنا معكم إلى مدى الدهور" (متى 28\20).
نلاحظ في رسالة اليوم أنّ مار بولس توجّه إلى جماعةٍ كاملة بتسمية لا تطلق عادةً على من لا يزالون على قيد الحياة وهذا دليلٌ على خصال وأخلاق هذه الجماعة النابضة بروح الله، كما يظهر من باقي الرّسالة.
هذه التسمية نفسها يتوجّه بها الكاهن أيضاً، في الطقس الماروني، إلى جماعة المؤمنين، عندما يدعوهم إلى المناولة قائلاً: "الأقداس للقدّيسين، بالكمال والنقاوة والقداسة".
وفي ذلك دعوة إلى التفكّر، كلّ واحد بواقعه، وعن الفارق بين هذا الواقع وبين الدعوة التي دعانا الله إليها حين "اخْتَارَنَا فيهِ قَبْلَ إِنْشَاءِ العَالَم، لِنَكُونَ في حَضْرَتِهِ قِدِّيسِين، لا عَيْبَ فينَا؛ وقَدْ سَبَقَ بِمَحَبَّتِهِ فَحَدَّدَنَا أَنْ نَكُونَ لَهُ أَبْنَاءَ بِالتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الـمَسِيح، بِحَسَبِ رِضَى مَشِيئَتِهِ".
يضيء مار بولس على السبيل لتحقيق هذه القداسة عبر التسمية الثانية وهي "الأُمَنَاءِ في الـمَسِيح يَسُوع".
الأمانة هي التعبير عن عرفان الجميل لمن "بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ في السَّمَاوَاتِ في الـمَسِيح". فالله أغدق علينا عطايا التي يعدّد منها الرسول، في رسالة اليوم، أنّه "اخْتَارَنَا فيهِ قَبْلَ إِنْشَاءِ العَالَم، لِنَكُونَ في حَضْرَتِهِ قِدِّيسِين، لا عَيْبَ فينَا؛... فَحَدَّدَنَا أَنْ نَكُونَ لَهُ أَبْنَاءَ بِالتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الـمَسِيح، بِحَسَبِ رِضَى مَشِيئَتِهِ،... وفيهِ لَنَا الفِدَاءُ بِدَمِهِ، أَي مَغْفِرَةُ الزَّلاَّت، بِحَسَبِ غِنَى نِعْمَتِهِ، الَّتي أَفَاضَهَا عَلَيْنَا في كُلِّ حِكْمَةٍ وَفَهْم؛ وقَدْ عَرَّفَنَا سِرَّ مَشِيئَتِهِ، بِحَسَبِ رِضَاهُ الَّذي سَبَقَ فَجَعَلَهُ في الـمَسِيح،... وفيهِ أَيْضًا اخْتَارَنَا مِيرَاثًا لَهُ،... وفيهِ أَنْتُم أَيْضًا، بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُم كَلِمَةَ الـحَقِّ، أَي إِنْجِيلَ خَلاصِكُم، وآمَنْتُم، خُتِمْتُمْ بِالرُّوحِ القُدُسِ الـمَوعُودِ بِهِ،وهُوَ عُربُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ شَعْبِهِ الَّذي اقْتَنَاه، ولِمَدْحِ مَجْدِهِ."
هذا يقودنا إلى ضرورة فحص ذواتنا على ضوء الأسئلة التالية:
• هل أنا قادرٌ على تمييز ما أغدق به الله عليّ من البركات: في حياتي، في صحّتي، في عائلتي، في بيتي، في عملي،... ف يعلاقاتي مع الناس، في صلاتي،...؟
• هل أبادل الله بالأمانة لما أوصاني به في الوصايا وفي الكتاب المقدّس؟
• هل أتّخذ القداسة فعلاً كمشروع حياة أرضيّة تمهيداً للحياة الأبديّة؟
لنسجد سويّة، أحبائي، أمام مهد المخلّص، سائلينه أن يغدق علينا "كلّ حكمة ومعرفة" فنتمكّن من تمييز نعمة بركته "الروحيّة" وسط كلّ التجارب والمحن التي نتخبّط بها فنبقى أمناء لدعوتنا إلى القداسة وإلى البنوّة الإلهيّة "بالتبنّي " فنمدح مجده ونرفع إليه كلّ شكرٍ، مع أبيه وروحه القدّوس، الآن وإلى الأبد، آمين.

 

::: الإنجيل :::

39 وفي تِلْكَ الأَيَّام، قَامَتْ مَرْيَمُ وَذَهَبَتْ مُسْرِعَةً إِلى الـجَبَل، إِلى مَدِينَةٍ في يَهُوذَا.
40 ودَخَلَتْ بَيْتَ زَكَرِيَّا، وسَلَّمَتْ عَلَى إِليصَابَات.
41 ولَمَّا سَمِعَتْ إِلِيصَابَاتُ سَلامَ مَرْيَم، ارْتَكَضَ الـجَنِينُ في بَطْنِها، وَامْتَلأَتْ مِنَ الرُّوحِ القُدُس.
42 فَهَتَفَتْ بِأَعْلَى صَوتِها وقَالَتْ: "مُبارَكَةٌ أَنْتِ في النِّسَاء، وَمُبارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ!
43 ومِنْ أَيْنَ لي هـذَا، أَنْ تَأْتِيَ إِليَّ أُمُّ ربِّي؟
44 فَهَا مُنْذُ وَقَعَ صَوْتُ سَلامِكِ في أُذُنَيَّ، ارْتَكَضَ الـجَنِينُ ابْتِهَاجًا في بَطْنِي!
45 فَطُوبَى لِلَّتي آمَنَتْ أَنَّهُ سَيَتِمُّ ما قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبّ!".
(لو 1\ 39-45
)

 

::: تأمّل من وحي الإنجيل :::

في هذا الأحد المبارك نتأمل بزيارة التي قامت بها مريم الى نسيبتها اليصابات.
في الحقيقة، تحُثُّنا هذه الزيارة على اكتشاف أسرارٍ عديدة كادت تغيب عن بالنا. فبعد أن أخفت اليصابات حَملها مدّة خمسة أشهر، عرفت مريم من خلال الملاك أن نسيبتها حبلى فتحركت أحشاؤها وأسرعت لتخدم الشيخة الجليلة التي هي بأمسّ الحاجة إلى من يخدمها وإلى من يكون الى جانبها، فالمرأة الحامل تشعر بالتَّعب كُلَّما أنهت شهراً من حملها، فكَم بالحري الشيخة الجليلة اليصابات التي طعنت في السنّ والتي تدبرت أمرها في الأشهر الأولى، مع زوجها زكريا، ولكنها الآن بحاجة الى شخص آخر بجانبها يساعدها وترتاح اليه.


وها هي العذراء تصل في الوقت المناسب لتقوم بواجب الخدمة على أكمل وجه وتبقى في جبال اليهودية الى حين ولادة يوحنا. إن مريم التي امتلأت من الروح القدس لحظة البشارة والتي قالت "أنا أمة الرب"، لم تنتظر كثيراً لتلتزم بوعدها هذا، بل قامت في الحال وذهبت مسرعة وهذا أول دليل على التزامها الكامل بروح الخدمة والمحبة. فالمسيح التي حبلت به من الروح القدس هو الخادم الأول وهو من دفع بها لتقوم بهذه الزيارة، أليس هو القائل "جئت لأخدُم لا لأُخدَم؟"
ولا يغِب عن بالنا سر التحيَّة التي ألقتها مريم على نسيبتها فهي تحمل في أحشائها ملك السلام، لذا حلَّ السلام في بيت زكريا وعرفت اليصابات في الحال أن مريم هي أم الرب، والجنين الذي في أحشائها هو قدوس الله. وهذا ما جعلها تُعلن وتعترف أن مريم هي مباركة بين النساء وما تحمله هو نور العالم وشمس البِرّ، وليس فقط هذا، بل أعلنت مريم طوباوية لأنها آمنت بما قيل لها من قِبَل الرب.
وما يلفتنا أيضاً في هذا اللقاء بين العذراء واليصابات لقاء الجنينين يوحنا ويسوع. فالأوّل يرمز إلى العهد القديم والثاني إلى العهد الجديد. وما ارتكاض الجنين يوحنا في أحشاء أمه سوى علامة على امتلائه من الروح القدس وكأنَّ المسيح عمَّد يوحنا في الحشا استباقاً لليوم الذي سيأتي فيه يوحنا ويعمِّد المسيح.


كلّ هذه الأمور التي صارت خلال هذه الزيارة تطرح علينا أسئلة كثيرة أهمُّها:
• ما هو الهدف من زياراتنا لبعضنا البعض؟
• هل نزور بعضنا لعمل الخدمة وتقديم المساعدة مثل مريم؟
• أم نزور بعضنا لغاياتٍ "في نفس يعقوب"؟
• هل زيارتي للآخر تحمل له السلام؟ أم زيارتي هي للنميمة والتكلم على الآخرين وخلق الخصام؟
• هل أحمل يسوع المسيح ملك السلام لمن أزورهم ؟ أم أحمل لهم أسماء ملوك آخرين لا يأتي منهم سوى الحرب والخراب والدمار؟
• ويبقى السؤال الأخير كم من مرَّة نَعِد الرب بأمور كثيرة وحين يأتي وقت الإلتزام هل نلتزم أم نتناسى الموضوع؟
في النهاية، لا يسعنا في هذا الأحد إلا أن نطلب من مريم أن تُعَلِّمنا كيف نحمل يسوع في قلوبنا ونعطيه للَناس. نطلب إليها أن تعطينا روح الإلتزام بما نَعِد، وأن تخلق فينا روح الخدمة للآخرين.
نعم أنت يا مريم ساعدينا لتكون زياراتنا للخدمة والسلام بعيداً عن كلّ المصالح الشخصية والأنانية والغايات الدنيئة، آمين.

 

::: تأمّل روحي :::

 

كلّ الفرح فيك

"ما أجمل أقدام المبشّرين على رؤوس الجبال"، فكم بالحريّ أقدام العذراء مريم وهي أوّل بيت قربانٍ حيٍّ متنقّل، قطعت القرى والجبال حتّى بيت كارم، حاملةً في حشاها، ابن الله المتأنّس؟
بدت كنجمة الصبح مُعْلِنةً شروق شمس المسيح للشعوب المنتظرة، كي يبدّد ظلمة حياتها ويعتقها من نير عبوديّة الضعف والخطيئة والخوف.
بَدَتْ "علامة رجاء للّذين لا رجاء لهم". رجاء أعطي لها يوم البشارة، فَرَأته متجسّداً، ينمو مع حبّها الكبير، ويُزهر بالعطاء حتّى الصليب فالقيامة.

 

* يا ممتلئة نعمة

تلك المرأة البتول فهمت رسالة الآب لها، فبدأت بتتميمها حاملةً يسوع إلى العائلة في أوّل زيارة لها، إلى عائلة زكريا وأليصابات، كي تفتح ذهننا على قدسيّة الزواج والأولاد وأهمّية الخدمة في حقل الرسالة الأوّل.
أُمُّ المَلِك تخدم بفرح وتواضع دون أن تعرف إلى التشاوف سبيلاً، لأنّها أدركت أنّ من يمتلئ من الله عليه أن يفيض بالمحبّة المتجرّدة والخدمة بوداعة، فَيَسْمو بالقداسة.
ونحن، هل نَنْظر إلى حاجات بعضنا البعض، ليس فقط المادّيّة منها بل وأيضاً المعنويّة والروحيّة والإجتماعية، بدءًا من البيت؟ هل نبحث عن مشروع الله لنا، وعن دورنا الحقيقي في عوائلنا، فالمجتمع، دون التعلّق بمشروعنا الرَغْبَويّ الشخصيّ التابع أهواءنا؟

 

* وارتكض الجنين من الفرح

سلام مريم، حاملة العهد الجديد، جعل حضور الله جليًّا فيها وفاض على مَنْ حولها، "فارتكض يوحنّا فرحاً"، إهتزّ بصورة غير إعتياديّة أو مألوفة، وامتلأت والدته من الروح القدس، فتعرّفت إلى "ربّها" يسوع، ("من أين لي أن تأتي أمّ ربّي إليّ؟")، لأنّه، كما أنّ "السراج المضاء لا يوضع تحت الطاولة أو المكيال"، كذلك من المستحيل أن يبقى حضور الله في أعماق الإنسان، مَخْفِيّاً دون أن يتجلّى حيّاً في الأقوال والأعمال والأفكار، ناثراً فرحاً وسلاماً كعبير الورد الذي يأتيك أيًّا كائناً من كان، فيُنْعِشه.
ونحن، هل ندرك ما يفعله حضور الله فينا؟ إنّه يحوّل تحجّرنا إلى رقّة، وفظاظتنا إلى لطافة. أمّا عند الحزم فإنّه يجعلنا نمسك بسيف الحقّ في رسالتنا، مستخدمين منه الحدّ الّذي يَبْني، كاشفاً لنا وجهه في الآخَر، فنحبّه فيه، ونتفاعل معه دون تكلّفٍ أو تصنّعٍ فَيَبان وجه الحبيب الرحوم من خلال وقوفنا جنباً إلى جنب في الحزن كما في الفرح، في الضيق كما في الكفاية.

 

* طوبى للّتي آمنت بما فعله الرّبّ لها

"نيّالك!" صرخت أليصبات وهتفت بصوت عالٍ دون خجل، لأجل إيمان مريم العميق واللامحدود بأمانة الرّبَ لها. ربّما كثيرات هنّ اللّواتي انتظرن البشارة في تلك الأيّام، وأكثرنَ من التقدمات والابتهالات، علّ الآب يَراهُنَّ، فيختارهُنَّ أمّهات لابنه الوحيد. لكنّه دخل من الباب الّذي لا يتوقّعه بَشَر. دخل من باب التجرّد، ومعرفة أهمّية الإصغاء، والبراءة الطفوليّة المقترنة بحكمة الشّيوخ في إدراك أَبعاد مشروع الله لأبنائه، فحَظِيَت مريم بالبُشرى، ومضت بها ثابتة حتّى الصليب.
ونحن، أيّ "نيّالك" نقول؟ نقولها غالباً بحسرة الغيرة والحسد من الآخر عند حصوله على ما هو مادّي ومحدود بالزمن الأرضيّ، ونَنْسى أنّه "نيّال" كلّ من أدرك منّا قيمة ما أغدقه الربّ عليه من نِعَم في العقل والقلب والروح واللسان. نَنْسى لجهلنا، المقدّرات التي غالباً ما نُحْكِم الإغلاق عليها في صندوق "العَتايق"، خوفاً من أن تدفعنا إلى التخلّي عمّا يدغدغ شهواتنا وأمزجتنا، محتفظين بها لشيخوختنا، ساعة لا نعود قادرين على الحركة، فنخرجها بحجّة تقوانا وَوَرَعنا.


أيّ باب نتوقّع، وماذ ننتظر وكيف نطلب؟ إن حدث لنا أمراً خارجاً عن المألوف، بدّل حياتنا وأصلح علاقتنا بالآب، فهل نأخذ ذلك على أنّه حدثٌ صدفة، ولا علاقة له بالعناية الإلهيّة، كي نَظْهَرَ للآخرين وكأنّنا متعقّلين، فَنَتَفادى التّهكُّم والإتّهامات "الفلسفيّة"؟ أم أنّنا نكون أولئك المسيحيّين المؤمنين، المدركين لرسالتهم، فنفتخر بإعلاننا "قدرة العليّ" ومحبّته لنا من خلال ما حَدَثَ؟ هل نتلقّاه بإيمان أليصابات، وندع جنين حبّ الخالق "يرتكض" فرَحًا داخلنا، فنُعْلِنُه لِلمَلأ بصوتٍ صارخٍ مؤمن، دون خجلٍ أو تمَلْمُلٍ؟ هل نجرؤ؟


هل نؤمن بوساطة تلك الأم التي، بثقة تامّة، وهَبَتْ روحها وقلبها، جسدها وجمالها كلّه إلى "عريسها"، فكافأها بالملوكيّة الدائمة، والأمومة الأبديّة لكلّ البشر؟


إنّ المفتاح الذي نبحُث عنه اليوم هو في يد مريم، والباب الذي لا نراه غالباً، هو في عائلاتنا الصغيرة. أمّا ما ننتظره، ربّما أتجرّأ على القول بأنّنا نجهل ماذا نريد ولا نعلم ماذا ننتظر. لتكن لنا إذن، وقفة مع الذات، مكرّسين بعضأ من وقتنا الضائع، كي نصغي إلى همسة الحبيب وما يريد أن يخبرنا به مُلْتَقينَ به وجهاً لوجه، كما حدث مع مريم وأليصابات. فإن كنّا لا نحسن الإصغاء إلى من في داخلنا يقيم،أعني به روح الله، فكيف لنا أن نجيد الإصغاء للآخر، حتّى ولو كان الشريك (الزوج والزوجة)؟


ولْنَثِق أيضاً، بأنّ مريم في انتظارنا تصلّي، ولنُمْسِك بيدها كي نفتح الباب الذي يقرع برقّة النسيم، فيدخل منه إبن الإنسان ومعه مصباح خلاصنا.

 

المقدّمة والصلاة و تأمّل من وحي الرسالة

من إعداد

الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

nkastoun@idm.net.lb

 

تأمّل من وحي الإنجيل
من إعداد
الخوري رولان معربس
(خادم رعيّة سيّدة الانتقال – القبيّات، الضهر)

 

التأمّل الروحي
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
Jamileh.daher@hotmail.com