زمن العنصرة
الأحد العاشر من زمن العنصرة
(25 تمّوز 2010)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

 -  إنّ السبب الأساسيّ لآلام البشرية ومن ثم تفكّكها وانقسامها، هي خطيئة آدم وحواء، عندما أرادا أن يكونا الله دون الله، وهذا مستحيل على الإنسان بمفرده، فكلّ ما للإنسان هو من الله، ويستطيع أن يحقّق يعض الأشياء، لأن الله  أعطى هذا الإنسان عقلاً وحرية وارادة...

 

-  ... ولكن كلّ تلك الإنجازات تبقى كالقشّ، لا قيمة لها، دون تدخل الله الدائم، لإن الإنسان مخلوق لا ليعيش وحده بل مع ربه وقريبه... فالله يعمل ويسوع مخلصنا إبنه يعمل (يو5: 17) من خلال الأشخاص الّذين يؤمنون بأن حياتهم هي هبة من الله وهي له وليست لأنانياتهم.


-  في تأمّلنا لرسالة اليوم نرى أنّ المواهب كثيرة، لأنّه على دروب الحياة خدمات كثيرة وفي قراءة الإنجيل يقول الرب: "كلّ مملكة تنقسم على ذاتها تخرب" وفيها دعوة للوحدة. بتأملنا بهاتين القراءتين نسلّم أمرنا لله الذي يجمعنا بابنه لنكون عائلة واحدة، نشهد ونعمل لمجده، بهباته الّتي يمنحنا إيّاها، له المجد إلى الأبد، آمين. 

 

::: صلاة :::

 أيّها الرب الآب، يا إله حياتي، لا تتركني ومشورة شفتيّ، بل أعطني مواهبك لأعمل مشيئتك وأكون معك كل يوم على درب حجّي نحوك.
صلاة الشكر أرفعها إليك، أيّها الآب الأزليّ، على نعمك ومواهبك الّتي أنعمت عليّ بها خاصّة بأنك تثبّت لبنان أرضاً للقداسة، من خلال كوكبة قدّيسيه... أفض عليه وعلى أبنائه روحك المحوّل والمجدّد، فيعرفوا رسالتهم فيقفوا وقفة ضمير أمامك وأمام ذواتهم ليتأمّلوا في ما يفعلونه.أعطنا جميعاً أن نعمل مشيئتك الأبدية، لا مشيئة مصالحنا الآنية التي تقسم ولا تجمع، تخرب ولا تبني، تنجّس ولا تقدّس، لأنك اخترتنا قدّيسين، بابنك لك المجد إلى الأبد، آمين.

 

::: الرسالة :::

     1            أَمَّا في شَأْنِ الـمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّة، أَيُّهَا الإِخْوَة، فلا أُريدُ أَنْ تَكُونُوا جَاهِلِين.
     2            تَعْلَمُونَ أَنَّكُم، عِنْدَمَا كُنْتُم وَثَنِيِّين، كُنْتُم تَنْقَادُونَ مُنجَرِفِينَ إِلى الأَوْثَانِ البُكْم.
     3            لِذـلِكَ أُعْلِنُ لَكُم أَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يَنْطِقُ بِرُوحِ الله، ويُمكِنُهُ أَنْ يَقُول: "يَسُوعُ مَحْرُوم!"؛ ولا أَحَدَ يَقْدِرُ أَنْ يَقُول: "يَسُوعُ رَبّ!" إِلاَّ بِالرُّوحِ القُدُس.
     4            إِنَّ الـمَوَاهِبَ الرُّوحِيَّةَ عَلى أَنْوَاع، لـكِنَّ الرُّوحَ وَاحِد؛
     5            والـخِدَمَ عَلى أَنْوَاع، لـكِنَّ الرَّبَّ وَاحِد؛
     6            والأَعْمَالَ القَدِيرَةَ عَلى أَنْوَاع، لـكِنَّ اللهَ وَاحِد، وهوَ يَعْمَلُ في الـجَمِيعِ كُلَّ شَيء.
     7            وكُلُّ وَاحِدٍ يُعْطَى مَوْهِبَةً يَتَجَلَّى الرُّوحُ فيهَا مِنْ أَجْلِ الـخَيْرِ العَام.
     8            فوَاحِدٌ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَم الـحِكْمَة، وآخَرُ كَلاَمَ الـمَعْرِفَة، وَفْقًا لِلرُّوح عَيْنِهِ؛
     9            وآخَرُ الإِيْمَانَ في الرُّوحِ عَيْنِهِ؛ وآخَرُ مَوَاهِبَ الشِّفَاءِ في الرُّوحِ الوَاحِد؛
     10           وآخَرُ الأَعْمَالَ القَدِيرَة، وآخَرُ النُّبُوءَة، وآخَرُ تَمْييزَ الأَرْوَاح، وآخَرُ أَنْوَاعَ الأَلْسُن، وآخَرُ تَرْجَمَةَ الأَلْسُن.
     11          كُلُّ هـذَا يَعْمَلُهُ الرُّوحُ الوَاحِدُ عَيْنُهُ، مُوَزِّعًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مَوَاهِبَهُ كَمَا يَشَاء.

                     (1كور 12/1-11)

::: حول الرسالة :::

 الله يهب وهباته فوق تصوّر الفكر والعقل... إنّه فيضٌ من العطاء والنعم والهبات.
والهبات مختلفة لأن الحاجات متعددة ومختلفة أيضاً، وخير مثال على ذلك أنماط الحياة التي عاشها القديّسون، إذ أنّ الله وهب لكل قديس نهج حياة مختلف عن الآخر والكلّ يصبّ على درب القداسة، فمن القديسين من عاشوا النسك والتوحّد، ومنهم من عاش الصلاة، ومنهم من عاش الخدمة، ومع المهمّشين، ومع المضنوكين والمحرومين والمسجونين والفقراء...


الله يهب الإنسان لا للتملك بل للحب، للعطاء، للتضحية، فالشمعة تذوب لتضيء للآخرين وهي فرحة بعملها وعندما تفقد إنارتها ويتملّكها الكبرياء وتعتريها افكار الأنانية  لا تعود شمعةً وتفقد قيمتها.
كيف يمكن لإنسانٍ أن يعيش بقوته الوحيدة، ألم يقل مار بولس إني لست الحيّ بل المسيح حيّ فيّ؟
قال الله لآدم: "بعرق جبيبك تأكل خبزك". ولكن كثيرون يريدون الغنى السريع وبدون عرق وتعب ودون معونة وبركة الرب ونعمه معتمدين على ذكائهم ودهائهم الخاص ولكنهم لا يلبثوا أن يقعوا...


إن حياتنا اليوم ليست لليوم بل هي للأبدية وان كنا نرجوها اليوم لكي يصح القول "ما حدا آخذ معو شي، عيش حياتك" نكون أشقى الناس.حياتنا هي أن نعرف كيف نتفاعل مع عطايا الله لأجل خلاصنا وخلاص محيطنا فالرب عند الدينونة سيقول ماذا فعلت بوزنتك: بمحيطك؟

 

::: الإنجيل :::

22                 حِينَئِذٍ قَدَّمُوا إِلى يَسُوعَ مَمْسُوسًا أَعْمَى وأَخْرَس، فَشَفَاه، حَتَّى تَكَلَّمَ وأَبْصَر.
23                 فَدَهِشَ الـجُمُوعُ كُلُّهُم وقَالُوا: "لَعَلَّ هـذَا هُوَ ابْنُ دَاوُد؟".
24                 وسَمِعَ الفَرِّيسِيُّونَ فَقَالُوا: "إِنَّ هـذَا الرَّجُلَ لا يُخْرِجُ الشَّيَاطِيْنَ إِلاَّ بِبَعْلَ زَبُول، رئِيسِ الشَّيَاطِين".
25                 وعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُم فَقَالَ لَهُم: "كُلُّ مَمْلَكَةٍ تَنْقَسِمُ على نَفْسِها تَخْرَب، وكُلُّ مَدِينَةٍ أَو بَيْتٍ يَنْقَسِمُ على نَفْسِهِ لا يَثْبُت.
26                 فَإِنْ كانَ الشَّيْطَانُ يُخْرِجُ الشَّيْطَان، يَكُونُ قَدِ انْقَسَمَ عَلى نَفْسِهِ، فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَمْلَكَتُهُ؟
27                 وإِنْ كُنْتُ أَنَا بِبَعْلَ زَبُولَ أُخْرِجُ الشَّيَاطين، فَأَبْنَاؤُكُم بِمَنْ يُخْرِجُونَهُم؟ لِذلِكَ فَهُم أَنْفُسُهُم سَيَحْكُمُونَ عَلَيْكُم.
28                 أَمَّا إِنْ كُنْتُ أَنَا بِرُوحِ اللهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطين، فَقَدْ وَافَاكُم مَلَكُوتُ الله.
29                 أَمْ كَيْفَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ القَوِيِّ ويَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ، إِنْ لَمْ يَرْبُطِ القَوِيَّ أَوَّلاً، وحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ؟
30                 مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ. ومَنْ لا يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُبَدِّد.
31                 لِذلِكَ أَقُولُ لَكُم: كُلُّ خَطِيئَةٍ سَتُغْفَرُ لِلنَّاس، وكُلُّ تَجْدِيف، أَمَّا التَّجْدِيفُ عَلى الرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَر.
32                 مَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلى ابْنِ الإِنْسَانِ سَيُغْفَرُ لَهُ. أَمَّا مَنْ قَالَ عَلى الرُّوحِ القُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لا في هـذَا الدَّهْر، ولا في الآتِي.
 (متى 12/22-32)

::: تأمّل من وحي الإنجيل :::

ندما تكلّم السيد المسيح عن الانقسام والخراب، كانت أفكاره تتّجه إلى أبعد من المملكة كمملكة.
كان فكره يتجه إلى الشخص البشريّ، إلى عائلته، إلى مجتمعه، إلى وطنه، الى كنيسته التي أحبّها وخطبها بدمه الثمين على الصليب لترسي على الصخر... فالربّ يعرف الضعف ويحوله إلى قوة وصلابة فلا تقوى عليها أبواب الجحيم.
الانقسام هو الحربة التي تطعن جرح المصلوب إذا ما أردنا هذه الكنيسة لنا وليس له  وكأننا نحن المؤسسون ونحن الفادون...
بكلامنا عن الانقسام، يبدأ الإنقسام بازدواجية الشخصية، فلا موقف واضح، ولا حقّ واضح، فالكلام شيء والفعل شيء آخر... فمه يضحك وقلبه يثور، يغنيك بالوعود والأحلام و ... وهو يفكر"ما عندي غيرك؟!"!


الصفات الحلوة التي تليق بالإنسان تغدو سلعة عندما تحضر المصلحة... هذا الانقسام ساعة أبيض وساعة اسود وتارة رمادي يضيّع ضمير الإنسان ويجعله عبداً للأنانية والمصلحة الشخصية، ضارباً بعرض الحائط قول يسوع: "كلّ ما فعلتموه مع هؤلاء الصغار معي فعلتموه"(مت 25 : 40).
هذا هو ما يحوّل الأنسان من شخص فعال في المجتمع يتّحد بقريبه، إلى انسان منعزل نعرف عواقب عزلته فهو يموت وهو على قيد الحياة!
إن الشكل الآخَر من الإنقسام هو انقسام العائلة.
هذا ما يهدد الكثير من العائلات التي تناست أنّه على الرجل ترك أباه وأمه والالتزام زوجته (تك 2 : 24) وأنه على المرأة أن تخضع لرجلها كما يليق بالرب (كور 3 : 18) وأن هذا الزواج هو عهد أمام الرب، وأن على كلّ منهما أن يحبّ الآخر حباً مجرداً مبنياً على الحوار والحب والتضحية...
وما أكثر الخلافات الناتجة عن الأنانية المفرطة وعدم الإهتمام بالآخر نتيجة ضيق الوقت بقصد الربح المادي الوفير... حتى توصّلت بعض العائلات لعدم رؤية بعضها فحتى فترة الطعام كلّ واحدٍ يأكل وحده ويقرّر وحده...


ومع الوقت كل لا يبالي بالآخر وما كان يميّز المجتمع الشرقي عن المجتمع الغربي، هو ذلك الارباط العاطفي ضمن العائلات...
يتبع انقسام العائلة، انقسام المجتمع وإنّ أهمّ ما يصيب مجتمعنا هو عدم الشعور بالخطيئة والذنب، وغالباً ما أصبح كلّ شخص يفسّر كلام الله على ليلاه، ويحرّم ويحلّل...ثمّ الانقسامات السياسية والفكرية على المستوى الوطني العام...


نرى إذاً الانقسامات على المستويات كافّة وما هذه الانقسامات الا لتفتيت الأوطان فالانقسام هو سرطان من نوع آخر...
إنّ المسيح أرادنا ان نكون موحدين فهو البكر لإخوةٍ كثيرين واعتبرنا أعضاءاً في جسده السري... فأيّ تشتّت وتشرذم وانقسام هو مخالفٌ لتعاليم وإرادة المسيح وهذا ما حدا بالسعيد الذكر البابا يوحنا الثاني أن يكتب رسالةً بعنوان "ليكونوا واحداً "للفت النظر إلى الخطر الكبير الّذي يصيبنا.
إن الوحدة تضعنا في الاتجاه الصحيح نحو قرارات صائبة وتزرع القوة بين الأفراد، وتزيد الانفتاح على الآخر والحوار معه وتثبت الشخص في أرضه.صلاتنا نرفعها إلى الرب لنتعالى عن كلّ انقساماتنا ومصالحنا الشخصية آمين.

 

::: نوايا وصلاة شكر :::

 

نوايا للقدّاس


1- نصلّي من أجل رعاة كنيستنا، مار بنديكتس السادس عشر بابا روما، ومار نصرالله بطرس بطريركنا الأنطاكي، ومار جورج بو جودة مطراننا، مع سائر الأساقفة والكهنة والمكرّسين على اسمك القدوس كي يسعَوا دائمًا لِنَشرِ المعرفة وقمعِ الجَهل، نسألك يا رب.
2- من أجل مسيحيّي العالم أجمع، وخاصّةً مسيحيّي لبنان، كي لا ينقسموا على أنفسهم، بل يتّحدوا بك مع ابنك، ويتعالَوا على مصالحهم الشخصيّة نحو المصلحة العامّة، نسألك يا رب.  
3- من أجل "الفرّيسي" الذي يعيش داخل كلّ انسان، كي نسيطر عليه في حياتنا، فلا نحكم على الآخرين ولا نُدين، بل نسعى لأن نكون مع ابنك، نجمع معه، واثقين من عمل الروح فينا، نسألك يا رب.  
4- من اجل كلّ انسان به مَسٌّ، أو يُعاني من عاهةٍ في جسده، أعطنا، بشفاعة مريم وجميع القدّيسين، الحكمة في التصرّف معه، وأعطه أن يَعيَ موهبة الروح القدس المُعطاة له، فيتعزّى بها، نسألك يا رب.  
5- من أجل كلّ من فارق هذه الحياة، استقبله بالرحمة والحنان، ولا تنظر إلى الخير الذي لم يفعلْه، بل إلى المواهب التي يتجلّى الروح فيها من أجل الخير العام، غافرًا لنا ولهم الخطايا والزلات.

صلاة شكر للقدّاس

على مواهبك التي توَزّعها لكلّ واحدٍ منّا كما تشاء،
على الخدمات التي تمنحنا إيّاها حتى أنّ الأخرس يتكلّم والأعمى يُبصر،
على سعْيِك الدائم لِتَوحيدنا، فلا ننقسم على ذواتنا ونهلك،
على ملكوتك الذي وافانا، وعلى دعوتِك لأن نجمعَ معك،
على جسدك الذي أطعمتناه ودمك الذي سقيتناه،على عملك الثالوثي المتكامل، نحن يا ربّ نشكرك ونحمدك من الآن وإلى الأبد، آمين.

 

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من وحي الرسالة والإنجيل

من إعداد

الشدياق جوزيف أنطون
tes_yeux_me_voient@hotmail.com

 

تأمّل روحي
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى

jamileh.daher@hotmail.com

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد
madeleinedib@hotmail.com