زمن العنصرة
الأحد الحادي عشر من زمن العنصرة
(1 آب 2010)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

• نحن في الأحد الحادي عشر من زمن العنصرة.


• يحدّثنا مار بولس عن الوحدة، فالربّ بروحه يجمعنا، فلم يعد من فارق بين قريب وبعيد، يوناني ويهودي... كلّهم أبناء بيت الله وحجارة هذا البيت في الوقت عينه، فالربّ هو الأساس، لهذا السبب يصمد البيت وسيصمد وقوّات الجحيم لن تقوى عليه... هذه الكلمات يقولها لنا اليوم لأنّ الربّ أرادنا أن نكون "واحداً" فلنعزم لنقول له لتكن مشيئتك. وهذه الوحدة أرادها الرب لوجودنا، لكياننا، لهويّتنا، ولبشارتنا فالانقسام والتشرذم يليهما الدمار، الخراب، والتفتّت والخاسر الأوّل هو نحن. فنطلب من الرب أن يعطينا الإرادة والحكمة حتى لا تأتي ساعة لا ينفع الندم بعدها...


• وفي انجيل اليوم، نجد الربّ يفتّش عن الخطأة ويقترب منهم ليعطيهم نعمه وفي طليعتها نعمة الخلاص. نرى أيضاً كيف يتوب الخاطىء وما هي مفاعيل التوبة وكيف أن الرب يعمل على الخميرة القليلة الموجودة فينا ليخمر منها عجيناً لذيذاً، يقدّم للإخوة وللفقراء والمحتاجين، غير آبه بما تفعله أيدينا، لأنه يعرف خفايانا ويريد قلوبنا.
فلنعزم على أن نقول للرب: "لا تدخل إلى كلّ منا لوحده بل إلى جميعنا لأننا واحدٌ"، آمين.

 

::: صلاة :::

أيّها الرب الهنا، أنت الّذي أعطيت مفهوماً جديداً للحياة بحنانك وحبك... أعطنا أن نرتفع عن العالم كما صعد زكا إلى الجميزة إذ لم يكن صعوده إلّا بعد نزوله إلى عمق أعماق ذاته، إذ عرف أنّ ماله وجاهه لا ينفع شيئاً بدونك، فأراد الخلاص واقتنصه وكان له كما أراد
أعطنا أن نتمثّل به فنعرف أنّ حياتنا هي أنت، ولك ومعك... بهذا يكون الفرح والسلام والسعادة...
إنّنا عطاشٌ إلى الماء فأنت ماؤنا... عطاشٌ إلى الحب، أنت حبّنا... جياعٌ، أنت خبزنا... عريانون، أنت كساؤنا، لا تعاملنا بهفواتنا...
أعطنا أن نفهم الفرص التي تعطينا إياها، لنكون على مثال زكا والسامريّة والزانية... فعندما نتحد بك، بروحك نعرف أننا واحد كما أنك والآب واحد، التسبيح والمجد للثالوث الأقدس المجد إلى الأبد، آمين.

 

::: الرسالة :::

17 فلَمَّا جَاءَ بَشَّرَكُم بِالسَّلامِ أَنْتُمُ البَعِيدِين، وبَشَّرَ بالسَّلامِ القَرِيبين،
18 لأَنَّنَا بِهِ نِلْنَا نَحْنُ الاثْنَينِ في رُوحٍ وَاحِدٍ الوُصُولَ إِلى الآب.
19 إِذًا فَلَسْتُم بَعْدُ غُرَبَاءَ ولا نُزَلاء، بَلْ أَنْتُم أَهْلُ مَدِينَةِ القِدِّيسِينَ وأَهْلُ بَيْتِ الله،
20 بُنِيتُمْ على أَسَاسِ الرُّسُلِ والأَنْبِيَاء، والـمَسِيحُ يَسُوعُ نَفْسُهُ هُوَ حَجَرُ الزَّاوِيَة.
21 فيهِ يَتَمَاسَكُ البِنَاءُ كُلُّه، فَيَرْتَفِعُ هَيْكَلاً مُقَدَّسًا في الرَّبّ،
22 وفيهِ أَنْتُم أَيْضًا تُبْنَونَ معًا مَسْكِنًا للهِ في الرُّوح.
(أف2/17-22)

 

::: حول الرسالة :::

عندما نقرأ هذه الرسالة، نسأل: "لمن يوجّه بولس رسالته؟". إنّه يوجّهها إلى أهل أفسس وهل نحن نختلف عن أهل أفسس؟
ألسنا أهل بلد القديسين؟ ألسنا أبناء بلد شربل ورفقا ونعمة الله ويعقوب واسطفان و...؟
نحن بنينا على إيمان الرسل والأنبياء، على إيمان الأجداد وصلواتهم وتضرّعاتهم... إضافة إلى ذلك، صمدنا بقوة المسيح وشفاعة والدته والقدّيسين وبدماء شهدائنا الّذين تمثلوا به وقالوا: "ما أجمل أن يبذل الإنسان ذاته في سبيل احبائه".
نعم، أحبّوا المسيح وأحبونا عندما كنّا مهدّدين بكياننا، بوجودنا، بهويتنا... عندما كنّا من أجل المسيح نمات النهار كله وحسبنا مثل غنم للذبح، كنّا يومها قلباً واحداً وفكراً واحداً ويداً واحدة...
كلّ فترة وجيزة قديس من لبنان، وكأن الربّ لا عمل له إلّا في هذه البقعة الصغيرة جغرافياً حتى أصبح لبنان يسمى بأرض القداسة... وبهذا انطبق كلام بولس علينا...
فالّذي يهاجر أو يغترب إلى بلد ما، أوّل ما يصل إلى هذا البلد، يتعرّف على تقاليد وعادات وقوانين هذا البلد، مثلاً قانون السير في بلد ما يختلف عن قانون السير في بلد آخر، التقاليد، دوام العمل... كلّ بلد له خصوصيته ونموذجه، وعلى الداخل إلى هذا البلد أن يتقيًد بقوانينه وإلّا يلاحق قانونياً.


فإن كنّا أهل مدينة القديسين، أفلا يجب علينا أن نعرف أقلّه قانون القداسة؟ فعلى الأقل أن يشعر القادم الى أرضنا بأنه في مهد القديسين...؟
زار البابا السعيد الذكر يوحنا بولس الثاني بلدنا وأول ما قام به بعد نزوله من الطائرة هو تقبيل عيّنة من تراب أرضنا، التّراب الّذي وطئه السيد المسيح في بشارته إلى صور وصيدا والصرفند وقانا...
أوّل ما يصل السائح إلى لبنان، عمّا يسأل؟(ليس هناك مكان هنا لذكر ذلك) ولكن كما قال يسوع لزكا في انجيل اليوم : "إنزل "...
فلينزل كلّ منّا إلى قلبه، إلى ذاته... نحن أهل مدينة القديسين ماذا نفعل؟
أنسير بحسب قانون القداسة أم أصبحنا بحاجة بعد فترة ليسير القديسون بحسب قانوننا؟
ماذا نفعل وماذا ينبغي أن نفعل فنحن المعنيون ولا يمكننا "التفرّجّ"، كلّ حسب المسؤولية والوزنة المعطاة له: وسط الإنقسامات، وسط التشرذم، وسط الخلقيذات المستوردة، وسط شبيبة جامعاتنا، وسط بيئتنا السياسيّة، وسط طرقاتنا، ... فالكلّ مسؤول ولا أحد يستطيع أن يبقى متفرّجاً، كلّ من موقعه، وأبسط عمل هو الصلاة...


وهنا نستذكر قصّة: عصفوران وقفا يراقبان صياداً يصطاد العصافير على الدبق وكلما علق عصفورٌ يذبحه ويضعه في سلة، وكان الهواء قارساً لدرجة أن الدموع كانت تسيل من عينيه فقال العصفور للآخر: إنّ هذا الصياد حنون جداً، إنّه يبكي ، أجابه العصفور الآخر: لا تنظر الى عينيه بل إلى يديه!

 

::: الإنجيل :::

1 ثُمَّ دَخَلَ أَرِيْحا وَبَدأَ يَجْتَازُها،
2 وإِذَا رَجُلٌ اسْمُهُ زَكَّا، كانَ رَئِيسًا لِلْعَشَّارِينَ وَغَنِيًّا.
3 وكَانَ يَسْعَى لِيَرَى مَنْ هُوَ يَسُوع، فَلَمْ يَقْدِرْ بِسَبَبِ الـجَمْعِ لأَنَّهُ كانَ قَصِيرَ القَامَة.
4 فَتَقَدَّمَ مُسْرِعًا وَتَسَلَّقَ جُمَّيْزَةً لِكَي يَرَاه، لأَنَّ يَسُوعَ كانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُرَّ بِهَا.
5 وَلَمَّا وَصَلَ يَسُوعُ إِلَى الـمَكَان، رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَيْهِ وقَالَ لَهُ: "يَا زَكَّا، أَسْرِعْ وانْزِلْ، فَعَلَيَّ أَنْ أُقِيمَ اليَومَ في بَيْتِكَ".
6 فَأَسْرَعَ وَنَزَلَ واسْتَقْبَلَهُ في بَيْتِهِ مَسْرُورًا.
7 وَرَأَى الـجَمِيعُ ذلِكَ فَأَخَذُوا يَتَذَمَّرُونَ قَائِلين: "دَخَلَ لِيَبِيتَ عِنْدَ رَجُلٍ خَاطِئ".
8 أَمَّا زَكَّا فَوَقَفَ وَقَالَ لِلرَّبّ: "يَا رَبّ، هَا أَنَا أُعْطِي نِصْفَ مُقْتَنَياتِي لِلْفُقَرَاء، وَإنْ كُنْتُ قَدْ ظَلَمْتُ أَحَدًا بِشَيء، فَإِنِّي أَرُدُّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَضْعَاف".
9 فقَالَ لَهُ يَسُوع: "أَليَومَ صَارَ الـخَلاصُ لِهـذَا البَيْت، لأَنَّ هـذَا الرَّجُلَ هُوَ أَيْضًا ابْنٌ لإِبْرَاهِيم.
10 فإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ جَاءَ لِيَبْحَثَ عَنِ الضَّائِعِ وَيُخَلِّصَهُ".

(لو 19/1-10)

 

::: تأمّل من وحي الإنجيل :::

- في البداية، لا بدّ من لفت النظر إلى أن زكا كان عشاراً أي جابياً للضرائب عند الرومان، وهذا يتطلّب أن يكون رجلاً ثرياً ويكون جزء من ثروته كتأمين لدى الرومان... ومن خلال مهنته هذه وتدخّله مع الناس، يأخذ أخبارهم ويوشي بها الى الرومان الأعداء... لذا أصبح زكا، بنظر الناس، عميلاً من الدرجة الأولى، وشخصاً يحلّل دمه أكثر من المرأة الزانية، هذا يدلّ على أنّ الإنسان، مهما بلغت رداءة عمله، يبقى أثر صورة الله الخميرة التي وضعها الله فيه يعمل عليها لتتخمّر كلياً وتصبح خبزاً لذيذاً يقدم على مائدة الإخوة والفقراء والمحتاجين...


- زكا ذاك الشخص البعيد عن الربّ، عملياً وظاهرياً، إلا أن قلبه كان يعمل شيئاً مختلفاً... ويسوع عمل على هذا القلب ليملأه حباً ومن ثم فرحاً... بمفهومنا البشريّ نملؤه إدانة وتجريح، نقداً وقدحاً وزمّاً وشتماً، ولكنّ في هذا النصّ دعوة لعدم إدانة أحد، فالرب وحده هو الديان ، والخاطئ أخٌ لنا ومن منّا معصومٌ من الخطيئة الّا ربنا وإلهنا يسوع المسيح؟ اننا كنيسة الخطأة كما كنيسة القديسين، فلنصلّ وكم من الارتدادات حصلت بفعل صلوات أشخاص آخرين!


- مع الرب تعطي 1 تأخذ اضعافاً... زكّا عمل جهداً ليرى يسوع وهذا كان حلمه فاذا بالرب يقول له: "أنت زكا الذي يقال عنك... وبرغم خطاياك الكثيرة وإنّك أحببت كثيراً... سأمكث اليوم في بيتك، لي فترة واقفاً على بابك أقرع وأنتظر أن تفتح باب بيتك ويصير الخلاص لهذا البيت، فليست الفرحة فرحتك بل فرحتنا".


- الخلاص نعمة إلهية مجّانية إلى كلّ شخص منا، وهذا الشخص له حريّة أن يقول نعم أم لا، ولكن عندما تكون اللا، لا يعني هذا أن الموضوع انتهى، فنحن في علاقة بنوية مع أب مختلف كلّ الإختلاف عن مصالحنا وأهوائنا، إنّه يتدخل دائماً لأنه لا يريد أن يهلك أحد، إنّ السماء تفرح بخاطئ يتوب... قمّة تدخل الله هو أنه أرسل ابنه متجسداً من امرأة ليفدي خطايانا.


- الخلاص يتطلب تصميم وإرادة: من المسلّم به أن زكا عرف يسوع وتشوّق إلى رؤيته، وعندما يصرّ الشخص على مشروع يمكن تحقيقه بعدة طرق وظروف مكلفاً وقتاً وجهداً وأموالاً... على حدّ قول أبو القاسم الشابّي: "من لا يريد صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر"... فزكّا بذل جهداً لرؤية يسوع يشابههه في ذلك أعمى أريحا والمرأة النازفة... ويمكن أن نقول إنّ زكا صعد الى الشجرة كطفل يتصرف تصرّفاً ما لإثارة اهتمام والديه...


- اعترف زكا بما كان عليه ولكن هذا الإعتراف أتى عقب عودته الى الذات وتوبته الصادقة ومن ثم عودته إلى الربّ، والخطأ الشائع (انا أعترف ثم أتوب ( هذا ان اعترفت )) بل الحقيقة هي العكس، فالاعتراف ليس الإقرار بالخطايا فحسب بل التوبة والمصالحة هي الإقرار بحب الله وحنانه نحونا وثقتنا أنّ خطايانا مهما كانت كالقرمز فهو يبيضها كالثلج ( اش 18 : 1 )...


- اليوم مناسبة للعودة الى رسالة مار بولس في الأحد التاسع من العنصرة: تصالحوا مع الله والمصالحة لا تكون الا بالتوبة والعودة إلى الحضن الأبويّ، بهذه التوبة سيشعر الخاطئ بحنان رب الأكوان وسيحزن على الوقت الذي أمضاه دون توبة ومصالحة...


- إن العشارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت السماوات ( مت 1 : 17 )، هذا هو العشّار الذي قصده الربّ، الّذي عاد وصعد إلى الشجرة ليرى يسوع، ليرى النور الّذي يطلّ على المرتفعات قبل غيرها فقال له يسوع: "أسرع وانزل" وكان ذلك فنزل إذ إنّه لم يصعد لو لم ينزل إلى عمق أعماق ذاته ويتصالح معها قبل أن يتصالح مع الرب...فانزل يا أخي وأختي إلى الحشا، إلى الرحم لأنك ولدت انساناً جديداً رحيماً محباً... هذا هو الّذي نشير اليه بأيدينا على أننا نحن مؤمنون أكثر من غيرنا معتبرين اننا قريبون ولكنّ القريب من الله هو القريب بقلبه: "إن هذا الشعب يكرمني بشفتيه أمّا قلبه فبعيد عني".


- تحوّل زكا كان فورياً، فالتوبة والمصالحة تكون اليوم ولا تأجيل وتعويضه كان ضرورياً و فورياً... اليوم صار الخلاص وهذا ما يحدث في سر المصالحة والتوبة عندما يطلب الكاهن من المعترف تعويضاً، فالتعويض شيء أساسيّ، فعندما أسرق يجب أنّ أرد المسروق وأتوب وأعوّض عن فعلي، عمّا أقتل لا يمكن ولا يمكنني ان أقيمه ولكن اعوّض بشيء على ضميري وعاتقي لأشعر بخطيئتي وأندم عليها دون أن أدين ذاتي. وزكا لم يرد ما أخذه بل دفع من ماله أضعافاً وأضعافاً وأشرك الفقراء في ميراثه لأن الرب أشركه في ميراثه.
في الختام : إن كان هذا العصر هو عصر المال والجنس والجاه فلنتعظ من زكا أنّ كلّ غناه وثروته لم تجعل منه إنساناً سعيداً، والمرأة السامريّة بالرغم من أن عندها خمسة أزواج لم يجعلوا منها إنسانة فرحة، ونيقوديموس منصبه وجاهه لم يستطيعا أن يقدّما له سلاماً، فكلّ حياة بغربة عن الرب مهما بلغت ليست بحياة، فتعالوا نترك ما وراءنا على الأرض ونتعالى عن أرضياتنا وعندها نهلّل: "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب"... ويكون الفرح مزدوجاً في هذه الحياة الفانية وفي الحياة الأبدية الخالدة.

 

::: تأمّل روحي :::

 

زكّا العشّار !

 

• من لي سواك قريب؟
ليس صدفةً أن التقى زكّا بيسوع، جابي الضرائب لصالح الرومان، بل كان يعلم أنّ المعلّم سيمرّ بتلك الطريق. ورغبته في التعرّف عليه دفعته "لتسلّق جمّيزة بسبب قصر قامته"، كي يستطيع رؤيته. لكنّ المفاجأة والحدث الغير متوقّع، كان في دخول يسوع عالَمَ ذاك الرّجُل مذ رآه، فدعاه، وأعلمه بأنّه يرغب في الإقامة عنده، مع العلم أنّ زكّا لم يطلب منه شيئًا البتّة.


• دخل وأقام عنده
كيف يدخل بيتًا دنّسته الخطيئة والخيانة؟ والطامة الكبرى، كيف يقيم عنده ويشارك شخصًا في المأكل والمشرب من مالٍ "حرام"؟
لكنّ يسوع كان يعلم أنّ استئصال الورم لا يتمّ إلاّ بالعمل الجراحيّ، وذلك يتطلّب وقتًا يكفي، وطبيبًا ماهرًا، وأدواتٍ معقّمة، لِنجاح العمليّة. هذا ما فعله يسوع مع صاحب الدار: لقد أقام عنده (زكّا) وأمضى لديه الوقت اللازم كي يعالجه، لأنّه رأى عنده الرّغبة في التعرّف إليه، والتجاوب، في تلبية طلب يسوع، بفرح...
يا لسعادة ذاك الرّجُل، لقد لمست قلبه طيبة هذا الطبيب، يسوع، فشفته، وتاب. لقد أعيدت إليه الحياة المفقودة بين غضب اليهود وحقد الفرّيسيين واحتقار الشعب له، مُزيلاً عنه سبب العار، بإعادته كلِّ صاحب حقٍّ حقّه مضاعَفًا، موزِّعًا الأموال على الفقراء.
 

• أين هو القريب؟
ألا يعيد الله إلينا الحياة في كلّ مرّةٍ يريد أن نقيمه عندنا، ونلبّي، كما حدث مع زكّا؟ لقد جعل من هذا الأخير قريبه، وقدّم له ما هو بحاجته. ونحن، هل نفعل كما فعل يسوع؟ هل علينا أن نترك الصدفة تلعب دورها في التقاء القريب، أم علينا أن نبحث عنه ونتقرّب منه؟ القريب لا نجده، أو نتعثّر به في الطريق، بل نصنعه بتوجّهنا إليه، والتقرّب منه، فيبادلننا الخطوة، فالفرح، وتلذ عندها الإقامة في كنفه.
 

• مكانك بجانبي
كم من الأشخاص لا يدركون قيمة أنفسهم، ولا قيمة وجود النعمة داخلهم، فيتسلّقون حواشي الحياة، كجمّيزة زكّا، متمنّين أن يدركوا رغبة قلوبهم ولا يعرفون السبيل؟
إلاّ أنّ يسوع يدعونا، كما دعاه، طالبّا منه أن يترك شجرته، على قارعة الطريق، لينضمّ إلى صلب الحياة، ويجلس بجانبه، بين الجموع، مساويًا إيّاه بكلّ من حضر! إنّ هذا الحدث وحده كان كافيًا لشفاء زكّا، وبتوبته فاضت من جوفه ثمار النعمة الّتي تأجّجت بالخير.
أليس في كلّنا، شيءٌ من زكّا؟
لنتخلَّ إذًا عن "جمّيزتنا"، ملبّين دعوة يسوع لنا، كي نعود إلى صلب الحياة، معافين، أقوياء، "فيَحلّ السلام في بيتنا"، ونستعيد هويّتنا كأبناء للوعد، متحرّرين بالروح، من سلطان هذا العالم، لا بالوعظ والتأنيب، بل بفعل حبٍّ، شفافٍ صادق، يغدقه الآب علينا.
 

• الولادة الجديدة
محبّة يسوع فاضت في حياة زكّا من دون سابق إنذار، وكأنّه الحبّ من النظرة الأولى. هكذا أيضًا تفيض نعمته ومحبّته في داخلنا، وفي هذه اللحظة بالذات، هو يدعوك، الآن:" اليوم حلّ الخلاص بهذا البيت".
هذا "اليوم"، الّذي نراه يتكرّر مرارًا في الإنجيل، هو الآن يومك أنت. هذا "اليوم"، هو يوم الله الّذي يتقرّب فيه منك كي يلدك من جديد، وسيتحقّق فيك الخلاص إن قبلته بضيافتك، وفرحت بلقائه. فهو يأتيك بلطف النسيم ووداعة الحمام، دون أن يفرض ذاته عليك! فهلاّ قبِلته؟!
 

• شارك بما عندك
لبيّتَ دعوته لك، يعني أنّك بدأت تتذوّق طعم المسيح في حياتك. فلا تحتفظ به لذاتك، بل إفعل كما زكّا: وزِّع خيراتك، على تنّوعها، حيثما حللت، وأيًا من التقيت، كي يشاركك الكلّ طعم المحبّة، وفرح العطاءِ (لا أعني المحرومين من المادّة فقط)، فيدركوا بذلك كم هو طيّبٌ ولذيذٌ طعم الرّب.

 

::: نوايا وصلاة شكر :::

 

نوايا للقدّاس


1- نصلّي من أجل رعاة كنيستنا، مار بينيديكتس السادس عشر بابا روما، ومار نصرالله بطرس بطريركنا الأنطاكي، ومار جورج بو جودة مطراننا، مع سائر الأساقفة والكهنة والمكرّسين على اسمك القدوس كي ينظروا الى الآخر ويتعاطوا معه بمقياس المسيح لا بمقياس العالم، نسألك يا رب.
2- تجاوبَ المسيح مع شَوق زكّا وأقام في منزله، ولكن لم يتم الخلاص لهذا البيت إلَّا بعد مبادرة زكا بالاعتذار والتعويض عن أخطائه؛ علّمنا أن نفهم أهمية المناولة في حياتنا وضرورة التفاعل معها، بالندامة والتعويض، ليتمَّ الخلاص لنفوسنا، نسألك يا رب.
3- أخذوا يتذمّرون قائلين: دخل بيت خاطئ؛ ما أسرعنا بالحكم على أخينا الإنسان، وما أظلم عيوننا لأنّها لا ترى إلّا السواد؛ أقرضنا عينيك، لأنّ لا بصر لدينا ولا بصيرة، فنصنع الرحمة قبل الذبيحة، نسألك يا رب.
4- القريب والبعيد نال الخلاص بيسوع المسيح الذي صار حجر الزاوية؛ أعطنا أن نتماسك جميعنا به، رغم خلافاتنا واختلافاتنا، فنبنيَ بحياتنا حجارة هيكلك المقدّس، ونتحوّلَ بِدورِنا لِنصيرَ مَسكنًا للروح القدس، نسألك يا رب.
من أجل كلّ من فارق هذه الحياة، سعيًا لِلُقياك، لا تُعامله بِحسَب آثامه، بل أسمِعهُ صوتك يقول: اليوم تمّ الخلاص لهذه النفس، غافرًا خطايانا وخطاياهم.

 

 

صلاة شكر للقدّاس

 

لأنّك لا تتوقّف عند أخطائنا، بل تتخطّاها بالنظر إلى سَعيِنا وشَوقنا لِلأفضل،
لأنّك تختار أن تبيت "اليوم" عندنا، كلّما أعطيتنا جسدك ودمك،
لأنّك جئت تبحث عن الضائع وتُخَلّصه، نحن يا ربّ نشكرك؛
نشكرك لأنّنا لم نعُد غرباء أو نُزلاء، بل مِن أهل بيتك،
لك الشكر والحمد أيّها الثالوث الأقدس، من الآن وإلى الأبد، آمين.

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من وحي الرسالة والإنجيل

من إعداد

الشدياق جوزيف أنطون
tes_yeux_me_voient@hotmail.com

 

تأمّل روحي
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى

jamileh.daher@hotmail.com

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد
madeleinedib@hotmail.com