|
زمن العنصرة
الأحد السابع عشر والأخير من
زمن العنصرة 2010 |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
::: مدخل ::: |
• في الأحد السابع عشر من زمن العنصرة، نتأمّل في الإنسان عندما يحبّ وعندما
يترجم حبّه أفعالاً وهي فرصة ليصبح الإنسان أفضل وأجمل وأرقى...
• من هنا نفهم التناغم بين دعوة مار بولس إلى المحبّة في نص قراءة الرسالة
اليوم إلى أهل روما مع التطبيق العملي لهذه المحبة في نص قراءة الإنجيل للقديس
لوقا.
• المحبة لا "تتفرّج"، المحبّة لا تقف موقف اللامبالاة بإزاء الأشخاص الّذين
يضعهم الرب على دروب حياتنا... بل هي لا تميّز بين فئة وأخرى، بين عرقٍ وآخر،
بين دينٍ ودين... إلى أن تصل مع المسيح إلى محبّة الأعداء.
ويبقى أنّ المحبّة ثابتة لأن مصدرها ثابت وهو الله ولا محبة حقيقيّة من دون
تفان وعطاء مجرّد، على مثال النبع الذي نستقي منه كلّنا وهو الله الّذي أحبّنا
ولم يبخل بابنه الوحيد من أجلنا.
::: صلاة ::: |
صلاتنا إليك أيها الآب السماوي، أن تنقذ الذين يعانون من الضيق.
إرحم البؤساء، إشف المرضى، ساعد ضحايا العنف في العالم ، المشرّدين، المهمّشين،
لكي يعرف الناس أجمعون أنّك أنت الله الوحيد وأن ابنك هو يسوع المسيح.
أعطنا أن نعرف أن الناس كلّهم أخوة بك، وأنّك لا تفرّق بينهم وكلّ شخص منهم هو
فريد في عينيك، بغضّ النظر عن اسمه وعرقه ولونه... فنعرف أن نقدم التضحيات لمن
يعانون العوز المادي والعاطفي والمعنوي ووضعتهم أنت على طرقنا. ونعرف أنهم شغلك
الشاغل ولا تتركهم.
أعطنا الرأفة والحنان والاندفاع للمساعدة كما فعل السامري الصالح فأحببته وأن
لا نفكر بالبغض وقت الشدة، وأن نفكر بالصفح عن أعدائنا كما فعلت من على الصليب،
لك المجد الى الأبد، آمين.
::: الرسالة ::: |
8 لا يَكُنْ عَلَيْكُم لأَحَدٍ دَيْنٌ إِلاَّ حُبُّ بَعْضِكُم لِبَعْض.
فَمَنْ أَحَبَّ غَيْرَهُ أَتَمَّ الشَّرِيعَة؛
9 لأَنَّ الوَصَايَا: "لا تَزْنِ! لا تَقْتُلْ! لا تَسْرِقْ! لا تَشْتَهِ!"،
وأَيَّ وَصِيَّةٍ أُخْرَى، تَخْتَصِرُهَا هـذِهِ الكَلِمَة: "أَحْبِبْ
قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ!".
10 إِنَّ الـمَحَبَّةَ لا تَصْنَعُ بِالقَريبِ شَرًّا؛ إِذًا فَالـمَحَبَّةُ
هِيَ كَمَالُ الشَّرِيعَة.
11 وإِنَّكُم لَعَالِمُونَ في أَيِّ وَقْتٍ نَحْن: لَقَدْ حَانَتِ السَّاعَةُ
لِتَسْتَيْقِظُوا مِنَ النَّوْم! لأَنَّ الـخَلاَصَ أَقْرَبُ إِلَيْنَا
اليَوْمَ مِمَّا كَانَ يَوْمَ آمَنَّا.
12 لَقَدْ تَنَاهَى اللَّيلُ واقْتَرَبَ النَّهَار. إِذًا فَلْنَطْرَحْ
أَعْمَالَ الظُّلْمَة، ونَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّور.
13 وَلْنَسْلُكْ سُلُوكًا لائِقًا كَمَا في وَضْحِ النَّهَار، لا في القُصُوفِ
والسُّكْر، ولا في الفُجُورِ وَالفَحْشَاء، ولا في الـخِصَامِ والـحَسَد،
14 ولا تَهْتَمُّوا بِالـجَسَدِ لِقَضَاءِ شَهَوَاتِهِ، بَلِ الْبَسُوا
الرَّبَّ يَسُوعَ الـمَسِيح!
(روم13/8-14)
::: حول الرسالة ::: |
المحبّة هي محور الحياة المسيحيّة وأساس وحدتها، سواء تعلّق الأمر بالعلاقة مع
الله أم مع سائر الناس أم مع المؤسسات الإجتماعيّة أم مع الخليقة... فالمحبّة
هي التي على الدوام تحمل كل شيء وتحرّك كل شيء.
منها تشعّ كل قوّة، وهي تملأ كل فكر حسن وكل عمل صالح. إنّها عطيّة حياتنا
ومهمّتها، والمحبّة المسيحيّة متأصّلة في محبّة الله التي كُشفت لنا في يسوع
المسيح، وفيه وُهبت لنا، وبه أُوكلت إلينا لذلك يقول يسوع: "كما أنّ الآب
أحبّني أنا أيضاً أحببتكم فاثبتوا في محبّتي" (يو15/9).
المحبّة تتجاوز الميول النفعيّة والهدّامة وفي الوقت عينه تعمل على تغيير
الإنسان بإمتصاص الشرّ القابع فيه وهي تمنح الصبر والصلاح وتحتمل المِحن وتثبت
في الخيبات، فالمصالحة ومحبّة الأعداء غالباً ما تبقيان مجرّد كلام... ومقاسمة
خيرات الأرض ومسامحة الذنوب والمسؤوليّة الإجتماعيّة تلقى المعارضة. ويرى
المسيحي نفسه معرّضاً لإغراء المجتمع العلماني، فتبدو له هذه التطلّبات متعذّرة
التطبيق ومع ذلك فهو يعلم أنّ المحبّة التي تنطلق من محبّة الأصدقاء فتمرّ
بمحبّة القريب لتصل إلى محبّة الأعداء هي وحدها قادرة على أن تشفي وتحرّر
وتُسعد.
من الله الذي أحبّنا أوّلاً (1يو4ـ10) تأتي كل محبّة ولكنّها تصل إلينا بوساطة
الناس. فالإنسان الذي يعرف أنّه مقبول ومحبوب يستطيع أن يكتسب الثقة الأصليّة
بنفسه وبالناس وبالعالم وأن يسير على طريق حياته كما على طريق من المحبّة من
إختبر المحبّة هذا وحده يستطيع أن ينقل المحبّة.
واليوم السؤال الذي يطرح نفسه : هل نحبّ؟ وإن كانت المحبة هي جوهر في المسيحية
فهل نحن مسيحيون؟
الجواب هو على ضمير كلّ شخص منا، فهل نحب ؟ وكيف نحب ؟ ومتى نحب؟ وهل نحن
صادقون في حبّنا؟
::: الإنجيل ::: |
25 وَإِذَا عَالِمٌ بِالتَّوْرَاةِ قَامَ يُجَرِّبُ يَسُوعَ قَائِلاً: "يا
مُعَلِّم، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الـحَياةَ الأَبَدِيَّة؟".
26 فَقَالَ لَهُ: "مَاذَا كُتِبَ في التَّوْرَاة؟ كَيْفَ تَقْرَأ؟".
27 فَقَالَ :"أَحْبِبِ الرَّبَّ إِلـهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَكُلِّ
نَفْسِكَ، وَكُلِّ قُدْرَتِكَ، وَكُلِّ فِكْرِكَ، وَأَحْبِبْ قَرِيبَكَ
كَنَفْسِكَ".
28 فَقالَ لَهُ يَسُوع: "بِالصَّوابِ أَجَبْتَ. إِفْعَلْ هـذَا فَتَحْيَا".
29 أَمَّا هُوَ فَأَرادَ أَنْ يُبَرِّرَ نَفْسَهُ، فَقَالَ لِيَسُوع: "وَمَنْ
هُوَ قَريبِي؟".
30 فَأَجابَ يَسُوعُ وَقَال: "كانَ رَجُلٌ نَازِلاً مِنْ أُورَشَلِيمَ إِلى
أَرِيـحَا، فَوَقَعَ في أَيْدِي اللُّصُوص، وَعَرَّوهُ، وَأَوْسَعُوهُ ضَرْبًا،
وَمَضَوا وَقَدْ تَرَكُوهُ بَيْنَ حَيٍّ وَمَيْت.
31 وَصَدَفَ أَنَّ كَاهِنًا كَانَ نَازِلاً في تِلْكَ الطَّرِيق، وَرَآهُ،
فَمَالَ عَنْهُ وَمَضَى.
32 وَمَرَّ أَيْضًا لاوِيٌّ بِذـلِكَ الـمَكَان، وَرَآهُ، فَمَالَ عَنْهُ
وَمَضَى.
33 ولـكِنَّ سَامِرِيًّا مُسَافِرًا مَرَّ بِهِ، وَرَآهُ، فَتَحَنَّنَ عَلَيْه،
34 وَدَنَا مِنْهُ، وَضَمَّدَ جِرَاحَهُ، سَاكِبًا عَلَيْها زَيْتًا وَخَمْرًا.
ثُمَّ وَضَعَهُ عَلَى دَابَّتِهِ، وَذَهَبَ بِهَ إِلى الفُنْدُق، واعْتَنَى
بِهِ.
35 وفي الغَد، أَخْرَجَ دِينَارَينِ وَأَعْطاهُمَا لِصَاحِبِ الفُنْدُق،
وَقَالَ لَهُ: إِعْتَنِ بِهِ، وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ فَأَنَا أُوفِيكَ عِنْدَ
عَوْدَتي.
36 فَمَا رَأْيُكَ؟ أَيُّ هـؤُلاءِ الثَّلاثَةِ كَانَ قَريبَ ذـلِكَ الرَّجُلِ
الَّذي وَقَعَ في أَيْدِي اللُّصُوص؟".
37 فَقَالَ: "أَلَّذي صَنَعَ إِلَيْهِ الرَّحْمَة". فَقَالَ لَهُ يَسُوع: "إِذْهَبْ،
واصْنَعْ أَنْتَ أَيْضًا كَذلِكَ".
(لوقا 10 /25-37)
::: تأمّل من وحي الإنجيل ::: |
في قراءة إنجيل اليوم، يحدّثنا القدّيس لوقا، برمزيّة كبيرة، عن مثل السامري
الصالح.
هذا السامري هو محبّب إلى قلب الربّ... فرغم عدم معرفته بالربّ يسوع، عمل
بوصيّته لحتى انطبق عليه قول الربّ يسوع: "لي خراف كثيرة خارج هذه الحظيرة".
"العين بالعين والسن بالسن" كانت الشريعة السائدة في ذاك العصر. فالسامريّون هم
أعداء اليهود اللدودون، منذ مرحلة ما بعد السبي، حين اتّهم اليهود السامريين
بتنجيس الهيكل... والمعروف قيمة الهيكل لدى اليهود، فما حال الّذي ينجس هذا
الهيكل ؟! لذا فقد كان هذا العداء تاريخيّاً!
مع ذلك، نجد أنّ الربّ يسوع أحبّ السامريين وسعى من أجل خلاصهم كما فعل حين
غيّر طريقه ليلتقي المرأة السامرية على بئر يعقوب لكي يكتب لها الخلاص.
يمكننا القول إنّ السامري أحب عدوه وهذا ما يطلبه المسيح من كلّ واحدٍ منا.
واليوم، إذا سمعنا أحد يقول: "أحبّوا أعداءكمّ ماذا نقول له؟
بالتوصيف أن الكاهن كان نازلاً فيما السامريّ صاعدٌ نستنتج وجود رمزيّة عميقة:
فالنّزول هو الانطواء والانكماش على الذات، التموضع، الكبرياء، الأنانية... أما
الصعود فهو الانفتاح على الإنسان الآخر بالفكر والعمل.
العبرة الأساسية من هذا المثل هي في توصيف "القريب"، الّذي يحبّ، بهذا يختلط
مفهوم المحبة والعطاء والخدمة بمفهوم سماع كلمة الله، كما أكّد الربّ يسوع: "من
هم أمي وإخوتي؟ هم من يسمعون كلمة الله ويعملون بها".
من ثمار المسيحية المحبّة التي لا تعرف عرقاً ولا ديناً ولا جنساً... من ثمارها
أيضاً أنّها تعطي قيمة للإنسان على أنه إنسان وإنسان فريد بنظر الرب. وبهذا
يمكن أن لا نسأل عن الشخص ان كان مسيحياً بل نسأله إن كان فعلاً إنساناً.
فالمسيحية تساوي الإنسانية وهذا ما يجعلها تعطي قيمة للشخص البشري!
إنّ حوار المحبّة الذي يكوّن علاقتنا بالله يظهر في حوار المحبّة الّذي يدعونا
إليه كلّ الذين نلتقيهم في حياتنا والّذين ينتظرون أن يشاهدوا من خلال وجهنا
وجه الله ومن خلال محبّتنا محبّة الله في الأفراح والأحزان في الصداقات
والصراعات.
وفي كل تطلّبات العدالة والأخوّة لا نزال نسمع نداء السيّد المسيح "كل ما
تفعلونه نحو إخوتي هؤلاء الصغار فبي تفعلونه" (متى25/40).
في هذه النظرة المسيحيّة لم يعد السؤال الأساسي سؤال معلمّ الناموس "من هو
قريبي؟" (لو10/29) بل كيف أحبّ كلّ إنسانٍ وأصير له قريباً (لو10/36)؟!
لا شكّ أنّ المحبّة هي دوماً حوار شخصي ولكن بما أنّ الإنسان كائن بشري لا
يحقّق إنسانيّته إلا ضمن علاقة بالمجتمع وضمن أطر إجتماعيّة ونُظم سياسيّة
وإقتصاديّة، فلا يمكن للمسيحي إهمال هذا البُعد الجماعي في ممارسته للمحبّة
لأنّ في المحبّة تلتقي الأخلاقيّة المسيحيّة بالأخلاقيّة الطبيعيّة التي يسعى
كلّ إنسانٍ إلى تحقيقها.
أين هو إنسان اليوم من المحبة والقريب؟
إنسان اليوم يعيش تجاذباً ما بين الحيازة والعطاء. وهذا التجاذب الكبير الذي
يحياه مصدره نوع من عدم القناعة بأنّ المحبة هبة مجانيّة ومن الله. وبالتالي،
عليه أن يقبلها وينمّيها وأن يجاوب عليها بمحبة، كما أنّها توّلد عنده الرغبة
في التلاقي وتحقيق الذات في الجماعة، فيصبح عنده العطاء طبيعي عندما يتلمّس هذه
الحقيقة. هذا الامر يتطّلب إختباراً شخصيّاً "أرضياً وسماوياً"، "بشرياً
وإلهياً".
في هذا المثل نسمع الرب يسوع يقول : قريبي هو من عمل الصدقة، قريبي هو من أحب،
قريبي هو من سمع كلمة الرب... فتصبح الصدقة والرحمة عمل محبة وسماع كلمة الرب
عمل محبة والصلاة عمل محبة وعندما تعمل بالمحبة تعمل بمشيئة الرب وكما يقول
القديس أوغسطينوس: "أحبب وافعل ما تشاء"، آمين.
::: تأمّل روحي ::: |
الكلمة والفعل!
"في البدء كان الكلمة، والكلمة صار جسدًا".
منذ البدء وكلمة الله كانت لنا ضميرًا وفعلاً مرئيًا، محسوسًا، منظورًا
وملموسًا. لقد كانت، وما زالت، وستبقى كبذرة القمح، تسقط في القلب لتنبُتَ،
سالكةً دربها صوب اليدِ لِتُثمرَ أفعال محبّة في كلّ مفاصل حياة الإنسان...
فأين نحن اليوم من هذه الكلمة؟
نسمعها يوم الأحد. حفظنا بعضها من الإنجيل، والبعض الآخر من الوصايا، منذ
القربانة الأولى، وتوقّفنا عند السّماع... حفظناها حتّى امتلأت أفواهنا بأقوال
الله. ولكم تحدّثنا عن آياته ومعجزاته. ولكم أخبرنا عن رحمته... بعدها، سقطت من
الفم إلى القلب، محاوِلةً الخروج نبتةً مثمرة ولكن كم كان الطريق شائكًا من
القلب إلى اليد! هذا الطريق، رغم قصره، يعجّ بألف سؤالٍ وسؤال: "كيف أربح
الملكوت؟"، " من هو قريبي؟"، "ماذا عليّ أن أفعل؟"...(متّى:10)، أو "كيف أتصدّق
وأنا لا أملك إلاّ القليل؟"، " ليس لديّ الوقت، فكيف أفعل؟"...
أمّا يسوع، ولوعورة المسلك، كان واقفًا على ذاك الطريق ينتظر، كما دومًا، فسعى
إلى ردم الهُوَّة بينهما (بين القلب واليد، أي، بين الكلمة والفعل)، وضمّ اليد
إلى القلب، مجيبًا على أسئلة عالم الشريعة، بعد أن جعله يكتشف سبيل الوصول
بنفسه: حفظتها؟، " إذهب واعمل بها."
إذن، الحياة الأبديّة ليست حصرًا على الفقراء والمساكين، ولا على الأغنياء
والمكرّسين. إنّها حقٌ لكلّ من قَبِل الكلمة وآمن بها، فأثمرت بِرًّا وصلاحًا
في حياته. ألا يدعو يسوع ، الجميع إلى وليمة الخلاص، وليمة "يوم الرّب على
الأرض" الدائمة؟ أليست هذه الوليمة بذاتها، حياة؟ إذن، من هنا نرى أهمّية مثل
السامريّ الصالح: هذا الإنسان الّذي توقّف عند المنعطف الأهمّ: حياةإنسان في
خطر. رجل ملقى على قارعة الطريق، مضروبًا، مثقلاً بالجراح ومضرّجًا بالدماء ،
على شفير الموت.
ربّما نتساءل عن علاقة هذا الحدث بالحياة الأبديّة، هدف ذاك العالِم بالشريعة!
صحيح أنّ الموضوع هو الحياة الأبديّ، ولكن، قبل أن ننشد الأبديّة، يجب أن
نرسّخها في كينونتنا، وفي كلّ تفاصيل حياتنا اليوميّة. ألا يدعونا الله من خلال
هذا الحدث الإنجيلي إلى إيلاء الأهميّة إلى نفحةِ الخالق فينا: حياة الآخر؟ ألا
يكشف لنا تصرّف السامريّ، أنّ الحياة لا تقدّر بثمن ، لا بمناصب أو مراكز؟ لقد
وضع كلّ أعماله ومشاغله جانبّا، وانحنى لإنقاذ الرجل المهدّد بالموت، المجروح
بالأسى أكثر منه بآلام الجسدّي!
وينهي يسوع كلامه هنا، دون أن يبرّر تصرّف السّامريّ أو أن يدين اللاّوي
والكاهن. لقد أراد أن يقودنا في الإتّجاه الآخر (هذا المسكين المغتَصَبْ، "خربط"
مشروع السّامريّ ومسيرته)، داعيًا إيّانا للخوض في أعماق النفس ، كي نسأل
ذواتنا: إلى من أو إلى أيّ شيء نعطي الأولويّة في أعمالنا. هل نعطيها لما فيه
منفعتنا الشخصيّة، أم منفعة الآخر؟ ما الّذي يوجّه قراراتنا. هل هو الواجب (أإجتماعيًا
كان أم دينيًا)، أم الضمير، أو محبّة الآخر؟ بالطبع ليس المقصود البحث عن
الجواب الملائم، ولا عن التعبير عن احترامنا للتّصرّف الصحيح، لكن كلّ المُراد
به، هو إدراكنا لماهيّة علاقتنا بالله، وفهم ركائز أيماننا وضرورتها، تلك الّتي
خطّها الله فينا يوم كُوِّنّا، والّتي يكشفها لفهمنا الروح القدس.
يكفي أن نتناغم مع الله كي نفهم أنّه يعطي الأولويّة إلى كلّ ما يحمل حياة :
فالحياة الأخرى الّتي نريدها، تتغذّى من رحم أعمال حياتنا الحاضرة. فإن كنت في
قلب الله، كنت في الحياة الأبديّة منذ الان، ويحقّ لك أن تُظهِر هذه الحقيقة في
كلّ ما تعمله: دع المسيح يتجلّى، بكلّ بساطة، في حياتك بنعمة الثالوث الساكن
فيك، فيبدأ بنيانك بالإرتفاع في رحاب الملكوت!
::: نوايا وصلاة شكر ::: |
نوايا للقدّاس
2- إذا أحببتُ قريبي حبّي كنفسي، فَلَن أقتله ولن أسرقه ولن أشتهيَ ما يملكه،
ولن أُؤذيَ مشاعره بالزنى؛ أعطنا أن نحبَّ الآخر تمامًا كما أنت أحببتَه،
بازلينَ ذواتنا في سبيل سعادته، نسألك يا رب.
3- لأنّك بأُبوّتك لنا، جعلتنا جميعًا أبناءً لك وإخوةً لِبَعضنا بالمسيح يسوع،
فأصبح كلّ "آخر" هو أكثر من "قريب" بل هوَ "أخ"، أعطنا أن نفهم معنى هذه
الأخوّة تجاه الآخر، كي نستحقّ البنوّة لك، نسألك يا رب.
4- صاحب الفندق لم يساهم بِعمل الرحمة مجّانًا، بل قبض الثمن نقدًا؛ إزرَع فينا
حسّ المشاركة والشفقة، فنُساهم في الخير الذي يوضع أمامنا، بمجانيّة، فنتبنّاه
كما لو كنّا نحن المبادرين إليه، نسألك يا رب.
5- لقد تناهى الليل واقترب النهار؛ من أجل كلّ مَن انتهَت حياتهم وانتهى معها
ليل الألم والمرض والشقاء، أدخلهم في النهار معك، حيث السلام والمجد الأبدي،
غافرًا لنا ولهم الخطايا والزلات.
صلاة شكر للقدّاس
نشكرك يا رب، لأنّك لست كالآخرين؛
تدعونا كي نحب وأنت مِثال مَن أحب،
تدعونا أن نكون رحومين، وأنت هو الرحوم، السامريّ الصالح، الذي أشفق على
بشريّتنا وشفانا من آثامنا وأمراضنا،
تدعونا كي لا نكون كالآخرين، وأنت عشتَ في هذا العالم ،انتصرت عليه وبقيتَ
متميّزًا عن هذا العالم،
نشكرك لأنّك تريدنا أن نكون مثلك، فَعشتَ مثلنا كَي تُرينا السبيل،
لك الشكر الآن وكلّ آن، لك ولأبيك ولروحك الحيّ القدوس، من الآن وإلى الأبد،
آمين.
المقدّمة، الصلاة، أفكار من وحي الرسالة والإنجيل من إعداد الشدياق
جوزيف أنطون
تأمّل روحي
نوايا وصلاة
شكر للقدّاس |