زمن الصليب

 

عيد الصليب
(14 أيلول 2010)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مدخل :::

• في عيد ٱرتِفاع الصَّليب، نَبدَأ الزَّمَن الأخير مِنَ السَّنَة الطَّقسِيَّة وَمِنْ زَمَن الصَّليب المُقَدَّس، زَمَن المُفارَقات الكُبرَى. فالصَّليبُ وَالألَمُ وَالعَذاب هيَ بِدونِ شَكّ مُقَدِّمَة للمَوت. وَمُفارَقةُ هذا الزَّمَن الكَبيرَة هِيَ أنَّهُ يَأتي بَعْدَ أعْيادٍ كَبيرَةٍ تُمَجِّدُ ٱلحَياة وَالإنْتِصار على المَوت: مِنْ عيد القِيامَة وَٱنْتِصار يَسوع على المَوت بِسِلاحِ الحُبِّ ٱلمُطْلَق، إلى عيدِ ٱلإنْتِقالِ ٱلذي يُخْبِرُنا عَنْ مَريَم أوَّل المُسْتَفيدينَ مِنْ إسْتِحْقاقاتِ إبنِها فَنالَتْ حَياةَ ٱلأبَد، وَنَعِمَتْ بالفِردَوْسِ ٱلدَّائِم، وَبَيْنَهُما عيدُ ٱلصُّعودِ وَٱلعَنْصَرَة، عيد حُلول الرُّوح القُدُسِ على التَّلاميذ وَالوِلادَةِ الجَديدَة للكَنيسَة. هذه كُلّها أعْياد حَياةٍ وَرَجاء، فَإذا بِها تُتَوَّجُ بِعيدِ ٱلصَّليب! يا للمُفارَقَة!
• إذا طَرَحْنا السُّؤال: لِماذا؟؟ تَرُدُّ ٱلكَنيسَةُ وَتَقول: هذا هوَ وَجْهُ ٱلصَّليب الحَقيقي وَالإيجابي. مَعَ إقْرارِنا بِأنَّ ٱلصَّليب لا يَسْلُخنا عَن واقِعِنا اليَومي، لَكِنَّهُ يَدعونا للإلتِزام بالواقِعِ ٱلذي نَعيشُهُ بِكُلِّ ما فيهِ مِنْ صُعوباتٍ وَمِحَن. فهذا المَسارُ ٱلطَّبيعي لِكُلِّ إنْسان بَيْنَ ظُلْمَةٍ وَنور، بَيْنَ خَطيئَةٍ وَنِعْمَة، بَيْنَ شَكٍّ وَرَجاء، بَيْنَ مَوتٍ وَحَياة. يَبقَى صَليب يَسوع يَلْمَعُ وَسْطَ ٱلكُلّ حاكِلاً الرَّجاءَ وَٱلمَجدَ وَٱلفِداءِ وَٱلقِيامَة.
• صَليبُ ٱلعارِ وَالذُّلِّ وَٱلمَوْتِ ٱلذي وُضِعَ على أكْتافِ يَسوع، صارَ رَمزَ فَخْرِنا وَعِزِّنا، بَلْ أصْبَحَ عَلامَةً للحُبِّ غَيرِ ٱلمَشروط، حُبّ يَسوع الكامِل، حُبّ ٱلذي يَبذُلُ نَفْسَهُ في سَبيلِ أحِبَّائِهِ، الحُبّ ٱلذي يَغْفِر وَيُسامِح، الحُبّ ٱلذي يَفْتَحُ دائِماً صَفَحاتٍ بَيْضاء يَكْتُبُ عَلَيْها مِنْ جَديد. مُنْذُئِذٍ صارَ ٱلتَّحَوُّلُ ٱلكَبير، فَما عادَت نَظْرَةٌ ٱلمؤمِن نَظْرَةَ ألَمٍ وَخَوفٍ وَتَوَجُّعٍ وَيَأسٍ، بَلْ أصْبَحَتْ نَظْرَةً فِصْحِيَّة (كَلِمَة »فِصح« تَعني عُبور)، أي نَظْرَة الحُبّ الذي يَتَغَلَّبُ على المَوت، نَظْرَة الرَّجاء وَ القِيامَة التي تَتَغَذَّى دائِماً بِحُبِّ يَسوعَ ٱللامَحدود. هذا التَّحَوُّل أعادَ ٱلمؤمِن إلى حَقيقَة المُعاناة، إلى حَقيقَة الحُبّ الذي بِدونِهِ لا يَعْرِفُ ٱلإنْسان الحَياة. هذا ما دَفَعَ ٱلكَنيسَة لِتَضَعَ الصَّليب في مُقَدِّمَة مَسيرَتِها وَفي قَلْبِ حَياتِها، حَتَّى أصْبَحَ شِعاراً وَرَمزاً لِحُرِّيَّتِها، وَعَلامَةً لِفَرَحِها وَمَجْدِها.
هذه الرُّوحانِيَّة دَفَعَتْ شَعْبَنا إلى لِيَرْفَع الصَّليب في كُلِّ مَحَلاَّتِ حُضورِهِ وَوُجودِهِ، مِنَ البَيت، إلى الكَنيسَة، إلى المَزار، إلى المَدرَسَة، مُعَلَّقاً على صُدورِ أولادِنا، وَكِبارِنا... بِإشارَتِهِ نَبدَأُ نَهارنا وَعَمَلِنا وَأكْلِنا وَنَومِنا، وَفي آخِرِ ٱلأيَّام، عِندَما تَأتي السَّاعَة، يَبقَى حاضِراً في مَدْفَنِنا، فَمِنْ »مَلعونٌ مَنْ عُلِّقَ على خَشَبَة«، »ننادي نحنُ بالمَسيحِ مَصلوباً«، وَهذا ما تُتَرْجِمُهُ ٱلكَنيسَةُ في عَيْشِها الليتورجيا في نِهايَةِ سَنَتِها الطَّقْسِيَّة التي تُكَلِّلُها بالإحتِفالِ بِعيدِ ٱلصَّليب وَتُنْهي أزْمِنَتَها بِزَمَن الصَّليب، زَمَن الحُبّ بامْتِياز.

 

::: صلاة :::

في بِدايَةِ هذا الزَّمَن نَتَذَكَّر صَليب يَسوع، وَقِصَّة الحُبّ اللامَشروط الذي لا يُمْكِننا أمامَهُ إلاَّ أنْ نَرفَعْ قُلوبَنا وَعُقولَنا وَنَصْرُخ: نَشكُركَ يا رَبّ، اليَوم وَكُلَّ يَوم، على حُبِّكَ ٱلعَجيب الذي يَفوقُ ٱلعَقْلَ وَالمَدارِك. دَع هذا السِّرّ يُنْعِشُ حَياتَنا دائِماً حَتَّى نَكْتَشِفَ أبْعادَ حُبِّكَ اللامَحدود وَنتَذَكَّركَ في صَلاةِ شُكْرٍ دائِمَة وَنَراكَ وَنَقِفَ قُربَكَ، أنتَ الحاضِر دائِماً في حَياةِ الإنسان الذي أحببتَهُ وَخُصوصاً ٱلضَّعيف وَٱلمُهَمَّش وَٱلمِسكين وَالبائِس، الذينَ أتَيْتَ لأِجْلِهِم، وَلأِجْلِهِمْ مُتَّ. نَلْتَمِسُ مِنْكَ ٱليَوم نِعْمَةً لِكُلِّ ٱلمُسَمَّرينَ على صَليبِ ٱلألَم، ألَم الجَسَد، وَألَم الرُّوح، لِكُلِّ ٱلمحَزونينَ كَي يَلْتَفِتوا إلى صَليبِكَ فَيَكونَ لَهُمُ ٱلهِدايَةَ.

 

::: الرسالة :::

18 إِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الـهَالِكِينَ حَمَاقَة، أَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الـمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ الله؛
19 لأَنَّهُ مَكْتُوب: "سَأُبِيدُ حِكْمَةَ الـحُكَمَاء، وأَرْذُلُ فَهْمَ الفُهَمَاء!".
20 فَأَيْنَ الـحَكِيم؟ وأَيْنَ عَالِمُ الشَّرِيعَة؟ وأَيْنَ البَاحِثُ في أُمُورِ هـذَا الدَّهْر؟ أَمَا جَعَلَ اللهُ حِكْمَةَ هـذَا العَالَمِ حَمَاقَة؟
21 فَبِمَا أَنَّ العَالَمَ بِحِكْمَتِهِ مَا عَرَفَ اللهَ بِحَسَبِ حِكْمَةِ الله، رَضِيَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ بِحَمَاقَةِ البِشَارَةِ الَّذِينَ يُؤْمِنُون؛
22 لأَنَّ اليَهُودَ يَطْلُبُونَ الآيَات، واليُونَانِيِّينَ يَلْتَمِسُونَ الـحِكْمَة.
23 أَمَّا نَحْنُ فَنُنَادِي بِمَسِيحٍ مَصْلُوب، هُوَ عِثَارٌ لِليَهُودِ وحَمَاقَةٌ لِلأُمَم.
24 وأَمَّا لِلمَدْعُوِّينَ أَنْفُسِهِم، مِنَ اليَهُودِ واليُونَانِيِّين، فَهُوَ مَسِيحٌ، قُوَّةُ اللهِ وَحِكْمَةُ الله؛
25 فَمَا يَبْدُو أَنَّهُ حَمَاقَةٌ مِنَ اللهِ هُوَ أَحْكَمُ مِنَ النَّاس، ومَا يَبْدُو أَنَّهُ ضُعْفٌ مِنَ اللهِ هُوَ أَقْوَى مِنَ النَّاس.
(۱ قور۱/ 18­٢٥)

 

::: حول الرسالة :::

أرادَ بولُس الرَّسول مُنذُ بِدايَة الرِّسالة إزالة أيّ التِباس، فأعلَنَ بِوُضوحٍ تَعْليمَهُ المُرتَكِز على المَسيح المصلوب: "المَسيحُ أرْسَلَني لا لأُعَمِّد، بَل لأُعلِنَ البِشارَة غَيرَ مُتَّكِلٍ على حِكمَةِ الكلام لئلاّ يفقد مَوت المَسيح على الصّليبِ قوَّتَهُ" (1كور1: 17). فالبِشارَةُ لَيْسَت بِالكَلام، بَل بالمَثَل الصّالِح الذي أعطاهُ يَسوع، إذ أحَبَّ العالم حَتَّى النِّهايَة، حَتَّى بَذل الذَّات، والمَوت على الصَّليب! فالمَثَل الذي أعطاهُ يَسوع هُوَ الذي يُعطي قُوَّةً لِتَعْليمِ بُولُس، إذ بالصّليب يَخرُج التّعليم من طابعه النّظَري والفَلسَفي، لِيَمْتَزِج بالحُبّ المُطلق والثّقة العُظمَى بالإنسان.
من هُنا، وعلى هذا الأساس يَبدَأ النّصّ الذي تَضَعهُ الكَنيسَة لِيُقرَأ على مسامِعِنا في هذا العيد المَجيد؛ فَيَفصل بولس بينَ الهالِكين والمُخَلَّصين:
- الهالِك يَسمَع التّبشير بالصَّليب، فَيَعتَبِرهُ حَماقَة، لأنَّ تَفكيره يَسيرُ على خِلافِ فِكرِ الرّب. فبالنِّسبَةِ للبَشَر العاديين، إنَّ النَّجاح في الحَياةِ والمُجتَمَع يَقتَضي العَيش بِسلام، وَمِنْ دونِ ألَم... فكَيفَ لا يَكونُ الصَّليب –وهوَ وَسيلَةٌ مُخيفَةٌ لإعدامِ المُجرِمين العَبيد- إنحِطاطاً وحماقَة وَذُلّ؟
- المُخَلَّص هوَ الذي يَعيشُ البَساطَة، فَيَعلَمُ أنَّ البلاغَة والكَلام المُنَمَّق، والـ"نَجاح الإجتِماعي"... لا تعمَل إلاّ على مُستَوى فَلسَفِيّ ممكِن أن يُنقَض. المُخَلَّص هُوَ الذي يُؤمِن بِأنَّ طُرُق الله هِيَ غَير طُرُق البَشَر. المُخَلَّص يَرَى في قِيَم الإنجيل -المَبنِيَّة على مَثَل الصَّليب وليس على الكَلام- نَجاحًا، ودَيمومَة. فالصَّليب الذي هُوَ حَماقَة عِندَ الهالِكين، هُوَ قيمَة إنجيليَّة. فالله بِذاتِهِ، يَكشِف عَن نَفسِهِ بالمَسيح الذي صُلِبَ وَقام، إذ بَذَلَ ذاتَهُ مُعَلِّمًا جَميع النّاس بالمَثَل الصَّالِح كَيفِيَّة الطّاعَة للآب، التي إذا ما عِشْناها بالصّليب، مَجَّدَنا الآب بالقِيامة، على مثال الإبن، لِيُصبِحَ فَخرُنا بالصَّليب الذي حَمَلناه وقاسَيْنا العذاب تحتَ ثَقلِه. فَمِن خلال الصَّليب، تظهَر قُوّة الله المُحيية.
فَيَبقَى على المُؤمِن الإختِيار بين هذه أو تلك، فَيَعْرِف أهَمِّيَّة الصَّليب في أساس الحَياة المَسيحيَّة، بِحَيثُ عَلَيْهِ أن يَحمِلهُ إذا أرادَ الخلاص. فَعَيش الفضائِل الإنجيليَّة هُوَ في البَساطَة، والنَّظَر إلى المثل الصّالح الذي أعطاهُ المَسيح، ونُحاول بُلوغَهُ عَبرَ التَّمَثُّل بِهِ، مُبتَعِدينَ عَن المُماحَكاتِ والكلام، والنَّظَرِيَّات الفارِغَة.
لِيُثبِت بولُس قَوْلَهُ، إستَشهَدَ بالكِتاب (أي بالعهد القَديم)، بِنُبوءَة آشعيا: "سَأمحو حِكمَةَ الحُكَماء، وَأُزيلُ ذكاءَ الأذكِياء" (إش29: 14). هذا الكلام قالَهُ الله من خلال إشعيا للَّذينَ يُحاوِلونَ تَخليص بَني إسرائِيل بالسّياسة والمُعاهَدات وبِما نعرفه بِلُغَتِنا المُعاصِرَة بِـ"الدّبلوماسيّة". فقد عَقَدوا مُعاهَدات لِتَخليص الدّولة، واتّكَلوا على قُوَّتِهِم البَشَرِيَّة والعَقلِيَّة، وأزاحوا طَرفَهُم عَن الله، فَفَشِلوا. فَيَسأل بولس: "أين الحَكيم؟ وَأينَ عالِمُ ٱلشَّريعَة؟ وَأينَ ٱلباحِثُ في أُمورِ هذا الدَّهر؟ أما جَعَلَ ٱللهُ حِكْمَةَ هذا العالَمِ حَماقَةً؟" (1كور1: 20). هُنا لا يُريدُ بولس الرّسول أن يَرذُلَ الحِكمة البَشَرِيَّة. فهيَ عَطِيَّةٌ ثَمينَةٌ من الله! إنّهُ يُريدُ فقط القول بأنَّ الإنسان لا يَجِب أن يَتَّكِل حَصرًا على حِكمَتِهِ، مُتَناسِيًا الله الذي وَهَبَهُ أصلاً هذه الحكمة. فمن هُم الأشخاص الذينَ يَتَكَلَّم عَنهُم في أسئِلَتِهِ؟
- الحَكيم عند اليونانيين، هُوَ الفَيلَسوف، الذي يُفَكِّر ويَبحَث في فكره عن الحَقيقة.
- عالم الشّريعَة هُوَ المُعَلِّم عِند اليَهود، الذي يُعَلِّمهُم إنطِلاقًا من كُتُب التّوراة كَيفَ يَجِب عَلَيْهِم أنْ يَعيشوا كَمُؤمِنينَ لِيَخْلُصوا.
- الباحِث في أُمور هذا الدّهر، يُعتَقَد أنَّهُ السّفسطائِيّ الذي، بِحَسَب أغلَب الشُّرّاح، هُوَ الذي يَقوم بِجِدالات مُعَقَّدَة ونقاشات لا قيمة لها مُعتَقِدًا أنَّهُ بِذلِكَ يَتَوَصَّل إلى المعرفة.
فالله لم يَكشِف نفسه من خلال هَؤُلاء، جاعِلاً بِذلِكَ حِكْمَتَهُم حَماقَة. لقد شاءَ أن يُظهِر نفسَهُ بِما اعتَبَرَهُ كُلّ البَشَرِ حماقَة: الصّليب. فالجَميع يَطلُبُ ضمانات بَشَرِيَّة:
- اليَهود يَطلُبونَ المُعجِزات، لأنَّهُم يُريدونَ مِن خلالها التّأكُّد من ألوهيّة يَسوع،
- اليونانِيُّون يَطلُبونَ الحِكمَة، لأنَّها تُرضي العَقل،
هذه كُلُّها شُروط في طَريق الإيْمان بِرَبٍّ بَذَلَ نَفْسَهُ من أجلِ مَن أحَبَّهُم دونَ شَرط. أمَّا بولُس، فَيُنادي بِمَسيحٍ مَصلوب، أي يؤمِن بِدونِ شُروط. فاليَهود يَرفُضُونَ المَسيح المَصلوب لأنَّهُم كانوا يَنتَظِرونَ المَسيح على أنَّهُ قائِد عَسكَري يَبني لهُم دَولَة، واليونانيّون يرفُضون مَسيحًا نالَ عُقوبَةَ العَبيد، فَهُم يُريدونَهُ على الأقَلّ شَخصًا لهُ مَظهَر الحُر...
ونحن:
بعد أن عَرَضَ لنا بولس ما يَنتَظِرهُ اليَهود واليونانيّون، دَخَلَ إلى فئَة المُؤمِنين، وَهُم المَدعُوِّين من خلال البِشارة، يَهودًا كانوا أم يونانيين. فبالنِّسبَة لَهُم، المَسيح المَصلوب هُوَ قُدرَة الله وحِكمته. أي هُوَ الضَّمانة، هُوَ القُدرَة على القِيام بالمُعجِزات التي كان يطلبها اليَهود، حَتَّى وَلَو بَدَا ضَعيفًا، وَهوَ الحِكمة التي كانَ يَطلُبها اليونانِيُّون، حَتَّى وَلَو بَدَى حَماقَة، وَكَأنَّ بِبُولُس الرَّسول يُحَذِّرنا من إزاحة الأنظار عَن يَسوع المَصلوب!
لا بُدّ أن نَرَى في هذا الكلامِ الإلتِباسَ واللامَنطِق، فَحَذارِ الشّكّ أو الخَوف! تَعالَوا نَدخُلُ في مَنطِقِ الله، فَنَسْتَبْدِل الخَوفَ وَالشّكّ البَشَرِيَّين بالدّهشَة، دَهشَة الحُبّ! لقد قالَ مار أفرام السّرياني في أحد أناشيدِهِ، وَهوَ يَتَغَنَّى بالصَّليب: "إنَّهُ لَمُدْهِشٌ أنْ يَقْتُلَ أمْواتٌ حَيًّا، وَأن تُقيمَ ضَحِيَّةٌ أمْواتًا!" فالصَّليبُ لَم يَتَوَقَّف عِندَ المَوتِ لِيَبْقَى جَهالَة! فالحَيُّ رَضِيَ أن يَذوقَ المَوت، لِيُقيمَ كُلّ مَنْ يَعْتَريهِ المَوت! فيا لَعَظَمَة هذه الحِكمَة!
كَثيرًا ما نَنْجَرُّ وَنَتَحَزَّب، على مِثالِ أهْلِ كورِنثُس، فَننسَى أنَّنا مَسيحيين! ننسَى أنَّنا حَمَلْنا البِشارَةَ بالصَّليب! ننسَى أنَّهُ عَلَيْنا ٱحتِمالُ بعضِنا البعض بالمَحَبَّة! هَلاَّ عَبَّرْنا عَنْ آرائِنا بِحُرِّيَّة، فَنَزَعْنا من قُلوبِنا التَّعَصُّب، واحتَمَلْنا إختِلاف الغَير، وَفَهِمْنا أنَّ حِكمَةَ الله هِيَ غَير حِكمة البشر، فَنَتَعامَل مع بَعْضِنا بِمَنْطِقِ هذا الإله الذي لم يَأتي بالقُوَّة لِيُعْلِنَ نَفْسَهُ لنا، بَل كَشَفَ عَنْ ذاتِهِ مَصلوبًا؟
كَثيرًا ما يَأتي مَوضوع لبنان وَوَضعِهِ السِّياسي، الإقتِصادي، والأمني، ... في رَأسِ لائِحَة المَوضوعات المَطروحَة في مَجالِسِنا... فَتَعْلو الأصوات، وتَدورُ النِّقاشات التي تَتَحَوَّلُ عاجِلاً إلى مُماحَكات، لِتَصِل إلى الكلام عَن أشخاص، والمَسّ بِسُمعَةِ جَماعات، والتَّخمين بِسِياساتِ دُوَل!!! وسِياسيُّونا لَيْسُوا بِبَراءَ مِنْ كُلِّ هذه المُمارِسات... والجَميعُ مُعتَدٌّ بِنَفْسِهِ، وَبِقُدْرَتِهِ على الإستِنباط والإستِنتاج... وما مِن أحد يَدْخُلُ في مَنطِق الله! إنَّهُ على الهامِش، وَكَأنَّهُ خَلَقَ هذا العالم وَتَرَكَهُ لِيُدَمِّرَ نَفْسَهُ بِنَفْسِه! هَلاَّ أعَدْنا لِحُضور الله قيمَتَهُ في تاريخِنا، وَحاوَلنا تَلَمُّس حُضورَهُ الحَيّ فيه؟ هَلاَّ عَلِمْنا أنَّ مَعْرِفَة المُؤمِن أوْسَعَ أُفُقًا من مَعرِفَة غَير المُؤمِن، لأنَّها تربط بينَ عالمنا المادّي ومَنطِقهُ وَمَنطِق الله، وبَيْنَ ما نَعيشُهُ اليَوم والأبَدِيَّة؟ لِنُجَدِّد إيْماننا، وَنُعلِن أنّ الصّليب الذي نحمِلهُ اليَوم هُوَ التّعليم الذي نُعطيه لِجَميع الذينَ لا يَفهَمونَ مَعناه! هَلاَّ عَلِمنا كَمَسيحيين، أنَّنا نَسْتَطيعُ بِإيْمانِنا أنْ نَتَخَطَّى حِكمَةَ العالم، نَحوَ حَقيقَة الله الذي لم يَرَهُ أحَدٌ قَطّ، والذي أخبَرَ عَنهُ الإبن الوَحيد المَصلوب والقائِم منَ المَوت؟ فَإذا لا نُؤمِن بِقُدْرَتِهِ على تَغيير تاريخِنا، كَيفَ نَقولُ لَهُ في صلاة الأبانا: "لِتَكُن مَشيئَتُكَ، كَما في السّماءِ كذلِكَ على الأرض"؟
هَل نَطلُبُ من اللهِ ضَمانات لِنُؤمِن؟ هَل نَطلُبُ مِنْهُ ما يُظهِرُ لَنا قُوَّتَهُ، أو ما يُرضي عَقلَنا لِنَعتَرِف بِوُجودِهِ وَحُضورِهِ الدّائِم في حياتِنا؟ لِماذا لا نَستَبدِلُ طَلَباتِنا، فَننظُر إلى مَدَى الحُبّ الذي سَكَبَهُ يَسوع على الصَّليب، فَنَرَى كَم هُناكَ مِن حِكمَةٍ في جهالَة الصّليب، وَكَم هُناكَ مِن قُوَّةٍ في ضُعفِه؟
لِنُصغِ إلى ما يَقولُهُ لَنا مار أفرام السُّرياني، في مَعرِضِ تَغَنِّيهِ بالصّليب: "هَلُمُّوا نَجْعَلُ حُبَّنا مِجْمَرَةً عَظيمَةً شامِلَة، نُحْرِقُ فيها تَرْنيمَنا وَصَلاتَنا لِمَنْ جَعَلَ صَليبَهُ مِجْمَرَةً لله، وَأحْرَقَ دَمَهُ لأجْلِنا أجْمَعين". آمين.

 

::: الإنجيل :::

20 وكَانَ بَينَ الصَّاعِدِينَ لِيَسْجُدُوا في العِيد، بَعْضُ اليُونَانِيِّين.
21 فَدَنَا هـؤُلاءِ مِنْ فِيلِبُّسَ الَّذي مِنْ بَيْتَ صَيْدَا الـجَلِيل، وسَأَلُوهُ قَائِلين:"يَا سَيِّد، نُرِيدُ أَنْ نَرَى يَسُوع".
22 فَجَاءَ فِيلِبُّسُ وقَالَ لأَنْدرَاوُس، وجَاءَ أَنْدرَاوُسُ وفِيلِبُّسُ وقَالا لِيَسُوع.
23 فَأَجَابَهُمَا يَسُوعُ قَائِلاً: "لَقَدْ حَانَتِ السَّاعَةُ لِكَي يُمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَان.
24 أَلـحَقَّ الـحَقَّ أَقُولُ لَكُم: إِنَّ حَبَّةَ الـحِنْطَة، إِنْ لَمْ تَقَعْ في الأَرضِ وتَمُتْ، تَبْقَى وَاحِدَة. وإِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِير.
25 مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يَفْقِدُهَا، ومَنْ يُبْغِضُهَا في هـذَا العَالَمِ يَحْفَظُهَا لِحَيَاةٍ أَبَدِيَّة.
26 مَنْ يَخْدُمْنِي فَلْيَتْبَعْنِي. وحَيْثُ أَكُونُ أَنَا، فَهُنَاكَ يَكُونُ أَيْضًا خَادِمِي. مَنْ يَخْدُمْنِي يُكَرِّمْهُ الآب.
27 نَفْسِي الآنَ مُضْطَرِبَة، فَمَاذَا أَقُول؟ يَا أَبَتِ، نَجِّنِي مِنْ هـذِهِ السَّاعَة؟ ولـكِنْ مِنْ أَجْلِ هـذَا بَلَغْتُ إِلى هـذِهِ السَّاعَة!
28 يَا أَبَتِ، مَجِّدِ اسْمَكَ". فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ يَقُول: "قَدْ مَجَّدْتُ، وسَأُمَجِّد".
29 وسَمِعَ الـجَمْعُ الـحَاضِرُ فَقَالُوا: "إِنَّهُ رَعد". وقَالَ آخَرُون: "إِنَّ مَلاكًا خَاطَبَهُ".
30 أَجَابَ يَسُوعُ وقَال: "مَا كَانَ هـذَا الصَّوْتُ مِنْ أَجْلِي، بَلْ مِنْ أَجْلِكُم.
31 هِيَ الآنَ دَيْنُونَةُ هـذَا العَالَم. أَلآنَ يُطْرَدُ سُلْطَانُ هـذَا العَالَمِ خَارِجًا.
32 وأَنَا إِذَا رُفِعْتُ عَنِ الأَرض، جَذَبْتُ إِليَّ الـجَمِيع".

(يو ۱۲/ 20­32)

 

::: تأمّل من وحي الإنجيل :::

في هذا المَقطَع مِنَ الإنجيل الذي تَضَعهُ الكَنيسَة بينَ أيْدينا لِنَقرَأهُ في هذا العيد المَجيد، نَرَى يَسوع يُنبِئ بِمَوتِهِ... إذا ما نَظَرنا إلى إطار النّص نجد أنَّهُ يَأتي في آخر حياة يسوع العلَنِيَّة، بعدَما صارَت القَطيعَة كَبيرة بينَهُ وبينَ اليَهود، وقد "زادَ يَسوع على ذلك" أنَّهُ أقامَ لَعازر من بين الأموات، وبعدها، تَحَرَّكَ الشَّعبُ بِاستِقبالٍ مَهيبٍ لَهُ في أورشَليم، عِندَما عَلِمَ أنّهُ صاعِدٌ إلى العيد. كُلّ ذلِكَ زادَ من غَيظِ اليَهود، وقد قَرّ رَأيهُم على قَتْلِه. بَعدَ هذه القَطيعَة مع اليَهود، يُقَدِّم إنجيل يوحَنَّا، غُرَباءَ يونانيِّين، يُريدونَ رُؤيَةَ يَسوع. هَؤُلاء الغُرَباء يُريدونَ أنْ يَسْجُدوا في الهَيكل، فَهُم مِنَ المُهتَدين إلى الدّين اليَهودي الذينَ أتَوا لِيَحُجُّوا. اللافت أنَّهُم أتَوا إلى الرُّسُل الذينَ يَحْمِلونَ الإسم اليوناني: فيلِبُّس وأندراوس. وقد حَدَّدَ يوحنَّا مسقط رأس فيلِبُّس لِيَقول أنَّهُ ليس من اليَهودِيَّة. فبالنِّسبة لِيَهود اليَهودِيَّة، اليونانِيُّون الذين أتَوا، وفيلِبُّس وأندراوس، هُم غُرَباء. وَكَأنَّ بِنا نسمَع صَدَى الرِّسالة التي تَكَلَّمنا عنها:
- يَهود طَلَبوا مُعجِزات، فأقام يَسوع لعازر ولم يُؤمِنوا؛
- يُونانِيُّون مُؤمِنون بالدّين اليَهودِيّ، دَفَعَ بِهِم إيْمانُهُم لِيَأتوا إلى الحَجّ، سَمِعوا بيَسوع الذي يُقيم المَوتى، فأتَوا لِرُؤيَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، فَيَحصلوا على ضماناتِهِم.
لم يَنظُر يَسوع إلى ما يُريدُهُ الذينَ يُحيطونَ بِهِ، بَل، نَظَرَ إلى ما يَعمَلُهُ هُوَ من أجْلِهِم. فقد عَرَفَهُ الجَميع، وَوَصَلَت أخبار أعمالِهِ وَأقوالِهِ إلى جَميع النّاس. فَغَضَّ النَّظَر عَن ما يَطلُبُهُ النّاس من ضَمانات وَإثباتات، فأعلن أنّ ساعَتَهُ قَدْ أتت، أي أنّهُ آنَ أوان موته وقيامته: إنَّهُ زَمَن تَمجيدِهِ، إنَّهُ الأعجوبة الكُبرى التي تُثبِتُ بِشَكلٍ دّامِغ كُلّ ما قالَ وعَمِلَ. وقد استَشهَدَ يَسوع بِمَثَلِ حبّة الحِنطَة التي تموت، فتقوم، وَلَكِن، بِثِمارٍ كَثيرَة، أي تَموت لِتُعطي الحياةَ وَافِرَة. كذلك الخادِم، لا يَنظُر إلى ما يُعطيه إيّاه الأسياد، بَل يَنظُر إلى ما يَفعَلهُ هُوَ للَّذينَ يَخدُمهُم، لِيَبقَى على الدّوام ذلك الخادِم الأمين. كَذلِكَ يَسوع، لم يَنظُر إلى ذاتِهِ على الصّليب، بَل نَظَرَ إلى ما سَيَهَبهُ مَوتُهُ مِن حياة للَّذينَ يُؤمِنون.
يُعلِن يَسوع أنّ نفسه مُضطَرِبَة، وهذا طَبيعي بالنِّسبَةِ لإنسان مُقبِل على المَوت. فاحْتارَ بِما يَقول: هُوَ يَعلَم أنّ تِلكَ السّاعَة مُرَّة، وَلَكِنَّهُ أتَى مِن أجْلِها! فَكَيفَ يَهرُب لِيَنجو مِنها؟ لِذلِكَ قالَ يَسوع: "يا أبَتِ، مَجِّدِ ٱسْمَك!"؛ لأنّهُ سَيَدخُلُ في الآلامِ طَوعًا، وَسَيَحمِل الصّليب وَيَموت لِيَعيشَ طاعَتَهُ للآب حَتّى الرَّمَق الأخير، فَيُمَجِّدُهُ الآبُ المُحِبّ بالقِيامَة، كَما مَجَّدَهُ بَعدَ كُلِّ ما عَمِلَ وَقالَ يَسوع في السّابِق: "قَدْ مَجَّدْتُ وَسَأُمَجِّدُ!".
لقد أعلن الآبُ بِصَوْتِهِ ما أعْلَنَهُ، فَسَمِعَ الجَمعُ الحاضِر. وانقَسَمَ إلى قِسْمَيْن:
- مَنْ كانَ يَطْلُبُ الآيات، اعتَقَدَ أنَّ مَلاكًا خاطَبَ يَسوع
- وَمَنْ كانَ يُحاوِل تَفْسير الأشياء بالحِكمَة، اعتَقَدَ أنّ ما سَمِعَهُ كانَ دَوِيُّ رَعد.
أمَّا يَسوع، فَأعْلَنَ السَّبب الحَقيقي لهذا الصّوت، مُوْضِحًا أنَّهُ لِجَميع مَنْ يَسْمَعوه، لِيُؤمِنُوا بِهِ وبالآب الذي أرْسَلَهُ. فَيَسوع مُتَّحِد بِأبيه، وليسَ بِحاجَةٍ لذلك الصّوت، أمّا السّامِعين، المَدعوونَ للإتِّحادِ بالآب على مِثالِ يَسوع، يَحْتاجونَ لذلِكَ الصّوت. فالإتّحادُ بالآب هُوَ عَمَلٌ وَجَهْدٌ في هذا العالم، وَانتِصارٌ ومَجْدٌ في ذلك العالم الذي لا يُعبَر إلَيْهِ إلاَّ بالمَوت. فَدَيْنونَة العالم الخاضع للشَّر هِيَ بِتَتْميم مَشيئة الآب فيه، للحُصول على المَجد. فيسوع لم يُذعِن لِمَشيئَة الشّرّير، بَل، أطاعَ الآب في هذا العالم حَتَّى النّهايَة، فما كانَ يَظُنُّهُ الشّيطان أنّهُ انتِصارٌ لَهُ صارَ خِزْيًا لَهُ وَدَيْنونَة لهذا العالم: فَيَسوع صُلِبَ وَمات... لَكِنَّهُ عادَ وقام، فَيُطرَدُ بِذلِكَ الشّيطان، سَيِّدُ هذا العالم، وَيُرفَع على الصّليب يَسوع الذي سَيُمَجِّدُهُ الآب بالقِيامة والصُّعود، لِيَرْفَعَ إلَيْهِ الجَميع، دونَ تَمييزٍ بينَ عِرقٍ وَلَوْن، ولا بينَ يَهودي ويوناني...
ونحن:
هَلْ ننظُر إلى الذينَ يُحيطونَ بِنا عِندَما نعمل الخَير، مُتَمِّمينَ مَشيئة الآب؟ هَلْ ننتَظِر من الآخر المُكافئة المَعنوِيَّة أو النّظرة الجيّدة؟ أم نَقوم بِما عَلَيْنا أنْ نَعْمَل عالِمينَ بأنّ تتميم مَشيئة الآب هِيَ أهَمّ بِكَثير من الحصول على اسْتِحْسانِ النّاس وَتَقْديرِهِم؟ هَل نَعي أنّ حَياتنا على الأرض هِيَ زَمنُ تَمْجيدِ الآب بِأعمالِنا؟ هَلْ نَعي أنّ مَوتنا هُوَ زمن حُصولِنا على المَجد من الآب إذا عَمِلنا في حياتِنا جاهِدينَ على تَمْجيدِهِ؟ "لِيَرَوا أعمالَكُمُ الصّالِحَة فَيُمَجِّدوا أباكُمُ الذي في السّماوات"!! (متّى5: 16). هَلاَّ تَمَثَّلنا بِيَسوع الذي، وَهوَ يُتَمِّمُ مَشيئَةَ الآب، احْتَمَلَ كُلّ اضطِهاد، حَتّى مَوت الصّليب، فَنَعْلَم أنَّنا سَنَذوق العذاب نحنُ أيْضًا إذا ما عَمِلْنا مِثلَهُ؟
نحنُ إذًا مَدعوّونَ لِتَمْجيدِ الآب على هذه الأرض كَما فعل يَسوع... كُلٌّ مِنّا مَدْعوّ لِتَمْجيدِ الآب في أرضِه... ونحنُ المَسيحيين، زُرِعنا في هذا الشّرق وَيُفتَرَضُ بِنا إذًا أن نُمَجِّدَ فيهِ الآب. كَثيرًا ما نَتَذَمَّر من وَضعِنا السّياسي، الإقتصادي، الإجتماعي... كَثيرًا ما يُسَيْطِر علينا الخَوف من المَصير، من الآخر، من المحيط... فما هُوَ مَوقفنا حيالَ ذلك؟ هل نَهرُب؟ نهاجر؟ نُهاجِم الآخَر؟ أم نَقول على مِثالِ مُعَلِّمَنا المَصلوب: "من أجْلِ هذا بلغنا هذه السّاعة"، فَنَعْلَم أنَّهُ عَلَيْنا أن نَنظُر إلى المَسيح المَصلوب، فَننجَذِب نحوَهُ، لِنَرتَفِع عَن كُلّ ما نعتبرهُ مَشاكِل، عالِمينَ أنّ الذي وَضَعَنا هُنا، في هذا الشّرق، وَعَدَنا بالفَرَح إذا ما شَهِدْنا لَهُ بِأقْوالِنا وَأفعالِنا؟
لَقَد أعطانا اللهُ مَجدًا في هذه الأرض، وَوَعَدَنا بِأن يُعطينا إيّاه إلى الأبد، إذا ما أطَعناه على مِثالِ يَسوع الذي عاشَ رِسالَتَهُ على أرضِنا: "قَدْ مَجَّدْتُ وَسَأُمَجِّدُ!". كَثيرًا ما نَطلُبُ مِن الآخَر أن يَلزَمَ حُدودَهُ تجاهنا، فلا يقترب مِنَّا ولا يَعتَدي علَيْنا. كَثيرًا ما نَبْني علاقاتنا مع الآخرين الغَير مَسيحيين على أُسس لا تَمُتّ للمَحَبَّة التي أحَبَّنا بِها المَسيح بِصِلَة. هَلاَّ سألنا أنفُسَنا ماذا نصنع نحن في حياتنا لِنَشْهَدَ للمَسيح المَصلوب؟ هَلاَّ ابتَعَدْنا عَنْ النَّظَرِ إلى الآخَر وَإدانَتَهُ، فَنَعيشَ إيْماننا وَنُتَرجِمهُ بِأعْمالِ المَحَبَّة، فَيَعلَم الجَميع أنَّنا نُؤمِنُ بِإلهٍ أحَبَّنا حَتَّى سَفَكَ دَمَهُ طَوعًا مِن أجْلِنا؟ فواقع تَصَرُّفنا نحنُ المَسيحيين، في لبنان خاصّةً، لا يُظهِرُ أنَّنا نُؤمِنُ بِهكذا إله!
لقد أعلن يَسوع دينونة هذا العالم، وَأعلن أنّ الشّريرَ طُرِد، بعدما أعلن الآب رِضاه عَن الإبن. فيسوع عَمِلَ مَشيئَة الآب وأعْرَضَ عَن مَشروع الشّرّير.

 

::: تأمّل روحي :::

 

به الحياة

 

"اليوم يطرد سلطان هذا العالم"
اليوم! عن أي ّيوم يتكلّم يسوع؟ وهل سلطان هذا العالم لم يبقَ له وجود ؟
ربّما أجرؤ على القول أنّ "هذا اليوم" يمكن أن يكون اليوم بالذات، أو كان بالأمس او منذ سنوات أو قرون! " هذا اليوم"، هو رهنٌ بلحظة قبولي للمسيح سيّدًا ومخلّصٌا لحياتي، وهو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإيماني بقيامة يسوع المسيح من الموت منتصرًا. فسيّد هذا العالم ِليس بمقدوره أن يقتحم حرمة قلوبنا ولا أفكارنا ، حتّى، ولا أجسادنا، إن تسلّحنا بصليب يسوع، مؤمنين أنّ فيه وحده الخلاص، وبه وحده يُطرد "سلطان هذا السلطان"، الّذي لا يَرْهَب بشرٌ ولا آلهة إلاّ إلهنا الواحد بأقانيمه الثلاث وصلبيه.
نتساءل كيف لنا أن نطرده وهو يبدو الأقوى في وسط عالمنا المادّيّ!؟
لنفكّر سويًا... إيماننا بالمسيح، وقبولنا إيّاه، هو الّذي "يشكّل" حياتنا، ويحوِّل الوجود بأكمله إلى الأمثل. هذا الإيمان هو الّذي يرشدنا إلى "فنّ العيش". بقدر ما يعترف الإنسان بالإيمان بالمسيح، ويحياه، يصبح، هو بذاته، علامةً للمسيح الحيّ، في العالم. من هنا إذًا، يمكن أن نعلن، بطريقةٍ ما، عن تسجيل "هدفٍ" أوّل لإنجيل يسوع المسيح في شبكة حقيقة حياتنا في العالم، المحبوكة من خيوط السياسة والإجتماع، والثقافة والإقتصاد، والتربية (الروحيّة والإجتماعيّة...) والنشاطات...
حقًا هناك روح مسيحيّة جامعة ولا أجمل بين المؤمنين ، تجمع بين الإيمان والعيش! هناك طريقة رائعة وفعّالة لتجلّي العلاقة الّتي تربط إيماني بتصرّفاتي اليوميّة المُعاشة على ضؤ الإنجيل، في العالم، مناقَضَةً للعالم:" أنتم في العالم، لكنّكم لستم من العالم".
من هنا نفهم كيف أنّ الميسحيّة هي "فنّ العيش" مع المسيح في وسط العالم، بتناقضها ومع قوانين ومتطلّبات و"فرائض" العالم ِالمبنيّة على الذّات، على الأنانيّة وعلى إشباع الجسد على حساب الروح، وأيضًا على طمر الفكر الصحيح والقلب المحبّ، في مكبّ نفايات البدع والفرديّة والشخصانيّة... باختصار، مبنيّة على "فرائض" سيّد هذا العالم.
دورنا اليوم، أن نحسن فنّ عيش مسيحيّتنا بالعمق، مظهرين كلّ مكنونات جمال المسيح الحيّ فينا بروحه وبنعمة الآب. دورنا، أن نتقن حمل الصليب بفرحٍ وإيمان، مهلّلين، منشدين تسابيح القيامة والخلاص، كي تُفتح أذهان المستسلمين وتُنعش ذاكرة المسيحييّن الّتي أنْسَتهم حتّى جذورهم المغروسة على أقدام الصليب.

 

::: نوايا وصلاة شكر :::

 

نوايا للقدّاس


1- نصلّي من أجل كنيستنا والمسؤولين فيها، مار بنديكتس السادس عشر بابا روما، ومار نصرالله بطرس بطريركنا الأنطاكي، ومار جورج بو جودة مطراننا، مع سائر الأساقفة والكهنة والمكرّسين على اسمك القدوس، أعطهم الشجاعة كي يهتفوا أمام كلّ موقفٍ: "يا أبتِ مجّدِ اسمكَ"، نسألك يا رب.
2- أعطنا أن نؤمنَ أنّ ما يبدو حماقة منك، هو أحكم من الناس، وما يبدو أنّه ضعفٌ منك، هو أقوى من الناس، فنَنتَميَ إلى المدعوّين المخلَّصين بالصليب، حماقة البشارة عند العالم، نسألك يا رب.
3- اليونانيّون الذين يطلبون الحكمة، سألوا عن يسوع، وبسؤالهم أعلنوا أنّه سيّد الحكمة؛ أعطنا أن نسأل دائمًا عن المسيح في حياتنا وفي حياة الآخرين، كي نعرفَه، نتبعَه، ونحافظ عليه، فننال التكريم منك لِتَمجيدِ اسمك، نسألك يا رب.
4- من أجلِ كلّ إنسانٍ يُحبّ نفسَه في هذا العالم، وهو مكبّلٌ فيه، يخاف أن يموتَ عنه، أعطه بشفاعة كلّ مَن انتصرَ على ذاته في هذا العالم، أن يتخلّى عن أنانيّته وكبريائه وقساوته، فتموت فيه "الأنا" ويأتي بثمَر القداسة، نسألك يا رب.
بحقّ ارتفاع ابنك عن الأرض، أجذب إليك كلّ من رُفِعَ من هذه الدنيا، ولا تدَعه يغيبُ عنك مهما بلغَت معاصيه وآثامه، بل أدخلْه وأسكنهُ منزلك السماوي، غافرًا لنا وله الخطايا والزلات.

 

 

صلاة شكر للقدّاس

 

نشكرك يا رب، لأنّك تُفهِمُنا يومًا بعد يوم سرّ صليبك المقدّس، هذا الصليب الذي هو عِثارٌ لليهود وحماقة للأمم؛
نشكرك لأنّك قوّة الله وحكمته، وبمناولتنا إيّاك، تنقلُ إلينا هذه القوّة والحكمة؛
نشكرك لأنّك طردتَ سلطان هذا العالم خارجًا، وجذبتَ إليكَ الجميع عندما رُفِعتَ عن الأرض؛
لك الشكر على وجودك الدائم معنا تحت شكلَي الخبز والخمر؛
نحمدك ونشكرك أيّها الآب والابن والروح القدس من الآن وإلى الأبد، آمين.

 

المقدّمة، الصلاة، أفكار من وحي الرسالة والإنجيل

من إعداد

الإكليريكي فؤاد فهد

Fouad.Fahed@hotmail.com

 

تأمّل روحي
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى

jamileh.daher@hotmail.com

 

نوايا وصلاة شكر للقدّاس
من إعداد
السيدة مادلين ديب سعد
madeleinedib@hotmail.com