|
زمن الميلاد
المجيد |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
::: مقدّمة ::: |
- أحد مولد يوحنا المعمدان هو الأحد الرابع من
زمن الميلاد وتدعونا الكنيسة فيه، من خلال نصّين من الرسالة إلى أهل غلاطية ومن
إنجيل لوقا، إلى تأمّل تحقّق وعد الله في حياة كل من يعمل بمشيئة الله التي
تحرّره من إسار التقاليد والأعراف البالية!
- ففي الرسالة إلى أهل غلاطية نتأمّل في دعوة مار بولس إلينا ﻟ"نكون أحراراً"
فلا نعود إلى "نير العبوديّة"! والمقصود طبعاً "حرف الشريعة لا روحها!
- أمّا في إنجيل لوقا فنجد نموذجاً صارخاً للحريّة في شخص كاهن هو زكريا وامرأة
تقليديّة هي أليصابات! حيث أطاحا بكلّ الأعراف في سبيل تحقيق مشيئة وكلام الله!
ففي هذا الأحد، تدعونا الكنيسة، لنكون في عداد "الأحرار" الّذين يختبرون
الحريّة الناجمة عن بنوّتهم لّله، فهل نحن منهم؟!
|
::: صلاة ::: |
نَشكُرُكَ أيّها الآب السماوي، يا من "تحنّنت"
فأرسلت إلينا ابنك يسوع المسيح ليحرّرنا بموته وقيامته والروح القدس ليستكمل
فينا تحقيق الفداء.
نَشكُرُكَ أيّها الابن المسيح، يا من "حَرَّرَنا لِنكونَ أحرارًا"، بقولنا
وأفعالنا وشهادتنا.
نَشكُرُكَ أيها الرّوح القدس، يا من تمنحنا موهبة التمييز لنعمل بمشيئة الله في
كلّ لحظة من حياتنا.
هب لنا، أيها الثالوث الأقدس، أن نسارع إلى تنفيذ وصاياك على مثال زكريا
وأليصابات فنمهّد بذلك سبيل الإيمان أمام إخوتنا البشر، على مثال يوحنّا الّذي
هيّأ الطريق أمامك، فيتمجّد بنا وبكلّ شيء اسمك المبارك في كلّ آنٍ وأوانٍ وإلى
دهر الداهرين، آمين.
|
::: الرسالة ::: |
21قولوا لي، أنتُمُ الذينَ يُريدونَ أنْ يكونوا
في حُكمِ الشَّريعَةِ أما تَسمَعونَ الشَّريعَة
22يقولُ الكِتابُ كانَ لإبراهيمَ ابنانِ، أحَدُهُما مِنَ الجارِيَةِ والآخرُ
مِنَ الحُرَّةِ.
23أمَّا الذي مِنَ الجارِيَةِ فوُلِدَ حسَبَ الجسَدِ، وأمَّا الذي مِنَ
الحُرَّةِ فوُلِدَ بِفَضلِ وَعدِ اللهِ.
24وفي ذلِكَ رَمزٌ، لأنَّ هاتَينِ المَرأتَينِ تُمَثِّلانِ العَهدَينِ.
فإحداهُما هاجَرُ مِنْ جبَلِ سيناءَ تلِدُ لِلعُبودِيَّةِ،
25وجبَلُ سيناءَ في بِلادِ العَرَبِ، وهاجَرُ تَعني أُورُشليمَ الحاضِرةَ التي
هِيَ وبَنوها في العُبودِيَّةِ.
26أمَّا أُورُشليمُ السَّماوِيَّةُ فَحُرَّةٌ وهِـيَ أُمُّنا،
27فالكِتابُ يَقولُ إفرَحي أيَّتُها العاقِرُ التي لا وَلَدَ لَها. إهتِفي
وتَهَلَّلي أيَّتُها التي ما عَرَفَت آلامَ الوِلادَةِ فأبناءُ المَهجورَةِ
أكثرُ عَدَدًا مِنْ أبناءِ التي لها زَوجٌ.
28فأنتُم، يا إخوَتي، أبناءُ الوَعدِ مِثلُ إسحقَ.
29وكما كانَ المَولودُ بِحُكمِ الجسَدِ يَضطَهِدُ المَولودَ بِحُكُمِ الرُّوحِ،
فكذلِكَ هيَ الحالُ اليومَ.
30ولكِنْ ماذا يَقولُ الكِتابُ يَقولُ اطرُدِ الجارِيَةَ وابنَها، لأنَّ
ابنَ الجارِيَةِ لنْ يَرِثَ معَ ابنِ الحُرَّةِ.
31فما نَحنُ إذًا، يا إخوَتي، أبناءُ الجارِيَةِ، بَلْ أبناءُ الحُرَّةِ.
1فالمَسيحُ حَرَّرَنا لِنكونَ أحرارًا. فاثبُـتوا، إذًا، ولا تَعودوا إلى
نِـيرِ العُبودِيَّةِ.
(غل 4\21 – 5\1)
|
::: تأمّل من وحي الرسالة ::: |
في رسالة اليوم، أحد زيارة العذراء لأليصابات،
يدعو مار بولس المؤمنين، بشخص أهل غلاطية، ليكونوا "أحرارا" ويحذّرهم من العودة
إلى "نير العبوديّة".
سنستعيد في هذا الإطار ما كتبناه في نشرة نفس الأحد في السنة المنصرمة، لما
حمله من واقعية وأسئلة برسم الإجابة، ما فتئت مواضيعها آنيّة وملزمة لفحص
الضمير!
"... يعلّمنا المجتمع الحديث أن الحريّة هي مسألةٌ شخصيّة تضبطها قوانينٌ
وأنظمّةٌ تنشؤها أو تسقطها إرادة الناس، في النظام الديموقراطيّ، أو إرادة
الحاكم في الأنظمة الديكتاتوريّة:
• في النظام الديكتاتوريّ، يبدو جلياً أن الحريّة تعاني من الحدود التي يقرّرها
مزاج أو طبع أو ميل الحاكم، بحيث لا يشكّ عاقلٌ بأنّ أنواعاً كثيرة منها تختفي
أو تعاش بحدّها الأدنى كحريّة الدين أو المعتقد أو الرأي ...
• أما في النظام الديموقراطيّ، حيث تخضع الأقليّة إجمالاً لحكم الأكثريّة، تصبح
مسألة الحريّة أكثر نسبيّة فالنظام العام يؤمّن الحريات الأساسيّة كحريّة الدين
أو المعتقد أو الرأي ويبقى للقانون أن يحدّد أشكال ممارستها بشكلٍ لا تتضارب
هذه الحريات ببعضها ببعض.
مع تفضيلنا طبعاً للنوع الثاني على الأوّل، نجد أن جملة شوائب تنشأ في هذه
الحالة ومنها:
• تناقض القانون مع القيم الدينيّة كمثل حالة تشريع الإجهاض أو زواج المثليين
أو إباحة القتل الرحيم.
• تناقض القانون مع القيم الاجتماعيّة كمثل التشريع للإنجاب خارج الزواج
والعائلة أو التشريع لصالح تمرّد الأولاد على والديهم بمجرّد بلوغهم ال18.
• تناقض القانون مع ذاته حين يدافع المشرّع عن حياة البعض عن طريق قتل البعض
الآخر كمسألة تشريع الإعدام.
• تناقض القانون مع حقّ الأضعف بالحياة كمثل حرمان من لا يعمل من التغطية
الاجتماعية (تخيّلوا أين؟ ... الولايات المتّحدة الأميريكيّة)!
هل يكفي إذاً اتّفاق مجموعةٍ من الناس حول مسألة ما لتبريررها قانونياً أو
أخلاقياً خاصّةً أنّه، في مرّاتٍ عديدة، يتناقض القانون أو رأي الناس أو منطق
الناس مع معطيات الإيمان مما يسبّب للمؤمن الحيرة والقلق.
ما هو الحلّ هنا؟
يجيب مار بولس، في هذه الرسالة: "فالمَسيحُ حَرَّرَنا لِنكونَ أحرارًا.
فاثبُـتوا، إذًا، ولا تَعودوا إلى نِـيرِ العُبودِيَّةِ".
الجواب إذاً جليّ فإذا كان المسيح هو الّذي حرّرنا بموته وقيامته فكلّ ما
يتناقض مع تعاليمه يردّنا إلى مصاف العبوديّة:
• فكيف أكون حراً إذا ارتكبت جريمةً موصوفة ولو كان اسمها ملطّفاً كالإجهاض أو
القتل الرحيم (!!!) وفي الكتاب المقدّس وصيّة واضحة: "لا تقتل" (تكوين 20\13).
• كيف أكون حراً إذا كان المال همّي الأول والأخير في حين أن يسوع أوصانا ألّا
نعبد ربّين: الله والمال (متى 6\24)؟
• كيف أكون حرّاً إذا ما استعبدتني الشهوة ولو اعتبر الناس ممارسة الجنس خارج
الزواج حريّة (!!!) في حين أن مار بولس واضح بالقول:" أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ
أَجْسَادَكُم هيَ أَعْضَاءٌ لِلمَسِيح؟ فَهَل أَنْزِعُ أَعْضَاءَ الـمَسِيحِ
وأَجْعَلُهَا أَعْضَاءً لِزَانِيَة؟ حَاشَا!" (1 كور 6\15)؟
• كيف أكون حرّاً خارج كنيسة المسيح الّذي نبّهنا: "أَنَّ الغُصْنَ لا يَقْدِرُ
أَنْ يَحْمِلَ ثَمَرًا مِنْ تِلْقَاءِ ذَاتِهِ، إِنْ لَمْ يَثْبُتْ في
الكَرْمَة، كَذـلِكَ أَنْتُم أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ." (يو 15\4)؟
• كيف أكون حرّاً حين أعرف الحقّ وأبتعد عنه علماً أن المسيح قال: "
وتَعْرِفُوا الـحَقَّ، والـحَقُّ يُحَرِّرُكُم" (يو 8\32)؟
بمختصر مفيد، يأتي الجواب حول موضوع الحريّة لابساً ثوب سؤالٍ هو : هل أستطيع
أن أكون حرّاً إذا كنت بعيداً عن الله؟!"
|
::: الإنجيل ::: |
57 وجاءَ وقتُ أليصاباتَ لتَلِدَ، فولَدَتِ
ابنًا.
58 وسَمِعَ جيرانُها وأقاربُها أنَّ اللهَ غَمَرها برحمتِهِ، ففَرِحوا
معَها.
59ولمّا بلَغَ الطِّفلُ يومَهُ الثـامنَ، جاؤوا ليَختِنوهُ. وأرادوا أنْ
يُسمُّوهُ زكَرِيَّا باسمِ أبـيهِ،
60 فقالَت أُمُّهُ لا، بل نُسمِّيهِ يوحنَّا.
61 فقالوا لا أحَدَ مِنْ عَشيرَتِكِ تَسَمّى بِهذا الاسمِ.
62 وسألوا أباهُ بِالإشارَةِ ماذا يُريدُ أنْ يُسمّى الطِّفلُ،
63 فطَلَبَ لوحًا وكتَبَ علَيهِ اسمُهُ يوحنَّا. فتَعجَّبوا كُلُّهُم.
64 وفي الحالِ انفتَحَ فمُهُ وانطلَقَ لِسانُهُ فتكَلَّمَ ومَجَّدَ
اللهَ.
65 فمَلأ الخوفُ جميعَ الجيرانِ. وتحدَّثَ النـاسُ بجميعِ هذِهِ الأُمورِ
في جِبالِ اليهوديَّةِ كُلِّها.
66 وكانَ كُلُّ مَنْ يسمَعُ بِها يحفَظُها في قلبِهِ قائِلاً ما عسى أن
يكونَ هذا الطِّفلُ لأنَّ يَدَ الرَّبِّ كانَت معَهُ.
( لو 1\ 57-66)
|
::: تأمّل من وحي الإنجيل ::: |
إخوتي الأحباء، تحتفل أمُّنا الكنيسة اليوم
بعيد ميلاد يوحنا المعمدان.
الله الّذي وعد من خلال الملاك يفي بوعده لزكريا واليصابات وللبشرية أيضاً.
فالبشارة بحبل اليصابات اكتملت اليوم بولادة يوحنا، والفرح الذي غمر قلبها
عمَّ قلوب الأقارب والجيران، لأنهم اكتشفوا حنان الله لهما من خلال الطفل
يوحنا وهذا الحنان ربما لم يعرفوه من قبل، من هنا معنى الإسم وهو يعني
"ألله تحنَّن".
ولم يتحنَّن الله على اليصابات وزكريا فقط، بل تحنَّن على الجماعة التي طال
انتظارها فأعطى هذا الطفل أهمية ودور في التهيئة لمجيء المخلص. فهذا الطفل
سيكون الإصبع الذي سيدل على المسيح وسيكون الصوت الصارخ في البرية: "...
أعدّوا طريق الرب".
والملاحظ أيضاً أنَّ هذا الإسم يوحنا أتى من الله مباشرة ليعلن أن الله
حنون، خالقاً لدى العائلة نوعاً من التغيير في التقاليد الموروثة (ما من
أحد في العشيرة يُدعى يوحنا).
في الحقيقة، يلفتنا في هذا النص أمران:
أوّلاً ـ إنَّ تسمية الصبي جاءت في اليوم الثامن، في يوم الختانة، أي –
بمعنى أوضح – في اليوم الذي سيلتزم به المولود الجديد بالشريعة اليهودية،
هذه الشريعة التي توجب ختانة الجسد. وهذا سيبقى بذاكرة يوحنا ليوجِّه الناس
في المستقبل نحو التوبة أي ختانة القلب من خلال المعمودية التي سيَدعو
اليها الناس على ضفاف نهر الأردن. وهذا الدور المُهم ليوحنا جعل الجميع
يسأل السؤال نفسه: "ما عسى أن يكون هذا الطفل؟". أمّا اليوم فلم يعُد هذا
الجواب غامضاً بالنسبة لنا كمؤمنين. نعم إن هذا الطفل هو دعوةٌ للتغيير
والإنفتاح على منطق العهد الجديد، إنَّه دعوة لكسر الجمود وللخروج من رتابة
العادات التي لا تمتُّ بأي صلة الى جوهر الدين والإيمان. إنَّه دعوة إلى
إعادة النظر في قناعاتنا الشخصية والسَّعي الى تركيزها على أسس إلهيَّة
حقَّة، مع إصغاء كُلّي لصوت الله في داخلنا.
ثانياً ـ إن الآية 64 تؤكد عودة زكريا الى الكلام، فبعد صمتٍ دام حوالي
تسعة أشهر "نطق زكريا" وهذه عبارة غالباً ما نستعملها في مجتمعاتنا خاصة
عندما يتكلم إنسان بشيءٍ تافه نردُّ عليه مباشرة ونقول"نطق زكريا" ولكن
يبقى أن نعرف ماذا قال زكريا وبماذا نطق؟ في الحقيقة إن زكريا الذي كان
كاهناً، ربما كان يتكلم أكثر مما يسمع، مستنداً الى لغة اللسان دون الرجوع
الى لغة القلب، لذلك صمته هذا كان عودة الى الداخل لكي يسمع الله في القلب،
متأمِّلاً بقدرته، مدركاً إرادته وعاملاً بمشيئته. لم يبقى زكريا على مستوى
ذكر الله له بل غاص في سر الحنان وما أولى كلماته سوى تأكيد على أنَّه فهِم
سرّ محبَّة وحنان الله له. وهذا ما جعله يمجِّد الله بعد أن كتب إسم ابنه
يوحنا على اللوح. في الواقع من منَّا ليس بحاجة الى وقتٍ من الصمت لكي يعود
الى ذاته ليكتشف إرادة الله له ويعمل بها؟ من منَّا ليس بحاجة الى اكتشاف
محبة الله له وحنانه عليه؟ كُلُّنا ننطق بكلمات فيها الكثير من الإهانة الى
الله، كلنا ننطق بكلمات مثيرة للإشمئزاز، هل عدنا يوماً الى أنفسنا
لنُمَجِّد الله بلساننا وقلبنا معاً كما فعل زكريا أم ما زلنا غير مبالين
لذلك؟
دعوتنا اليوم إخوتي الأحباء هي أن نختبر حب الله في الصمت، ونتوقف في
حياتنا عند العلامات التي تُسعِفنا في مسيرتنا لنتحرَّر من كل العوائق
ونثبت في خدمتنا، طالبين من الله سيِّد الحياة أن يُحرِّرنا من أخطائنا
ولتبقى يده دوماً معنا . آمين.
|
::: تأمّل روحي ::: |
بين الأمس واليوم
كما في الأمْس
... ولمّا تمّ زمان أليصابات، وَلدَتْ ابناً، وغَمَرتِ الفرحة أهل الدار
والجار حتّى عمّت كلّ "جبل اليهوديّة". فرحة مثلّثة، أزالت عار العقم عن
الوالدين، في آيةٍ لا تُشبه إلاّ رَحمة الله لِشَيْخَين طاعِنَين في
السِّن، بولادةِ ذكرٍ خُتِم من الربّ منذ كان في حَشا أُمّه.
تهافت الجميع مُزَغْرِداً، مُهَنِّئاً بالمَولودِ، مُتَسائلاً عن سبب
تسْمِيَته يوحنّا بَدَلَ زكريّا، خلافًا للعاداتِ والتقاليدِ، دونَ أن
يَتنبّهوا إلى إرادة الله في ذلك. وَحْدَه زكريّا كان يَعْلَم أنّ الله
أرَادَ أن يَعْبُر بنا من عَهدِ التذكُّرِ (زكريّا تعني "الله تذكّر")، إلى
عهدِ التحَنُّنِ والإنْعام (يوحنّا تعني"الله تحنّن وأنعَم"). من عهد
الهيكل القديم والحرف القاتل والتقليد المتحجّر، إلى عهد الحبّ وفيض
الرحمة.
كان الجميع قد تعَلّقت أنظاره على حَمْل ِالأمّ العجوز مدّة تسعة أشهرٍ،
مُرَدّدين عبارة التعَجُّب المُكَمِّلة لِمُتَطلِّبات الحَدَث الفريد:
"حقًّا ما من أمرٍ عسيرٍ عند الله!"
ما مِنْ أحد تنَبَّه إلى ولادة زكريّا الجديدة عندما نَطَقَ "بحنان الله".
أَلَم يُمْض ِهو أيضًا، تسعة أشهرٍ، صامتًا في رَحِم التَّأمّل الحقيقيّ،
في سِرِّ الله وأمانته لوعوده؟ أَلَم يُعِدِ النظرَ في بدءِ تكوين علاقة
جِدّيّة مع الله، نابعة من أعماق الإيمان الدّاحِض ِ للشّكّ الّذي فاته
يوماً في قُدس الأقداس. أَلَمْ يَعُدِ التَمَوْضُعِ ثابتًا في مشروع الآب
للخلاص الآتي؟
كذلك اليوم
واليوم، حولَ أيّ شيءٍ تتمحور اهتماماتنا؟ هل ننظُر إلى الداخل ونَسْبُرُ
عمق الأحداث التي تَحصَل لنا؟ كيف نتلقّاها؟ هل نؤمن أنّنا شعب الله وأنّنا
ننتمي إلى مشروعه الخلاصيّ؟ هل نمارس المحبّة ونُنْكِرُ شريعة العين بالعين
والسِّنّ بالسِّنّ؟ هل نحن من أتباع" المُؤَلِّهين" التقاليد الحديثة
والموضة والواجبات البشريّة على حساب فيض نعمة الآب ومحبّته، وزيارات
الوِدِّ والصّداقة، والقيام بالمناسب لا بالمَفْروض؟
زكريّا آمن بأنّ ولده مُرْسَل من عِندِ الله، فمَجَّدَه على كرَمِه
وحَنانِه، وكان أميناً في تَرْبِيّتِه على الإيمان بالخالق العظيم، وفتحَ
قلبه على الحقِّ كلّه.
ونحن، كيف نربّي أولادنا؟ ماذا نقدِّم لهم من "أطباق" روحيّة وأخلاقيّة
و...؟ ربّما ظننّاهم شجرة عيدٍ فاهتممنا بزينتهم من مَلبَس ٍ، وحِرْفةِ
الكلام، ونبرة الصوت المَوْزونَةِ، المُلائمَة ِ كلّ حديثٍ في المجتمعات
المُخْتلفة. وأغدقنا في "خَرْجِيَتهم" الخضراء، الّتي بإمكانها توفير وجبةَ
طعامٍ كاملةٍ لعائلة مَسْتورَة، دون أن ننتبه إلى جذورهم التي ما تزال خارج
التراب، والتي لا بدّ لها من أن تجِفّ لانْعِدام الغِذاء، مؤدّية إلى يَباس
الأغصان!
ومتى دقّوا أبواب النُضْجِ، أفرغنا فيهم ما نَقصَ فينا من نَزَعاتٍ وميولٍ
أو حقّقنا أحلامنا التي لم نَستطِع تحقيقها، في اختيارنا لهم الاختصاص أو
الإحتياج الذي نرغَبُ نحن به دونهم، سالبين بذلك حرّيتهم، فيَتوهوا ويسلكوا
دربًا موحِلة انتقامًا لِما حُرِموا منه، وهو احترام حقّهم في الإختيار،
وتقديرِ ما يتمتّعون به مِن مَلَكات.
فَهَلاّ وقفنا مع ذواتنا لِلحَظات، وأقرّينا بجرأة بأنّ شُحوبَ الإيمان
بالله وصِدقِه، الذي وهب الشريكين بَرَكَة الإتّحاد بالحبّ، هو مفتاح
اللّغْز؟ إنّه يقودنا إلى عدم الوثوق بالآخر، فعدم القبول به كما هو،
فالضعف، فالسقوط... وإن كان الربّ قد "آتانا العظائم" في ضعفنا، ووضع
الحياة في عُقمِ حبّنا له ولبعضنا، أفلا نثق به بعد الآن، ونكون شهوداً
لحنانه، أمناء على محبّة وتربية أولادنا، أمانته الغالية؟
|
المقدّمة والصلاة و تأمّل من وحي الرسالة من إعداد
الخوري نسيم قسطون
تأمّل من وحي الإنجيل
التأمّل الروحي |