|
زمن الميلاد
المجيد |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
::: مقدّمة ::: |
- أحد البيان ليوسف هو الأحد الخامس من زمن الميلاد وتدعونا
الكنيسة فيه، من خلال نصّين من الرسالة إلى أهل أفسس ومن إنجيل متى، إلى تأمّل
"سرّ" الخلاص الّذي تحقّق في تجسّد الكلمة الإلهيّ – ربّنا يسوع المسيح - ،
واكتمل في موته وقيامته!
- ففي الرسالة إلى أهل غلاطية نتأمّل مع مار بولس في شموليّة الخلاص إذ "أَنَّ
الأُمَمَ هُم، في الـمَسِيحِ يَسُوع، شُرَكَاءُ لَنَا في الـمِيرَاثِ
والـجَسَدِ والوَعْد، بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيل".
- أمّا في إنجيل لوقا فيتوضّح لنا هدف الخلاص من خلال كلام الملاك الموجّه إلى
يوسف: "...وسَوْفَ تَلِدُ ابْنًا، فَسَمِّهِ يَسُوع، لأَنَّهُ هُوَ الَّذي
يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُم".
في هذا الأحد، تدعونا الكنيسة إذاً، لنقبل يسوع المسيح كمخلّصٍ لنا وللآخرين،
فلا يحقّ لنا الاستئثار بخلاصه. كما تحثّنا لكي نحمل بشرى خلاصه إلى كلّ من
نلتقي به كما فعل الملاك حينما خاطب يوسف البار.
|
::: صلاة ::: |
نَشكُرُكَ أيّها الآب السماوي، يا من أرسلت ملاكك لتعدّ يوسف
لتقبّل واستقبال يسوع كابنٍ له بالتبنّي.
نَشكُرُكَ أيّها الابن المسيح، يا من قبلت أن تتجسّد في عائلة بشريّة من أجل
خلاصنا وتتحمّل ضعف بشريّتنا ووهن طبيعتنا.
نَشكُرُكَ أيها الرّوح القدس، يا من تعدّ قلوبنا لاستقبال نور الكلمة المتجسّد
في حياتنا ونفوسنا.
هب لنا، أيها الثالوث الأقدس، أن نعمل وفق مشيئتك المتجليّة في الكلمة التي
منحتنا إياها في الإنجيل فنصبح على مثال الملاك رسل البشارة السارّة، بشرى
الخلاص الشامل للبشريّة كلّها، فيتمجّد بنا وبكلّ شيء اسمك المبارك في كلّ آنٍ
وأوانٍ وإلى دهر الداهرين، آمين.
|
::: الرسالة ::: |
1 لِذلِكَ أَنَا بُولُس، أَسِيرَ الـمَسيحِ يَسُوعَ مِنْ
أَجْلِكُم، أَيُّهَا الأُمَم...
2 إِنْ كُنْتُم قَدْ سَمِعْتُم بِتَدْبِيرِ نِعْمَةِ اللهِ الَّتي وُهِبَتْ لي
مِنْ أَجْلِكُم،
3 وهوَ أَنِّي بِوَحْيٍ أُطْلِعْتُ على السِرّ، كَمَا كَتَبْتُ إِلَيكُم
بإِيْجَازٍ مِنْ قَبْل،
4 حِينَئِذٍ يُمْكِنُكُم، إِذَا قَرَأْتُمْ ذلِكَ، أَنْ تُدْرِكُوا فَهْمِي
لِسِرِّ الـمَسِيح،
5 هـذَا السِّرِّ الَّذي لَمْ يُعْرَفْ عِنْدَ بَنِي البَشَرِ في الأَجْيَالِ
الغَابِرَة، كَمَا أُعْلِنَ الآنَ بِالرُّوحِ لِرُسُلِهِ القِدِّيسِينَ
والأَنْبِيَاء،
6 وهُوَ أَنَّ الأُمَمَ هُم، في الـمَسِيحِ يَسُوع، شُرَكَاءُ لَنَا في
الـمِيرَاثِ والـجَسَدِ والوَعْد، بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيل،
7 ألَّذي صِرْتُ خَادِمًا لَهُ، بِحَسَبِ هِبَةِ نِعْمَةِ اللهِ الَّتي
وُهِبَتْ لي بِفِعْلِ قُدْرَتِهِ؛
8 لي أَنَا، أَصْغَرِ القِدِّيسِينَ جَمِيعًا، وُهِبَتْ هـذِهِ النِّعْمَة،
وهِيَ أَنْ أُبَشِّرَ الأُمَمَ بِغِنَى الـمَسِيحِ الَّذي لا يُسْتَقْصى،
9 وأَنْ أُوضِحَ لِلجَمِيعِ مَا هُوَ تَدْبِيرُ السِّرِّ الـمَكْتُومِ مُنْذُ
الدُّهُورِ في اللهِ الَّذي خَلَقَ كُلَّ شَيء،
10 لِكَي تُعْرَفَ الآنَ مِن خِلالِ الكَنِيسَة، لَدَى الرِّئَاسَاتِ
والسَّلاطِينِ في السَّمَاوات، حِكْمَةُ اللهِ الـمُتَنَوِّعَة،
11 بِحَسَبِ قَصْدِهِ الأَزَلِيِّ الَّذي حَقَّقَهُ في الـمَسِيحِ يَسُوعَ
رَبِّنَا،
12 الَّذي لَنَا فيهِ، أَيْ بِالإِيْمَانِ بِهِ، الوُصُولُ بِجُرْأَةٍ وثِقَةٍ
إِلى الله.
13 لِذ,لِكَ أَسْأَلُكُم أَنْ لا تَضْعُفَ عَزِيْمَتُكُم بِسَبَبِ الضِّيقَاتِ
الَّتي أُعَانِيهَا مِنْ أَجْلِكُم: إِنَّهَا مَجْدٌ لَكُم!
(أف3/1-13)
|
::: تأمّل من وحي الرسالة ::: |
في رسالة اليوم، أحد البيان ليوسف، يحدّثنا مار بولس عن
"السرّ"، "سرّ المسيح"، مؤكّداً لنا أنّ "هـذَا السِّرِّ... هُوَ أَنَّ
الأُمَمَ هُم، في الـمَسِيحِ يَسُوع، شُرَكَاءُ لَنَا في الـمِيرَاثِ
والـجَسَدِ والوَعْد، بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيل...".
كم كان مار بولس شجاعاً ليعلن، وسط مجتمعٍ يهوديّ منغلق، كلاماً بهذه الخطورة
إذ يعتبر، وبكلّ جرأة، أنّ الأمم (أي غير اليهود) هم "شركاء" بميراث اليهود أي
بوعد الخلاص وبثماره الروحيّة والزمنيّة.
لقد عانى مار بولس الأمرين في سبيل إقناع أترابه السابقين (اليهود والفرّيسيين)
واللاحقين (الجماعة المسيحيّة الأولى) بشموليّة الخلاص لمن ليسوا أو لم يكونوا
يهوداً، كما نستنتج من عدّة نصوص في العهد الجديد ولعلّ أبرزها الفصل الخامس
عشر من أعمال الرسل.
مار بولس نفسه يدعونا اليوم إلى تقبّل فكرة شموليّة الخلاص لأنّ الخلاص هو نعمة
مجانيّة من الله لكلّ ذي جسد بشريّ بكون الله "أرسل ابنه الوحيد نوراً للأمم"
كما نقول في افراميات عيد الميلاد في طقسنا المارونيّ. والنور، كما نعلم، لا
يميّز بين من يشرق عليهم، بل يغدق فيضه على الجميع بمحبّة ومجانيّة ودفق عطاء.
وهذا يدعونا إلى تفكيرٍ عميق في نمط تفكيرنا وطريقة حياتنا.
صحيحٌ أننا نعيش في عصر انفتاح الناس والشعوب والدول على بعضها. وصحيحٌ أيضاً
أننا نعيش في عصر ثورة في مجال تقنيات الاتصال لحتّى قيل إنّ العالم أضحى قريةً
صغيرة. ولكن، من جهة أخرى، تطوّر إمكانيات الاتّصال لم يترافق مع تطوّر عوامل
التواصل بين الناس!
لاحظوا إخوتي كم نعاني من آفتي الانغلاق والعصبيّة، ليس فقط على المستوى
المذهبيّ أو الدينيّ، بل على كافّة المستويات:
• أنظروا إلى البيوت المفكّكة والعائلات المنقسمة؟!
• أنظروا إلى الخلافات والتحدّيات داخل القرى والبلدات ؟!
• أنظروا إلى المؤسسات أو الأحزاب وصراعاتها الداخليّة أو مع بعضها البعض؟!
• وحتى أنظروا إلى معاناة الكنائس من الانشطار والتفكّك؟!
ويمكن أن نعدّد إلى ما لا نهاية ولكن لن يقودنا ذلك إلا إلى السوداوية البعيدة
عن الرجاء المسيحي والتي لا تنفع لدرء الخطر ولإبعاد الشرّ!
أمّا إذا انتقلنا من مرحلة النظر إلى مرحلة التحليل، فسوف نجد أن القاسم
المشترك بين كلّ ما عدّدناه هو سيادة روح الأنانيّة والرغبة في اختزال الآراء
والخيرات ورفض مشاركة الآخر في ما لدينا من مكسبات روحيّة أو ماديّة... نعم
فكيف للأنانيّ أن يقبل بأنّ:
• المسيح ولد من أجل من لا أحبّ لا من أجلي أنا فقط!
• المسيح تألّم من أجل من أكره لا من أجلي أنا فقط!
• المسيح صلب من أجل من أختلف معه لا من أجلي أنا فقط!
• المسيح مات من أجل من يختلف عنّي بالدين أو بالجنسيّة أو بالسياسة أو
بالعائلة... لا من أجلي أنا فقط!
لذا، تأتي رسالة اليوم لتهزّ كلّ واحدٍ منّا، في عمق كيانه، ولتحفزه ليغيّر
منطقه ويتقبل منطق الله، على مثال يوسف البار، أي ليجد الحلّ لأنانيّته عبر:
• تقبّل الآخر الّذي كثيراً ما يسبّب العذاب له إنطلاقاً من كلام الإنجيل:
"...إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذينَ يُحِبُّونَكُم، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُم؟ أَلَيْسَ
العَشَّارُونَ أَنْفُسُهُم يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟...وإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلى
إِخْوَتِكُم وَحْدَهُم، فَأَيَّ فَضْلٍ عَمِلْتُم؟" (متى 5/46-47)
• والقناعة بأن لا أحد بمقدوره أن ينال الخلاص إن لم يحمل في وجدانه وقلبه همّ
الآخرين لأنّ الربّ دعانا لنكون "ملح الأرض ...ونور العالم" (متى5/13-14).
• وللمضيّ في طريق يسوع، "الطريق الضيّق"، حيث أسرع وسيلة للوصول إلى الهدف هو
الصفح حتى "... سَبْعِيْنَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّات" في اليوم (متى 18/22)
والمحبّة الشاملة حتى ألدّ أعدائنا عملاً بطلب يسوع المسيح: " أَحِبُّوا
أَعْدَاءَكُم، وصَلُّوا مِنْ أَجْلِ مُضْطَهِدِيكُم" (متى 5/44)!
|
::: الإنجيل ::: |
18 أَمَّا مِيلادُ يَسُوعَ الـمَسِيحِ فَكانَ هـكَذَا:
لَمَّا كانَتْ أُمُّهُ مَرْيَمُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُف، وقَبْلَ أَنْ
يَسْكُنَا مَعًا، وُجِدَتْ حَامِلاً مِنَ الرُّوحِ القُدُس.
19 ولَمَّا كَانَ يُوسُفُ رَجُلُها بَارًّا، ولا يُرِيدُ أَنْ يُشَهِّرَ
بِهَا، قَرَّرَ أَنْ يُطَلِّقَهَا سِرًّا.
20 ومَا إِنْ فَكَّرَ في هـذَا حَتَّى تَرَاءَى لَهُ مَلاكُ الرَّبِّ في
الـحُلْمِ قَائِلاً:"يَا يُوسُفُ بنَ دَاوُد، لا تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ
مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ، فَالـمَوْلُودُ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ
القُدُس.
21 وسَوْفَ تَلِدُ ابْنًا، فَسَمِّهِ يَسُوع، لأَنَّهُ هُوَ الَّذي
يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُم".
22 وحَدَثَ هـذَا كُلُّهُ لِيَتِمَّ مَا قَالَهُ الرَّبُّ بِالنَّبِيّ:
23 "هَا إِنَّ العَذْرَاءَ تَحْمِلُ وتَلِدُ ابْنًا، ويُدْعَى اسْمُهُ
عِمَّانُوئِيل، أَي اللهُ مَعَنَا".
24 ولَمَّا قَامَ يُوسُفُ مِنَ النَّوْم، فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاكُ
الرَّبِّ وأَخَذَ امْرَأَتَهُ.
25 ولَمْ يَعْرِفْهَا، فَوَلَدَتِ ابْنًا، وسَمَّاهُ يَسُوع.
(متى1\ 18-25)
|
::: تأمّل من وحي الإنجيل ::: |
في هذا الأحد المبارك، نتأمّل مع أمنا الكنيسة في حدث البيان ليوسف، كما رواه لنا الإنجيلي متى، الذي يحدّثنا عن الوحي الإلهي ليوسف "البار" وكيف برّر له حبل مريم وحدّد له مهامه كحارسٍ للعائلة المقدّسة وكربٍّ لها، ويظهر لنا أيضاً تبنّيه ليسوع كابنٍ له (من خلال الحقّ بتسميته) وتربيته له، والحفاظ على مريم "والدة الإله" الدائمة البتوليّة.
يشهد متى أنَّ يوسف كان رجلاً صالحاً. فالصلاح ركيزة وفضيلة لا بُدّ منها
للانفتاح على الوحي الإلهي. مهما تزيّن الإنسان بصفات حميدة يبقى الصلاح
أرضيَّةً تُمَكِّن المرء من الانطلاق إلى الأمور السماوية، لأن الصلاح ليس
إدعاء خادعاً يتباهى به الإنسان بل هو سيرة حياة ذاتية ونهج مثابر في طريق
الرب، وهو جملة من الخصال الروحية. فيوسف هو رجل صالح جعل اهتمامه لإرضاء
الله تعالى في كل ما يقول ويفعل وهذا ما ساعده على اختيار هجر مريم سراً من
دون أن يُعرِّضها للإهانة عندما عرف بحبلها من الروح القدس. لم يشأ أن
يضيِّق عليها ويُربِكها بكثير من الأسئلة، بل سلك طريق غير عادي ضارباً عرض
الحائط كل أحكام بني البشر، وهذا نتيجة غناه بالفضائل الروحية.
لم يتسرع يوسف بل أخذ وقته في التفكير لئلا يأتي قراره تعسفاً ومجحفاً
ومتهوِراً بحق مريم. لم يفقد يوسف رجاءه بل استسلم لأمر الله وكان بأمس
الحاجة ليعرف إذا كان قراره هذا مرضياً لله، وهنا بلحظة التفكير بالموضوع
يظهر له ملاك الرب حاملاً اليه بلاغاً روحياً حتى يُشرق على قراره بنورٍ
آمن لا ضلالة فيه. فالملاك يُطَمئِن يوسف ويحثَّه على البقاء في الصلاح لكن
بقرار معاكس أي في اتخاذ مريم إلى بيته وليس بتركها سراً. فالملاك زاد يوسف
ثقة وشجاعة وإيمان، لأنه بفعلته هذه أصبح جزءاً من التدبير الإلهي. ويوسف
بفعل إيمانه الكبير يقبل ويعمل بكلام الملاك وبهذا يختتم مسيرته الإيمانية
ويحظى بإكليل الظفر ويستحق أن يكون إلى جانب مريم أم الله وأم المخلص.
هذا هو الدور الذي لعبه يوسف وكم تمنى الكثيرون أن يكونوا بموقعه ولم
يستطيعوا، وحده يوسف الرجل الصالح والمطيع استطاع الحصول على هذا الدور
وكان خير معيل لمريم ونِعمَ مربي ليسوع. والآن بعد أن تعرفنا على يوسف
الصديق والبار والصالح يبقى علينا أن نتعلم منه الكثير:
أولاً لَمْ يُرِدْ يوسُفْ أنْ يُشَهِّرَ بِمَرْيَم: يَطْلُبُ ٱلرَّبُّ
مِنْكَ ألاَّ تُشَهِّرَ بِكَنيسَتِكَ التي تَرمُزُ إلَيْها مَريَم. لا
تُشَهِّرْ بِكَنيسَتِكَ، وَلا بِكَهَنَتِها أو ٱلمَسؤولينَ فيها، لا
تُشَهِّر بامْرَأة ما، بِأصْحابِ عَمَلِكَ، بِأصْدِقائِكَ.... يُريدُ
الرَّبُّ اليَوم، أنْ نَأخْذَ مَرْيَمَ (الكَنيسَة) إلى بَيْتِنا، وَأنْ
نُحافِظَ عَلَيْها وَ نَعْمَلَ لِبُنْيانِها، وَ نُحِبُّها وَ نُعْطي
حَياتَنا لَها، فالمَولودُ مِنْها هوَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. فالتَّشْهير
بالكَنيسَة وَبِرُؤَسائِها هوَ تَشْهيرٌ بالضُّعْف الذي يَحْمِلونَهُ في
قُلوبِهِمْ لأنَّهُمْ بَشَر. فَكَيْفَ نُشَهِّرُ بِضُعْفٍ نَحْمِلُهُ نحنُ
أيْضاً، وَ لَرُبَّما نَكونُ أضْعَفَ وأقَلّ إيْماناً مِنَ الذينَ
نُشَهِّرُ بِهِم ؟؟؟
ثانياً يوسف فَعَلَ كَما أمَرَهُ الرَّبّ«: بَيْنَ ما تَطْلُبهُ ٱلشَّريعَة
(وَنحنُ نَعْلَم أنَّهُ في حالَة مَريَم، أي المَرأة المَخطوبَة الّتي
تَحبَلُ مِنْ شَخْصٍ آخَر، يَجِبُ مُعاقَبَتها بالرَّجم، وَ هذا ما
تَطْلُبهُ الشَّريعَة) وَ بَيْنَ ما يَطْلُبْهُ الله (»وَ لَمَّا قامَ
يوسُفُ مِنَ النَّوْمِ، فَعَلَ كَما أمَرَهُ مَلاكُ ٱلرَّبّ وَأخَذَ
ٱمْرَأتَهُ«) ٱخْتارَ يوسُفْ أنْ يَفْعَلَ ما يَأمُرُهُ بِهِ الرَّبُّ. كَم
مِنَ المَرَّاتِ نَفْعَلُ ما يُمْليهِ عَلَيْنا مُجْتَمَعُنا؟ كَم نَخْتارُ
ما يَراهُ ٱلنَّاسُ لَنا وَ لا نَخْتارُ ما نُريدُهُ نحن أو ما يَراهُ
إيماننا المَسيحي؟ هَل لله مَكانٌ في حَياتي؟ هَل لَدَيَّ ٱلإسْتِعْداد
لِتَغْييرِ مَشْروعي وَ قَرارِي وَ فِعْلِ ما يَطْلُبْهُ الرَّبُّ مِنِّي؟
وَ كَيْفَ أعْرِفُ ما يَطْلُبْهُ مِنِّي الرَّبُّ وَ ما يُريدُهُ لي.
يبقى أن ننهي بأن يوسف كان رجل الصمت فقد خدم بصمت وعاش مع
عائلة الناصرة بصمت دون أن يتباهى بأنَّه هو من يربي الملك المنتظر. وهنا
نسأل: أين نحن من صمت يوسف العميق؟ أين نحن من ذواتنا المتعطّشة للإصغاء
إلى صوت الله في أعماقنا؟
فيا أيها القديس يوسف يا من كنت قدوة بالصمت والطاعة والصلاح أعطنا أن
نقتدي بك وساعدنا لنتبنَّى يسوع ملكاً ومخلِّصاً لحياتنا، آمين.
|
::: تأمّل روحي ::: |
في الليل ينادي
ليلة مظلمة حملت كمًّا من الألم والأسى في نفس يوسف، خطّيب مريم، ذاك الشاب الذي أحبّ الفتاة الجميلة العفيفة، واختارها شريكةً في أجمل وأطهر ارتباط. زوجيّ، بادىء الأمر صُعِق يوسف لِخَبَر حَبَلِها واحتار في ما يفعله إزاء ذلك. فأيّ قرار يتّخذه بهذا الشأن قد يتحوّل إلى سيف مسلّط فوق عنقها سواء أكان طلاقًا أم تشهيرًا بما فعلته. كما وأنّه لم يكن لِيرضى بأبوّةِ طفلٍ ليس من صلبه، فوقع في حيرةٍ من أمره. لكنّ صلاحه كان قد صهر فيه النّبل والشَّهامَة، وعجنه بالحكمة، فقرّر أن يختار الحبّ الشجاع "وهَمَّ بتخليةِ مَنْ أحبّها سرًّا."
لأجل هذا الحبّ الطاهر، الصادق والعميق إختاره الله شريكاً أساسيًا
ليُتِمَّ فيه مشروع الخلاص، فناداه في الليل، وأخبره عن حقيقة دعوته، فآمن
بها. وأخذت "النعمة المتجسّدة " تنمو بين نَعَمِ مريم ونَعَمِ يوسف.
إنّه وفي حقبة مصيريّة من تاريخ الإنسان، قرّر يوسف المَضِيّ في المشروع
الإلهيّ مرتكزّا على الإيمان بالله وأمانته،كجدِّه إبراهيم، سالكًا عكس
التّيّار في عصرٍ كانت الشريعة تجسّد الإله، واحترامها مفروضًا؛ أمّا
العدالة والحقّ فكانا مرتبطَين بحروف الشريعة لا في روحها. لقد تخلّى عن
مشروعه الخاص بالزواج في سبيل الحصول على الأفضل، بائعًا كلّ ما يملكه من
تطلّعاتٍ شخصيّة مشتريًا تلك "اللؤلؤة الثمينة" من أجل الأفضل. "فجاء
بامرأته إلى بيته" كما طلب منه الملاك، متحدّيًا ذاته الإنسانيّة كرجلٍ،
واثقًا بالكلمة المقدّسة، آخذَا على عاتقه مسؤوليّة أبّوة يسوع، ابن الله،
ورعايته مع مريم، عروس الروح. هكذا أضحى مع مريم أوّل من خُتِمَ في سجلّ
الأبرار القدّيسين،، حائكًا تلك "القطبة المخفيّة" بين الله والإنسان.
ماذا يوحي لنا يوسف اليوم؟ ماذا نستخلص من حياته؟ هل يمكننا التخلّي عن
مشروعٍ شخصيٍّ من أجل الحبّ الأكمل؟ كيف نتعاطى مع من يخطىء إلينا؟ هل
نحطِّم الآخرين إن أخطؤا كي نَسْلَم نحن؟ هل نخاف الحيرة، أم نعرف أنّها
السبيل الوحيد لإدراك الحقّ؟ هل نحسن التفكير ساعة نحتار في اتّخاذ
القرارات المصيريّة؟ ما الّذي يدفعنا للإختيار: العقل، العاطفة، المصلحة
الشخصيّة أو الجَماعيّة؟ هل ندرك أنّنا في كلّ مرّة نبحث فيها بجدّيّة
المؤمن عن حلّ أو جواب واضح وخيّر يعني أنّنا لسنا مُسَيَّرين بل مخيّرين،
أقوياء، لنا الجرأة في اتّخاذ القرار الملائم؟
ربّما القِيَم في أيّامنا، دخلت في ليلٍ مظلمٍ، وبات ضجيج العالم أقوى من
صوت الحقّ والحقيقة، فأضحت صَرْعى، لا تبني ولا تنتظر التأنيب. لقد باتت
لامسؤولة، صمّاء وضريرة، تهيم بصاحبها في غابات الضياع، فتُفقِدُهُ هويّته
وانتمائه ومسؤوليّاته، ثمّ تصمّ أذنيه عن صوت الإيمان في داخله، جاعلةً منه
آلةً منقادةً في مجرى الذات السطحيّة الفارغة.
لنفتح بصائرنا في ليلنا المظلم والمؤلم أحيانًا، ولْنؤمن أنّه من عمق
الأنين الصامت سوف نسمع همسة الحبّ الّتي ننتظر. سوف نكتشف في ذواتنا
"ألماسة" دفينةً شذّبتها المحنة، وأظهر جمالها ونبلها الألم. أمّا الإيمان
بالله وبأمانته، فقد حوُّلاها إلى جوهرةٍ ثمينةٍ تتشوّق إلى الضوء، منتظرةً
نَعَمَ تحمِل إليها، مثل يوسف، الأبن وأمّه إلى بيت حياتنا، كي ننطلق
سويًا، مع عائلة الناصرة، بسكون وسلام وطمأنينة، بعيدًا عن ثرثرة العالمِ
وضوضائه.
|
المقدّمة والصلاة و تأمّل من وحي الرسالة من إعداد
الخوري نسيم قسطون
تأمّل من وحي الإنجيل
التأمّل الروحي |