|
زمن الميلاد
المجيد |
الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة |
::: مقدّمة ::: |
- أحد النسبة هو الأحد السادس من زمن الميلاد وتدعونا الكنيسة
فيه، من خلال نصّين من الرسالة إلى أهل روما ومن إنجيل متى، إلى تأمّل "النسبّ"
البشريّ للكلمة الإلهيّ، ربّنا يسوع المسيح.
- ففي الرسالة إلى أهل روما يؤكّد لنا مار بولس أنّ يسوع المسيح "وُلِدَ
بِحَسَبِ الـجَسَدِ مِنْ نَسْلِ داوُد، وَجُعِلَ بِحَسَبِ رُوحِ القَدَاسَةِ
ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ".
- أمّا في إنجيل متى فتتوضّح لنا مدى إنسانيّة يسوع المسيح، ابن الله الّذي
وُلِد بالجسد من مريم العذراء.
في هذا الأحد، تدعونا الكنيسة إذاً، لنقبل ذواتنا وتاريخنا كما قبل يسوع في
نسبه كلّ أنواع البشر.
|
::: صلاة ::: |
نَشكُرُكَ أيّها الآب السماوي، يا من أرسلت ابنك الوحيد فأصبح
إنساناً مثلنا بعد أن تجسّد من مريم العذراء بقوّة الروح القدس.
هب لنا، اليوم، أن نعي بنوّتنا لك فنقوى بها على ضعف ووهن بشريّتنا فنجد في
إنجيلك قوّة الخلاص لنفوسنا وقلوبنا وعقولنا، لتملك عليها يا ربّ بالمحبّة
وتغرس فيها الرجاء وتنمّيها بالإيمان، يا من تحيا وتلك إلى أبد الدهور، آمين.
|
::: الرسالة ::: |
1 مِنْ بُولُسَ عَبْدِ الـمَسِيحِ يَسُوع، الَّذي دُعِيَ
لِيَكُونَ رَسُولاً، وفُرِزَ لإِنْجِيلِ الله،
2 هذَا الإِنْجِيلِ الَّذي وَعَدَ بِهِ اللهُ مِنْ قَبْلُ، بَأَنْبِيَائِهِ في
الكُتُبِ الـمُقَدَّسَة،
3 في شَأْنِ ابْنِهِ الَّذي وُلِدَ بِحَسَبِ الـجَسَدِ مِنْ نَسْلِ داوُد،
4 وَجُعِلَ بِحَسَبِ رُوحِ القَدَاسَةِ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ أَيْ
بِالقِيَامَةِ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، وهُوَ يَسُوعُ الـمَسِيحُ رَبُّنَا؛
5 بِهِ نِلْنَا النِّعْمَةَ والرِّسَالَةَ لِكَي نَهْدِيَ إِلى طَاعَةِ
الإِيْمَانِ جَميعَ الأُمَم، لِمَجْدِ اسْمِهِ؛
6 ومِنْ بَيْنِهِم أَنْتُم أَيْضًا مَدْعُوُّونَ لِتَكُونُوا لِيَسُوعَ
الـمَسِيح؛
7 إِلى جَمِيعِ الَّذينَ في رُومَا، إِلى أَحِبَّاءِ الله، الـمَدْعُوِّيِنَ
لِيَكُونُوا قِدِّيسِين: أَلنِّعْمَةُ لَكُم والسَّلامُ مِنَ اللهِ أَبينَا
والرَّبِّ يَسُوعَ الـمَسِيح!
8 قَبْلَ كُلِّ شَيء، أَشْكُرُ إِلـهِي بِيَسُوعَ الـمَسيحِ مِنْ أَجْلِكُم
جَمِيعًا، لأَنَّ إِيْمَانَكُم يُنَادَى بِهِ في العَالَمِ كُلِّهِ.
9 يَشْهَدُ علَيَّ الله، الَّذي أَعْبُدُهُ بِرُوحِي، بِحَسَبِ إِنْجِيلِ
ابْنِهِ، أَنِّي أَذْكُرُكُم بِغَيْرِ انْقِطَاع،
10 ضَارِعًا في صَلَوَاتِي على الدَّوَامِ أَنْ يتَيَسَّرَ لي يَوْمًا،
بِمَشِيئَةِ الله، أَنْ آتيَ إلَيْكُم.
11 فإِنِّي أَتَشَوَّقُ أَنْ أَرَاكُم، لأُشْرِكَكُم في مَوْهِبَةٍ رُوحِيَّةٍ
وَأُشَدِّدَكُم،
12 أَيْ لأَتَعَزَّى مَعَكُم وَبَيْنَكُم بإِيْمَانِي وإِيْمَانِكُمُ
الـمُشْتَرَك.
13 ولا أُريدُ أَنْ تَجْهَلُوا، أَيُّهَا الإِخْوَة، أَنِّي عَزَمْتُ مِرَارًا
أَنْ آتِيَ إِلَيْكُم، لِكَي يَكُونَ لي فيكُم ثَمَرٌ كَمَا في غَيْرِكُم مِنَ
الأُمَم، ولـكِنِّي مُنِعْتُ حتَّى الآن.
14 إِنَّ علَيَّ دَيْنًا لليُونَانِـيِّين وغَيْرِ اليُونَانِـيِّين،
لِلحُكَمَاءِ والـجُهَلاء.
15 لِذـلِكَ فإِنِّي مُسْتَعِدٌّ أَنْ أُبَشِّرَكُم أَنْتُم أَيْضًا يَا أَهْلَ
رُومَا.
16 فإِنِّي لا أَسْتَحِي بالإِنْجِيل، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِخَلاَصِ كُلِّ
مُؤْمِن، لِليَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِليُونَانِيّ؛
17 لأَنَّ بِرَّ اللهِ يُعْلَنُ في الإِنْجِيلِ أَوَّلاً وَآخِرًا، كَمَا هُوَ
مَكْتُوب: "البَارُّ بِالإِيْمَانِ يَحْيَا".
(روم1\1-17)
|
::: الإنجيل ::: |
1 كِتَابُ ميلادِ يَسُوعَ الـمَسِيح، إِبنِ دَاوُد، إِبْنِ
إبْرَاهِيم:
2 إِبْرَاهِيمُ وَلَدَ إِسْحـق، إِسْحـقُ وَلَدَ يَعْقُوب، يَعْقُوبُ
وَلَدَ يَهُوذَا وإِخْوَتَهُ،
3 يَهُوذَا وَلَدَ فَارَصَ وزَارَحَ مِنْ تَامَار، فَارَصُ وَلَدَ
حَصْرُون، حَصْرُونُ وَلَدَ آرَام،
4 آرَامُ وَلَدَ عَمِينَادَاب، عَمِينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُون، نَحْشُونُ
وَلَدَ سَلْمُون،
5 سَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَاب، بُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ
رَاعُوت، عُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى،
6 يَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ الـمَلِك. دَاوُدُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنِ
امْرَأَةِ أُوْرِيَّا،
7 سُلَيْمَانُ وَلَدَ رَحَبْعَام، رَحَبْعَامُ وَلَدَ أَبِيَّا، أَبِيَّا
وَلَدَ آسَا،
8 آسَا وَلَدَ يُوشَافَاط، يُوشَافَاطُ وَلَدَ يُورَام، يُورَامُ وَلَدَ
عُوزِيَّا،
9 عُوزِيَّا وَلَدَ يُوتَام، يُوتَامُ وَلَدَ آحَاز، آحَازُ وَلَدَ
حِزْقِيَّا،
10 حِزْقِيَّا وَلَدَ مَنَسَّى، مَنَسَّى وَلَدَ آمُون، آمُونُ وَلَدَ
يُوشِيَّا،
11 يُوشِيَّا وَلَدَ يُوكَنِيَّا وإِخْوَتَهُ، وكانَ السَّبْيُ إِلى
بَابِل.
12 بَعْدَ السَّبْيِ إِلى بَابِل، يُوكَنِيَّا وَلَدَ شَأَلْتِيئيل،
شأَلْتِيئيلُ وَلَدَ زُرُبَّابِل،
13 زُرُبَّابِلُ وَلَدَ أَبِيهُود، أَبيهُودُ وَلَدَ إِليَاقِيم،
إِليَاقِيمُ وَلَدَ عَازُور،
14 عَازُورُ وَلَدَ صَادُوق، صَادُوقُ وَلَدَ آخِيم، آخِيمُ وَلَدَ
إِلِيهُود،
15 إِلِيهُودُ وَلَدَ إِلِيعَازَر، إِلِيعَازَرُ وَلَدَ مَتَّان، مَتَّانُ
وَلَدَ يَعْقُوب،
16 يَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَم، الَّتي مِنْهَا وُلِدَ
يَسُوع، وهُوَ الَّذي يُدْعَى الـمَسِيح.
17 فَجَميعُ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْرَاهيمَ إِلى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ
جِيلاً، ومِنْ دَاوُدَ إِلى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً،
ومِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلى الـمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جيلاً.
(متى1\ 1-17)
|
::: تأمّل من وحي الرسالة والإنجيل ::: |
في هذا الأحد المبارك، نتأمّل مع أمنا الكنيسة في نسب يسوع، كما رواه لنا إنجيل متّى، واختصره مار بولس في الرّسالة بقوله إنّ يسوع المسيح "وُلِدَ بِحَسَبِ الـجَسَدِ مِنْ نَسْلِ داوُد، وَجُعِلَ بِحَسَبِ رُوحِ القَدَاسَةِ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ".
يتوافق محتوى هذين النصّين مع ما نقوله كلّ مرّة في قانون الإيمان حيث
نؤكّد أننا نؤمن "بربٍّ واحدٍ، يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من
الآب قبل كلّ الدهور، إله من إله، نور من نور، إله حقّ من إله حقّ، مولودٍ
غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الّذي به كان كلّ شيء..." لنتابع بعدها
قائلين: "الّذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسّد
من الروح القدس ومن مريم العذراء وصار إنساناً...".
ولكن هل يتوافق فعلاً قولنا هذا مع قناعاتنا العميقة؟
فهل أقبل مثلاً بأنّ الله تألّم أو صلب أو صفع أو حتى ولد أو مات؟!
فمنطقنا البشريّ يرفض هذه الصورة الضعيفة لله بكون الألوهة مرتبطة بنظرنا
بالقوّة والبطش والقدرة والهيبة!
ولكن تجسّد يسوع المسيح قلب كلّ الموازين ليؤكّد للناس أن منطق المحبّة
مختلف عن منطق العقل!
فالمحبّة، كما شرحها مار بولس، "... تتَأَنَّى وتَرْفُق. الـمَحَبَّةُ لا
تَحْسُد، ولا تَتَبَاهَى، ولا تَنْتَفِخ، ولا تَأْتِي قَبَاحَة، ولا
تَلْتَمِسُ مَا هوَ لَهَا، ولا تَحْتَدُّ، ولا تَظُنُّ السُّوء، ولا
تَفْرَحُ بِالظُّلْم، بَلْ تَفْرَحُ بِالـحَقّ، وتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيء،
وتُصَدِّقُ كُلَّ شَيء، وتَرْجُو كُلَّ شَيء، وتَصْبِرُ عَلى كُلِّ شَيء.
الـمَحَبَّةُ لا تَسْقُطُ أَبَدًا. أَمَّا النُّبُوءَاتُ فَسَتُبْطَل،
والأَلْسِنَةُ تَزُول، والعِلْمُ يُبْطَل" (1كور 13/4-8).
ما دفع يسوع إذاً إلى التجسّد والفداء هو المحبّة فهو فعل كل ذلك "من أجلنا
ومن أجل خلاصنا" دونما انتظار أي مقابل سوى سعي كلّ واحدٍ منّا لتحقيق
خلاصه وتبشير من حوله بهذا الخلاص.
وهو لم يشترط توبتنا ليخلّصنا بل خلّصنا أوّلاً ليمكننا من التوبة وهو ما
يظهر من خلال تقبّله لخطأة موصوفين في سلسلة نسبه الّذين جعلهم الكتاب
المقدّس نماذجاً للتوبة لاحقاً كالملك داود الّذي دفع أوريّا ليُقتل حتى
يقترن بامرأته، أو راحاب الزانية.
وهو لم يشترط الولادة في قصرٍ ملكي وهو سليل الملوك (داود، سليمان،...) ولا
في رحاب الهيكل، بيت الله، مع إنّه ابن الله لأنّه "... معَ كَونِهِ في
صُورَةِ الله، لَمْ يَحْسَبْ مُسَاوَاتَهُ للهِ غَنِيمَة، بَلْ أَخْلَى
ذَاتَهُ، مُتَّخِذًا صُورَةَ العَبْد، صَائِرًا في شِبْهِ البَشَر. ولَمَّا
ظَهَرَ في هَيْئَةِ إِنْسَان، واضَعَ ذَاتَهُ، وصَارَ مُطِيعًا حَتَّى
الـمَوْت، الـمَوْتِ على الصَّلِيب." (1 فيل 2/6-8).
ما العبرة إذاً من كلّ ما ذكرنا؟
العبر كثيرة في نصّي الرسالة والإنجيل ولكنّ أبرزها:
1- يدعونا يسوع أن لا نتنكّر لماضينا ولو لم يكن كما نشتهي أو نتمنّى،
فلولا هذا الماضي لم نكن نحن وما وجود خطأة في نسب يسوع سوى تشجيع لنا
لندرك أنّ بمقدور كلّ واحدٍ منّا أن يخلص إذا ما تاب وترك للربّ أن يغيّر
ماضيه ويبارك حاضره ويؤسّس لمستقبله.
2- يدعونا مار بولس لنقتدي بقوله: "لا أَسْتَحِي بالإِنْجِيل، لأَنَّهُ
قُوَّةُ اللهِ لِخَلاَصِ كُلِّ مُؤْمِن"، فلا نستحي بدورنا بالمسيح الّذي
ولد في اسطبل حقير (لو2/7) وعاش فقيراً لا يملك بيتاً ولا أرزاقاً
ﻓ"لِلْثَّعَالِبِ أَوْجَار، ولِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَار، أَمَّا ابْنُ
الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ مَوْضِعٌ يُسْنِدُ إِليْهِ رَأْسَهُ" (متى8/20)
ومات ميتة المجرمين، على الصليب! لأنّه قام وغلب الموت فانتصرت الحياة
الباقية على الحياة الفانية!
أمّا التطبيق العملي فيكمن في مدى استعدادنا لسؤال ذواتنا:
1- متى كانت آخر مرّة زرت فيها أهلي الأحياء أو الاموات؟!
2- متى كانت آخر مرّة لم أستحِ فيها بالمجاهرة بإيماني في محضرٍ اجتماعيّ
أو في مطعمٍ قبل الطعام أو في حديثٍ سفيه ولا أخلاقيّ؟!
3- متى كانت آخر مرّة اقتربت فيها من فقير أو مريضٍ أو محتاجٍ وأنا مدركٌ
في قلبي أنّه أخي في البنوّة للّه وأدركت أنّه لا يحقّ لي التنعّم لوحدي
بالخيرات الدنيوية بل يجب عليّ اقتسامها مع إخوتي في البنوّة الإلهيّة؟!
نحن في الأحد الأخير قبل عيد الميلاد لذا دعونا، قبل أن نفكّر في وضع الطفل
يسوع في المغارة، أن نبادر إلى وضع بعض الدفء في قلوب المحتاجين وبعض
الطعام في بطون الجائعين وبعض السعادة في نفوس الحزانى، فلا يشعر يسوع
بالأسر في مغارته بل يشعرون هم بالحريّة التي منحهم إياها ويصبح حقّاً هو
العيد لنا جميعاً، آمين.
|
::: تأمّل روحي ::: |
صدى الماضي في حاضرك
وأنت تقف في بيت الله، تستمع إلى إنجيل (متّى1: 1-17)" نسب يسوع"، تشعر بالملل مِن سَرْد أسماء لا تعرفها في الغالب، وبعضها لا يعني لك شيئًا، أمّا البعض الآخر، فربّما أعاد إليك ذكرى ابراهيم، أبِ الؤمنين، ووالد اسحق" الذبيحة المفتداة بالكبش"، أو صاحب المزامير"داوود" وابنه سليمان"الحكيم"، الذي وَلَده بالزنى من أوريّا، زوجة صديقه!... وفي الختام يأتي من يكسر هذا السرد الّذي نتوق لسماع نهايته: "يوسف، رجل مريم، الّتي منها وُلِدَ يسوع وهو الّذي يُدعى المسيح".
رتابة بغيضة وأفكار، تلفّ حياتك كلّ لحظة، بحاجاتها اليوميّة، كما في هذه
السلسلة. تكرِّر نفسك في عملك، في ذهابك وإيابك، مستسلمًا لرتابة نمط عيشك
دون أن تثور وتكسر حائط مستنقع ذاتك، كي تنطلق نحو الأفضل، ولا تفقد ما
لديك، بل تجدِّده، كما المياه في مجراها. تراها تتدفّق بقوّةٍ متجاوزةً كلّ
العقبات، والصخور، مندفعةً في مسيرتها نحو الحرّية، مشعّةً بنور الشمس،
راويةً حيث تجري دون مُقابل، لا تبخل في مَلء الخوابي حتّى وإن كان أصحابها
من الزّناة أو الغرباء، من الأشرار أو الفاسقين... أوَ تعتقد أنّ ذلك يؤثّر
على حركتها، ويقلّل من سخائها؟ وهل ستفقد قيمتها إن فعلَتْ؟
إنّك أنت تلك المياه الجارية، أيّها الإنسان. عبَرْتَ بذُرّيّةٍ من
الأجداد. منهم الصالح والمنافق، المتعلّم والجاهل، ذو المكانة الإجتماعيّة
أو السياسيّة أو المادّيّة العالية والإنسان البسيط، العاديّ، المُكتفي
وربّما الفقير؛ الخاطىء المتحجّر والخاطىء التائب، المتديّن المكابر
والمتديّن التَّقيِّ الوَرِع... لكنّك تكمل المسيرة وأنت ممتلىء مِن نِعَم
الله.
والسؤال، هل تمنعك سيرة الأجداد عن الإرتقاء؟ أو تُعيق سيرتهم مسيرتك في
الحياة؟!
هل تكتفي، كما اكتفى اليهود والفرّيسيّون، بسيرة ابراهيم جدّهم، وتغنّوا
بتقواه، كي يبرّروا معاصيهم، ويحلّلوا لأنفسهم ما هو محجوب عن الآخرين،
غارقين في مستنقع الماضي بإهمالٍ شديد قدرات كلّ إنسان بشخصه، مهمّشين
النُبْل الحقيقي للنفس الإنسانيّة؟!
سؤال آخر. أيّهما تحبّ أن تتذكّر: جَدًّا (أو جَدَّةً) لك، ارتكب معصيةً أو
مَذلّة؟ أم آخر كان صالحًا وله مكانةً رفيعة، أو ثريًا، أو ربّما فنّانًا
مشهورًا (فعالم اليوم يضجّ بالفنّ الفاقد الهويّة الراقية!)؟ هل هذا يغيّر
في نفسك شيئًا ما؟ (بالطبع سوف يتلاعب بشخصيّتك إن كنت من الّذين لا يثقون
بأنفسهم، فيعوّضون ذلك بالأقرب إليهم).
إذًا ، لا تَعْتَدّ بنفسك على حساب أجدادك وأمجادهم، كذلك لا تخجل ممّا
كانوا عليه، لأنّ كُلاًّ منّا هو قيمة بحدِّ ذاته، هو جوهرة ثمينة في يد
الخالق: فالذهب يبقى ذهباً وإن غمرته الوحول والإوساخ.
إنّك مِن صلب الماضي أتيت، إن تنَكَّبْتَه هوى بك أرضًا؛ لا تذب فيه كي لا
تبقى حيث أنت، غارقًا في "جمادك"، فاقدًا كلَّ قيمة لك. افتح عينيك على
مملكة المسيح الّتي أعلنها مذ وُلِد في التواضع من ذرّيّة داوود الملك،
فسَادَ مُلْك الحبّ والإرادة الخيّرة. كن متبصّرًا واخلع ثوب الكبرياء عنك
ولا تفتخر إلاّ بالإله المتأنّس، وإلاّ كنت ذلك الفرّيسيّ المُتَبجّح
المُكابِر في الهيكل. كن وردةً تعطي ما تملك بسخاء، لكلّ العابرين دون أن
استثناء، ولا تضنّ على أحد بعبيرها، فتجذب إليها الكثيرين لِكَرَمِها الّذي
يشير إليها، دون أن تستعيد ماضي سلالتها " العريقة"
أمَا إذا كنت تخجل بأجدادك، وقبعت تبكي ذاتك "وتندب حظّك"، فهذا أنّك ما
زلت لا تؤمن بعَملِ من كسر رتابة الماضي دون "أن ينكره أو يحتقره، معلّمًا
إيّاك الثقة بقدرته وبذاتك، التي هي منه، وما زلت تُنْكِر أيضًا مسيحيّتك
في عهدٍ جديد، ابتدأه يسوع معك ومعي بتجسّدٍ، فميلادٍ إلهيّ، وذرّيّة
بشريّة، كي يرفعنا من مغارة الإنسان العتيق إلى جبل الصعود في "اليومِ
الخمسسين".
|
المقدّمة والصلاة و تأمّل من وحي الرسالة والإنجيل من إعداد
الخوري نسيم قسطون
التأمّل الروحي |