زمن الميلاد المجيد
عيد الميلاد
(25 كانون الأول 2009)

الأيقونة من محفوظات أبرشيّة قبرص المارونيّة

 

::: مقدّمة :::

- نحتفل اليوم بعيد الميلاد حيث تدعونا الكنيسة، من خلال نصّين من الرسالة إلى العبرانيين ومن إنجيل لوقا، إلى تأمّل "طول أنات" الله على البشريّة و فيض محبّته لها الّذي تجلّى في تجسّد الكلمة الإلهيّ، ربّنا يسوع المسيح، في "أفقر" الظروف وأكثرها تواضعاً.
- في الرّسالة إلى العبرانيين، يتجلّى بوضوح "صبر" الله على البشر إذ إنّه، بعد أن "كَلَّمَ الآبَاءَ قَدِيْمًا في الأَنْبِيَاء، مَرَّاتٍ كَثِيرَة، وبأَنْواعٍ شَتَّى..." شاء "وفي آخِرِ هـذِهِ الأَيَّام" أن يكَلَّمَنَا في ابنه الوحيد، يسوع المسيح، المتواضع حتى درجة الامّحاء كما يتبيّن من الطريقة التي شاءها للتجسّد.
- أمّا في إنجيل لوقا فيتجلّى عمق المحبّة التي دفعت بابن الله إلى التجسد في مزودٍ حقير، حتى يجد كلّ إنسانٍ فيه العزاء والسلوان، مهما بلغ شقاؤه أو عذابه.
- في هذا الأحد، تدعونا الكنيسة إذاً، لنبادل الله المحبّة عبر عطف نظرنا إلى من هم أكثر بؤسٍ منّا وأكثر شقاءٍ منّا، حيث علينا أن نرى "صورة الله ومثاله"، لنخفّف من جراح كرامتهم!

 

::: صلاة :::

نَشكُرُكَ أيّها الآب السماوي، يا من أعدت الرجاء إلى دنيانا بميلاد ابنك الوحيد.
نشكرك أيّها الابن المسيح، يا من أعدت المحبّة إلى قلوبنا بتواضعك وامّحائك من أجلنا ومن أجل خلاصنا.
نشكرك أيّها الروح القدس، يا من تحيي الإيمان في نفوسنا، في كلّ مرّة نشارك بعمق في الافخارستيا حيث نذكر التجسّد والموت والقيامة.
هب لنا، اليوم، أن نعي عمق محبّتك لنا، أيّها الثالوث الأقدس، في هذا العيد، فنبادلها بمبادرات خير تجاه الفقير والمظلوم والمتألّم، فيتمجّد بنا وفي كلّ شيء، اسمك القدّوس، يا من تحيا وتملك إلى أبد الدهور، آمين.

 

::: الرسالة :::

1 إِنَّ اللهَ كَلَّمَ الآبَاءَ قَدِيْمًا في الأَنْبِيَاء، مَرَّاتٍ كَثِيرَة، وبأَنْواعٍ شَتَّى،
2 وفي آخِرِ هـذِهِ الأَيَّام، كَلَّمَنَا في الابْن، الَّذي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيء. وبِهِ أَنْشَأَ العَالَمِين.
3 وهُوَ شُعَاعُ مَجْدِهِ وصُورَةُ جَوهَرِهِ، وضَابِطُ الكُلِّ بَكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ. فَبَعْدَمَا أَتَمَّ تَطْهِيرَ الـخَطايَا، جَلَسَ عَنْ يَمِينِ الـجَلالَةِ في الأَعَالِي،
4 فَصَارَ أَعْظَمَ مِنَ الـمَلائِكَة، بِمِقْدَارِ ما الاسْمُ الَّذي وَرِثَهُ أَفْضَلُ مِنْ أَسْمَائِهِم.
5 فَلِمَنْ مِنَ الـمَلائِكَةِ قَالَ اللهُ يَومًا: "أَنْتَ ابْنِي، أَنَا اليَومَ وَلَدْتُكَ"؟ وقَالَ أَيْضًا: "أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا، وهُوَ يَكُونُ ليَ ابْنًا"؟
6 أَمَّا عِنْدَمَا يُدْخِلُ ابْنَهُ البِكْرَ إِلى العَالَمِ فَيَقُول: "فَلْتَسْجُدْ لَهُ جَمِيعُ مَلائِكَةِ الله!".
7 وعَنِ الـمَلائِكَةِ يَقُول: "أَلصَّانِعُ مَلائِكَتَهُ أَرْوَاحًا، وخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَار".
8 أَمَّا عَنِ الابْنِ فَيَقُول: "عَرْشُكَ يَا أَلله، لِدَهْرِ الدَّهْر، وصَولَجَانُ الاسْتِقَامَةِ صَولَجَانُ مُلْكِكَ.
9 أَحْبَبْتَ البِرَّ وأَبْغَضْتَ الإِثْم. لِذـلِكَ مَسَحَكَ إِلـهُكَ، يا أَلله، بِدُهْنِ البَهْجَةِ أَفْضَلَ مِنْ شُرَكَائِكَ".
10 ويَقُولُ أَيْضًا: "أَنتَ، يَا رَبّ، في البَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْض، والسَّمَاوَاتُ صُنْعُ يَدَيْك.
11 هِيَ تَزُولُ وأَنْتَ تَبْقَى، وكُلُّهَا كَالثَّوبِ تَبْلَى،
12 وتَطْوِيهَا كَالرِّدَاء، وكالثَّوبِ تَتَبَدَّل، وأَنْتَ أَنْتَ وسُنُوكَ لَنْ تَفْنَى".
13 وَلِمَنْ مِنَ الـمَلائِكَةِ قالَ اللهُ يَومًا: "إِجْلِسْ عَن يَمِينِي حَتَّى أَجْعَلَ أَعدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْك"؟
14 أَلَيْسُوا جَمِيعُهُم أَرْوَاحًا مُكَلَّفِينَ بِالـخِدْمَة، يُرْسَلُونَ في خِدْمَةٍ لِلَّذِينَ سَوْفَ يَرِثُونَ الـخَلاص؟
(عب1\ 1-14)

 

::: تأمّل من وحي الرسالة :::

تبدأ رسالة اليوم بالقول إنّ الله الآب جعل الابن" وَارِثًا لِكُلِّ شَيء. وبِهِ أَنْشَأَ العَالَمِين. وهُوَ شُعَاعُ مَجْدِهِ وصُورَةُ جَوهَرِهِ، وضَابِطُ الكُلِّ بَكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ. فَبَعْدَمَا أَتَمَّ تَطْهِيرَ الـخَطايَا، جَلَسَ عَنْ يَمِينِ الـجَلالَةِ في الأَعَالِي، فَصَارَ أَعْظَمَ مِنَ الـمَلائِكَة، بِمِقْدَارِ ما الاسْمُ الَّذي وَرِثَهُ أَفْضَلُ مِنْ أَسْمَائِهِم".
هذا الابن نفسه هو الّذي نراه اليوم مضجعاً في مزود لأنّ والديه "لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ في قَاعَةِ الضُّيُوف"، كما يقول الإنجيل!


يا لها من مفارقة:
• إبن الإله الّذي لم يبخل على العالم بل أَحَبَّه "... حتَّى إِنَّهُ جَادَ بِابنِهِ الوَحِيد، لِكَي لا يَهْلِكَ أَيُّ مُؤْمِنٍ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّة" (يو3/16)، لم يجد مكاناً ليأويه سوى المزود!
• إبن الإله الّذي خلق العالم وكلّ ما فيه لم يعامله العالم لا بالمِثِل ولا بأدنى منه حتى، ناهيكَ عمّا عاد وقاساه في الآلام والصلب ثمّ الموت على الصليب!
المزود والصليب هما ما "ردّ" بهما الإنسان "جميل" الله فبئس الوفاء!
من قالت عنه الرسالة إنّ عرشه "لدهر الدهر" نتذكّراليوم بأنّه "معَ كَونِهِ في صُورَةِ الله، لَمْ يَحْسَبْ مُسَاوَاتَهُ للهِ غَنِيمَة، بَلْ أَخْلَى ذَاتَهُ، مُتَّخِذًا صُورَةَ العَبْد، صَائِرًا في شِبْهِ البَشَر. ولَمَّا ظَهَرَ في هَيْئَةِ إِنْسَان، واضَعَ ذَاتَهُ، وصَارَ مُطِيعًا حَتَّى الـمَوْت، الـمَوْتِ على الصَّلِيب" (فيليبي 2/7) وكلّ ذلك "من أجلنا ومن أجل خلاصنا"!
لذلك نقف اليوم جميعاً أمام مزود يسوع لنسأل ذواتنا:
• كم مرّة ومرّة نرفض استقبال يسوع المسيح المتجسّد في القربان وفي كلمة الحياة؟
• كم مرّة نفتح بيوتنا وعقولنا ونفوسنا لمن يزرعون سموم الحقد والكراهية بأحاديثهم وسخافاتهم ونغلقها أمام من قال: "هَا أَنَا وَاقِفٌ عَلى البَابِ أَقْرَعُهُ، فَإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتي وَفَتَح البَاب، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وأَتَعَشَّى مَعَهُ ويَتَعَشَّى مَعي" (رؤ3/20)؟
• كم مرّة تولد في لقاءاتنا المؤامرات والمماحكات بدل أن يولد فيها ومن خلالها من قال: "طوبى لفاعلي السلام فإنّهم أبناء سيدعون أبناء الله " (متى 5/9)؟
وبمختصر مفيد، اليوم علينا أن نسأل ذواتنا بوضوح: إلى متى سنستمرّ في طرد يسوع من قلوبنا؟ وإلى متى سنستمرّ في إغلاقها أمام محبّة الله الّذي أعطانا كلّ شيء بينما نبخل نحن عليه بوقتنا ومحبّتنا ونشاطنا... ؟
فأمام مزود يسوع، أسأل ذاتي وأدعوكما مع ذاتي، أنتَ يا أخي وأنتِ يا أختي، لنختار: هل سنجعل قلبنا عرشاً يسكنه ابن الله، يشعّ منه دفء المحبّة والغفران؟ أم سنجعله كالمزود الحقيرٍ نائياً و بارداً ومتحجّراً كقلوب من رفضوا يسوع منذ تجسّده وحتّى الآن؟
 

نعم، هذا المزود الّذي اعتدنا رؤيته موجودٌ في كنائسنا وبيوتنا، كما الصليب، ليهزّ ضمائرنا وليذكّرنا بأننا نرفض يسوع في كلّ يوم آلاف المرّات ونتمنّى موته ملايين المرّات في شخصِ من نحتقرهم ونكرههم ونعذّبهم ممن دعاهم يسوع: "إخوتي الصغار" (متى 25/40).
ولكنّ هذا المزود عينه كما الصليب يقول لنا: لا تخافوا أن تعطوا قلوبكم إلى من صار بشراً لتعودوا أنتم إلى حضن الإله، أبناءً جديرين بالتبنّي الإلهي ( روم8/15،23)!
فمتى صار قلبنا عرشاً لله يمكننا الولوج إلى العيد الحقيقيّ في كلّ يوم تسكن فيه محبّة الله في قلوبنا فتنشد ألسنتنا وتشعّ من خلال شهادة حياتنا صرخة العيد: "ولد المسيح هللويا".

 

::: الإنجيل :::

1 وفي تِلْكَ الأَيَّام، صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أَغُوسْطُسَ قَيْصَرَ بِإِحْصَاءِ كُلِّ الـمَعْمُورَة.
2 جَرَى هـذا الإِحْصَاءُ الأَوَّل، عِنْدَمَا كانَ كِيرينيُوسُ والِيًا على سُورِيَّا.
3 وكانَ الـجَمِيعُ يَذهَبُون، كُلُّ واحِدٍ إِلى مَدِينَتِهِ، لِيَكْتَتِبوا فِيهَا.
4 وَصَعِدَ يُوسُفُ أَيضًا مِنَ الـجَلِيل، مِنْ مَدينَةِ النَّاصِرَة، إِلى اليَهُودِيَّة، إِلى مَدينَةِ دَاوُدَ الَّتي تُدْعَى بَيْتَ لَحْم، لأَنَّهُ كَانَ مِن بَيْتِ دَاوُدَ وعَشِيرَتِهِ،
5 لِيَكْتَتِبَ مَعَ مَرْيَمَ خِطِّيبَتِهِ، وهِيَ حَامِل.
6 وفِيمَا كانَا هُنَاك، تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِد،
7 فوَلَدَتِ ابنَهَا البِكْر، وَقَمَّطَتْهُ، وأَضْجَعَتْهُ في مِذْوَد، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ في قَاعَةِ الضُّيُوف.
8 وكانَ في تِلْكَ النَّاحِيَةِ رُعَاةٌ يُقِيمُونَ في الـحُقُول، ويَسْهَرُونَ في هَجَعَاتِ اللَّيْلِ على قُطْعَانِهِم.
9 فإِذَا بِمَلاكِ الرَّبِّ قَدْ وقَفَ بِهِم، ومَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ حَولَهُم، فَخَافُوا خَوفًا عَظِيمًا.
10 فقالَ لَـهمُ الـمَلاك: "لا تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِلشَّعْبِ كُلِّهِ،
11 لأَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ اليَوْمَ مُخَلِّص، هُوَ الـمَسِيحُ الرَّبّ، في مَدِينَةِ دَاوُد.
12 وهـذِهِ عَلامَةٌ لَكُم: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا، مُضْجَعًا في مِذْوَد!".
13 وانْضَمَّ فَجْأَةً إِلى الـمَلاكِ جُمْهُورٌ مِنَ الـجُنْدِ السَّمَاوِيِّ يُسَبِّحُونَ اللهَ ويَقُولُون:
14 "أَلـمَجْدُ للهِ في العُلَى، وعَلى الأَرْضِ السَّلام، والرَّجَاءُ الصَّالِحُ لِبَني البَشَر".
15 ولَمَّا انْصَرَفَ الـمَلائِكةُ عَنْهُم إِلى السَّمَاء، قالَ الرُّعَاةُ بَعْضُهُم لِبَعْض: "هيَّا بِنَا، إِلى بَيْتَ لَحْم، لِنَرَى هـذَا الأَمْرَ الَّذي حَدَث، وقَد أَعْلَمَنا بِهِ الرَّبّ".
16 وجَاؤُوا مُسْرِعِين، فوَجَدُوا مَرْيمَ ويُوسُف، والطِّفْلَ مُضْجَعًا في الـمِذْوَد.
17 ولَمَّا رَأَوْهُ أَخبَرُوا بِالكَلامِ الَّذي قِيلَ لَهُم في شَأْنِ هـذَا الصَّبِيّ.
18 وجَمِيعُ الَّذِينَ سَمِعُوا، تعَجَّبُوا مِمَّا قَالَهُ لَهُمُ الرُّعَاة.
19 أَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ هـذِهِ الأُمُورَ كُلَّهَا، وتتَأَمَّلُهَا في قَلْبِهَا.
20 ثُمَّ عَادَ الرُّعَاةُ وهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ ويُسَبِّحُونَهُ على كُلِّ ما سَمِعُوا ورأَوا، حَسَبَما قِيْلَ لَهُم.
(لوقا2\ 1-20)

 

::: تأمّل من وحي الإنجيل :::

"ولد لكم اليوم مخلص هو المسيح الرب"!
هذا ما قاله الملاك للرعاة وهذا ما يجب أن نسمعه عن المسيح ونتأمل به في هذا الوقت المبارك.
لقد طال انتظار البشرية لهذه البشرى التي تحققت أخيراً بيسوع المسيح. فالموعود به صار واقعاً والحلم صار حقيقة. إن يسوع إبن الله تجسد وصار إنساناً وشابهنا بكل شيء ما عدا الخطيئة، وكأنَّ الله بفعل التجسد لم يستطع أن يرى الإنسان مشوَّها بالخطيئة بل أراد أن يرسل ابنه الوحيد آدم الثاني لكي يخلصنا من خطيئتنا التي تميت ويعطينا الخلاص فنتحرّر من عبوديتنا للخطيئة ونصبح أبناء الله.
وهنا نسأل هل يستحق الإنسان هذا التجسد؟ هل يستحق أن يصير من أجله الإله إنساناً ليصبح هو أي الإنسان إلهاً؟
ولد لكم اليوم مخلص ... مضجعاً في مذود !
هل كان الله عاجزاً عن تأمين مكان مميز لولادة ابنه الوحيد؟ حتماً لا، فهذه الولادة تعطينا درساً في التواضع، ونكران الذات لأجل الأهم.
لقد ولد المسيح في قرية بيت لحم أي بيت الخبز، وفي مذود أي معلف الحيوانات، وهذا دليل على أن يسوع هو من اللحظة الأولى الخبز الحقيقي النازل من السماء، إنه من البداية مأكل حق ومشرب حق، فهل تأملنا يوماً بذلك؟
وإذا كان المسيح المنتظر مخلص العالم، ملك الملوك ورب الأرباب قد ولد في ذلك الوقت وبهذه الطريقة، فكيف لنا أن نتوقع ولادته اليوم؟
طبعاً إن يسوع لا يريد مكاناً فخماً ليولد فيه، ولا يهتم بالزينة المكلفة والغالية بل يرغب بالقلوب الطاهرة النقية المستعدة لاستقباله، فهل قلوبنا جاهزة لهذا الحدث؟
هل أفرغنا قلوبنا من الحقد والحسد والبغض و...لنستقبل الضيف السماوي في داخلنا؟
ولد لكم اليوم مخلص... هذه هي هدية السماء إلى الأرض. الهدية التي زفَّها الملاك للرعاة والتي ما من هدية أخرى تضاهيها، ولا يسع لمن ينالها إلا أن يفرح بها. إنها هدية الله للإنسان، فهل نرفض هذه الهدية؟
إن يسوع المتجسد ليس لديه موضع رأس، وحتى أهل بيته لم يهتموا له، فهل نحن مستعدّون لنكون مسكن الله الحي، وهلّا قبلناه في قلوبنا وبيوتنا ومجتمعنا؟ و أيضاً كيف نبادل الله عطيته لنا؟ هل نتجاهلها ونهتم بأمور كثيرة ثانوية بحياتنا أم عندنا الجرأة للخروج من الظلمة وملاقاة نور العالم يسوع المسيح؟
ولد لكم اليوم مخلص ... عبارة تأخذنا من مغارة بيت لحم الى القبر في أورشليم، فبين الولادة والموت رابط كبير. فالمغارة شبيهة بالقبر الفارغ الذي خرج منه يسوع منتصراً على الموت. والمذود المضجع فيه يسوع أشبه بالصليب الذي صُلب عليه، والقماطات التي لُفَّ بها يسوع شبيهة بالمسامير التي سمَّرته على الصليب. من هنا هذه البشارة تدلنا على أنّ المسيح المولود هو نفسه الفادي الذي سينتصر على الموت ويعطينا الخلاص. لذلك دعوتنا اليوم أن نهلل ونفرح بهذه الولادة !
ولد المسيح هليلويا!

 

::: تأمّل روحي :::

المجد لك

كنتُ أُصَلّي في لَيليَ الطويل، عَلّي أتلمَّسُ وجودك فيَّ، فَغُصْتُ في حلمِ يوسف، وحظوة مريم لدى الآب، وإذ بهما يرافقاني إلى مزودٍ صغيرٍ فيه طفلٌ، بالكاد استطعتُ النظرَ إليهِ لِشدَّةِ جَمالِه، وعَظَمة النورِ الذي انْبَثق من وجهه الصغير.

غَمَر الفرحُ كياني، حتىّ أنه أَنْساني حيرتي وضُعفي، وَجَعي وخَوفي، غامراً قلبي بسَلامِهِ...
تَأَمَلْتُكَ قدر استطاعَتي أيُّها الأزليّ، الكائن في جوهر الثالوث منذ الأزل، كيف أنَّك تَصاغَرْتَ فحللت بيننا، ولبسْتَ ناسوتنا، كي تُرَمِّمَ ما حطَّمَهُ الإنسان، من صورَةِ أبيكَ فيه، وأدركْتُ أنَّ السماءَ تَجَنَّدتْ كلُّها لِحَدَثِ الخلاص الكبير بتأنّسك، كي تُعيدَ للبشريّة، إبنَة المَلِكْ، كرامَتُها المفقودة، التي كان قد خَصَّها بها يومَ جَبَلَها و نَفَخَ فيها مِن روحِه.

يا ابن السماءِ، يا إلهاً من إله، كيفَ تَرَكْتَ عرْشَكَ كي تَأتيني، وأنا وَرَقَةُ وردٍ في مهَبِّ ريحْ؟! كيفَ عَرَفْتَني مِن بينِ البَلايينِ منَ الوُرَيقات، عَرَفْتَني بِشَخصي وأمسَكْتَ بِيدي، ثُم جَذَبْتَني إليك؟!
أدْهَشْتَني كيفَ تَتَعَرَّفُ على كلِّ ورقةٍ في بُستانِكَ، وكيفَ حَفَظْتَ اسمَ كلٍّ منها، وخَصَّصْتَها بفرادَةٍ لافِتَةٍ!

نعم يا حبيبي، ذلك أَنيّ نَظَرْتُ في عَينَيكَ كما لَم أَفْعَل أبداً، فرأَيتُ صورَتي فيهِما. فَرِحتُ، اقتَرَبتُ مِنكَ أكثر، وَوَدَدْتُ لو أضَع يدي في كفِّكَ! فَعَرَفْتَ مُنْيَة قلبي فَفَتَحْتَهُ، وإذ بي أرى ذاتي، مطبوعةً بالحبّْ، مُذْ كنتُ في الرحم.
عندها فقط أدركتُ لِمَ أنا أمامَكَ، وأنتَ معي. لِمَ وُلِدتِ في مذودٍ وأنت ملك الملوك وفاديها.
لقد وجدْتَني لا أُجيدُ التقرُّبَ منكَ، ولا أُدْرِكُ الإحساسَ بوجودِكَ داخلي. لقد تألّمت لِعدَمِ فَهْمي كُتُبَ الأنبياءِ وسُفَراءِ العهدِ القديمْ، مِن آدمَ حتى اليومْ. وبَكَيْتَ موتيَ البطيءْ؛ فَلَمْ ترضَ أن أبقى في ظُلمةِ جَهْلي وتَحَجُّرَ قلبي، لأنّني قِطْعَةٌ مِنكْ.

لقد خِفتَ عليّ أكثَرَ مِن خوفي على ذاتي أيُّها الحبيب، فتأَنَّستَ كي تُدْرِكَكَ بَصيرتي ويلمُسكَ قلبي، ثم تَرَكتَ لي روحَكَ القدّوس كي يُضرِمَ نارَكَ فيَّ ويقودُ خطَواتي، فلا أَعُد أجزَعُ ولا أتعثَّرّْ!...
في تلك الساعة، تحوَّلتْ صلاتي إلى ترنيمِ فرَحٍ، وتهليلْ، ثم، دونَ أن أَدري، عَلَتْ نَغَماتي في مَضْجَعي لِتَنضَمّ إلى الساروفيم والكاروبيم في نشيدِ مجدٍ، لَخَّصَ رِسالةَ "السلام في الأرض لِمن أرضوك، ومجدَّكَ في الأعالي!.."
وُلِد المسيح ، هلليلويا.

 

المقدّمة والصلاة و تأمّل من وحي الرسالة

من إعداد

الخوري نسيم قسطون
(منسّق النشرة)

nkastoun@idm.net.lb

 

تأمّل من وحي الإنجيل
من إعداد
الخوري رولان معربس
(خادم رعيّة سيّدة الانتقال – القبيّات، الضهر)
roland_mou3arbes@hotmail.com

 

التأمّل الروحي
من إعداد
السيدة جميلة ضاهر موسى
Jamileh.daher@hotmail.com